رولد دال
ترجمة محمود الصباغ
وقعت راحة يد الطفل على رضفة ركبته فاستشعر قشرة جرح قديم، انحنى إلى الأمام ليفحصها عن كثب. لطالما أثارت قشرة الجرح فضوله واهتمامه؛ وكأنها تحدٍ خاص يعجز دائماً عن مقاومته. حدّق في القشرة وقال لنفسه:”… نعم سأقتلعها، حتى وإن لم يحن أوانها، وحتى لو التصق وسطها، ولو آلمتني أشد الألم”.
شرع يستكشف بأحد أظفاره حواف القشرة حذراً. أدخل ظفره تحتها برفق، وما إن رفعها، قليلاً، حتى انفصلت فجأة؛ انفصلت القشرة البنية الصلبة بأكملها بسلاسة رائعة ودفعة واحدة، وانكشف في مكانها دائرة صغيرة من الجلد الأحمر الناعم.
-“جميل. جميل حقاً”. همس الطفل. فرك الدائرة فلم تؤلمه. التقط القشرة ووضعها على فخذه، وبلطف نقرها بإصبعه فطارت بعيداً لتسقط على حافة السجادة، تلك السجادة الضخمة الحمراء والسوداء والصفراء الممتدة على طول الردهة، من درجات السلم حيث يجلس، إلى الباب الأمامي في أقصى المكان.
يا لها من سجادة هائلة، أكبر من ملعب التنس. بل أضخم من ذلك بكثير. راح يتأملها بوقار وجدية، محدقاً فيها بعينين تعكس بريقاً من متعة ممزوجة بالدهشة والسرور. لم يكن قد انتبه حقاً لهذه السجادة من قبل، ولم يلاحظ تفاصيلها الغنية بالألوان القوية التي بدت الآن، على نحو مفاجئ، تشتعل بوهج غامض وتسطع أمام عينيه بلمعان مبهر وجمال يخطف الأنظار.
حدث نفسه فقال: “أجل.. أجل … فهمتُ حقيقة الأمر الآن. الأجزاء الحمراء من السجادة عبارة عن جمرات من الفحم المشتعل. وما عليّ إلا السير على طول السجادة حتى الباب الأمامي دون لمسها؛ وإلا سأحترق تماماً… أما الأجزاء السوداء، نعم تلك البقع العاتمة، إنها ثعابين. أفاعٍ سامة؛ نعم معظمها حيات سامة وكوبرا، غليظة من المنصف مثل جذوع الأشجار، وإن لمست أحداها، ستلدغني وأموت قبل موعد الشاي، وإن عبرت بسلام، دون احتراق ولدغ، سأحصل على الجرو، هديتي في عيد ميلادي غداً.
نهض على قدميه وصعد درجات السلم ليحظى برؤية أفضل لهذا النسيج الفسيح المليء بالألوان والموت. أهذا ممكن؟ أهناك ما يكفي من اللون الأصفر؟ فالأصفر هو اللون الوحيد المسوح له بالمشي عليه. أيمكن إنجاز ذلك؟ لم تكن هذه رحلة يُستهان بها؛ فالأخطار أعظم من ذلك بكثير.
أطل وجه الطفل قلقاً من فوق الدرابزين؛ غرة من الشعر الذهبي المائل للبياض، وعينان زرقاوان واسعتان، وذقن صغيرة مدببة. بدا اللون الأصفر خفيفاً في بعض المواضع، وتخللته فجوة أو اثنتان عريضتان نوعاً ما هنا وهناك، لكنه بدا ممتداً على طول الطريق حتى الطرف الآخر. لا ينبغي لمسألة السجادة هذه أن تشكل صعوبة بالغة لمن اجتاز بالأمس فقط وبكل ظفر الممر الحجري بأكمله الممتد من المستودعات إلى البيت الصيفي دون لمس الشقوق.
ولكن كل شيء إلا الأفاعي. إن مجرد التفكير بها كافياً لبعث موجة خوف، مثل تيار كهربائي رقيق يسري كوخز الإبر أسفل ساقيه وتحت باطن قدميه.
