آخر التحديثات

الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخاصة (1938-1939) دراسة في جذور “الاستعمار بالوكالة”

تأليف ماثيو هيوز

ترجمة محمود الصباغ

استهلال

مهما تشعبت اهتماماتنا وتزاحمت انشغالاتنا، نظل بحاجة ماسة -لا سيما في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا- لاستعادة واستذكار الأسس التي لا تزال تحكم “عقيدة التفكير الاستراتيجي” بشقيه السياسي والعسكري لدى إسرائيل. إن هذا الفكر، في جوهره، نتاج أصيل للفكر الاستعماري الاستيطاني الأوروبي الذي نصّب نفسه -منذ قرون- وصياً على شعوب الأرض، وشرع الأبواب أمام المشروع “القومي” الصهيوني في فلسطين، ممهداً الطريق لجغرافيا القمع من “الاستعمار بالوكالة” إلى  عقيدة “كي الوعي” التي عبّر عنها لاحقاً موشيه يعالون: “على الفلسطينيين أن يفهموا -في أعمق أعماق وعيهم- أنهم شعب مهزوم”.

من رحم هذا النظام، خرج الكابتن “أورد وينغيت” ليؤسس “فرق الليل الخاصة” في الجليل، كأداة قمع وحشية لسحق الثورة العربية الكبرى (1936-1939).

كان وينغيت، سليل العائلة الأسكتلندية المشبعة بنزعة “طهرانية” (بيوريتانية)* صارمة، يعيش في زمنين متوازيين: زمن الانتداب البريطاني حيث المصالح الإمبراطورية، وزمن الأساطير الكتابية التي شكلت مرجعيته الأولى وحولته إلى “صهيوني مسيحي” بامتياز يرى في ما يدور في فلسطين امتداداً لقصص “العهد القديم” وحروب بني إسرءيل، مفسراً إياها تفسيراً عسكرياً حرفياً وكأنها وقعت بالأمس.

تكتسب هذه الدراسة للمؤرخ العسكري ماثيو هيوز أهمية استثنائية؛ فهي تنفض الغبار عن فصل دموي منسي في الذاكرة الاستعمارية، فتسلط الضوء على الوحش الاستعماري الذي نقل “جيناته” إلى العقيدة العسكرية الإسرائيلية في أطوار تشكّلها الأولى. ويتجاوز هيوز هنا السرد التقليدي للاشتباكات، فيكشف بعمق وصبر كيف تحولت قرى الجليل ومرج ابن عامر إلى “مختبر ميداني” لهذا التوحش؛ حيث جرت مأسسة الإرهاب، وتشريع الاغتيال، واستخدام التعذيب النفسي والجسدي كأدوات “معيارية” في مكافحة التمرد.

ويثبت هيوز أن ما جرى لم يكن “نزوة” ضابط مارق، بل سياسة ممنهجة حظيت برعاية القيادة العليا البريطانية، وأسست لتحالف عضوي بين “البندقية البريطانية” و”المستوطن الصهيوني”. وفي هذا السياق، تتقاطع استنتاجات الدراسة مع أطروحة “الاستعمار بالوكالة” (Surrogate Colonialism) التي صكها سكوت أتران؛ حيث توضح الدراسة كيف أن المستوطنين الصهاينة لم يكونوا مجرد أداة ثانوية، بل جرى إعدادهم وتدريبهم عبر “فرق الليل” ليكونوا البديل العسكري والسياسي الذي ينوب عن الإمبراطورية في قمع السكان الأصليين بأقل كلفة بشرية ومادية على التاج البريطاني**.

ولذا كانت فرق الليل الخاصة تطبيقاً حرفياً للنموذج الاستعماري الذي يستعين بكتلة بشرية وافدة لإخضاع الأرض وتصفية المقاومة، وهو ذات النمط الذي تكرر في تجارب استعمارية استيطانية أخرى عبر التاريخ، إذ يهدف الاستعمار بالوكالة لتقليل الكلفة البشرية والمادية للإمبراطورية. وهذا ما يثبته هيوز عند حديثه عن اتفاقية ميونيخ؛ فحين كانت بريطانيا تخشى الحرب الأوروبية، كان “الوكيل الصهيوني” هو الخيار الأرخص والأكثر فاعلية، ومع زوال الخطر، كبحت “الإمبراطورية” جماح الوكيل.

