استهلال
تقدم هذه الورقة مقاربةً نظريةً وتحليليةً جديدة لفهم آليات الإبادة والسيطرة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، متجاوزةً السرديات التقليدية للصراع نحو تفكيك «فيزياء الإبادة». تستعير الورقة مفهوم «الأنتروبيا» (Entropy) من الديناميكا الحرارية ومعادلة لودفيغ بولتزمان، لتطبيقه كأداة تفسيرية للسلوك الاستعماري؛ حيث لم تعد إسرائيل تكتفي بالقتل المباشر، بل تمارس «هندسةً منهجيةً للفوضى» تهدف لرفع احتمالات التفكك الاجتماعي والمكاني إلى أقصى حد، ودفع المجتمع الفلسطيني نحو “الموت الإنتروبي” والانهيار الذاتي.
تعالج الدراسة هذه الفرضية عبر أربعة مستويات متداخلة:
1.فيزياء التفكك (غزة): كيف يُحال المجتمع إلى “غبار بشري” عبر تدمير البنية التحتية والمنزل (Domicide)، مما يرفع كلفة إعادة الانتظام الاجتماعي ويجعلها شبه مستحيلة.
2.هندسة المكان (الضفة الغربية): تحليل “السياسة العمودية” و”الإبادة المكانية” (Spaciocide) التي تحول الجغرافيا إلى أرخبيل معزول، وتستخدم العمارة (الجدران، المستوطنات البانوبتيكية) لفرض سيطرة بصرية ومادية تخنق الحيز الفلسطيني.
3.اغتيال الزمن (البعد النفسي): استعراض أثر “اللايقين” و”الصدمة المستمرة” في بعثرة الزمن الداخلي للفرد، وتحطيم الرمزية الأبوية (فرضية السراج)، مما يضع الفلسطيني في حيز “سياسات الإماتة” (Necropolitics) بين الحياة والموت.
4.أتمتة الفوضى (الذكاء الاصطناعي): الكشف عن دور الخوارزميات العسكرية (مثل “حبسورا” و”لافندر”) في تسريع “سهم الزمن” التدميري، وتحويل القتل من قرار بشري إلى عملية صناعية مؤتمتة تتجاوز القدرة على الاستيعاب.
تخلص الورقة إلى أن الصراع الراهن هو حرب على “بنية الواقع” وشروط الوجود؛ حيث تغدو المقاومة الفلسطينية فعلاً فيزيائياً مضاداً للأنتروبيا، ومحاولة مستميتة لإعادة ترتيب الزمن والمكان ضد قوة تسعى لتحويل الوجود الفلسطيني إلى محض عشوائية.
مقدمة
الأصل في القول إن “الإنتروبيا” (Entropy) في الديناميكا الحرارية تعبر عن مقدار الفوضى أو تشتت الطاقة داخل نظام ما. ويجوز تخطي حدود الدلالة الفيزيائية لتمنحنا -على نحو ما- أداة تفسيرية عميقة لفهم آليات السيطرة في الحالة الفلسطينية.
تُرسي إسرائيل، بممارساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، نموذجاً تطبيقياً لما يصح تسميته “هندسة الإنتروبيا الاجتماعية”؛ إذ تغدو الفوضى وتفتيت الزمن وبعثرة المكان، أدوات لقتل إمكانات الحياة، وتحويل المجتمع إلى شتات عاجز عن الانتظام.