هبط السلم ببطء وتقدم نحو حافة السجادة. مدّ قدمه الصغيرة المنتعلة صندلاً، ووضعها بحذر على بقعة صفراء، ثم أتبعها بالأخرى، ولم تكن المساحة تتسع إلا لوقوفه بقدمين مضمومتين معاً. وها هو ذا قد بدأ الرحلة!. اكتسى وجهه البيضاوي المشرق بتركيز عجيب. بدا لونه أشد بياضاً من ذي قبل، فيما بسط ذراعيه جانباً لحفظ توازنه. خطا خطوة أخرى؛ ورفع قدمه عالياً فوق بقعة سوداء هذه المرة، مستهدفاً بعناية بإبهام قدمه قناة ضيقة صفراء على الجانب الآخر. وما إن اكتملت خطوته الثانية حتى توقف ليرتاح، واقفاً بثبات وسكون تام.
امتدت القناة الصفراء الضيقة إلى الأمام دون انقطاع لمسافة تقل قليلاً عن خمسة أمتار، فتقدم عبرها بحذر شديد، قليلاً قليلاً؛ كمن يمشي على حبل مشدود. وحيث ينعطف الممر أخيراً نحو أحد الجوانب، تحتم عليه أخذ خطوة طويلة أخرى؛ وهذه المرة فوق خليط خبيث المظهر من الأسود والأحمر.
بدأ الترنح في منتصف الطريق. فطوح بذراعيه في الهواء بشدة وصار يحركهما مثل أذرع طاحونة هوائية ليحفظ توازنه، وعبر بسلام ليرتاح مجدداً على الجانب الآخر. كان يلهث بشدة وقد انقطعت أنفاسه تماماً، وازداد توتراً لدرجة أنه ظل واقفاً على أطراف أصابعه طوال الوقت، وذراعيه ممدودتان على جانبيه وقبضتا يديه مضمومتان بقوة. بات يقف الآن على جزيرة صفراء كبيرة آمنة، ولذا لن يسقط بأي حال، فوقف هناك يستريح، متردداً، ومنتظراً، ومتمنياً لو يبقى إلى الأبد على هذه الجزيرة الصفراء الكبيرة والآمنة.
غير أن خوفه من ضياع فرصة الحصول على الجرو دفعه لمواصلة السير. فتقدم خطوة تلو أخرى، متوقفاً بين الخطوة والخطوة ليحدد وجهة قدمه بدقة. واجه في إحدى اللحظات خياراً بين اتجاهين، إما يميناً أو يساراً، فاختار جهة اليسار الذي بدا، رغم كونه الأكثر صعوبة، خالياً إلا من القليل من اللون الأسود الكثيف، فالسواد هو ما يثير توتره ويجعله فزعاً.
استرق النظر سريعاً من فوق كتفه ليرى المسافة التي قطعها. بلغ المنتصف تقريباً. لم يعد هناك مجال للتراجع الآن. كان في وسط المسافة ولن يقوى على العودة وراءً، كما لن يقدر على القفز جانباً أيضاً لبعد المسافة، وما إن نظر إلى المساحات الحمراء والسوداء القابعة أمامه، حتى شعر بتلك الدفقة القديمة المفاجئة والمقززة من الذعر تعتمل في صدره -تماماً مثلما حصل معه في عيد الفصح الماضي، ظهيرة ذلك اليوم عندما تاه وحيداً في أشد أجزاء غابة بابير عتمة*.
تقدم خطوة أخرى، ووضع قدمه بعناية على القطعة الصفراء الصغيرة الوحيدة المتاحة أمامه، لتدنو أطراف أصابعه هذه المرة مسافة سنتيمتر واحد من بعض السواد. لم تكن قدمه تلمس السواد، وبدا له عدم ملامسته بوضوح، فقد أمكنه رؤية الخط الأصفر الصغير الفاصل بين مقدمة صندله والسواد. لكن الأفعى تحركت كما لو أنها تستشعر اقترابه، ورفعت رأسها تحدق في القدم بعينين خرزيتين لامعتين، وتراقب إن كانت ستلمسها. فقال لنفسه “لن ألمسك؛ إياك أن تلدغيني! تعلمين أنني لا ألمسك!
