نادين غورديمير
ترجمة محمود الصباغ
1
لسنا مزارعين حقيقيين، أنا وليريس؛ ولا حتى ليريس في الحقيقة. ابتعنا عقارنا، الواقع على بعد عشرة أميال من جوهانسبرغ عند إحدى الطرق الرئيسة، رغبةً منا في تغيير شيء ما في دواخلنا، فيما أظن. يضطرب المرء كثيراً، ويتحرق شوقاً لسماع صمت عميق مُرضٍ حين يسبر أغوار زواج كزواجنا. لم تمنحنا المزرعة ذلك الصمت بالطبع، لكنها منحتنا أشياء أخرى غير متوقعة، وغير منطقية.
ليريس، التي ظننتُ اعتكافها هناك في حزن يشبه حزن أبطال قصص أنطون تشيخوف، لشهر أو شهرين ثم ترك المكان للخدم لتعاود محاولة الحصول على دور ترغب فيه وتصبح الممثلة التي تنشدها، أراها قد انهمكت في إدارة شؤون المزرعة بكل تلك الجدية الحادة التي منحتها سابقاً لظلال أفكار كاتب مسرحي. لولاها، لتخليتُ عن المزرعة منذ زمن بعيد. يداها اللتان كانتا صغيرتين وبسيطتين ونظيفتين-إذ لم تكن من صنف الممثلات اللواتي يضعن الطلاء الأحمر وخواتم الماس، رغم اعتناءها بأصابعها- غدتا صلبتين كأخفاف الكلاب من كثرة انشغالها بأعمال المزرعة.
اقتصر وجودي هناك في الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع فقط. أشارك في وكالة سفريات فاخرة مزدهرة؛ ولا بد لها من الازدهار-كما أخبر ليريس- لإعالة المزرعة. ورغم علمي بعجزنا عن تحمل تكاليفها، ورغم إثارة الرائحة النفاذة للدواجن التي تربيها ليريس غثياني، ما يدفعني لتجنب المرور بحظائرها، تبدو المزرعة جميلة بجمال كدتُ أنساه؛ لا سيما صباح يوم الأحد حين أنهض وأخرج إلى الحظيرة، فلا أرى أشجار النخيل وبركة السمك ومَشرَب الطيور الحجري الزائف الموجود في الضواحي، وأرى إزاء ذلك، البط الأبيض في السد*، وحقل البرسيم المتألق كعشب واجهات المحال التجارية، والثور الصغير القوي ذا العينين اللئيمتين، يضج شهوةً وضجراً، فيما تلعق إحدى “سيداته” وجهه بحنان. تخرج ليريس بشعر غير ممشط، تحمل بيدها عصاً تقطر سائلاً من مبيد الماشية. تقف وتحدق ساهمة للحظة، بتلك الطريقة الحالمة التي كانت تتظاهر بها أحياناً في تلك المسرحيات، وتقول: “سيتزاوجان غداً، هذا يومهما الثاني. انظر مقدار حيها له، آه يا صغيري المحبوب نابليون”.
لذا، حين يزورنا الناس عصر الأحد، أسمع نفسي أقول وأنا أسكب المشروبات: “حين أقود سيارتي عائداً من المدينة يومياً، ماراً بصفوف منازل الضواحي تلك، أتساءل كيف أطقنا تحملها… هل ترغبون في التجول حول المكان قليلاً؟.
وها أنا ذا، أرافق فتاة جميلة وزوجها الشاب يترنحان في سيرهما نزولاً نحو ضفة النهر، وتعلق جوارب الفتاة بأكوام الذرة، وتتخطى روث البقر الذي يطوف فوقه موجة من ذباب أخضر طنان لامع، وهي تقول: “… توترات تلك المدينة اللعينة. وأنتم قريبون بما يكفي للذهاب إلى عرض مسرحي أيضاً! أظن هذا رائعاً. نلتم الخيارين معاً!”.
وللحظة، أقبل هذا الانتصار وكأنني حققته؛ ذلك المستحيل الذي حاولتُ نيله طيلة حياتي، وكأن الحقيقة تكمن في إمكانية نيل “الخيارين معاً”، بدلاً من إيجاد نفسك مفتقراً لهذا الطريق أو ذاك، وواقعاً في طريق ثالث لم تحسب له حساباً قط.
لكن حتى في لحظات تعقلنا، حين أجد حماسة ليريس العفوية مزعجة بقدر حماستها المسرحية السابقة، وحين تجد هي ما تسميه “غيرتي” من قدرتها على الحماس دليلاً قاطعاً على عدم كفاءتي شريكاً لها، نؤمن بنجاحنا في الهروب بصدق من تلك التوترات الخاصة بالمدينة التي يتحدث عنها زوارنا. حين يتحدث سكان جوهانسبرغ عن “التوتر”، فهم لا يقصدون زحام الشوارع، والوجوه المتعجلة في الشوارع المكتظة، أو الصراع على المال، أو الطبيعة التنافسية للحياة الحضرية. هم يقصدون الأسلحة المخبأة تحت وسائد الرجال البيض، والقضبان الحديدية المثبتة على نوافذهم. هم يقصدون تلك اللحظات الغريبة على أرصفة المدينة حين يرفض رجل أسود التنحي جانباً لرجل أبيض.
في الريف، حتى على بعد عشرة أميال، تبدو الحياة أفضل من ذلك. ثمة بقايا متبقية من مرحلة ما قبل التحول؛ علاقتنا بالسود إقطاعية تقريباً. علاقة خاطئة، أظن، وعفا عليها الزمن، لكنها أكثر راحة للجميع. ليس لدينا قضبان حديدية ولا أسلحة. عمال ليريس يعيشون مع زوجاتهم وأطفالهم في الأرض. يخمرون بيرة الذرة الحامضة دون خوف من مداهمات الشرطة. في الواقع، طالما فخرنا بانتفاء أسباب الخوف لدى هؤلاء المساكين بوجودهم معنا؛ حتى أن ليريس تراقب أطفالهم بكفاءة امرأة لم تنجب قط، وتعالجهم جميعاً كلما مرضوا -صغاراً وكباراً- كما لو أنهم أطفال رضع.
ولهذا السبب لم نرتعب كثيراً ذات ليلة من الشتاء الماضي حين جاء الصبي ألبرت يطرق نافذتنا بعد وقت طويل من ذهابنا إلى الفراش. لم أكن في سريرنا، بل كنتُ نائماً في غرفة الملابس الصغيرة المجاورة، لأن ليريس أزعجتني، ولم أرغب في اللين تجاهها لمجرد رائحة بودرة “الطلق” الزكية التي كانت تفوح من بشرتها بعد استحمامها.
هرعت نحوي وأيقظتني قائلة: “يقول ألبرت إن أحد الصبية مريض جداً. أظن من الأفضل أن تنزل ينفسك لترى الأمر. لن يوقظنا في هذه الساعة لولا أهمية الأمر”.
-“كم الساعة؟”.
-“ماذا يهم؟”. هكذا هي ليريس، منطقية بصورة تثير الجنون.
نهضتُ بتثاقل وهي تراقبني؛ لماذا أشعر دائماً بالحمق حين أهجر فراشها؟ على أية حال، أعرف من طريقتها في تجنب النظر إلي وهي تحدثني عند الإفطار في اليوم التالي شعورها بالجرح والإهانة حين ادير لها ظهري كعلامة على عدم رغبتي فيها، وخرجتُ مترنحاً من أثر النوم.
سألت ألبرت ونحن نتبع ضوء مصباحي اليدوي المتراقص: “أي الصبية هو؟”.
-“إنه مريض جداً. مريض جداً يا زعيم”**
-“لكن من؟ فرانز؟”. ثم تذكرتُ أن فرانز يعاني من سعال شديد منذ أسبوع.
