أية مهمة صعبة عسيرة المنال هي تلك التي تصدى لها الدكتور إبراهيم السعافين في كتابه الصادر في عمان ، في العام 2008 ، عن دار شروق ؟
في مقدمة الكتاب يكتب المؤلف أنه لإنجازه بذل فيه ” جهدا مضنيا يحتاج إلى جهود تالية ” وهو محق فيما كتب . فالمرء ، وهو يتابع تصفح الكتاب ، يثير السؤال السابق غير مرة ، ويخيل إلي أن ما أنجزه المؤلف في بضع سنوات يحتاج إلى عقود ، ويمكن أن يكون ” مشروع عمر ” ، والكتب التي يمكن أن تنعت بهذا الوصف كتب قليلة ، بل ونادرة . إنها عموما كتب مثل معجم الموتيفات والأفكار الرئيسة ومعجم الرموز ومعجم مصطلحات الأدب ؛ الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية .
ربما يعد كتاب حسين مروة ” النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ” ، وموسوعة المصطلح النقدي المترجمة لعبد الواحد لؤلؤة ، وموسوعة السرد العربي لعبد الله إبراهيم ومؤلفات سعيد يقطين في تحليل الخطاب الروائي ، ربما تعد هذه المؤلفات مشاريع عمر لأصحابها ، وكان يمكن لكتاب الدكتور إبراهيم السعافين المذكور أن يكون مثلها لو اشتغل أكثر في جنس القصة القصيرة ودرس القصاصين الذين ذكرهم كلهم في كتابه دراسة متساوية متناولا نتاجهم كله . لكنه لم يفعل فخسر كتابه الوصف ” مشروع عمر ” ، ويبدو أن الأجناس الأدبية الأخرى التي كتب عنها الدكتور ؛ الشعر والرواية والمسرحية ، ثم لاحقا كتابة الرواية فالمسرحية والعودة إلى كتابة الشعر ومن ثم السيرة الذاتية ، يبدو أن هذا كله بدد تركيزه على إنجاز مشروع عمر يصبح علامة مميزة في تاريخ الأدب العربي يتكيء عليها الدارسون اللاحقون ويعودون إليها باستمرار .
لا أعرف كم هي المدة الزمنية التي أنفقها الدكتور في تأليف كتابه الذي يقول لنا الكثير عن مدى إلمامه إلماما كافيا بكتاب القصة القصيرة وقصصهم في البلدين المذكورين على مدى 50 عاما 1950 – 2000 .
إنها مهمة صعبة حقا أن تدرس 78 قاصا صدر لأكثرهم ما لا يقل عن خمس مجموعات قصصية ، وصدر لقسم منهم عشر مجموعات وأحيانا أكثر .
عندما بحثت في محرك البحث ( غوغل ) عن مراجعات للكتاب أصبت بصدمة حقا ، فلم أقرأ الكثير ، علما بأنه – أي الكتاب – درس الكثيرين من كتاب القصة القصيرة ، وكان يفترض أن يتوقف هؤلاء أمام ما كتب عن نتاجهم مادحين أو ناقدين أو مبدين وجهات نظر ، تماما كما كان يفترض أن يقف نقاد القصة القصيرة أمام الكتاب ، باعتبارهم متابعين لفن القصة ، مبينين ما له وما عليه ، وفي الكتابة من كتاب القصة القصيرة ونقادها ما قد يسدي خدمة للمؤلف إذ قد يعيد النظر فيما كتب إن أعاد طباعة الكتاب ثانية .
الدكتور إبراهيم السعافين دارس وباحث صدرت له كتب عديدة ، وهو أستاذ جامعي أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه وناقش أيضا عشرات الرسائل وحكم مئات الأبحاث ونظر في عشرات الترقيات إلى رتب علمية ، وما من شك أن الكتابة عن كتابه تتطلب دقة وحذرا ، والكتابة عنه مغامرة قد تودي بمنجزها أيضا ، فقد تقع أعماله بين يدي الدكتور فلا يرحمه ولا يرحمها .
والحقيقة أنني فكرت كثيرا قبل الكتابة وعدت إلى الكتاب أتصفحه وأسائل معلوماتي وأدقق فيها . أقدم تارة وأتراجع ثانية كي لا أخسر صداقة عالم صديق وإنسان مهذب جدا ، ولكن من قال إن ما أكتبه أنا مكتمل ، وماذا لو كتب دارس منتقدا ما أكتب ؟ أليس هذا من حقه ؟
الخلاف في الرأي والاجتهاد لا يفسد للود قضية .
الملاحظات كثيرة والمساحة هنا قد لا تتسع ولكن لا بد من خطوط عامة .
