المكان الذي كان، ولا يزال يعرف خطوات الحالمين، العابرين، ويخبأ أسماء من بقوا. ليس جبلاً، بل كتف من الأرض أمال رأسه نحو القدس، ليبحث في أزقتها القديمة عن سردية لم تمت.
تدور هذه الرواية في القدس في العقود القليلة التي تسبق نكبة عام 1948 وتتشابك معها، ثم تسير بخيط زمني رفيع يتكئ على الاسلوب القصصي، أكثر منه على السرد الروائي، من خلال سيرة همّام الأحمدي، الذي تتقاطع حياته مع الفلسفة، والحب، والمرض، والخوف، في مدينةٍ تفقد تدريجيًا قدرتها على احتضان أبنائها. يبدأ السرد من حادثة تبدو عابرة، لكنها ستصبح نواة القلق كلّه: ملاحظة وحمة حمراء على أنف الراوي، يلفت إليها انتباهه جبرا إبراهيم جبرا عرضًا، خلال نقاش فكري في حرم الكلية العربية. هذه الإشارة البسيطة، التي تأتي في سياق يومي عادي، تتحول إلى شرخ داخلي عميق، إذ تبدأ فكرة المرض بالتسرّب إلى وعي الراوي، لا بوصفها تشخيصًا طبيًا، بل بوصفها تهديدًا وجوديًا واجتماعيًا.
تتطوّر الأحداث مع انتقال الراوي إلى فضاء العزل: مشفى الجذام، حيث يُلقى بالمرضى خارج النسيج الاجتماعي، في منطقة حدّية بين الحياة والموت. هناك، تتقاطع مصائر فلسطينيين ويهود ، لا بصفتهم ممثلين لسرديات سياسية كبرى، بل بوصفهم أجسادًا هشّة، منبوذة، تُختزل إنسانيتهم في تشخيص واحد. أحد أكثر المشاهد قسوة في الرواية يتمثل في لحظة رشق أكواخ المرضى بالحجارة من خلف الأسوار، حيث يقف الفضوليون، وأحيانًا المتضامنون، وأحيانًا الجنود، يتفرجون على المرضى كما لو كانوا مشهدًا غرائبيًا. هذا المشهد لا يُقدَّم بوصفه استثناءً، بل بوصفه ذروة منطق اجتماعي يرى في العزل شكلًا من أشكال الطهارة. في هذا السياق، لا يعود الجذام مرضًا فرديًا، بل يتحول إلى خطاب. وهو ما يتجلى بوضوح في المشهد الذي تقتحم فيه عصابات الهاغانا المشفى، وتطالب بكشفٍ بأسماء المرضى اليهود والعرب، لتفصل بينهم بالقوة، وتطرد المرضى العرب تحت تهديد السلاح، فيما يُسمح لليهود بالبقاء. هنا، تتفكك كل ادعاءات الإنسانية المحايدة: المرض لم يعد جامعًا، بل صار أداة فرز سياسي، وديني، ليس من قبل اليهود الصهاينة فقط بل أيضاً من قبل الفلسطينيين أيضاً.
وسط هذا العزل، تتشكّل علاقة الراوي بشخصية يوسف، اليهودي الفلسطيني المريض، الذي يرفض مغادرة المشفى رغم إلحاح شقيقه إسحق أن يعود الى بيت عائلته، التي بدأت تنتمي للخطاب اليهودي الغربي، في مشهد مفصلي، يصرخ إسحق في وجه يوسف مطالبًا إياه بالعودة إلى “بيته الطبيعي”، فيجيبه يوسف بأن المشفى هو مكانه الطبيعي، وأن الجذام الذي يعانيه إسحق ليس في الجسد بل في القلب. هذا الحوار، القصير ظاهريًا، يفتح فجوة دلالية عميقة: يوسف يرفض الهوية القومية الجاهزة القادمة من اوروبا، ويفضّل هوية الجسد المريض المشترك، هويته الفلسطينية، بينما يمثّل إسحق سردية البطولة القومية التي لا ترى في المرض إلا ضعفًا يجب إخفاؤه أو تجاوزه. هنا، تشتغل الرواية على صراع السرديات: يوسف الفلسطيني الممكن، مقابل يوسف اليهودي الممكن، ومن يملك الحق في رواية الحكاية لاحقًا.
ولا تتوقف هذه الإشكالية عند هذا الحد. فاختفاء يوسف الغامض لاحقًا، بعد خروجه إلى رام الله وعدم عودته، يترك فراغًا سرديًا لا يُملأ. هل عاد إلى سردية قومية أخرى؟ هل اختار النجاة الفردية؟ أم ابتلعته الرواية الكبرى التي لا تترك أثرًا للهوامش؟ هذا الغياب ليس نقصًا في السرد، بل فعل تفكيكي مقصود، يفضح كيف تُمحى بعض الحكايات عندما لا تعود قابلة للإدراج في السردية المنتصرة.