لم يجب ألبرت؛ أفسح لي الطريق، ومشى بجانبي في العشب الطويل الجاف. حين التقط ضوء المصباح وجهه، رأيتُ ارتباكاً شديداً يعلوه. سألته: “ما الأمر؟”.
خفض رأسه مبتعداً عن الضوء وقال: “لستُ أنا يا زعيم. لا أدري. بيتروس أرسلني”.
شعرت بالضيق، فحثثته على الإسراع إلى الأكواخ. وهناك، على سرير بيتروس الحديدي المرتكز على قوالب الطوب، رقد شاب ميت. كان عرق بارد خفيف لا يزال على جبهته، وجسده دافئ. وقف الصبية صامتين حوله، وثد بدا عليه بعض الإحراج، كما لو أنهم يقفون في المطبخ وقد اكتشفت أن أحدهم كسر طبقاً.
وقفت زوجة أحدهم في الظلال، تعتصر يديها تحت مئزرها. لم أرَ ميتاً منذ الحرب. بدا هذا مختلفاً. شعرتُ كباقي الآخرين؛ بأني غريب وزائد عن الحاجة، وعديم الفائدة. سألت: “ماذا حدث؟”.
ربتت المرأة على صدرها وهزت رأسها كأنها تشير إلى استحالة التنفس وشدة الألم. لا بد أنه مات بالتهاب رئوي.. هكذا تكهنت وأنا التفت إلى بيتروس وأساله “من هذا الصبي؟ وماذا يفعل هنا؟”. كانت شمعة موضوعة على الأرض تلقي ضوءً خافتاً على وجهه. في ذلك الوميض العابر رأيته يبكي. خرجت من الكوخ وتبعني. وقفنا في الظلام، وانتظرت كلامه، لكنه ظل ساكناً، مطأطئ الرأس
– هيا يا بيتروس، أخبرني، من يكون هذا الفتى، وما قصته؟ هل هو صديقك؟
رفع عينيه وقال بصوت بالكاد يُسمع
-إنه أخي يا “زعيم”.. شقيقي جاء من “روديسيا” يبحث عن عمل.
2
أذهلتنا القصة ولو قليلاً، ليريس وأنا. قطع الفتى المسافة من روديسيا إلى جوهانسبرغ سيراً للبحث عن عمل. وقد أصابه البرد-كما يبدو- جراء النوم في العراء على الطرقات، ورقد مريضاً في كوخ شقيقه منذ وصوله قبل ثلاثة أيام. خشي عمالنا طلب المساعدة لرغبتهم في عدم كشف أمره. فالقانون يمنع دخول السكان الأصليون من روديسيا إلى الاتحاد دون تصريح.
ومن الواضح أن الشاب مهاجر غير شرعي. ولا شك أن عمالنا نجحوا في تدبير أمور مماثلة سابقاً؛ ولابد أن أقارب كثير سبق لهم أن قطعوا مئات الأميال هرباً من الفقر إلى فردوس الرفاهية والثراء*** المزعوم: إيغولي****، مدينة الذهب، ومداهمات الشرطة، وضواحي الصفيح الفقيرة التي يقطنها السود.
عادة ما كانت تتم الأمور بهذه الطريقة، يحضر أحدهم من روديسيا فيعبر الحدود بشكل غير شرعي؛ ثم يختبأ في إحدى المزارع، مثلما حصل معنا تماماً، ويبقى متخفياً حتى يعثر له أحدهم على عمل عند شخص لا يمانع من المخاطرة في توظيف مهاجر غير شرعي لم يتلوث بطباع المدينة. وهذا ما حصل للفتى… لكنه لن يقوم ثانية.
حسناً، هذا فتى لن يقوم مرة أخرى أبداً
في صباح اليوم التالي، بادرتني ليريس بسؤال بعينين متقدتين، عما إذا كام بوسعهم إخبارنا، بمجرد مرض شقيق بيتروس. كان الأحرى بهم فعل ذلك على الأقل بمجرد أن ساءت حالته.
حين تتحمس ليريس لأمر ما، تقف في منتصف الغرفة كمن يهم بالرحيل، تحدق بالأشياء المألوفة حولها كأنها تراها للمرة الأولى، وكأنها على وشك الانطلاق في رحلة قصيرة.
لاحظت ذلك في وجود بيتروس في المطبخ سابقاً، بدت كأنها تشعر بالإهانة منه، أو الجرح.
على أية حال، لم أملك الوقت أو المزاج للخوض في كل تفاصيل حياتنا التي تود ليريس الغوص فيها. أعرف ذلك من نظراتها الملحة والقلقة، من تلك العيون التي تكاد تتوسل. هي من النساء اللواتي لا يمانعن في الظهور بمظهر عادي أو غريب، ولا أظنها تهتم بمعرفة مقدار غرابة وجهها حين يطغى عليه القلق وعدم اليقين. قلت لنفسي، أو ربما لها: ” سأتولى كل الأعمال القذرة، كما يبدو”.
ظلت تحدق بي. تختبرني بعينيها -يا لها من مضيعة للوقت لو علمت.
قلت بهدوء محاولاً عدم فضح تمللي: “سأضطر لإخطار السلطات الصحية. لا يمكنهم أخذ الجثة ودفنها هكذا. ففي النهاية، ما زلنا لا نعرف سبب وفاته”
ظلت واقفة هناك بمكانها صامتة، كأنها استسلمت، وتوقفت عن رؤيتي تماماً.
لم أعش شعور الغضب هذا منذ زمن طويل. فقلت دون انتظار جواب منها “قد يكون شيئاً معدياً، من يدري؟”… وطبعا لم ترد. لستُ من محبي الحديث مع نفسي. دلفت إلى الخارج لأصرخ في أحد الفتيان أن يفتح المرآب ويجهز السيارة لجولتي الصباحية إلى المدينة.
3
ومثلما توقعت، تبين لي أن الأمر كان معقداً ويحتاج وقتاً وجهداً كبيرين. كان علي إخطار الشرطة والسلطات الصحية، والإجابة على الكثير من الأسئلة المملة: كيف لم أعلم بوجود الصبي؟ وإذا لم أكن أشرف شخصياً على مساكن العمال، فكيف علمت أن أموراً من هذا النوع لا تحدث طوال الوقت؟ .. وغيره وغيره كثير من الأسئلة. وعندما انفجرت وأخبرتهم أنه طالما يقوم عمالي بأشغالهم على أكمل وجه، فليس من حقي أو من شأني التدخل في أمورهم الخاصة، رمقني رقيب الشرطة الفظ والبليد بنظرة تمزج بين الازدراء والبهجة لغبائي، نظرة لا تنبع من أي تفكير حقيقي، بل من ذلك الفهم الغريزي المشترك للمؤمنين بنظرية التفوق العرقي. تلك النظرة الممزوجة باليقين الغبي الجنوني.
ثم كان علي أن أشرح لبيتروس لماذا يتوجب على السلطات الصحية أخذ الجثة لإجراء التشريح اللازم للتعرف على سبب الوفاة، وأن أشرح له ما معنى “التشريح” أصلاً.
بعد أيام، اتصلت بدائرة الصحة لأعرف نتيجة الفحص والتشريح، فقيل لي إن سبب الوفاة الالتهاب الرئوي، كما ظننا، وأن الجثة قد “جرى التعامل معها على النحو المناسب”.
خرجت إلى الفناء، حيث كان بيتروس يخلط العلف للدجاج، وأخبرته أن كل شيء على ما يرام، وأنه لن تكون هناك أية مشكلة؛ فشقيقه مات بسبب ذلك الألم في صدره.
وضع بيتروس صفيحة الكيروسين جانباً وقال بهدوء “متى يمكننا الذهاب لإحضاره يا “زعيم”
-إحضاره؟!
