اللامعقول الذي صار معقولاً: عما جرى في مقبرة الشجاعية

عندما قرأت ما كتبه الناشط سعيد محمد الكحلوت يوم الاثنين ٢٦/ ١/ ٢٠٢٦ تذكرت قصص أكرم هنية المبكرة في مجموعته الأولى «السفينة الأخيرة.. الميناء الأخير» (١٩٧٩).
ما كان خيالا وقرأناه في القصص يتحقق على أرض الواقع.
كتب سعيد:
[تخيل أنك ميت في قبرك، تكمل بهدوء رحلة الغياب، وفجأة – هكذا فجأة – يُفتح عليك غطاء الضريح، ثم يُزاح الكفن عن تفاصيل العدم، وتمتد الأيادي على دفعات: هذا يكسر عظمة فكك، وهذا يزيح ما تبقى من عظام فخذك، وذاك يمسح بمادة لزجة بقايا جمجمتك.
​ثم تحملك أيادٍ عملاقة تلقي بك خارج القبر.. تضربك الشمس، وفي الليل يصير ما تبقى فيك من لحم جاف عشاءً لكلب ضال استطاع أن يصل إليك، بعد أن يئس من أن يجد أي قطعة لحم من أجساد رفاقك الموتى في ذات المقبرة.
​في الصباح، سيحتفل العالم أنه قد وجد أخيراً الجثة الأخيرة التي أعاقت تقدمه، ورفعت سعر الذهب، وكانت سبباً في كل مشكلات كوكب الأرض!
​ماذا عنك وقد صرت عظاماً مبعثرة خارج قبرك المؤقت؟!
​أنت رقم؛ سيقال: (كان في المقبرة 300 جثة، وقد استطعنا بفضل رعاية الرب ودعم العالم الحر الوصول للجثة المطلوبة). هل رأيت نفسك في هذا الرقم؟ 300 جثة، وما أنت إلا بعض عظام أخذت رقم 7، أو 67، أو حتى 89.. لا يهم، المهم أنك رقم عابر ينساك العالم.
سينتهي المشهد، ويُغلق الملف، ويُشطب الرقم من كشوفات (المؤقت) ليُقيد في كشوفات (الدائم). ستبقى أنت (بقايا رقم)، وسأبقى أنا أبحث بين القصص عن إنسان كان يحب الحياة ويسمع الموسيقى ويحفظ الشعر ويرقص كلما اقتحم الفرح حياته وربما مات جائعا. وقد كان له اسم لا يتسع له رقم.]،
والدكتور سعيد محمد الكحلوت هو أخصائي الصحة النفسية وكاتب من غزة/ فلسطين وناشط كتب في المقتلة باستمرار وكنت أتابع منشوراته.
ما كتب عنه ليس خيالا أو من أدب اللامعقول، مع أنه بدأ منشوره يخاطب القارئ بالفعل «تخيل أنك»، وكانت مناسبة كتابته بحث جيش الاحتلال الإسرائيلي في اليوم المشار إليه عن جثة الإسرائيلي الأسير الأخيرة في غزة. وفي الموضوع، كتب كثيرون عن موتانا وموتى الإسرائيليين وعن جثث الفلسطينيين وجثث اليهود وكيفية التعامل معها، وكتب عديدون متسائلين إن كان تسليم الجثة الأخيرة سينعكس إيجابا على حياة المواطنين. من ذلك ما كتبه الصحافي محمد الذهبي ساخرا:
[بعد استعادة آخر جثمان في قطاع غزة الذي تم سحقه ومحقه وذبحه بدون مقابل..
الإنجاز الوحيد إني اشتريت ثلاث أناناسات بعشرة شيقل، آه كمان غرقوا البلد أفوكادو وناقص يدخلولنا مشروبات من اللي بالي بالك علشان تزهزه معنا عالآخر.. ورغم الأناناس والأفوكادو والشوكولاتة والصودا، لساتها المستشفيات ما فيها أدوية، ولساتنا عاطلين عن العمل، عن الحب، عن الأمل، وعن الحياة! الله يرحمك يا أحمد زكي؛ كله في الهجايص!] وكما ذكرت، فإن نص الكحلوت أعادني إلى قصص هنية التي قرأت أولاها قبل أن أتعرف إليه، وكتبت عنها يوم صدورها