لا يمكن فهم ممارسات فرق الليل الخاصة في قرى الجليل وبيسان بمعزل عن السلوك البريطاني في مستعمرات أخرى؛ فالمشاهد التي يصفها هيوز في فلسطين من تنكيل جماعي، وإعدامات ميدانية، وإذلال جسدي، هي صدى مباشر لذات السياسات التي طبقتها بريطانيا في الهند (مذبحة أمرتسار) ولاحقاً في كينيا (قمع ثورة الماو ماو).

إنه العقل الاستعماري الذي يرى في “الآخر” مجرد مختبر لتجارب السيطرة وشرعنة العنف المفرط بوصفه “أداة ضرورية” لفرض النظام الإمبراطوري. وحيث تحولت تكتيكات الجيش البريطاني الاستعمارية  إلى مسار لنقل فائض العنف، وهو ما حوّل- بدوره- الصهيونية من حركة استيطانية إلى “قوة وكيلة” تتبنى ذات الأدوات الوحشية لإجهاض الثورة الفلسطينية وتثبيت أركان الكيان الإحلالي.

ورغم أهمية الجهد التوثيقي الذي قدمه هيوز، إلا أنه وقع في الفخ الذي يلازم معظم المؤرخين الغربيين، وهو ما يمكن تسميته بـ “شرنقة الحياد الأكاديمي”، حيث تقف حدود “الموضوعية الأكاديمية الغربية”، إذ يغيب “صوت الضحية” على نحو تام (أو شبة تام) كفاعل سياسي، فيظهر القرويون كأهداف للضرب أو مستقبلين للعنف، دون مساحة كافية لمعرفة روايتهم الشفوية. مما يجعل المقالة تبدو كأنها تاريخ المستعمِر عن المستعمِر.

ربما سيحتج البعض أن هذا ليس موضوع البحث أصلاً، فإذا كان الامر كذلك، فلماذا إذن يلجأ هيوز إلى “قوننة العنف” عبر مصطلحات باردة مثل “إجراءات عقابية” أو “تهدئة” (Pacification)، متجنباً الإدانة الأخلاقية الصريحة أو وصف ما جرى بـ “جرائم الحرب”.

غير أن الأهم من كل ذلك ما يقدمه الكاتب من التوصيف الدقيق للحدث دون “إدانة القاتل” كبنية نظامية؛ فهو يحصر الوحشية في “وينغيت” كحالة شاذة، متجنباً وصم المشروع الاستعماري البريطاني-الصهيوني برمته بالإرهاب البنيوي.

ثمة، هنا، فجوة مفاهيمية بين النظر إلى “فرق الليل” والنظر إلى البيئة الاستيطانية الكبرى، فقد صور هيوز وينغيت كقائد لـ “فرق ليل” منفصلة، لكنه لم يربطها بقوة بـ “مجتمع الكيبوتس” ككل.

هل كانت الكيبوتسات (دغانيا، عين حرود وغيرها) مجرد “مضيف” لوينغيت، أم كانت شريكاً إيديولوجياً كاملاً؟.

تعامل هيوز مع وينغيت كحالة “صهيونية مسيحية”. وهذه الرؤية على هذا النحو يعني -على أهميتها- عدم التعمق في “سيكولوجية الاستعلاء الاستعماري”.

إن تقديم مادة تعنى بـ “تاريخ الجلاد”-إن جاز لنا القول- لا بد أن تهدف إلى تفكيك أدوات القتل وفهم الجذور “العلمية” والعسكرية لمأساتنا المستمرة.

ولذا، نحن نقرأ هيوز بعين تختلف عن عين الأكاديمي الغربي؛ فوينغيت بالنسبة لنا ليس قصة تاريخية، بل هو “حربة” لا تزال مغروسة في أجسادنا عبر استمرار الاستيطان وتأصيل التوحش في عقيدة الجيش الإسرائيلي.