-هل يتكرم “الزعيم” بسؤالهم متى يجب علينا الذهاب لإحضاره؟
عدت إلى الداخل وناديت ليريس، في أرجاء البيت، فأتت تهبط الدرج المؤدي من جهة غرف الضيوف، ولما وقفت أمامي قلت: “أخبريني الآن، ماذا علي فعله؟ عندما أخبرت بيتروس ما قالته السلطات، سألني بهدوء متى يمكنهم الذهاب وجلب الجثة. يظنوا أنهم سيقومون بدفنه بأنفسهم”.
-عد وأخبره بحقيقة الأمر.. عليك أن تفعل، لماذا لم تخبره في حينه؟.
خرجت من جديد، ولما وجدته، رفع نظره نحوي بأدب، فقلت: “انظر يا بيتروس.. لا يمكنك إحضاره. لا يمكن.. لقد دفنوه، لقد فعلوا ذلك، هل تفهم ما أقول”؟
-أين دفنوه؟ قالها ببطء وبنغمة خافتة خالية من الحياة، كما لو يظن أنه أساء الفهم.
-كما ترى، لقد كان غريباً عن المنطقة. عرفوا أنه ليس من هنا، ولم يعلموا أن له أهلاً يقيمون في الجوار، فرأوا أنه لا بد من دفنه هناك على طريقتهم”.
كان من الصعب أن أجعل “قبر الفقراء” يبدو كأنه امتياز.
– أرجوك يا “زعيم”، اسـألهم، أرجوك أن تفعل، على “الزعيم” فعل ذلك.
لكنه لم يكن يقصد معرفة موضع القبر. لم يكن يعني ما ظننته. كان يتجاهل كل تلك الآليات الغامضة التي أخبرته أنها تولت أمر شقيقه الميت، كان يريد فقط أن يعود شقيقه إليه.
– ولكن يا بيتروس، كيف يمكنني ذلك؟ لقد دفن أخوك بالفعل، لا أستطيع سؤالهم الآن.
“آه، يا “زعيم”! قالها بصوت متهدج، ووقف ويداه الملطختان بالعلف متراخيتان على جانبيه، وقد بدأت ترتعش إحدى زوايا فمه.
– يا إلهي يا بيتروس، لن يصغوا إلي! ولا يمكنهم أن يفعلوا ذلك بأي حال. أنا آسف، ولكن لا أستطيع. هل فهمت”؟ قلت ذلك محاولاً أن أبدو حازماً وأنا أكاد أختنق من شدة الضيق.
ظل يحدق فيّ بتلك النظرة التي يعرفها كل من عاش طويلاً بيننا؛ نظرة تنطلق من يقينه بامتلاك الرجل الأبيض لكل شيء، وقدرته على فعل أي شيء؛ وامتناعه عن ذلك ليس أكثر من عدم رغبته فحسب.
وبعد ذلك، عند العشاء، بدأت ليريس الحديث فجأة: ” كان يمكنك على الأقل الاتصال بهم هاتفياً “. فانفجرت قائلاً
– بربك يا ليريس، ماذا تظنينني؟ أتراكِ تتوقعين مني إعادة الموتى للحياة؟
لكنني عجزت عن التملص من هذه المسؤولية السخيفة التي ألقيت على عاتقي، وعادت ليريس إلى الحديث قائلة:
– طيب! اتصل بهم.. على الأقل، وبهذا تكون قد فعلت ما بوسعك، وسيكون لديك ما تخبره به.. وسيشرحون لك استحالة استعادة الجثة. قالت ذلك ثم اختفت، بعد القهوة، في أركان المطبخ قبل أن تعود بعد لحظات وتخبرني أن “الأب العجوز قام من روديسيا لحضور الجنازة. لقد حصل على تصريح وهو في طريقه فعلاً إلى هنا”.
ولكن لسوء الحظ، لم يكن استرجاع الجثة مستحيلاً كما توقعت. فقد أوضحت لي السلطات أن الأمر ينطوي على مخالفة إجرائية بسيطة، ولكن بما أن الشروط الصحية قد استوفيت، فلا يمكنهم رفض الإذن بنبش القبر واستخراج الجثمان. وعرفت منهم، لاحقاً أن التكاليف، مع أجور متعهد الدفن، تبلغ عشرين جنيهاً. فقلت في نفسي: آه.. حسنٌ، هذا يحسم الأمر. فبيتروس الذي لا يتجاوز دخله خمسة جنيهات شهرياً، لن يكون قادراً على جمع عشرين جنيهاً، وربما كان ذلك أفضل، إذ لا معنى لهدر هذا المال على الموتى. وبالطبع، لم يخطر ببالي أن أقدم المبلغ من جيبي، عشرون جنيهاً، أو أي مبلغ آخر ولو في حدود المعقول. ولو يعود الأمر لي كنت لأنفقه دون تردد على طبيب أو دواء ربما أنقذا الصبي وهو حي. ولكن بعد أن مات، لا نية لدي لتشجيع بيتروس على تبديد مبلغ يفوق ما يكسو به أسرته كلها لعام كامل، من أجل نزوة أو بادرة رمزية لا طائل منها. وحين أخبرته، في المطبخ في تلك الليلة، قال:
-عشرين جنيهاً؟
– نعم، هذا صحيح، عشرين جنيهاً. وشعرتُ، للحظة، من مظهر وجهه، وملامحه، أنه كان يحسب المبلغ في ذهنه. لكنه عندما تكلم مجدداً، ظننت أنني ربما توهمت، فقد قال بصوت بعيد، كأنه يتحدث عن شيء بعيد المنال، لا يحتمل مجرد التفكير فيه:
-علينا دفع عشرين جنيها!.
– لا بأس يا بيتروس.. لا بأس
ثم عدت إلى داخل البيت
في صباح اليوم التالي وقبل ذهابي إلى المدينة، طلب بيتروس رؤيتي، ولما التقينا، قال متلعثماً وهو يناولني بارتباك واضح رزمة من الأوراق النقدية:
-من فضلك، يا “زعيم” خذها
في العادة هم من يكونوا في هذا الجانب، أي جانب من يتلقى النقود وليس من يدفعها. نادراً ما يكون أمثالهم في موقع “المانح” وليس “الآخذ”، أمثال هؤلاء المساكين هم من اعتادوا تلقي النقود لا دفعها، ولهذا لم يعرف بيتروس حقاً كيف يناول المال لرجل أبيض.
كانت هناك العشرون جنيهاً كاملةً، من فئتي الجنيه ونصف الجنيه، بعضها مجعد ومطوي حتى صار ليناً كالخرق المتسخة، وبعضها الآخر أملس وجديد نسبياً. قلت في نفسي نقود من هذه؟ من أين جمعها؟ هل هي من فرانز؟ أم من ألبرت؟ أم من الطاهية دورا، ويعقوب البستاني، وربما من آخرين لا يعلمهم إلا الله، بل ربما من جميع المزارع والحواكير الصغيرة المحيطة في الجوار.
تناولت المبلع بنوع من الانزعاج الواضح أكثر من الدهشة، بل في الواقع بضيق شديد من هذا الهدر العبثي، ومن تضحيتهم البائسة وهم الغارقون في الفقر المدقع. تماماً مثل الفقراء في كل مكان.. حين يضيّقون على حياتهم ويحرمون أنفسهم من أبسط ما يجعل الحياة محتملة، ليضمنوا لأنفسهم شيئاً من “كرامة الموت” بطريقة لائقة. كم يبدو هذا عصياً على الفهم بالنسبة لأمثالنا، أنا وليريس، نحن الذين ننظر إلى الحياة كأنها شيء يمكن إنفاقه بسخاء وإسراف، أما الموت.. إن خطر ببالنا، فهو في نظرنا الإفلاس الأخير والنهائي.