أولاً: غزة ومعادلة “بولتزمان”.. الإبادة كبعثرة للاحتمالات
تحيل إسرائيل قطاع غزة نظاماً مغلقاً محروماً عن عمد من تدفق الحياة وأسباب التجدد، لتفرض حتمية انهياره، بين لحظة وأخرى، وفق قانون الديناميكيا الثاني. يتخذ هذا الانهيار شكلاً وحشياً نقرأه في تعريف لودفيغ بولتزمان للإنتروبيا بمعادلته الشهيرة[1]. فيتصاعد عدد الاحتمالات الممكنة -في سياق الإبادة المنهجية- عبر آليتين:
- 1. تفتيت البنية الاجتماعية: تحول آلة الحرب المجتمع من “كتلة صلبة” (عائلات، أحياء، مؤسسات، ذاكرة مشتركة…) إلى “غبار بشري” متناثر. يشكل البيت الذي يؤوي عائلة ممتدة “حالة منظمة واحدة”، في حين يحيله القصف ركاماً وأفراداً مشتتين في مراكز الإيواء، مخلفاً آلاف “الحالات العشوائية” الجديدة. يغدو الفرد وحدة عارية أمام السلطة والسوق والخوف. ويبدأ كل فرد كـ “نقطة مستقلة” في فضاء الاحتمال. يفجر هذا الوضع عدد الحالات الممكنة للسلوك والولاء والهوية والخيار السياسي، لتنهار القدرة على الفعل المشترك، ويتوسع فضاء السقوط. يجعل تفتيت البنية الاجتماعية والمادية هذا، إعادة الترتيب أمراً يستلزم طاقة هائلة قد لا تتوفر البتة، ليدفع النظام الاجتماعي نحو “الموت الإنتروبي”.
- 2. قتل المدينة والمنزل تتعدى العمليات العسكرية فكرة “إصابة الهدف” لتحقق مفهوم إبادة المدينة (Urbicide) الذي صاغه ستيفن غراهام[2]. تقصف إسرائيل المؤسسات البلدية والحكومية والشوارع الرئيسة والجامعات والمساجد، لتمحو “الذاكرة المكانية”. يوازي ذلك إبادة المنزل (Domicide)؛ أو “الأويكوس بالمعنى الأرسطي” إذ يمثل المنزل الوحدة الأساسية لترتيب العالم، ويعني هدمه نزع “المركز” الذي يرتب الفلسطيني حياته حوله، ودفعه للعيش في العراء الفيزيائي والمجازي.
ثانياً: الضفة الغربية.. السيادة العمودية وتشظية المكان
تتجلى الإنتروبيا في الضفة الغربية عبر إعادة صياغة فيزياء الأرض لتصبح مولّداً دائماً للاحتكاك والفوضى. كما يصفها ساري حنفي بـ”الإبادة المكانية” (Spaciocide)، (انظر الهامش [2] أدناه) وتعتمد تقنيات معقدة:
- 1. هندسة التفتيت والأرخبيل المعزول: شق طرق التفافية وزرع مستوطنات تقطع أوصال الضفة وتحولها إلى جزر معزولة. يرفع ذلك مستويات العشوائية، ويجعل النظام الاجتماعي المحلي مشتتاً وعاجزاً عن التوحد في بنية جغرافية صلبة.
2.السيادة العمودية: يشير إيال وايزمان في دراساته عن “هندسة الاحتلال” إلى تقسيم الأرض طبقات منفصلة لزيادة التعقيد (الأنتروبيا). عبر السيطرة على “السماء” و”باطن الأرض” والتحكم في البشر والشجر والحجر، وحشر الفلسطيني في “السطح” المشوه. يمر المستوطن في طريق سريع (نظام منخفض الإنتروبيا)، بينما يغرق الفلسطيني تحته في متاهة من الحواجز (نظام عالي الإنتروبيا).
3.المراقبةالبانوبتيكية: شيد الاحتلال المستوطنات على قمم التلال وفق هندسة تشبه القلاع (panopticon)، لتسمح بمراقبة القرى الفلسطينية في الوديان والسيطرة عليها البصر والسلاح. ويتناول وايزمان التكتيكات العسكرية للجيش الإسرائيلي (خاصة في اجتياح مخيم جنين 2002)، إذ ابتكر الجنود طريقة “المشي عبر الجدران” بتفجير جدران المنازل الداخلية للمرور من بيت لآخر، متجاهلين الشوارع والأزقة، لقلب المفاهيم المعمارية (الداخل/الخارج) رأساً على عقب[3].