انزلقت أفعى أخرى بصمت لتجاور الأولى، ورفعت رأسها، ليصبح هناك رأسين مرفوعين الآن، وزوجين من العيون يحدقان في القدم، ويصوبان النظر نحو بثعة صغيرة عارية أسفل إبزيم الصندل مباشرة حيث يبرز الجلد للعيان. ارتفع الطفل عالياً على أطراف أصابعه وبقي هناك متجمداً من الرعب. انقضت دقائق قبل أن يجرؤ على الحراك مجدداً.
كان عليه التقدم بخطوة طويلة بحق. إذ امتد هذا النهر الأسود العميق والملتف عبر عرض السجادة، وأجبره موقعه على عبوره في أوسع أجزائه. فكر أولاً في محاولة القفز فوقه، لكنه حسم أمره بعدم قدرته على ضمان الهبوط بدقة على الشريط الضيق من اللون الأصفر في الجانب الآخر. أخذ نفساً عميقاً، ورفع قدم واحدة، ودفعها أمامه ببطء عدة سنتمرات قليلة في كل مرة، بعيداً… بعيداً، ثم أسفل فأسفل حتى عبرت قمة صندله أخيراً واستقرت بأمان على حافة اللون الأصفر.
مال بجسده للأمام، ونقل وزنه إلى قدمه الأمامية. ثم حاول جلب قدمه الخلفية أيضاً.
شدّ جسده وسحبه وجذبه، ولكنه كان عالقاً بسبب تباعد ساقيه، ولم يقدر على إتمام حركته الأخيرة. حاول التراجع مجدداً. لكنه عجز عن ذلك أيضاً. انفرجت ساقاه وعلق تماماً. نظر إلى أسفل فرأى تحته هذا النهر الأسود العميق والملتف. بدأت بعض أجزاء منه بالتحرك وانفكت حلقاتها وبدأـ تلتمع ببريق زيتي مروع.
شعر بالتوتر، فاهتز وراح يتموج ووجهه يتخبط بينما يلوح بذراعيه بشكل محموم للحفاظ على توازنه، ولكن هذا جعله يتأرجح أكثر ويزيد الأمر سوءً. ويسرع من سقوطه. وصار يميل منحرفاً نحو اليمين ببطء شديد في البداية؛ ثم بسرعة أكبر، ويزيد ميلانه أسرع فأسرع، وفي اللحظة الأخيرة، وبدافع الغريزة، مد يده ليخفف من حدة السقوط، وكان المشهد التالي أن لمح يده العارية تلك وهي تهوي مباشرة وسط كتلة سوداء لامعة ضخمة، فأطلق صرخة مدوية لحظة ملامستها.
وفي الخارج؛ تحت أشعة الشمس، بعيداً خلف المنزل، كانت الأم تبحث عن طفلها.
…………
* غابة بايبر (Piper’s Wood): تقع في مقاطعة باكينغهامشير Buckinghamshire الإنكليزية، قرب بلدة أميرشامAmersham.. يُذكر أن رولد دال عاش معظم حياته (نحو 36 عاماً) طويلاً في قرية قريبة لأميرشام تابعة للمقاطعة ذاتها تُدعى غريت مسيندن Great Missenden؛ لذا استلهم هذا الاسم من محيطه المكاني الفعلي ليضفي لمسة من الواقعية والمصداقية على عالم الطفل. وتبعد القريتان عن بعضهما أميالاً قليلة، وتقع غابة “بايبر” في تلك الرقعة الجغرافية الريفية المحيطة التي طالما استلهم دال منها أجواء قصصه ومسرح أحداثها.-المترجم
………..
تعقيب
يعد رولد دال(1916-1990) من أبرز كتاب الأدب الإنكليزي في القرن العشرين. وقد برع في ولوج عوالم تمتزج فيها البراءة بالرعب، والخيال الواسع بالواقع المظلم. ويجمع في أسلوبه بين السخرية السوداء والنهايات المباغتة، إلى جانب الاقتصاد اللغوي والبراعة النفسية، وهي خصائص تجعل نصوصه شديدة التأثير والتشويق، إذ يبنى حيزه الدرامي على وقع التوتر النفسي، ويغلف قصصه بفكاهة قاتمة تكشف الجوانب الخفية للطبيعة البشرية. وغالباً ما تبدو النهايات مفاجئة، فتصدم القارئ، وتكسر أفق توقعه.