عن منشورات مكتبة شروق للكاتب أسعد الأسعد، ونشرته في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية، وقد التفت فيها إلى توظيف المخيلة للكتابة عن الواقع، وفيها تنبأ كاتبها بضياع القدس وتهويدها، فقد صحا أهل المدينة ذات نهار ولاحظوا سرقة قبة الصخرة، ومرة ثانية كتبت عن هذا تحت عنوان «الأدب والنبوءة» متناولا القصة «بعد الحصار قبل الشمس بقليل» (٢٨ / ٧ / ٢٠١٧) وكنت حللت القصة كاملة.
وأنا أقرأ عما فعله الإسرائيليون في مقبرة الشجاعية تذكرت قصة «تلك القرية.. ذلك الصباح»، وهي قصة تحكي حدثا متخيلا يتمثل في مصادرة إسرائيل مقبرة فلسطينية لإقامة مستوطنة عليها، وفي المقبرة ميت هو أبو محمود القاسمي.
يحس القاسمي بضجة غير عادية، فيفتح عينيه قليلا ويصغي بهدوء ليعود من ثم إلى إغلاقهما، متوقعا أن الصمت سيسود مرة أخرى، ولكن الضجة تتصاعد فيتأفف قائلا:
«- حتى الموتى لا يستطيعون النوم بهدوء».
صحوة «أبو محمود» كانت بعد عشرين عاما من وفاته. ينظر حوله فيرى عالما آخر. حتى بيته لا يراه فقد تهدم. يرى جرافة ضخمة تنتهك حرمة المقبرة يسوقها رجل ليس من القرية. إنه رجل تبدو ملامحه أشبه باليهود. يستبد الفضول بـ»أبو محمود» يريد أن يعرف ماذا يحدث، وحين يصرخ جندي لمرآه، ويطلب منه التوقف يسأله: من أنت؟ فيرد: ومن أنت؟
ماذا سيفعل الإسرائيليون مع الميت القادم من قبره؟ أيسجنونه؟ كيف يسجنون رجلا خرج من القبور؟
الأهم مما سبق هو إزالة المقبرة، ويقرر الحاكم العسكري إبعاده إلى الضفة الأخرى، وهو ما يرفضه أبو محمود الذي يلقي بنفسه في النهر.
هل حدث شيء من هذا في مقبرة الشجاعية؟
ربما! ولكن الأهم من استرجاع جثة الإسرائيلي الأسير هو إبعاد أبو محمود القاسمي إلى الضفة الأخرى، وفي حال وضع أهل قطاع غزة فهو تهجيرهم أولا وأخيرا، وهذا ما كان يفكر فيه الإسرائيليون منذ خمسينيات القرن العشرين وكتب عنه الشاعر معين بسيسو الذي مرت ذكرى وفاته قبل أيام. هل تذكرون كتابه «دفاتر فلسطينية»؟
المطلوب هو «أرض أكثر وعرب أقل».

المصدر:https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/423123/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B9%D9%82%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9%D9%82%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D9%85%D8%A7-%D8%AC%D8%B1%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A8%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AC%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwY2xjawPuBS1leHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEegYG_VwYHQ2H-77l9TdyguRCejXbm3T62PpYOCllB5thaXBuISXxEyrvJYd4_aem_nts2_eHa6Hxb7ibNS7PTeA

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

ضباب فوق جبل النجمة

المكان الذي كان، ولا يزال يعرف خطوات الحالمين، العابرين، ويخبأ أسماء من بقوا. ليس جبلاً، …