تستزف هذه الهندسة طاقة الفلسطيني ووقتَه لقطع مسافات قصيرة، لتجعل حركته المجردة فعلاً منهكاً. ويطوع الاحتلال العمارة والتخطيط الحضري أدوات للحرب والسيطرة، ولا يكتفي بالسيطرة على سطح الأرض (ثنائية الأبعاد، أي السطح والباطن، أي المياه والآثار)، بل يعيد هندسة “الفراغ” وطبقاته المتعددة بالكامل على نحو ثلاثي الأبعاد(يشمل الأجواء). فيحول “البناء” إلى فعل “هدم” للوجود الفلسطيني، ويوظف البنية التحتية (كالطرق الالتفافية والجسور) لتكون جزء من مشروع فصل عنصري. تاركاً للفلسطينيين مساحات معزولة على السطح. يخلق هذا “أرضاً جوفاء” محاصرة من الأعلى والأسفل، بحدود ذات خطوط مرنة تتغير باستمرار عبر بناء المستوطنات والجدران ونقاط التفتيش، لتصير الجغرافيا ذاتها أداة لإرباك حياة الفلسطينيين.
ثالثاً: الأنتروبيا النفسية.. اغتيال الزمن واليقين
إن كان تدمير المكان يبعثر الجسد، فاستهداف الوعي يبعثر “الزمن الداخلي” للإنسان، ليخلق ذاتاً مفككة عاجزة عن التنبؤ أو الفعل.
1.سهم الزمن واغتيال المستقبل: يتحرك “سهم الزمن” في الفيزياء باتجاه زيادة الفوضى، وتعمل إسرائيل في المستوى السياسي على تسريع هذا السهم. يعيش الفلسطيني “زمناً معلقاً” بسبب الحواجز والاقتحامات المفاجئة، ليتحول الوقت من مورد ثابت يمكن التنبؤ به إلى مورد عشوائي[4]. تتطور السلطة، هنا، من القدرة على التحكم في الحياة والموت؛ لتصبح تحكماً في “كيفية قضاء الوقت”، فتقضي على قدرة الفلسطيني لتخطيط مستقبله[5]. وهنا يظهر تحليل وايزمان (انظر هامش[3] ) تطبيقاً عملياً ومكانياً لمقولات ميمبي وفوكو؛ إذ يهدف المعمار الإسرائيلي بوصفه صناعة وفعل إماتة لهندسة استحالة الحياة وخلق بيئة معادية تحاصر الفلسطينيين في حيز يقع في “البرزخ” أي بين الحياة والموت.
- 2. الصدمة المستمرة: يعيش الفلسطيني في الضفة الغربية (وقطاع غزة على وجه الخصوص) حالة “صدمة مستمرة”. تختلف عن حالة اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لغياب الـ “ما بعد”[6]؛ فالصدمة هي البيئة اليومية. ويؤدي هذا الضغط المستمر إلى استنزاف “المرونة النفسية”، ودفع المجتمع إلى “العجز المكتسب”.
- 3. التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): تمارس المنظومة الإسرائيلية تلاعباً جمعياً بالعقول Gaslighting -عبر كي الوعي- ولوم الضحية على موتها، (ادعاء استخدام الدروع البشرية، عدم النزوح، إلخ). يخلق هذا الخطاب تنافراً معرفياً لدى الضحية، بهدف كسر السردية الأخلاقية، ورفع منسوب “التشويش” النفسي، ودفع الفلسطيني للشك في عدالة قضيته.