في المحصلة هيوز يفسر الحدث لكنه (على الصعيد الشخصي والنفسي والجغرافي) ليس جزء منه. وهذا هو الفرق بين من يدرس “تاريخ الضحية” ليزين به سيرته الذاتية، ومن يترجم “تاريخ الجلاد” ليفكك أدوات قتله.

خلاصة القول: التلطي وراء “الموضوعية الأكاديمية” يعني في الحقيقة “انحياز للصمت”.

هم يمنحوننا “الحقيقة” مجردة من “الروح”.

ليس الهدف من هذه الملاحظات التقليل من أهمية بحث البروفيسور ماثيو هيوز، وإنما إعادة “الروح” والحكم الأخلاقي لهذا الجسد البارد الذي قدمه.

لهذا ستكون كلماتنا أكثر حدة ويقيناً بأننا لم نهرب خلف جدار الموضوعية، بل  نواجه  التاريخ بوجع أصحابه.

….

ملاحظة: تتضمن المادة العديد من أسماء القرى والبلدات والأشخاص والأحداث، وقد عدنا إلى مصادر موثوقة لضمان أقصى درجات الدقة التاريخية والجغرافية بهدف مطابقة الأسماء والمواقع الواردة في النص الأصلي مع المصادر المرجعية، وعلى رأسها موسوعة “بلادنا فلسطين” لمصطفى مراد الدباغ، وسجل القرى المهجرة في كتاب “كي لا ننسى” لوليد الخالدي، لتصحيح التشويه الذي طال أسماء القرى والمعالم العربية في الأرشيف الاستعماري.

* تنتمي عائلة وينغيت لطائفة “إخوة بلايموث” (Plymouth Brethren)، وهي طائفة بروتستانتية متشددة تؤمن بحرفية العهد القديم، وهو ما يفسر “الهوس التوراتي” الذي صبغ عقيدته العسكرية. لم تكن قيادة وينغيت لـ “فرق الليل الخاصة” عسكرية صرفة، بل كانت مغلفة بـ “هوس كتابي” جعل منه “الأب الروحي” للعقيدة القتالية الإسرائيلية. اعتاد وينغيت إلقاء محاضرات دورية على مجنديه الصهاينة (أمثال موشيه ديان ويغال ألون)، مستخدماً نصوص العهد القديم لإعادة صياغة هويتهم من “مزارعين ضحايا” إلى “محاربين انتقاميين”. ويعتقد العديد من المؤرخون (توم سيغف مثلاً) أن وينغيت هو من زرع بذور مفهوم “التفويض الإلهي للفتك”؛ حيث كان يرى في قصة القاضي “غدعون” نموذجاً مثالياً للهجمات الليلية والقتل المباشر. وبمثل المزج بين “النص الديني” و”الوحشية الميدانية” تشكلت العقيدة الصلبة والمتطرفة لوحدات النخبة (البلماح والوحدة 101 لاحقاً)، حيث أصبح العنف يُمارس بوصفه استعادة لأمجاد كتابية إلى جانب أهميته العسكرية.

** حول “الاستعمار بالوكالة”، انظر “الاستعمار البديل لفلسطين: 1917-1939” سكوت أتران، ترجمة: محمود الصباغ. يقدم أتران التأصيل النظري لمفهوم الاستعمار البديل (أو الاستعمار بالوكالة) Surrogate Colonialism الذي تُمثل ممارسات وينغيت في هذه الدراسة تطبيقاً ميدانياً له https://aljarmaqcenter.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D9%84-%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-1917-1939/

المصادر العربية

مصطفى مراد الدباغ. بلادنا فلسطين. دار الشروق، 2002.

وليد الخالدي. كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1997.

ماثيو هيوز. الاستعمار البريطاني وإجهاض الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939. ترجمة: مصعب بشير، مركز دراسات الوحدة العربية، 2021.

المصادر الأكاديمية الأجنبية:

         Hughes, Matthew. (2019). Britain’s Pacification of Palestine. Cambridge University Press.

         Segev, Tom. (2000). One Palestine, Complete: Jews and Arabs Under the British Mandate. Metropolitan           Books.

         Akavia, Avraham. (1993). Orde Wingate: His Life and Work. Ministry of Defense Publishing House.

         Sykes, Christopher. (1959). Orde Wingate: A Biography. Cleveland: World Publishing Company.