4
في العادة لا يعمل الخدم عصر السبت، لذلك بدا اليوم مناسباً للجنازة. استعار بيتروس ووالده عربتنا مع الحمار، وانطلقا إلى المدينة لإحضار التابوت. وعندما عادا، أخبر بيتروس ليريس أن الأمور سارت على ما “يرام”، لقد كان التابوت، بانتظارهما مغلقاً بإحكام كي لا يضطرا إلى مواجهة المنظر الكريه الذي لا بد أنه حل بالجثة، خاصة وقد مضى نحو أسبوعين كاملين على دفنها. (استغرق الأمر كل ذلك الوقت لإنهاء السلطات ومتعهد الدفن الترتيبات الرسمية لاستخراجها ونقلها)
كان التابوت يرقد طوال صباح ذلك السبت في كوخ بيتروس، في انتظار الرحلة إلى المقبرة الصغيرة القديمة الواقعة عند الطرف الشرقي لمزرعتنا، تلك البقعة الباقية من الأيام التي كان فيها هذا المكان منطقة زراعية حقيقية، قبل أن يتحول إلى ضيعة ريفية أنيقة.
وكان من قبيل الصدفة البحتة أن وجدت نفسي هناك، قرب السياج، حين مر الموكب. فقد نسيت ليريس وعدها لي مجدداً، وجعلت المنزل غير صالح للعيش في ظهيرة السبت.
عدت إلى المنزل وقد اشتعل غضبي حين رأيتها أمامي ترتدي سروالاً قديماً متسخاً وشعرها غير ممشط منذ ليلة أمس، وتشرف على كشط طلاء الأرضية الخشبية في غرفة الجلوس كما لو كانت تدير ورشة.
تناولت مضرب الغولف الحديدي وخرجت أتدرب وحدي. وقد نسيت، في غمرة انزعاجي أمر الجنازة تماماً، ولم أنتبه لها إلا عندما رأيت الموكب يتقدم على الطريق بمحاذاة السور الخارجي باتجاهي. ومن حيث كنت أقف، يمكن رؤية القبور بوضوح؛ كانت الشمس، في ذلك اليوم، تلمع فوق شظايا الفخار المكسور وصلبان خشبية مائلة في الشكل صنعها السكان المحليين وعلب مربى قديمة بنية اللون بفعل الصدأ الناجم عن الأمطار وبضعة زهور ذابلة فقدت لونها منذ زمن.
شعرت بشيء من الارتباك، ولم أدرِ ما إذا كان عليّ متابعة ضرب كرة الغولف أم التوقف احتراماً، على الأقل حتى يمر المشيعون. كانت عربة الحمار تصدر صريراً حاداً مع كل دورة لعجلاتها، تتقدم متراً، ثم تتوقف برهة، ثم تتقدم لتتوقف من جديد، في حركة متقطعة بدت متناغمة مع حركة سير الحمارين اللذين يجرانها. كان بطن كل منهما صغيراً ومنتفخاً، يغطيه شعر متسخ وخشن من شدة الاحتكاك والفرك، ورأسيهما منحنيتين بين العوارض الخشبية الطولية التي تسند العربة، وآذانهما مطوية إلى الخلف في خضوع كئيب مثير للشفقة.
بدا سير الحمارين البطيء والملول منسجماً، على نحو غريب، مع حركة الرجال والنساء الذين تبعوا العربة على مهل، في صف ثقيل الخطى. تأملت الحمار لحظة، وفكرت، كيف أصبح هذا المخلوق الصابر رمزاً في الكتاب المقدس.
وحين صار الموكب بمحاذاتي، توقفت الجنازة، فوضعت مضرب الغولف جانباً. أنزلوا التابوت عن العربة -كان من خشب لامع مطلي بورنيش أصفر، كقطعة أثاث رخيصة- فيما كان الحماران يحركان آذانهما ويقوسونها لصد الذباب.
رفع بيتروس وفرانز وألبرت والأب العجوز القادم من روديسيا التابوت على أكتافهم وواصل الموكب حركته سيراً على الأقدام.
كانت تلك لحظة محرجة حقاً.
وقفتُ عند السور أحدق نحوهم بلا حراك، بينما مروا أمامي واحداً تلو الآخرمام، دون أن يرفع أحدهم نظره نحوي. أربعة رجال انحنوا تحت الصندوق الخشبي اللامع، تتبعهم جموع المشيعين المبعثر. كانوا جميعهم من الخدم ممن يعملون في مزرعتنا أو في المزارع المجاورة، أعرفهم معرفة سطحية. أناس بسطاء يتبادلون الأحاديث والثرثرات قرب الحقول أو أثناء ترددهم على مزرعتنا، أو الدخول لمطبخنا لقضاء شؤونهم اليومية أو طلب بعض الأمور
وفي أثناء مرور الجنازة تناهى إلى مسامعي، رغم المسافة، صوت أنفاس الرجل العجوز المتقطعة.
وبينما هممت بالانحناء لالتقاط مضربي من جديد، حدث انقطاع مفاجئ في سير الموكب، وسرى بين الحاضرين اضطراب وقلق، وانتشرت أجواء التوتر بينهم، كأنما تسربت موجة حرارة عبر الهواء، أو اندفعت نسمة باردة خفيفة تمس ساقيك وأنت واقف في مجرى ماء ساكن.
كان الرجل العجوز يتمتم بشيء ما؛ فتوقف الناس، مرتبكين، واصطدم بعضهم ببعض، منهم من أراد متابعة السير، وآخرون أشاروا إليهم أن يلتزموا الصمت. بدا عليهم بعض الحرج، لكنهم لم يستطيعوا تجاهل صوته؛ كان كصوت نبي يهذي، تمتمات غامضة في البداية، لكنها نشد الذهن إليها بقوة خفية.
كان زاوية التابوت من جهة الرجل العجوز قد مالت بوضوح، كأنه يحاول التحرر من ثقلها، ورأيت بيتروس يقترب بانفعال مكتوم، يحاول إقناعه أو تهدئته. في تلك اللحظة أسقط الصبي المكلف بمراقبة الحمارين اللجام وركض نحو الجنازة ليستطلع الأمر. لا أدري لماذا لم أحتمل المنظر، ففعلت كما فعل الصبي وفتحت أسلاك السياج فمررت منها ومضيت حيث كانت تقف الجنازة. كما لو أنني مدفوع بغريزة المشاهدة ذاتها التي تدفع الناس إلى التجمهر حول من أغمي عليه في قاعة سينما.
رفع بيتروس عينيه نحوي -نحو أي شخص- بعينين مملوءتين فزعاً وحيرة.
كان العجوز القادم من روديسيا قد أفلت قبضته تماماً، فعجز الآخرون عن رفع التابوت وحدهم، ووضعوه على الأرض في منتصف الطريق، بينما تصاعد غبار خفيف يرفرف برفق على جوانبه اللامعة. لم أفهم ما الذي كان يقوله العجوز، وترددت في التدخل. لكن الجمع المضطرب استدار، كأن صمتي صار ذنباً. اقترب مني العجوز، ومد يديه نحوي وهو يتكلم إلي مباشرة، لم أفهم كلماته، لكن نبرته وحدها كانت كافية لإدراك أن ما يقوله فظيع وصاعق.
فالتفتت نحو بيتروس وقلت مستفهماً
– ما الأمر يا بيتروس ؟ ما الخطب! ماذا حصل للعجوز؟
طوّح بيتروس كلتا يديه في الهواء، وهز رأسه مراراً في انفعال هستيري، ثم رفع وجهه نحوي فجأة وقال: “يقول إن ابنه لم يكن ثقيلاً هكذا”.