رابعاً: أتمتة الأنتروبيا.. الوحدة 8200 ومصنع القتل الخوارزمي
تجاوزت إسرائيل مرحلة “إدارة الفوضى” باليد إلى مرحلة “أتمتة الفوضى” على نحو صناعي. وتوظف الوحدة 8200 (وحدة الاستخبارات الإشارية) الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتسريع “سهم الزمن” التدميري، بآن معاً، ليتجاوز القدرة البشرية على المعالجة أو الاستيعاب[7]. وتعمل هذه البرامج بوصفها منابع إنتروبيا سريعة عبر مسارات محددة:
1.حبسوراThe Gospel (أو الإنجيل) ويعمل كآلة لإنتاج “بنك أهداف” بسرعة خيالية. فيحدد المباني والمنشآت المدنية أهدافاً مشروعة بناءً على احتمالات وجود نشاط معادٍ. ويهدف إلى رفع معدل التدمير المادي إلى أقصى حد ممكن، محولاً الأحياء السكنية المنظمة (نظام منخفض الأنتروبيا) إلى مساحات من الركام العشوائي (نظام عالي الأنتروبيا) في زمن قياسي.
2.لافندر Lavenderالذي يصنف البشر إحصائياً بناءً على سلوكهم الرقمي، ويمنحهم “درجات” تحدد احتمال انتمائهم للمقاومة، مع قبول هوامش خطأ واسعة تصل إلى 10%. يزيل هذا النظام “الاحتكاك البشري” والتردد الأخلاقي، ويحول الفلسطيني من “إنسان” (نظام بيولوجي واجتماعي معقد) إلى “إحداثية رقمية” يجب شطبها من المعادلة.
3.أين أبي Where’s Daddy يتتبع المستهدفين ليعطي إشارة بقصفهم لحظة دخولهم بيوتهم حصراً. ويمثل ذروة التوحش في هندسة الفوضى؛ فهو يقصد قتل الشخص داخل “نظامه العائلي”، ليرفع مستوى التشتت الاجتماعي بضربة واحدة، محولاً الأسرة إلى ركام من الذكريات والأشلاء، وضامناً صدمة ممتدة للأجيال القادمة.
- الغطاء السيبراني(الهاسبراه) تقتضي هندسة الإنتروبيا في الميدان غطاء يمنع العالم من رؤية الحقيقة والتحكم بتدفقها. وتلعب “الهاسبراه” دور “حاجز المعلومات” العاكس. كما تضخ إسرائيل أموالاً هائلة للتحكم في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، وتستخدم “الذباب الإلكتروني” لإغراق الفضاء الرقمي بالمعلومات المضللة. بهدف رفع مستوى “الضجيج” مقابل “الإشارة” القادمة من غزة، لتزيد “الإنتروبيا المعلوماتية” لدى المتلقي، وتقلل من قدرته على تكوين صورة واضحة للجريمة.
الخلاصة: الصراع على بنية الواقع
تتجاوز الإنتروبيا حدود القتل المباشر لتصل إلى تدمير شروط الوجود، وتستخدمها إسرائيل سلاحاً لفرض حالة من السيولة والفوضى الدائمة، فبتجريد الفلسطيني من خاصية الترتيب، تجعله منشغلاً بترميم لحظته الراهنة دون قدرة على بناء المستقبل. إنها محاولة لإيصال المجتمع الفلسطيني إلى “نقطة اللاعودة”، حيث تكون الفوضى المتراكمة أكبر من قدرة أي إرادة سياسية أو اجتماعية على إعادة الترتيب. بهذا المعنى، تغدو المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها من بناء خيمة إلى تعليم طفل، فعلاً مضاداً للإنتروبيا، ومحاولة مستميتة لإعادة الانتظام والترتيب للزمن والمكان على التوالي.
وهنا، يصح لنا التساؤل: كيف تدار بيئة الصراع في مستويات فوضى مرتفعة واستنزاف عالي ومنهك للمجتمع، يصاحبه تتحلل البنى الناظمة فيترك الناس في انهيار مستمر؟
حين نعيد التفكير بالإنتروبيا والزمن بوصفها أدوات لفهم إعادة تشكيل مجتمع تحت ضغط طويل وممنهج. يظهر لنا معنى دفع المجتمع الفلسطيني ليصبح “نظاماً مغلقاً” يستهلك نفسه ويترك دون “تجديد” ليبدأ بالتفتت الذاتي.