        Chetrit, Shlomi. (2017). First to Dare: Orde Wingate’s Special Night Squads. London: Helion &                Company.

……….

تشكلت “فرق الليل الخاصة” العسكرية البريطانية اليهودية المشتركة في فلسطين الانتدابية في العام 1938 على يد “أورد وينغيت”، الضابط في الجيش البريطاني. فنظمها وقادها، بهدف القضاء على [المتمردين] الفلسطينيين الذين وقفوا -أثناء الثورة العربية 1936-1939 في وجه البريطانيين والهجرة اليهودية إلى فلسطين. وانحصر نشاط هذه الفرق في منطقة الجليل شمال فلسطين.

فيما تغطي السير الذاتية لوينغيت خدمته في فلسطين مع هذه الفرق، سوف نوسع هنا نطاق الأدبيات المتاحة، عبر فحص تجريبي لعمليات فرق الليل الخاصة، بالاستناد إلى تقصي عميق في المصادر الأرشيفية البريطانية والعبرية.

وسنناقش طرق تعرف عمليات جمع المعلومات الاستخبارية المشتركة الجيش البريطاني على عملاء يهود وإمكانات التعاون-إذ كان وينغيت قبل كل شيء ضابط استخبارات- إبان انخراطه التفصيلي في العمليات العسكرية المشتركة ميدانياً مع وحدات فرق الليل الخاصة غير النظامية.

وتنبع أصالة هذه المقالة من تشريحها للآلية الي عمل بموجبها الجنود البريطانيون على تحويل-اقرأها “تطبيع”- الجنود اليهودي إلى أعضاء في فرق وحشية بتدريبهم على الأساليب البريطانية المعروفة في مكافحة التمرد التي استهدفت المدنيين والقرى القريبة من هجمات المتمردين . وبعيداً عن سيطرة القيادات العسكرية البريطانية الرسمية، اتصف عمل وسلوك ونشاط فرق الليل الخاصة بالقسوة الفائقة في حربها ضد الفلسطينيين، وخاضت هذه الفرق “حرباً قذرة”، وهو أسلوب عملياتي استوعبه الجنود اليهود الخاضعون للقيادة البريطانية، وتطبعوا به.

وإذن، تندرج المقالة ضمن البحث في التاريخ العسكري والإمبريالي، وتفصّل في الطرق الوحشية والقسوة اليومية المتبعة لحملات الإخضاع وإخماد حالات التمرد، كما تفتح نقاشات أوسع حول كيفية تعاون القوى الاستعمارية مع أقليات استعمارية موالية لها، وتبيّن طرق توظيف الجيوش النظامية لقوات غير نظامية في حملات الإخضاع، والقضاء على حالات التمرد. كما سنشير إلى تبني أنظمة ما بعد الكولونيالية-مثل إسرائيل- لمنهجيات وأساليب السيطرة هذه.

مقدمة

عندما انتشر الجيش البريطاني في فلسطين في نيسان 1936 مع بدء الثورة العربية ضد الحكم الاستعماري البريطاني والهجرة اليهودية إلى البلاد، تعاون الجيش مع المستوطنين اليهود هناك بوصفهم قوة “موالية” لمواجهة المتمردين الفلسطينيين. وكثيراً ما اعتمد الجيش على مجتمعات الأقليات لفرض السيطرة الاستعمارية، سواء للتجنيد أو لتفريق شمل أعدائه أو لجمع المعلومات الاستخبارية، ونذكر في هذا الصدد جماعات السيخ والغورخا في الهند، أو القبارصة الأتراك بعد العام 1945، وقصاصي الأثر من السكان الأصليين في الملايو، والموالين من قبيلة الكيكويو في كينيا، والبروتستانت في إيرلندا[1].

وتبعاً لذلك، سيكون محور هذه المقالة هو التعاون العسكري اليهودي مع الجيش البريطاني، بمعزل عن تجنيد الحكومة الاستعمارية الانتدابية لآلاف من “نواطير” الشرطة الإضافيةSupernumerary Police (1) من خارج الملاك ارسمي للجهاز، وشرطة المستوطنات اليهودية، الذين ناهز عددهم 15,000 وفقاً لأحد المصادر[2].