تتجلى براعة دال في هذا النص بتقمصه عقل الطفل وخيالاته ومخاوفه، محولاً لعبة ذهنية إلى صراع رعب من أجل البقاء.
صدرت قصة “أمنية”(The Wish) في العام 1953 مزج فيها بين الواقع والخيال بطريقة تجعل القارئ غير متأكد تماماً مما حدث فعلاً.
ديناميات الترميز
يركز رولد دال على العالم الداخلي للطفل الذي يرى العالم بعينيه، لكنه يعيد تشكيله بخياله على نحو مخالف لما يراه. فيتضخم الواقع في وعيه ويكتسب أبعاداً متعددة. ويبدأ مسار التضخيم من تفصيل ضئيل؛ قشرة جرح لا قيمة لها في نظر أي شخص بالغ، لكنها ستتحول إلى بوابة فضول لعالم آخر. فضول يشوبه ميل للاختبار، ولمس الحد الفاصل بين الألم واللذة.
وتبدأ الخريطة النفسية من السجادة كبؤرة مركزية مكثفة ومبسطة للعالم كما يراه الطفل الذي يلجأ -حين يتصاعد الخوف- إلى تنظيم تجربته، وصنع نموذج خيالي مصغر للواقع. تقدم السجادة للطفل مساحة محايدة من الألوان المتداخلة تسمح له بإعادة تعريفها في ذهنيه. فيستحيل الأحمر جمرات فحم مشتعلة، ويتحول الأسود إلى أفاعٍ. وحده الأصفر ينجو ليصبح طريقاً ضيقاً للحياة.
وإذن ينقسم عالم الطفل بحدة بين خطر أو أمان، أو بين خطوة صحيحة أو سقوط، ولا منزلة بين المنزلتين.
ويعبر هذا التقسيم عن طريقة إدراك لمنطق الحسم في تجاوز انفعالي للفهم المتدرج بوصفه ميزة من ميزات التعلم في السنوات الأولى من عمرنا. وهنا تحتل التفاصيل وزناً غير عادي حين يتحول الجسد نفسه إلى أداة تفكير، ويصبح التوازن وعياً بالخطر أكثر منه حالة حركية . ثمة رمزية ديناميكية هنا، فحركة الطفل على اللون الأصفر، وتجنبه للأحمر والأسود، تمثل رحلة التعلم والنمو، بمعنى مواجهة المخاوف خطوة بخطوة والتعامل مع القلق، وموازنة الرغبة بالمكافأة مقابل جسامة الخطر.
ويشكل الخوف من الثعابين، المادة الخام التي تجد صيغها فوراً في ألوان السجادة ليعيد الخيال تركيب المخزون الداخلي من صور قديمة أو حكايا في كتاب أو ذاكرة غامضة تطفو على السطح تتحول جميعها إلى واقع محسوس. وكلما اشتد الخوف، ازداد ثقل الهدف. وهنا يربط دال بين عالمين: خيال مفرط(ألوان السجادة)، ومكافأة واقعية تماماً(الجرو).
هذا هو سحر القصة، حيث يعيش الطفل، من الداخل، الحدث بكل صدق. في لحظة لعبه على السجادة، كما أن شعوره بالخوف شديد جداً وحقيقي لدرجة أنه يتصور ألوان السجادة كأنها أفاعٍ حقيقية، حتى أنه يشعر بلدغتها. وتعكس هذه التجربة طبيعة الوعي الطفولي الذي لا يميّز بين الخيال والواقع بدرجة وضوح البالغين. لذا، عندما أشرف على السقوط، استقالت المخاوف في جسده فصرخ ومد يده كما لو أنه يتفاعل مع خطر داهم.