يعبر هذا المجاز عن فقدان قدرة الحفاظ على شكل اجتماعي مستقر، لأنه يخلق شروط حياة على حافة الوجود وبأعلى درجات التلف البنيوي والاجتماعي والسياسي. وللتعبير عن حقيقة الصراع الدائر الآن، لم يعد يكفي تعريفه صراعاً على الأرض أو على السردية أو غيرها، بل هو صراع على الزمن، بمفهومه الفيزيائي أساساً ثم الأنطولوجي تالياً.
صراع يدار بطريقة يمكن التنبؤ بها وبناؤها، بل وتوريثها.
إن المجتمع، أي مجتمع، هو شبكة علاقات تُبنى بانتظام الزمن، وبانقطاعه، تنقطع العلاقات. بهذا المعنى تولد السيطرة إنتروبيا اجتماعية، أي مجتمع بحاجة لكل دقيقة من وقته كي يعمل، وحين تتهدد البنية الرمزية له (السردية التي تجمعه الذاكرة المشتركة والهدف الواضح… وما إلى ذلك من بنى رمزية) تزداد العشوائية الداخلية.
من هنا يبرز السؤال الوجودي أكثر إلحاحاً: كيف يعيش مجتمع (اقرأها الفلسطيني) داخل عالم يُعاد تشكيله يومياً ليبقى على حافة التفكك؟
هذا يقود إلى طبقة تحليلية أشد تعقيداً، تمتد من الفيزياء إلى علم الاجتماع، ومن هندسة البنية التحتية إلى هندسة الوعي.
….
الهوامش والإيضاحات
[1]معادلة بولتزمان تفصح كيفية ربط العالم المجهري (حركة الذرات) بالعالم المرئي (الديناميكا الحرارية). وتنص على أن “الإنتروبيا” (العشوائية) هي مقياس لعدد الاحتمالات Ω الممكنة لترتيب جزيئات النظام Microstates. ويعبر عنها بالقيمة اللوغاريتمية لا الخطية. بمعنى مبسط: تخيل مكتبة ضخمة؛ ثمة طريقة واحدة فقط لتكون الكتب مرتبة أبجدياً بالتمام (نظام)، بينما توجد ملايين الطرق لتكون الكتب مبعثرة وعشوائية (فوضى). لا “تختار” المكتبة الفوضى ولا تسعى إليها وإنما “تنزلق” نحوها حيث مساحة الاحتمال أوسع. هي تهبط من قمة ضيقة إلى سهل واسع في خريطة الاحتمال.(وهو معنى النمو اللوغاريتمي للاحتمالات أي القانون الحقيقي للزمن وليس الحركة). تتمثل حركة المكتبة مع الزمن في إعادة كتاب دون دقة، أو خطأ قارئ في وضعه، أو وضع موظف مجلداً في مكان تقريبي… إلخ. لا يحتاج النظام هنا أن “يخطئ كثيراً” ليخرج من القمة. تخبرنا المعادلة رياضياً باتجاه الطبيعة التلقائي نحو الفوضى والتحلل، لأن احتمالات “الفوضى” أكثر عدداً وسهولة من احتمال “النظام” الدقيق. يمثل ثابت بولتزمان القيمة التي تحول عدد الحالات الممكنة إلى حرارة قابلة للقياس. فالإنتروبيا إذن، ليست خاصية في المادة وإنما سمة في عدد الطرق التي يمكن أن تكون بها المادة هي نفسها، فلا هي قانون أخلاقي ولا قانون ميكانيكي، بل قانون إحصائي محض. “ينزلق”، بالخوارزمية، حيث عدد الطرق الممكنة الأكبر، جاعلاً الزمن سهماً لا يعود ولا يرتد (طبعا الرجوع مستحيل فيزيائياً وعملياً، لا فلسفياً)
[2]انظر، Graham, Stephen. Cities Under Siege: The New Military Urbanism. London: Verso, 2010.