وساد صمت ثقيل بين الجميع، وكنت ما زلت أسمع صوت نفس الرجل العجوز في صدره، وقد أبقى فمه مفتوحاً قليلاً، كما يفعل كبار السن. ثم نطق أخيراً بالإنكليزية: “ابني كان شاباً نحيلاً”
ساد الصمت بيننا مجدداً. ثم انفجر اللغط. فزمجر العجوز في وجوههم ينهرهم، كاشفاً عن أسنانه المصفرة القليلة الباقية في فمه الذي يعلوه شارب طويل مقوس بلون الغبار والشيب، يحاكي شوارب رجال الإمبراطورية الأوائل، نادر الوجود في هذا الزمن، وقد بدا كأنه يمنح كلام صاحبه وزناً خاصاً ومهابة تلقائية، ربما لأن الشارب يرمز إلى الحكمة التقليدية التي ينسب إليها وقار الشيخوخة، تلك الفكرة المتجذرة بعمق، ما تزال تبعث رهبة تتجاوز حدود العقل.
صدمهم حقاً؛ ظنوه فقد صوابه، لكنهم لا يملكون إلا أن يصغوا إليه.
ثم بدأ، بيديه المرتجفتين، يرفع غطاء التابوت، فتقدم نحوه ثلاثة من الرجال لمساعدته. جلس بعدها على الأرض منهكاً، ضامر القوة، عاجزاً عن النطق، واكتفى بأن أشار بيده المرتجفة نحو التابوت المفتوح الآن أمامه، كأنه يسلم الأمر لغيره بعدما أنهكه العجز، كمن تنازل عن آخر ما بقي له من سلطة.
تجمع الحشد حول التابوت يتطلعون إلى ما بداخله- وأنا معهم- وقد غاب عنهم للحظات معنى الفاجعة ذاتها، وذهلوا عن الحزن الذي هم فيه والذي جاؤوا أصلاً من أجله.
تحول المشهد كله إلى انبهار طفولي غامر، مزيج من الذهول والمتعة والدهشة؛ ارتفعت أصواتهم بالشهقات والنداءات، وارتسم على وجوههم انفعال غريب. حتى الصبي الصغير الذي كان يمسك بالحمارين أخذ يقفز في مكانه غاضباً، وكاد يبكي من شدة غيظه لأن أجساد الكبار حجبت عنه المشهد.
في داخل التابوت كان يرقد شخص لم يره أحد من قبل، رجل ضخم البنية، فاتح البشرة نسبياً من السكان الأصليين، وثمة على جبهته أثر جرح قديم خيط بعناية، ربما من ضربة تلقاها في شجار، خلفت إصابة أخرى أبطأ عملاً، هي التي أجهزت عليه بصمت في نهاية الأمر.
5
أمضيت أسبوعاً كاملاً أجادل السلطات بشأن تلك الجثة. كان يخالجني إحساس بأنهم صُدموا، أو ربما مذهولون بطريقتهم الجافة المقتضبة، من خطأهم هذا، لكنهم بدوا في حيرة من أمرهم، عاجزين عن تصحيح ما ارتكبوه وسط فوضى الجثث المجهولة التي أثرت حولها كثيراً من اللغط. كانوا يؤكدون لي أنهم يحاولون، قدر المستطاع، معرفة ما حصل حقاً، وأنهم سيحققون بالأمر كما ينبغي.
بدا الأمر أشبه بأن يدخلوني في أي لحظة إلى المشرحة ويقولون “انظر هناك! ارفع الأغطية… ابحث عنه -شقيق صبي الدواجن هذا، فهناك وجوه سوداء كثيرة – ألا يكفيك واحد منها”؟
وفي كل مساء، حين أعود إلى المزرعة، أجد بيتروس بانتظاري في المطبخ. فأقول له: “إنهم يحاولون يا بيتروس. ما زالوا يبحثون، لا تقلق، “الزعيم” يتابع الأمر بنفسه من أجلك. ثم ألتفت إلى ليريس في محاولة لتبرير ضجري “يا إلهي، لو تعلمين، لعلي صرت أقضي نصف وقت عملي في التجوال بسيارتي على أطراف المدينة بسبب هذه القضية التافهة”
كانت ليريس تتابعني بنظرات ثابتة، وكذلك بيتروس. كانا ينظران إلي في صمت، وللحظة خيل إلي أنهما متشابهان على نحو غريب، وجهان يكادان يتطابقان رغم استحالة ذلك، فزوجتي ذات جبهة بيضاء عالية وجسد إنكليزي نحيل، وصبي الدواجن بقدميه الحافيتين المشققتين وسرواله الكاكي المربوط عند الركبة بخيط، وتلك الرائحة النفاذة القوية المنبعثة من جلده، رائحة تشبه عرق الخوف.
قالت ليريس فجأة:
– ما الذي يجعلك غاضباً هكذا؟ ما الذي يدفعك إلى كل هذا الإصرار الآن؟
حدقت فيها بدهشة وقلت: إنها مسألة مبدأ، لماذا يسمح لهم بالإفلات من هذا الغش والخداع؟ آن الأوان أن يتلقى هؤلاء الموظفون صدمة من شخص لا يمل من المتابعة.
أطلقت ليريس تأوهاً خافتاً، خرج من فمها كصوت ضعيف، ثم أدارت وجهها عني، فيما كان بيتروس يفتح باب المطبخ ببطء ليغادر، مستشعراً أن الحديث تجاوز حده.
واصلتُ، كل مساء، طمأنة بيتروس، أردد عليه العبارات عينها، وبالنبرة ذاتها، غير أن صوتي كان يبهت شيئاً فشيئاً كل يوم. حتى بات واضحاً في النهاية أننا لن نستعيد جثمان شقيقه أبداً، لأن أحداً لم يكن يعرف مكانه حقاً. ربما دفن في مقبرة متشابهة القبور مثل الضواحي السكنية الرمادية التي تمتد بلا ملامح، أو ربما مدفون تحت رقم لا يخصه، أو لعلهم نقلوه إلى كلية الطب، حيث يُختزل الجسد هناك في طبقات من العضلات وخيوط من الأعصاب. ومن يدري؟ لم يكن له هوية في هذا العالم أصلاً.
حينها فقط، وبصوت يختلط فيه الخجل باليأس، طلب بيتروس محاولة استرداد المال. قلتُ إلى ليريس لاحقاً: يخال لك، من طريقة طلبه تلك، أنه يسرق أخوه الميت. ولكن كما ذكرت من قبل، كانت ليريس قد أصبحت شديدة التوتر إزاء هذه القصة، حتى إنها لم تعد تطيق ولو ابتسامة ساخرة عابرة مني.
حاولتُ استعادة المال. وحاولت هي أيضاً. كتبنا، واتصلنا، وجادلنا، لكن دون جدوى. بدا أن معظم النفقات كانت من نصيب متعهد الدفن، وقد أدّى عمله على أي حال. وهكذا غدا كل ما جرى إهدار كامل، بل كان ضياع أفدح لتلك الأرواح البائسة مما كنت أتصور.
أما العجوز القادم من روديسيا، فكان في حجم والد ليريس تقريباً، فناولته واحدة من بدلات والدها القديمة. وعاد إلى بيته في الشتاء وهو أوفر حظاً مما كان حين جاء.
….
ملاحظات المترجم
* تشير كلمة السد في سياق مزارع جنوب أفريقيا إلى خزانات المياه الاصطناعية التي تبنى لِأغراض الري والزراعة. وقد آثرنا استخدام كلمة “السد” بدلاً من “البركة” لكونها تعكس خشونة الحياة الريفية وجديتها، وتنسجم مع أسلوب غورديمير الذي يبتعد عن مفردات الزينة الطبيعية الرقيقة، مؤكداً على الطابع الإنتاجي للمزرعة عوضاً عن الطابع الجمالي المترف الذي يميز حدائق الضواحي.