يبقى الطفل وحيداً مع مخاوفه، وتتحول اللعبة إلى تجربة أعمق، لا تتجمد عند حدود لعب طفولي. كما يمثل التوقف والتفكير قبل كل خطوة وعياً بالخيارات والعواقب، وهو عنصر بالغ الأهمية في النمو النفسي والعاطفي. ويمثل الجرو دافعاً واقعياً لتطبيق الخيال. ولا يمكن للطفل من دونه المضي في مغامرته حيث يتصل الخيال بالعالم الواقعي عن طريق الرغبة أو المكافأة.
لا يكتفي دال بسرد مغامرة، بل يأخذنا إلى داخل ذهن الطفل نفسه، حيث يصبح الخيال واقعاً لا ينفصل عن الواقع الفعلي، فلا ينفصل عنه ويتحول إلى وسيلة أساسية لفهم الوجود والسيطرة، ويعمل العقل وفق آلية فريدة تعيد اختراع العالم ولا تكتفي برصده، في جو من المخاطر حقيقية، والانتصار عاطفياً قي المقام الأول.
سيكولوجيا التخيّل وبناء الذاكرة الطفولية
يرتكز عالم الطفل على دمج حسي وعاطفي، ويجري بناء الذكريات عبر الارتباط العاطفي الشديد؛ فالمشاعر المكثفة -مثل الفزع، أو الرغبة العارمة في الحصول على الجرو- بمنزلة مختبر صنع التجربة وتحفير الذاكرة.
لا يميز الطفل بين الواقع الموضوعي والخيال الذاتي على نحو واضح مثل البالغين؛ ويستمد الخيال مادته من مخزون صور قديمة (الأفاعي مثلاً) أو مخاوف كامنة (غابة بايبر؟)، ثم يحولها بالعاطفة إلى واقع محسوس يصدّقه الجسد ويتفاعل معه بالارتجاف أو الصراخ. هو لا يرى العالم كما هو، وإنما يعيد خياله صياغته؛ فالأشياء اليومية التافهة في نظر البالغين تكتسب عنده أبعاداً خطيرة ومعاني وجودية. وهكذا، تصبح الذكرى مزيجاً من ملمس حقيقي (تمثلها السجادة في القصة) وشعور متخيّل (الأفاعي وخطرها)، حيث تشكل المشاعر مساراً لخيال يستقر في خانة الحقيقة المطلقة داخل وجدانه.
يعمل عقل الطفل بطريقة مختلفة عن عقل البالغ؛ فيخلط بين الواقع والخيال ليعيد تشكيل ما يراه كما يشعر به. ويبدأ الإدراك من الداخل، من الإحساس، ثم يتجسد في صورة، ليظهر، بعدها، كأنه واقع خارجي. وبهذا المعنى، تُبنى الذكريات بوصفها مزيجاً من الشعور والصورة والتفسير الداخلي، حيث يلعب الإحساس، وخاصة الخوف، الدور الحاسم في تشكيلها. لذلك قد تبدو بعض الذكريات “نسخاً حقيقية لما حدث” رغم أنها لم تقع حرفياً، لأن الطفل عاشها نفسياً بصدق كامل، كما أنها تظل قابلة لإعادة التشكيل كلما جرى استحضارها، فتتضخم أو تتغير تبعاً للحالة الشعورية. ومن هنا، لا يكون ما نعدّه “وهماً على أنه خطأً في الإدراك بقدر ما هو ترجمة حسية للمشاعر؛ فالخوف يعيد ترتيب العالم ويضخم الإشارات الغامضة ويحولها إلى صور ملموسة. غير أن هذا الخيال لا يبقى عشوائياً، إذ تتدخل الرغبة لتمنحه اتجاهاً واضحاً؛ فهدف بسيط كالحصول على جرو يتحول إلى مركز تنظيمي للتجربة تكون الصور والمخاطر محل إعادة متواصلة، ويصبح ما يواجهه الطفل من تهديدات جزءً من طريق ضروري نحو المكافأة.
توازن الرغبة، بهذه الطريقة، بين الخوف والإقدام، وتمنح التجربة شدتها ومعناها، فينتظم الخيال كأداة لفهم الواقع والتعامل معه، وليس سبيلاً للهروب منه، ويتحوّل تفصيل بسيط في البيئة إلى رحلة كاملة من التوتر والتحدي والانتصار.