راجع الترجمة العرببة: ستيفن غراهام. مدن تحت الحصار: فضائح العنف السياسي وعسكرة التنظيم المدني. ترجمة ميراي يونس. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2013. وكذلك Porteous, J. Douglas, and Sandra E. Smith. Domicide: The Global Destruction of Home. Montreal: McGill-Queen’s University Press, 2001. ، وعلى الرابط التالي https://www.jstor.org/stable/j.ctt814g0 راجع أيضاً ساري حنفي. “الإبادة المكانية: السياسات الكولونيالية، اللامرئية، وإعادة تقسيم المناطق في الأرض الفلسطينية”. مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 20، العدد 78 (ربيع 2009): 44-59. رغم اشتراك أطروحات غراهام وبورتيوس وحنفي في فكرة العنف المكاني و”استهداف البيئة المبنية”، إلا أنها تختلف في الهدف وآلية التدمير: حيث يركز غراهام على “العسكرة” و”السيطرة” ويطرح فكرة أن المدن الحديثة (عالمياً، ليس فقط في مناطق الحروب) تحولت إلى ساحات معارك؛ حيث تهاجر تقنيات المراقبة والقمع من المستعمرات لتعود إلى مراكز المدن الغربية (تأثير البوميرانغ). التدمير هنا وظيفته إخضاع السكان وإدارتهم أمنياً. بينما يركز بورتيوس وسميث على “الألم النفسي” و”الفقد” من خلال التمييز بين “البيت” (باعتباره ملاذاً ومركزاً للهوية والذاكرة) وبين “المنزل” (كوحدة سكنية مادية). التدمير هنا يستهدف “شعور الإنسان بالأمان والانتماء”؛ فهو اغتيال للمعنى الوجودي للمكان وليس مجرد هدم للجدران. أما ساري حنفي فيركز على “الأرض” و”إلغاء الوجود” (يستحضر هنا النموذج الاستعماري الخاص بفلسطين). ويرى أن المشروع الصهيوني لا يهدف لإبادة السكان جسدياً (Genocide) بقدر ما يهدف لإبادة “المكان” الذي يجعل حياتهم ممكنة. فالتدمير هنا يستهدف البنية التحتية والمجال الحيوي لدفع السكان إلى “الرحيل الطوعي”، عبر جعل المكان غير قابل للحياة. باختصار: غراهام يتحدث عن إدارة المدينة بالخوف، بورتيوس وسميث يتحدثان عن حرق ذاكرة الساكن، وحنفي يتحدث عن إعدام قابلية المكان للحياة.
[3]إيال وايزمان. أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي. ترجمة باسل وطفة. القاهرة/بيروت: مدارات للأبحاث والنشر والشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017. يطرح الكتاب العمارة والتخطيط الحضري، متجاوزاً البعد الجغرافي المسطح إلى ما يسميه وايزمان “السياسة العمودية”؛ حيث تُفصل السيادة إلى طبقات متعددة (فوق وسطح وتحت). كما يستقصي تكتيكات الجيش الإسرائيلي في “المشي عبر الجدران” وتطويع البيئة العمرانية لتكون سلاحاً يفكك النسيج المكاني الفلسطيني. ويحلل هندسة المستوطنات بوصفها قلاعاً للمراقبة والسيطرة، كاستعادة مباشرة للاستراتيجية المعمارية العسكرية في بناء المستعمرات ونظرية السور والبرج (Homa u’Migdal) وهو ما يناقشه وايزمان مطولاً في الفصل الأول من كتابه. تجدر الإشارة إلى هذه الاستراتيجية نفذتها الحركة الصهيونية بين بين عامي 1936 و1939 (خلال الثورة الفلسطينية الكبرى). مستغلة قانوناً عثمانياً قديماً كان لا يزال سارياً تحت الانتداب البريطاني، ينص