**يشير بيتروس إلى صاحب عمله الأبيض باسم baas؛ وهي كلمة “أفريكانية” يمكن أن تشير بمعناها الواسع إلى الزعيم أو الريس، أو السيد.. إلخ
*** ترد في القصة بالشكل التالي paradise of zoot suits تعني عبارة zoot suits بالأساس زي رجالي كان رمزاً للأناقة؛ يتميز بسروال عالي الخصر وأرجل واسعة وفوقه جاكيت طويل نسبياً وصدريات واسعة وكتفين مبطنين عريضين، ظهر هذا النوع من اللباس في أربعينيات القرن الماضي وانتشر بشكل واسع، وكانت بدايته بين الأمريكيين من أصول أفريقية، والمعنى المجازي يشير إلى ثقافة معينة أو فترة زمنية محددة بصفتها رمزاً تمثل أسلوب حياة خاص أو تعبير عن الانتماء إلى ثقافة فرعية معينة، وتستخدمه الكاتبة هنا للدلالة على حالة ثراء ورفاهية والاستمتاع بالمزايا وملذات الحياة، وكما يبدو فهي استعارة مبالغ فيها لمكان ما يعتبر جنة أو مكاناً جذاباً بطريقة ما، وغي السياق سوف تكون مدينة جوهانسبرغ هي الفردوس الذي سيقصده سكان الدول المجاورة. كدلالة على الفارق بينها وبين غيرها من المدن بالنسبة للسكان السود آنذاك.
**** تعني كلمة “إيغولي Egoli بلغة الزولو “مدينة الذهب”، وهي ما يعرف الآن بمدينة جوهانسبرغ عاصمة مقاطعة غوتنغ Gauteng: وهي أكبر مدينة في جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا والمركز الصناعي الأول؛ ونمت مع إنشاء صناعة تعدين الذهب في العام 1886. وتدخل كلمة إيغولي في ثقافة جنوب أفريقيا بهذا المعنى تماماً أي مدينة الذهب لدرجة أنه أطلق الاسم على مسلسل شهير هناك بدأ عرضه في العام 1992 واستمر في البث حتى العام 2010
….
تعقيب المترجم
نادين غورديمير: تشريح “المسافة” وعنف الامتياز الأبيض
نادين غورديمر (1923 -2014) كاتبة وروائية من جنوب أفريقيا حازت جائزة نوبل للآداب في العام 1991. توصف بأنها “سيدة الأدب الأفريقي”، بينما تصف نفسها بأنها “إفريقية بيضاء”. أصدرت 15 رواية و 15 مجموعة قصصية وأعمالاً نقدية، تناولت فيها قضايا الفصل العنصري والمنفى والاغتراب. تبوأت غورديمير مكانة قيادية في المؤتمر الوطني الإفريقي، وربطتها صداقة متينة بنيلسون مانديلا. مما أدى إلى حظر تداول أعمالها في بلادها إبان حقبة الحكم العنصري.
نشرت قصة “ست أقدام من الوطن Six Feet of the Country”* في العام 1956 ضمن مجموعة تحمل الاسم ذاته وتضم سبع قصص قصيرة، وتروي مأساة وفاة مواطن أفريقي من روديسيا (حالياً زيمبابوي) دخل متسللاً بطريقة غير شرعية إلى اتحاد جنوب أفريقيا بحثاً عن العمل، فقضى نحبه في مزرعة رجل أبيض يعمل فيها شقيقه. وبسبب إخفاق الإدارة البيضاء في تنظيم شؤون المواطنين السود تتسلم العائلة جثة أخرى لا تخصها، ورغم محاولاتهم الحثيثة فيما بعد لاستعادة جثة الشاب إلا أنهم لن يفلحوا، رغم المبلغ الباهظ الذي دفعوه مقابل ذلك، وهكذا تخسر العائلة النقود والابن الميت معاً. ويبقى مكان دفنه غير معروف وقبره مجهول.. مجرد رقم بلا هُوية.. أو ربما لا يوجد له قبر، فقد يكون اختفى في مخابر التشريح الجامعية حيث تحول جسده إلى مجرد عينات تدريسية.. هكذا بكل بساطة لا يستطيع المواطن الأصلي أن يحصل ولو على مساحة صغيرة لا تتجاوز المترين كي يستريح فيها جسده في رحلة الحياة الأخيرة.
تستخدم الكاتبة ضمير المتكلم “المفرد غالباً” بلسان رجل أبيض من الطبقة الوسطى (مما يوحي بطريقة ما مشاركته في الأحداث أو في صنعها)، يعيش مع زوجته في مزرعة صغيرة على تخوم جوهانسبورغ، يوظف عمالاً سوداً بينهم بيتروس. كل ما نعرفه عن عالم الفقراء السود يصلنا من خلال صوته، الذي يتحدث ببرود وبشيء من التهكم، وكأنه يروي تفاصيل حياتية عادية لا مأساة إنسانية.
تمنح هذه المسافة الأخلاقية المتعمدة بين الراوي والحدث القصة قوتها؛ فالمأساة لا تُقال تصريحاً أو على نحو مباشر، بل تظهر مغلفة بلغة يومية محايدة. موت شقيق بيتروس، وضياع جثته في دهاليز نظام البيروقراطية البيضاء، لا يتحول إلى «حدث» إلا حين يمسّ الراوي نفسه. وهنا يظهر النفاق البنيوي في المجتمع الاستعماري: الإنسان الأسود يُمحى حتى بعد موته، والبيض يبدون متعاطفين ما دام الألم لا يخلّ بتوازنهم الخاص.
لا تكتب غورديمير لتمتع القارئ بقدر ما تكتب لتشرّح الواقع أمام عينيه. في “ستة أقدام من أرض الوطن”، تبرز تقنيات سردية معقدة تجعل من القصة وثيقة إدانة نفسية واجتماعية. وتعتمد من أجل هذا تقنيات كتابية ميزة فتعتمد أسلوباً يتسم بالدقة والبرود في رصد التفاصيل. فلا تنحاز للعاطفة، بل تصف يد ليريس “الصلبة كأخفاف الكلاب” أو “رائحة الدواجن المنفرة” لتنقل القارئ إلى واقع مادي ملموس. ويخدم هذا الوصف الحسي يخدم فكرة “التشييء”؛ فكل شيء في المزرعة، بما في ذلك البشر، يُعامل كأدوات أو ممتلكات.
كما أن الصورة التي رسمتها للراوي “المتورط” وغير الموثوق، عبرت عنها أصدق تعبير باختيار السرد بلسانه . فالراوي يظن نفسه ليبرالياً ومتعاطفاً، لكن لغته تفضحه؛ فهو يصف العمال بـ “المساكين” أو “صبي الدواجن”، ويرى في دفعهم للعشرين جنيهاً “هدراً وعبثاً”. وهي تهدف بهذا تعرية العقلية “الأبوية” التي يمارسها البيض، حيث يظنون أنهم أوصياء على السود، بينما هم في الحقيقة يجهلون أبسط تفاصيل حياتهم (مثل عدم معرفته بوجود شقيق بيتروس).
وفي سياق التوازي والتقابل تبني غورديمير القصة على مستويين من التصدع: أولاً، تصدع الزواج بتصوير العلاقة الفاشلة بين الراوي وليريس، والصمت الذي يغلف حياتهما، والهروب إلى المزرعة لمحاولة “إصلاح شيء ما”. وثانياً، تصدع المجتمع: نظام “الأبارتيد” الذي يفصل بين البشر. وتربط الكاتبة بين عجز الزوج عن فهم زوجته، وعجزه (وعجز السلطة) عن فهم “الآخر” الأسود. ويكون الفشل في العثور على الجثة الصحيحة هو مرآة لهذا الإخفاق في العثور على “إنسانية” مشتركة.