ويكمن جوهر قصة رولد دال في السؤال المركزي: كيف يعمل عقل الطفل من الداخل، وكيف تصنع وتبنى الذكريات وكيف تميزها عن غيرها.
لا يفصل عقل الطفل بوضوح بين الإدراك والخيال. فما يراه، وما يتخيله، وما يشعر به، كلها عوامل أو مسببات، تتداخل لأن القاعدة لديه تقول إذا أردت معرفة العالم، عليك تخيله أولاً، فهو لا يكتفي بوصف اللون الأصفر أو الأسود أو الأحمر عندما يراه. فرؤية اللون تضعه أمام سؤال ضمني : ماذا يمكن أن يكون؟ هنا يدخل الخيال فوراً ليملأ الفراغ. ويبدو أن الطفل لا يضيف الخيال إلى الواقع، بقدر ما يعيد تشكيل الواقع ذاته. لذلك تبدو التجربة لديه حقيقية بالكامل، حتى لو كانت قائمة على تصور. وثمة عناصر عدة تقف وراء آلية بناء الذاكرة هي الإحساس (خوف، فرح، دهشة) والصورة (مشهد، لون، شكل) والمعنى (تفسير داخلي لما حدث).
لننتبه هنا أن الذاكرة لا يجري تخزينها بوصفها صوراً جامدة. وعادة ما يكون الإحساس أقوى من غيره، فعند الشعور بالخوف، يبحث الدماغ مباشرة عن صورة تناسب هذا الخوف، حتى لو لم تكن موجودة فعلياً، وهذه هي الحالة الأولية لتشكل الذاكرة، أي، ليس كنسخة من الواقع، ولكن كنسخة من الشعور.
لا يميز الطفل دائماً بين ما حدث فعلاً وما تخيله. لأن آلية التمييز تتطور لاحقاً مع النضج. ولكن في المراحل المبكرة يكون معيار التمييز بسيط، أي على نحو ما يكون شعوراً قوياً يكون “حقيقياً”. لذلك قد يتذكر الطفل شيئاً لم يحدث تماماً في الواقع، لكنه عاشه داخلياً بصدق.
بالنسبة له، التجربة صادقة حتى لو لم تكن دقيقة. وتستكمل آلية التمييز البسيطة عندما يجري استرجاع التجرية في كل مرة، وتكون هذه العملية عند الطفل أكثر سيولة، ففي كل مرة يتذكر فيها شيئاً قد يضيف إليه “بيانات” جديدة من قبيل تضخيم جزء وحذف آخر.. وما إلى ذلك.
لا تكون الذاكرة هنا أرشيف بمعنى ما، وإنما قصة تكتب باستمرار. ولعل هذا ما يدفع الطفل إلى رؤية العالم بطريقة مختلفة، فيزيد من انتباهه للتفاصيل ويضخم الإشارات الغامضة ويحول الاحتمال إلى يقين. لذلك هو لا يكذب عندما “يرى” الثعابين، ولا يخطئ على نحو ساذج، ولكنه يترجم شعوره إلى صورة دون اليقين بأن هذه المشاعر تخلق أوهاماً، لأن المشاعر لا تخلق أوهاماً بالمعنى البسيط، وإنما تخلق تجارب معاشة.
وإذن، يعمل عقل الطفل من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، أي يكون الشعور أولًا، ثم الصورة، ثم “الواقع” كما يُعاد تشكيله. وهذا بالضبط ما فعله دال: فهو لم يكتب عن سجادة، بل عن عقل يرى السجادة كما يشعر بها، وليس كما هي.
الرغبة: القوة المحركة للعمل
تعد الرغبة في القصة- وهي هنا الجرو- القوة المحركة والدافع الأساسي الذي ينقل الطفل من حالة الخيال الساكن إلى حالة الفعل والمغامرة، مما يمنح الخيال اتجاهاً معنى،(من دونها يبقى الخيال مبعثراً وأقرب إلى صور عشوائية، ومعها يتحول إلى مسار واضح، له بداية وغاية)، وتعمل كنقطة جذب حين تبدأ الصور التي ينتجها الخيال بالدوران حولها. ومن هنا تدفع الرغبة الطفل لاتخاذ القرار بعبور السجادة رغم إدراكه التام للمخاطر(لم تتحول السجادة لتصبح ساحة خطر عن عبث، فهي الطريق نحو شيء مرغوب).