على أن أي مبنى يكتمل سقفه لا يمكن هدمه دون أمر قضائي طويل الأمد. فعمد الصهاينة إلى تركيب المستوطنات التي كانت تأتي “مسبقة الصنع” في ليلة واحدة أو يوم واحد، ثم يبنون جدار خشبي مزدوج يُملأ بالحصى (ليكون مقاوماً للرصاص). يتوسط الساحة برج مراقبة، يحمل كشافاً ضوئياً ورشاشاً. وهكذا تتحول البقعة الجغرافية فوراً إلى واقع عسكري و”نقطة مراقبة” تشرف على القرى المجاورة. ويرى وايزمان أن “السور والبرج” هي “المشهد البدئي” (Primal Scene) للعمارة الإسرائيلية الحديثة، وتؤسس للفكرة التالية: في المشروع الاستيطاني، لا يوجد فرق -في المشروع الاستيطاني- بين “المدني” و”العسكري”. فالمنزل هو خندق، والبرج هو عين السلطة. وأصبح هذا النموذج نمطاُ سائداً في المستوطنات الجبلية في الضفة الغربية (التي تشبه القلاع)، حيث حلت الخرسانة محل الخشب، وكاميرات المراقبة محل الكشاف الضوئي، لكن المبدأ واحد: المراقبة والهيمنة من الأعلى. للتوسع التاريخي، انظر. Rotbard, Sharon. “Wall and Tower.” In A Civilian Occupation: The Politics of Israeli Architecture, edited by Rafi Segal and Eyal Weizman, 39–56. London: Verso, 2003
[4]إذا كان تدمير المكان يبعثر الجسد، فإن استهداف الوعي يبعثر “الزمن الداخلي” للإنسان، ما يخلق ذاتاً مفككة عاجزة عن التنبؤ أو الفعل. ونحن نعلم أن العقل البشري يحتاج لكي يعمل باستقرار إلى “أفق زمني” آمن (وإلا كيف سيفكر في غده؟). ومن تفرض إسرائيل حالة من “اللايقين الجذري”. من خلال الاقتحامات الليلية من دون سبب واضح وتغيير مواعيد فتح الحواجز عشوائياً. ومثل هذه الممارسات تجعل عقل الفلسطيني في حالة استنفار دائم ، مستهلكاً طاقته النفسية في ترقب “الصدمة القادمة”. فيتحول الزمن في وعيه من “خط ممتد” (ماضي-حاضر-مستقبل) إلى “نقطة راهنة” متفجرة فيفقد جوهره فاعليته البشرية، أي القدرة على التخطيط ويغدو الفرد غارقاً في فوضى اللحظة. ويتحول الإفقار المعنوي والنفسي إلى استراتيجية تمهد للانهيار الذاتي وزيادة الفوضى، وتعمل إسرائيل وكأنها تسابق الزمن- في تسريع هذه الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني من خلال استنزاف جميع مقومات الطاقة الاجتماعية القابلة للتجدد . عبر الحصار الاقتصادي وصناعة العجر البنيوي (كما وثقت وثائق الكابينت الإسرائيلي في العام 2008 حول “حساب السعرات الحرارية” لسكان غزة). يتحول الزمن هنا إلى عدو يضاف إلى أعداء الفلسطيني فكل يوم يمر تحت هذا الضغط يعني تراكم المزيد من الأعطال البنيوية التي لا تُصلح. وينشأ جيل كامل بلا تعليم، وتتآكل شبكات الصرف الصحي، وتنهار المنظومة الصحية. يضاف إلى هذا الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ “عقيدة الضاحية” من حيث استخدام قوة غير متناسبة لتدمير البنية التحتية بحيث يستحيل إصلاحها. بهدف خلق واقع فيزيائي جديد تكون فيه “العودة إلى ما قبل الحرب” مستحيلة، تماماً كما يستحيل إعادة البيضة المكسورة إلى حالتها الأولى. والنتيجة هي مجتمع يستهلك نفسه من الداخل، أو ما يعرف في الفيزياء بـ “الموت الحراري” للنظام.