في موازاة هذا المسار، تتشكّل علاقة الراوي بـ”ناي”، التي تظهر أولًا في مشهد طفولي رمزي، حين يراها مع طفل يحمل اسمه على سطح القلعة، في صورة تتداخل فيها الذاكرة بالحلم. ناي لا تُمنح حضورًا مكتملًا؛ فهي تسافر لاحقًا إلى لندن، وتغيب عن القدس، ليقول الراوي صراحة إن المدينة باتت فارغة من قلبه بعد رحيلها. هذا الغياب لا يُقدَّم بوصفه فراقًا عاطفيًا فحسب، بل كتشظٍّ في علاقة الراوي بالمكان نفسه. ناي ليست امرأة فقط، بل استعارة للمدينة، وللوطن الممكن، الذي لا يُمسك، والذي يُغادر في اللحظة التي يبدو فيها قريبًا.
وتزداد هذه الدلالة عمقًا حين نلاحظ أن أولى لحظات الارتباك الوجودي لدى الراوي، بعد ملاحظة الوحمة، تحدث في سياق فكري خالص: نقاشات مع توفيق، وجبرا، والسكاكيني، وجورج أنطونيوس، وجورج حوراني. حضور هذه الشخصيات التاريخية لا يأتي بوصفه تزيينًا ثقافيًا، بل بوصفه تأكيدًا على أن الفكر نفسه كان يعيش داخل القلق. فالسكاكيني، مثلًا، يظهر لا كمعلّم متعالٍ، بل كذات تعترف بسوداوية نيتشه وبحثها عن خلاص فكري آخر. هذه اللحظات تكسر وهم التاريخ الخالص، وتُدخل الفكر في قلب التجربة لا على هامشها. أما توفيق الصايغ ، الشاعر الفلسطيني ، الصديق المفترض لبطل الرواية، همام، فيشكّل مرآة عاطفية وفكرية للراوي. موته المفاجئ، الذي يتلقاه الراوي ببرود مرتبك، يفضح هشاشة المشاعر في زمن الفاجعة. الراوي لا يعرف هل يحزن أم يشعر بالراحة، ويتساءل، بقلق أخلاقي صريح، إن كان موت توفيق سيُغني الرواية التي يكتبها شخص ما عنه. هنا، تبلغ الرواية ذروة وعيها الذاتي، إذ تضع فعل الكتابة نفسه موضع مساءلة: هل تُستثمر المأساة بوصفها مادة سردية؟
ولا تُروى النكبة في هذا النص بوصفها حدثًا سياسيًا مكتملًا، بل بوصفها سلسلة من الآثار: طرد المرضى، اختفاء يوسف، رحيل ناي، موت الشاعر توفيق صايغ ، وتحول القدس إلى فضاء مراقبة وحواجز. في المشهد الختامي تقريبًا، حين يروي السارد حكايته لطلاب داخل حافلة متجهة إلى ندوة عن تاريخ المسرح الفلسطيني، ويُسأل عن اسم الرواية وكيف يمكن شراؤها، يجيبهم بسؤال معاكس: كيف يمكن شراء قصة وقد سمعتموها؟ هذا المشهد يلخّص المشروع كله: الرواية لا تُمتلك، بل تُروى، ولا تُغلق، بل تظل مفتوحة على إعادة السرد. بهذا، لا تقدّم الرواية معنى نهائيًا، ولا تبرئ سردية، ولا تدين أخرى بشكل مباشر. قوتها تكمن في تفكيك منطق الامتلاك ذاته: امتلاك الجسد، وامتلاك المدينة، وامتلاك الحكاية. إنها نصّ يكتب الهزيمة من موقع الهشاشة، لا ليؤرّخ، بل ليسائل: من يملك الحق في أن يقول “هذه قصتي”؟ ومن يُترك خارج السرد، كجسد مريض، أو كحكاية ناقصة؟
يقدّم هذا العمل رواية إنسانية كثيفة، تتقاطع فيها الذات الفردية مع النكبة الفلسطينية، وتتشابك فيها أسئلة الحب، والهوية، والخوف، والمرض، والخذلان الجماعي، ضمن سردٍ هادئ، عميق، ومشحون بالرمز. يتحرر هذا العمل من منطق الحبكة، والتدرج السببي للأحداث، إذ لا تبنى على” ما سيحدث” بل ” على كيف يعاش الحدث”. نص غني بأسلوبه القصصي، بخيل في سرده الروائي، حدّ من تمثيل البنى التاريخية للحكاية. ربمّا هذا ما اراده زياد خداش في تكثيفه للشخصيات، والأحداث، من خلال تقليل الزمن الحكائي لصالح الدلالة.
Aljarmaq center Aljarmaq center