من دون هذه الرغبة، ستبقى السجادة مجرد قطعة أثاث، ولن يضطر الطفل لمواجهة مخاوفه.
بهذا المعنى، لا ينفصل الخيال لا ينفصل عن الهدف، كل ما في الأمر أنه جرى إعادة تنظيمه لخدمته. ومن هنا تعمل الرغبة كبوصلة توجه مسار الخيال؛ فلكي يستحق الطفل المكافأة الواقعية (الجرو)، يضع عقله شروطاً قاسية داخل اللعبة (عدم لمس الأسود والأحمر)، مما يحول التخيّل إلى اختبار حقيقي للإرادة. ولكن الرغبة تبرر الخطر لأن الطفل يقبل مواجهة الفحم والثعابين لأنه يريد الجرو. أي أن الرغبة تخلق توازناً داخلياً بين الخوف والإقدام. فكلما كان الهدف أقوى، صار الخوف محتملًا. ناهيك عن أن الرغبة ترفع من حدة التجربة التي هي بالأساس معيار المعرفة، ويكون الوصول إلى الجرو -مكان الجرو بالأحرى- نتاج عبور نفسي، فهو، بالتالي، نجاح مستحق في نظر الطفل. ليتحول الجرو إلى نوع من التأكيد الداخلي، إن لم نقل الذاتي.
عندما يشتد الذعر ويصل الطفل إلى مرحلة التردد أو الرغبة في البقاء للأبد على “الجزيرة الصفراء” الآمنة، يأتي الخوف من ضياع الرغبة (الجرو) ليكون أقوى من الخوف من الأفاعي، مما يجبره على مواصلة المسير. وهكذا تشكل الرغبة مساراً أو جسراً يربط بين عالم الخيال المفرط (الأفاعي والجمر) وبين المكافأة الواقعية المنتظرة؛ فهي، أي الرغبة، تمنح الألعاب الذهنية صبغة “الجدية” وتجعل للنجاح أو الفشل عقابيل ملموسة في حياته الحقيقية.
وفي النهاية-وبفضل هذه الرغبة- لم يعد جسد الطفل يتحرك بعفوية. لقد أصبح أداة تفكير؛ حيث يركز كل حواسه في إبهام قدمه وفي توازنه، لأن الهدف (الجرو) يستحق هذا الاستنفار الجسدي والذهني الكامل.
نحن أمام نص عن “تكوين الوعي”. كيف يتحول الخوف إلى أداة، وكيف يصبح الخيال وسيلة لفهم العالم والسيطرة عليه. كل شيء يبدأ من تفصيل صغير، ثم يتسع ليملأ التجربة الإنسانية بكاملها.
ملاحظة ختامية
لو تجاوزنا العمل كنص من أدب الأطفال، فإن أكثر الكتاب قرباً من أسلوب دال في عالمنا العربي ربما هو القاص الراحل أحمد خالد توفيق الذي يطغى أسلوب الكوميديا السوداء على أعماله وتوظيف عناصر الرعب والغرائبية في سياقات مألوفة. إلى جانب براعته في صياغة حبكات متماسكة، وختم قصصه بمفاجآت تقلب الموازين وتكسر أفق التوقع. ولعل أهم ميزة مشتركة بينهما هي ابتكار البطل النقيض، مثلما صاغ توفيق شخصيات تفتقر إلى سمات البطولة التقليدية. وتبرز هنا شخصية “رفعت إسماعيل” كعجوز متشائم ذي بنية جسدية ضعيفة. ويتقاطع هذا المسار مع أبطال دال المنبوذين، أو الضعفاء، أو غريبي الأطوار. إلى جانب الاقتصاد اللغوي والتسارع السردي والابتعاد الحشو والاستطراد الوصفي. والاعتماد على جمل قصيرة ذات إيقاع سريع تدفع الحدث نحو الذروة مباشرة، وتصنع صوراً ذهنية دقيقة في مخيلة القارئ.
Aljarmaq center Aljarmaq center