[5]وهو ما يقصده أشيل ميمبي بصناعة الموت أو الإماتة (Necropolitics (أشيل ميمبي. سياسات العداوة. ترجمة طواهري ميلود. الجزائر/بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية، 2019.) كاستدراك نقدي على مفهوم السلطة الحيوية Biopouvoir أي السلطة على الحياة بحد ذاتها لميشيل فوكو(ميشيل فوكو. تاريخ الجنسانية (1): إرادة المعرفة. ترجمة مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، خاصة عند تطبيقه خارج أوروبا (في المستعمرات تحديداً). فبينما تنصرف سلطة فوكو إلى إدارة الحياة واستثمار الجسد الحي لتعظيم إنتاجيته (صيغة: جعل الحياة ممكنة وترك الموت يحدث مع الأخذ في الاعتبار أن فوكو صاغ هذه العبارة ليوضح الجذري في مفهوم السلطة؛ فقد حلت محل مبدأ السيادة القديم (حق السيف في العصور الوسطى Faire mourir et laisser vivre أي القتل، أو الإبقاء على قيد الحياة). تكشف مقاربة ميمبي عن وجه السيادة في الحالة الاستعمارية بوصفها ممارسةً لـ «الحق في القتل» أو إخضاع السكان لحالة من «الموت مع وقف التنفيذ» (صيغة: صناعة الموت). يرى ميمبي أن مفهوم فوكو (السلطة الحيوية) “ناعم” ولا يكفي لتفسير العنف الوحشي في المستعمرات (مثل العبودية، نظام الفصل العنصري، والاحتلال في فلسطين… أو ما يسميه “الموتى الأحياء”).
[6]يقتبس إيال وازيمان في كتابه “أرض جوفاء” بعض أفكار الطبيب النفسي الفلسطيني الراحل إياد السراج، الرائد في دراسة آثار القمع السياسي والاحتلال (التعذيب، هدم المنازل، الحصار) على الصحة النفسية، وخصوصاً لدى الأطفال.، ومؤسس “برنامج غزة للصحة النفسية” (1990). وصف غزة بأنها “مختبر”، ووصف تأثير جدار الصوت والقصف الجوي الذي يجعل السكان يشعرون وكأنهم “صراصير مخدرة داخل زجاجة”، مما يخلق حالة من الضغط النفسي المستمر (Chronic Traumatic Stress) بدلاً من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، لأن الصدمة مستمرة ولا يوجد “ما بعد”. ويركز السراج في فرضيته هذه على ما يعرف في علم النفس السياسي والاجتماعي بـ “إذلال الأب” وعلاقته بتوليد العنف أو العمليات الاستشهادية. ويرى السراج أن أقسى ما يواجهه الطفل الفلسطيني ليس الفقر أو الحصار المادي، بل مشهد عجز الأب. الذي يمثل -في الوضع الطبيعي- مصدر الحماية والسلطة. ولكن تحت الاحتلال، يشاهد الطفل والده وهو يُضرب أو يُهان أو يقف عاجزاً أمام الجندي الإسرائيلي الشاب. وتكون النتيجة تحطم صورة الأب (رمز السلطة والقوة) في عين الطفل. ولتعويض هذا “الخصاء الرمزي” للأب واستعادة الكرامة المهدورة، يقرر الطفل تبني القوة التي قهرت أباه، أو يلجأ إلى “الاستشهاد” كوسيلة وحيدة لممارسة القوة وتطهير العار، ليصبح هو “البطل” الذي فشل والده في أن يكونه. ويكون اللجوء إلى الموت (العمل الانتحاري) أداة لاستعادة المعنى والكرامة. للمزيد، انظر. Sarraj, Eyad El. “Suicide Bombers: Dignity, Despair, and the Idea of Death.” Journal of Palestine Studies 31, no. 4 (Summer 2002): 27–35.
[7]انظر على وجه الخصوص التحقيقات الاستقصائية المنشورة في مجلة (+972 Magazine) من إعداد يوفال إبراهام ، مثل : “A mass assassination factory” (2023) على الرابط التالي https://www.972mag.com/mass-assassination-factory-israel-calculated-bombing-gaza/ و “Lavender: The AI machine directing Israel’s bombing spree in Gaza” (2024) على الرابط التالي https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza/
Aljarmaq center Aljarmaq center