وتتجلى المفارقة في العنوان نفسه “ست أقدام من الوطن”. فالرجل الأسود الذي قطع مئات الأميال بحثاً عن “حياة” في مدينة الذهب، ينتهي به المطاف عاجزاً حتى عن امتلاك “ستة أقدام” (مساحة القبر) ليدفن فيها بكرامة. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أن السلطات البيضاء “تبيع” الجثة لأهلها (مقابل 20 جنيهاً)، ثم يكتشفون أنها جثة شخص آخر. ليتحول الموت هنا إلى استمرار لآلية التهميش بديلاً عن كونه نهاية المعاناة. وتكشف النهاية عن مفارقة أخرى، فإذا كان التابوت اللامع يرمز إلى محاولة الفقراء شراء “كرامة” زائفة في عالم سلبهم كرامتهم وهم أحياء. فالبدلة القديمة التي تقدمها ليريس للأب الحزين بدل من جثة ابنه تلخص “التعويض” التافه الذي يقدمه النظام الاستعماري مقابل الأرواح الضائعة.
تبني القصة معمارها الدرامي في سياق نظام الفصل العنصري ” الأبارتيد”؛ الذي حكم اتحاد جنوب أفريقيا بين عامي 1948 و 1991. فتطرح أمثلة فجة عن الاضطهاد والظلم العنصري، وتتخذ من فشل مؤسسة الزواج “البيضاء” وسيلة للتدليل على فشل المجتمع في تحقيق المساواة. وهذا يقودنا إلى التعرف على المستويات الدرامية العديدة في القصة مثل الفصل العنصري/ العرقي وهو المستوى الأساسي، ثم العلاقة الزوجية المتآكلة، والمستوى الجندري الذي يبرز هيمنة ذكورية ورؤية دونية للزوجة حين يلمح الراوي في بداية القصة إلى انفصاله الشعوري عن زوجته بتأكيد حضوره للمزرعة في المساء فقط؛ وفي عطلة نهاية الأسبوع، كما يلمح إلى تفوقه الذكوري بإصراره على أنه وزوجته ليسا مزارعين حقيقيين “ولا حتى زوجته”؛ وهذا يعني بطريقة لا واعية نظرته المحافظة لها واعتقاده بتفوقه؛ ولعل هذا الخلل يمثل المأزق الوجودي الجوهري للحالة الاستعارية في جنوب أفريقيا آنذاك.
تمثل الزوجة (ليريس)، نوعاً من الشفقة المشروطة، لتكون الوجه الآخر للأخلاق الليبرالية البيضاء، بمعنى ذلك التعاطف العاطفي المكثف العاجز عن الفعل. يقف انفعالها عند حدود المشاعر، فيما يستمر النظام الذي تنتمي إليه في سحق “الآخر”. وحين يذكر الراوي تبرمها من ابتسامته الساخرة، فإنه يكشف هشاشتها النفسية المتجسدة في شفقة تحولت إلى تبرير للذات، وليس إلى وعي نقدي. ولعل هذا ما يرسخه العنوان وما يحمل من مجازات رمزية عن الجسد المفقود وغياب الوطن، فتداخل الدلالات في العنوان واضحة تماماً فالأقدام الست هي المسافة الأخيرة بين الإنسان والأرض. والوطن هو ما يُحرم منه بيتروس وأمثاله؛ فحتى في موتهم لا يملكون قطعة الأرض يُدفنون فيها.
تضيع الجثة المجهولة بين المقابر أو في كلية الطب كحالة نفي مزدوج للهُوية؛ لا اسم ولا حتى رقم… لا مكان. وكأن النظام الاستعماري لا يكتفي بحرمانهم من حياة كريمة، بل يسلبهم أيضاً حقّ الموت بكرامة. يتشيئ الإنسان الأسود ويتحول إلى “موضوع” “تشريحي” في مخابر كلية الطب أو “رقم” في سجل رسمي
وكما يظهر يبدو لنا الراوي وكأنه ينقل لنا الأحداث كما حدثت بالفعل، ولكن بلسان وعقل وتأويل أبيض استعماري عنصري متعالي (كما هو حال نظرة وفكر وتأويل الاستعمار للعالم) حيث لا يمكن أن تنشأ في أي سياق استعماري علاقات مساواة متكافئة حتى بين المستعمِرين أنفسهم.. وتظهر علامة سيطرته حين يكتشف جثة شقيق بتروس خادمه فيعتبر نفسه بأنه الشخص الوحيد القادر على تسوية المسألة.
تقول غورديمر في أحد حواراتها: “هناك بصمات خفية في ذاكرتي ترغمني على كتابة هذا النوع من الروايات حيث لا أنسى هجوم الشرطة على مربيتي السوداء بتهمة مشروبات كحولية، وأيضاً عدم السماح للسود بدخول المكتبة العامة، فماذا تراني أكتب وأنا أرى الجرائم تنهمر أمامي في الطرقات”. وهكذا سوف نرى التوترات التي يذكرها الضيوف في بداية القصة ذات صلة بالفصل العنصري وآليات الهيمنة العرقية العنيفة الناتجة عنه؛ ومع هذا يعتقد الراوي أنه وزوجته أقاموا علاقة جديدة وأفضل مع المواطنين السود، لا سيما الذين يعملون لديهم. ويمكن فهم ذلك ضمن العلاقة بين الطرفين “البيض والسود” وتأثير الاستعمار في تلك العلاقة حين يجبر السكان الأصليون على هجر عاداتهم وتقاليدهم ولغلاتهم وأديانهم وتبني الجلب الاستعماري الأوروبي “الأبيض” ضمن مفردات رمزية مميزة مثل الصمت والخوف والعنصرية والنفاق وذلك من بين أمور عدة.
وبذلك تكون القصة عن حادثة “سوداء” يرويها شخص “أبيض”، وفي الواقع نكاد لا نرى أو نلمس علاقة حقيقية بين السود والبيض؛ بل إن العلاقة الوحيدة في القصة هي حكاية عائلة بيضاء وعمالها السود، الذين كانوا يقومون بالطهي، التنظيف والبستنة، وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة لدخول السود إلى اللون الأبيض منازل الناس، ويقع السرد الأساسي للقصة ضمن مساحة “بيضاء” أي في منزل ومزرعة الزوجين البيض؛ أما السود (رجال ونساء وحتى أطفال) فهم من يقومون ببقية الأعمال من طبخ وتنظيف وبستنة.. إلخ.
ويشير هذا إلى أن نادين غورديمر التي تدافع عن السود وضد الفصل العنصري ومشاركتها السياسية والاجتماعية ضد نظام الأبارتيد، لا تزال شخصاً أبيض، بريطانية، تنتمي للفئة التي استعمرت البلد. ويظهر هذا واضحاً أكثر في التأكيد على القوة “الموضوعية” التي تتحكم في العلاقة بين البيض والسود، وكيف لا يستطيع السود حتى وإن كانوا هم الأكثرية في فرض رأيهم أو طريقة تفكيرهم أو أسلوبهم في حل المشاكل؛ بل يحتاج الأمر إلى تدخل الرجل الأيض، هذه الفطرة تطرحها غورديمر بشكل صريح في النص.
فالرجل الأبيض هو الوحيد القادر على التحدث مع السلطات والتفاوض معها من أجل استعادة الجثة أو النقود، فضلاً عن اتساع الهوة الثقافية بين الطرفين، فالزوج لا يستطيع أن يفهم كيف ينطوي دفن جثة فتى صغير على تلك الدرجة من الأهمية بحيث يحضر الأب من بلد بعيد (روديسيا) لدفنه وطيف يستغني الجميع عن مدخراتهم من أجل دفن الجثة بطريقة لائقة وفي قبر معروف.. كل هذا غير مفهوم للزوج ولا حتى لزوجته -حسب زعمه- فهؤلاء “الشياطين الفقراء” كما يدعوهم يتخلون عن المال من أجل “ميتة لائقة”، بينما هو يرى في الموت مجرد خسارة نهائية غير قابلة للتعويض وبالتالي لا داعٍ لأن تنطوي عليه أي تكلفة إضافية.