لا ينكر المؤلف أن هناك دراسات عديدة سابقة درست هذا الفن ، وهي كثيرة ، ذكر قسما منها وغابت عنه أخرى لأنه ” ليس من الممكن استقصاء البحوث والدراسات والرسائل التي تناولت كتاب القصة في فلسطين والأردن ” ، ويوضح أن كتابه كان في الأصل بحثا أعد في صورة موجزة بتكليف من مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافية ، ولكنه رأى أن الصورة التي ظهر فيها موجزة لا تستقيم ، فأعاد النظر في منهج البحث والغاية منه حتى استوى على الصورة التي ظهر فيها في الكتاب ، ولا يقفل الدكتور باب الدراسة والتوسع في هذا الجنس في الزمان والمكان المحددين ، وذلك لغناه وتراكمه وتعدد تياراته واتجاهاته . إنه جنس ” في حاجة ماسة إلى دراسات متتابعة تنهض بمتابعتها وتحليلها وتفسيرها وبيان خصائصها البنائية والشكلية والمضمونية ” .
ويشير إلى ما لا ينبغي أن يغيب عن البال وهو أن حركة القصة المدروسة ” تنتظمها اتجاهات وتيارات مختلفة ولكنها متداخلة ” وربما لهذا يدرس في الباب نفسه كتابا من أجيال مختلفة ، وأحيانا يكرر الكتابة عن القاص نفسه تحت عنوانين مختلفين ، كما حدث مع توفيق فياض .
والكتاب الذي يتكون من مدخل وخمسة فصول يقول لنا إنه درس القصة في تحولاتها دراسة أقرب إلى الدراسة التعاقبية ، ففي المدخل يتوقف أمام الرواد الذين كتبوا القصة قبل 1948 ، ثم يدرس التحولات نحو الواقع ، فالرواة في مواجهة التجربة ، فجيل التحولات القاسية ، فالكتاب الذين حلقوا في آفاق التجريب : تحولات الواقع والرؤية ، وأخيرا أجيال المغامرات المفتوحة .
ونظرة على الأسماء التي أدرجت تحت العناوين هي ما جعلتني أقول ” أقرب إلى التعاقبية ” إذ حين يمعن المرء النظر في الأسماء سرعان ما يتراجع عن وصف الدراسة باتباع المنهج التعاقبي ، إذ يقدم دراسة ماجد أبو شرار على دراسة غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا أيضا .
ونظرا لأن المساحة محدودة فإنني سأكتفي بملاحظات سريعة منها :
– كان التعامل مع المراجع والمصادر المشار إليها والمدروسة تعاملا غير دقيق ، فقد أشار إلى مراجع درست فن القصة وأغفل أخرى ، ولا تشفع له ملاحظته بخصوص المراجع ، أما بخصوص المصادر فإن الدكتور لم يقم بعمل إحصائية لكل ما صدر لكل كاتب ، حتى إذا ما اختار منها نصه ليدرسه يبدو مقنعا وناجما عن إلمام كامل بنتاج القاص المدروس .
– لم يقل لنا الدكتور ما الجديد الذي أضافه كتابه إلى الدراسات السابقة ، وبم اختلف عنها منهجا ، وما الخلل الذي رآه فيها فدفعه إلى تأليف كتابه . وهنا لا أدري ما السبب الذي جعل مؤسسة شومان تكلفه بإنجاز البحث ، علما بأن من يراجع الموسوعة الفلسطينية يقرأ فيها بحثا عن القصة القصيرة الفلسطينية للدكتور واصف كمال أبو الشباب وآخر للدكتور محمود شريح .
– أنصف الدكتور كتاب قصة وظلم آخرين ، فكتب عن المنصفين صفحات كثيرة تصل إلى العشرين صفحة أحيانا ، في حين أنه كتب بإيجاز شديد عن الآخرين المظلومين ، دون أن يبدي رأيا فيما أقدم عليه ؛ أيعود السبب إلى كثرة الإنتاج وجودته وقلة الإنتاج ورداءته مثلا ؟
– مع أن الكتاب يحدد المدة الزمنية من 1950 إلى 2000 إلا أننا نلاحظ أنه أهمل نتاج بعض القصاصين الذين كتبوا في هذه الفترة ، وتناول بعض نتاجهم الذي كتب بعد العام 2000 ، وهو ما نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر في دراسته للقاص أكرم هنية ، الذي كتب عنه صفحة واحدة فقط تناول فيها قصة ” أسرار الدوري ” وقد صدرت المجموعة في العام ٢٠٠٣ ، وكان هنية أصدر قبلها أربع مجموعات قصصية من 1979 إلى 1986 . والغريب أن الدكتور يقتبس في دراسة القصة من كتاب صدر عن تجربة هنية في العام 1990 .