تستخدم غورديمير الصمت كأداة سردية؛ فالسود في القصة “صامتون”، “غير متعاونين”، “يتمتمون”، ليس عن ضعف منهم بقدر ما هو جدار حماية ضد سلطة لا تفهمهم. في المقابل، يمثل “اللغط” والضجيج الذي أحدثه الأب العجوز عند فتح التابوت “انفجاراً” للصمت؛ لحظة الحقيقة الوحيدة التي اخترقت زيف النظام البيروقراطي الأبيض.
يظهر “الصمت” كإحدى المفردات القوية في العلاقة بين الطرفين -السود والبيض- فالشغيلة السود لا صوت لهم، لا يظهر سوى صوت واحد منهم، بيتروس، حتى في أشد حالات الدفاع عن النفس لا نسمع صوتهم، حين يعرف الزوج أنهم أخفوا عليه خبر الوجود غير الشرعي لشقيق بيتروس، يصمتون تماماً، فتلك المرأة تجيب عن سبب موت الفتى ببعض الإشارات من يديها دون أن تتفوه بحرف واحد، وحتى بيتروس يطول جوابه ولا يتكلم من تلقاء نفسه إلا بعد أن يطلب منه “الزعيم” تقديم التوضيحات المطلوبة، يقدم لنا الراوي أسماء بعضهم لكن لا نسمع صوتهم أبداً ويزيد من سخرية هذا الواقع أن جميع أسماء السود هي أسماء أوروبية “مسيحية”.( ألبرت، فرانز، بيتروس، دورا، جاكوب)، ويبدو أن امتلاك بيتروس لصوت “تمثيلي” باسم السود هو اختيار قصدي من غورديمر كوسيلة متاحة للدفاع عن قضايا السود، واستخدمت الكاتبة شخصية بيتروس لهذا الغرض باعتباره يمثل الصورة الأوضح والأكثر نضوجاً للتعبير عن غضب وخيبة أمل السكان الأصليين من الاستعمار غير المبالي بمشاكلهم وهمومهم، بل يعتبرهم “موضوعات” طارئة بلا قيمة تذكر سوى حامته لهم كقوة أعمل في مطارح يستنكف الرجل الأبيض العمل فيها.
فحتى الخطأ الذي ارتكبته السلطات بتسليمهم الجثة الخطأ، تم الاعتذار عنه بصفته “إجراء” خاطئ ولس بصفته “إهمال” تسبب في آلام معينة، ولعل السلطات تعلم أن الجثة المسلمة ليست جثة شقيق بيتروس بل ربما تعود لمهاجر آخر، وهذا يدل على عدم قيمة “حياة” و “موت” الآخر الأسود، وسوف يكون عدم الاهتمام مضاعفاً حين يمارس على مهاجرين جاؤوا للبحث عن حياة أفضل. لم تمانع السلطات البيضاء في إعطائهم جثة أخرى وأعطتهم أحد المهاجرين الآخرين، الذي لم يكن شقيق بيتروس، ولم يهتموا حتى برأي بيتروس ووالده، الذي جاء من بلاده ليتمكن من دفن ابنه، وهنا ندرك أهمية السود للبيض، فهم لا يعتبرون هباءً، وسيفعلون أي شيء لإبقائهم صامتين.
وسوف تكون “الهوية” إحدى مفردات، بالأحرى موضوعات العلاقة بين السود والبيض في نظام الفصل العنصري. وهي مفردة شديدة الوضوح في القصة
يشعر العامل الأسود بأنه عالق بين عالمين، فهو يعمل لصاحب الرجل الأبيض، لكنه مرتبط بمجتمعه وعائلته، منهم من هو قريب ومنهم من هو بعيد، وتعكس القصة نفاق المجتمع بنبرة تهكمية، حين تبرز التمايز بين العرقين بصفته جزءً من أمن البلد ورفاهية الجميع، في حين يستخدم، في الواقع، للحفاظ على سلطة الأقلية البيضاء، ألم يقل بيتروس بأن الرجل الأبيض يمكنه فعل أي شيء لو أراد، وإن لم يفعل شيئاً فلأنه لا يريد وليس لأنه لا يستطيع.
يتم التعبير عن قوة وسلطة البيض من خلال “انفصال” العائلات، إذ يتعين على الرجال السود الابتعاد عن أسرهم وعن عاداتهم وتقاليدهم وعن بلدهم ولغتهم، سواء بهجرة غير شرعية أو بالسير وراء أسيادهم البيض أرباب العمل وأصحاب المزارع والمناجم وغيرها، من أجل العمل وكسب المال بطريقة ما.
كان الفتى شقيق بيتروس مهاجراً غير شرعي أتى ليعمل في “فردوس” الرفاهية كما كان يطلق، تضليلاً، على جوهانسبرغ، وهو ليس وحده من قام بذلك فالعديد من أبناء العائلات اضطروا للسير أكثر من ألف كيلومتر بحثاً عن العمل وعن تلك “الجنة” في مدينة الذهب.
حاولت في الترجمة الحفاظ على أسلوب الكاتبة المستند إلى المفارقة بين الواقعي والرمزي، وبين النبرة الساكنة والحدث العنيف. فلغة الراوي هادئة، عقلانية، خالية من الانفعال، لكنها تنقل عنفاً مضمراً يظهر في عنف البيروقراطية واللامبالاة، أي عنف الامتياز الأبيض. فقوله: “… ربما في مقبرة متشابهة القبور… أو في كلية الطب حيث يُختزل الجسد في طبقات العضلات وخيوط من الأعصاب”، يحمل دماراً أخلاقياً كاملاً خلف نغمة علمية باردة. وفي نهاية القصة حين تقدم ليريس إحدى بدلات والدها للرجل العجوز القادم من روديسيا، ويعود إلى بلاده “أوفر حظاً مما كان حين جاء”. فرغم “نعومة” هذه العبارة، إلا أنها تحمل سخرية سوداء لاذعة: فالثمن الذي حصل عليه مقابل ابنه هو بدلة قديمة، لا أكثر. فاقتصاد الموت الاستعماري يجسد هنا المعنى الكلي للإزاحة المزدوجة، يسلب الجسد الأسود مرتين، في المرة الأولى في حياته حين تسلب منه أرضه وقوة عمله وفي المرة الثانية في موته حين يسلب منه جسده. ولكن [دائماً هناك ولكن] في المقابل يفقد الضمير الأبيض مرتين: أولاً في صمته، ثم في محاولته الواهنة لتبرير نفسه عبر الشفقة أو البيروقراطية.
تغلق غورديمير القصة بجملة تبدو إنسانية، لكنها في جوهرها اعتراف بالمأساة الأخلاقية للنظام الأبيض الذي لا يرى في حياة السود سوى بضاعة قابلة للمقايضة.
………
*عبارة Six Feet Under (ست أقدام تحت الأرض ): كناية شائعة في اللغة الإنكليزية ترمز إلى الموت والدفن، وتعود في أصلها إلى العمق التقليدي لحفر القبور(نحو 1.8 متر). تلاعبت الكاتبة بالمصطلح في العنوان Six Feet of the Country لتوليد مفارقة تهكمية حادة؛ فالمواطن الأصلي الذي يفتقر إلى حق الملكية والحرية في وطنه وهو حي يحرم في النهاية حتى من هذه المساحة الضئيلة التي يحتاجها في مثواه الأخير، مما يحول القبر بحد ذاته إلى “وطن مفقود”، أو امتياز يصعب نيله.
Aljarmaq center Aljarmaq center