– هل يعقل أن يكتفى بالكتابة عن جهود نجاتي صدقي من خلال اختيار قصة واحدة له هي ” حياة بلابسي ” وقد كتبت قبل 1951 في حين أصدر مجموعة ” الشيوعي المليونير ” في العام 1963 وهو يعد من أبرز كتاب القصة القصيرة الفلسطينية ، عدا أن هناك رسالة ماجستير أنجزت عنه في الجامعة الأردنية في العام 1984 ؟
– إغفال كتاب صدرت لهم في هذه الفترة مجموعات ( صبحي شحروري وفضل الريماوي وسامي كيلاني وإبراهيم العلم وأنا أيضا ، وقسم من هؤلاء له غير مجموعة قصصية … )
– وفي خاتمة كتابه يعدد الدكتور أسماء كتاب قصة قصيرة كتب أنهم كتاب مهمون ” ويستحقون الوقوف عندهم من مثل أسعد الأسعد وهاني الطيطي وجمعة شنب و … و … و … وغيرهم وقد وقف بعض الدارسين عند بعض أعمالهم وتنبهوا على ما فيها من قيم فنية وإنسانية ، وأشاروا إلى إضافتهم إلى حركة القصة العربية في فلسطين والأردن “(1) ولم يورد في الصفحة نفسها ( 398 ) أسماء هؤلاء الدارسين ، وربما يعود هذا إلى خطأ في الطباعة ، وقد تكون الإشارة إليهم تمت في الصفحة السابقة ، والأخطاء في الطباعة والإحالة لا يخلو منها الكتاب ، لكن اللافت هو أن بعض الأسماء التي أوردها صلتها بالقصة القصيرة ضعيفة أو معدومة مثل أسعد الأسعد الذي عرفناه شاعرا ومن ثم روائيا ولم نعرفه كاتب قصة قصيرة ، ولما سألته إن كان كتب القصة القصيرة أجاب بأنه ربما نشر بعض الحكايات ولا يعرف إن كانت تعد قصصا قصيرة ، ويورد له الكاتب في قائمة المصادر صفحة 401 عنوان روايته ” ليل البنفسج ” ، والطريف أن هناك كتابا أصدروا مجموعات لم يذكرهم حتى هنا مثل يعقوب الأطرش وإبراهيم جوهر وحسن عبدالله وعبد الكريم قرمان ومحمد أبو النصر ومصطفى مرار ومحمود عباسي وتيسير نظمي وآخرين ، ومصطفى مرار أصدر ما لا يقل عن 20 مجموعة قصصية .
ومن الأخطاء التي قد تعزى للطباعة والإخراج هو تكرار الكتابة عن توفيق فياض ، فقد درسه الدكتور في الفصل الرابع ، وتكرر ما كتبه عنه في الفصل الثالث ( ينظر في الصفحات 288 و 289 و 290 تكرر في 217 و 218 219 ) .
– افتقاد الدقة في نقل الأسماء والعناوين ، فسميحة خريس التي ذكرها في الفهرست في صفحة 9 تغدو في قائمة المصادر في صفحة ٤٠٣ سميره خريس ، عدا أن التوثيق هنا غير تام ، وعنوان رواية ليانة بدر ” بوصلة من أجل عباد الشمس ” يرد ” يوميات من أجل عباد الشمس ” ، وظني أن بعض أخطاء المؤلف تعود إلى اعتماده على مراجع وقعت في الأخطاء فنقل عنها دون أن يتأكد من دقة المعلومات . ثم لا يوجد تطابق تام ما بين الفهرست الرئيس والفهارس الفرعية من جهة ومن جهة ثانية بين الفهرس الرئيس والفهارس الفرعية والمدروسين في الكتاب . إنه يدرس صالح أبو اصبع في صفحة 333 ولا يورد اسمه في الفهرست العام أو حتى الفرعي ، ويدرس رسمي أبو علي فيذكر اسمه في الفهرست العام ولا يورده في الفهرست الفرعي في صفحة 261 ، بل يورد اسمه في فهرس فصل لم يدرسه فيه ، وهذا تكرر مرارا .
– الاجتهاد والتحليل . اتكاء على نظريات نقدية مثل نظرية التلقي ، فإن العلاقة تغدو بين النص وقارئه والأخير يقدم قراءته ، وبما أن الدكتور قاريء متخصص وليس قارئا عاديا ، فإن على المرء أن يقدر اجتهاداته ويحترمها ، وهي قراءات وليدة لحظة معينة وقد يعيد القارئ نفسه النظر فيها إن قرأها في زمن مختلف ، وهذه أيضا مقولة يأخذ بها أصحاب نظرية التلقي . إن قراءة نص واحد من قارئين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين ، وإن قراءة النص في زمنين مختلفين، من القارئ نفسه ، تؤدي إلى قراءتين مختلفتين .
بقي أن أشير إلى أن الدكتور قدم لجنس القصة القصيرة الفلسطينية والأردنية خدمة كبرى ، فقد انحسرت الدراسات حول هذا الجنس وضعفت وتراجعت تراجع مكانته وقلة الاهتمام به تأليفا وتلقيا نقديا وقراءة وتدريسا في الجامعة ، بل واحتفاء ، إلا قليلا
Aljarmaq center Aljarmaq center