بدأ التعاون العسكري مع اليهود بجمع المعلومات الاستخبارية المشتركة، ثم تطور هذا المزيج إلى تنظيم وحدات عسكرية مشتركة، أبرزها فرق الليل الخاصة غير التقليدية التي قاتلت في الجليل شمالي فلسطين في 1938-1939 بقيادة ضابط استخبارات الجيش البريطاني المتمركز في الناصرة، الكابتن أورد وينغيت، وهو صهيوني (مسيحي) متعصب لقي حتفه في بورما في العام 1944 أثناء قيادته قوات غير نظامية ضد اليابانيين.

اتخذت المشاركة البريطاني الأولية بفرق الليل شكل ثلاث فصائل قوامها 37 جندياً بريطانياً تمركزت في مستوطنات يهودية مثل كيبوتس حانيتا وعين حيرود، تحت أمرة ثلاثة ضباط برتبة ملازم منتدبين من اللواء السادس عشر بقيادة العميد جون إيفيتس المتمركز في حيفا، وهم: الملازم مايك غروف من فوج كوينز أون رويال ويست كينتQueen’s Own Royal West Kent Regiment وروبرت “ريكس” كينغ-كلارك من فوج مانشستر Manchester Regiment، وإتش. إي. إن. “بالا” بريدين من فوج رويال أولستر ريفلز Royal Ulster Rifles [3]. وقد “شجع” العميد إيفيتس الضابط وينغيت على استطلاع الجليل ووضع “خطة مفصلة” لـ”إنشاء وحدات يهودية لمكافحة التمرد تعمل ليلاً بدعم من القوات البريطانية…”.حظيت هذه السياسة بمباركة قيادة القوات في القدس، لكن ندر أن ذكرتها الأوراق الرسمية نظراً لطبيعتها غير النظامية[4].

قاد وينغيت بنفسه الدوريات وأصيب جراء ذلك في قرية دبورية في تموز 1938. ومر عبر فرق الليل الخاصة أعداد كبيرة من الجنود اليهود من منظمة الهاغاناه الصهيونية، التواقين للحصول على تدريب عسكري رسمي من البريطانيين، بمن فيهم العديد من قادة إسرائيل المستقبليين مثل ييغال آلون وموشيه دايان. وقد تحولت الهاغاناه لاحقاً إلى الجيش الإسرائيلي في العام 1948.

دعم القائد العام للقوات في فلسطين في مطلع العام 1938، الجنرال أرشيبالد ويفل، وينغيت، لكن خلفه الجنرال روبرت هاينينغ والقيادة العليا في القدس لم يرتاحوا لأساليب الحرب غير التقليدية، فطالب الجيش في نهاية المطاف ترحيل وينغيت من فلسطين في تشرين الأول 1938، مدفوعاً بتقارير عن وحشية عمل فرق الليل الخاصة. لتنتقل قيادة  فرق الليل إلى بريدين. وعندما عاد وينغيت في كانون الأول 1938، أسندت إليه وظيفة مكتبية دون صلاحية الاطلاع على الوثائق السرية، لقطع الطريق عليه كي لا يسرب وثائق لأصدقائه اليهود، وهو ما لم يخفِه وينغيت كثيراً[5] .

وفي تموز 1939 حل البريطانيون آخر سرية من وحدات فرق الليل الخاصة[6].

دفعت الفرق للعمل ليلاً في أماكن أخرى؛ فأدار فوج ويست يوركشاير West Yorkshire Regiment وحداته، وإن لم يتضح من ملخصات استخبارات الكتيبة ما إذا ضمت تلك الوحدات جنوداً يهوداً أم لا[7]. في غضون ذلك، طلبت سلطات بلدية تل أبيب اليهودية من البريطانيين في آب1938 تشكيل فرقها الليلية: “بحيث يكون السكان اليهود في الجنوب مستعدين مثل نظرائهم سكان الشمال لتوفير العدد المطلوب من الرجال ذوي الكفاءة الجيدة للمشاركة في عمليات هجومية من هذا النوع”[8]. ولكن هذه المشاريع تبخرت مع رحيل وينغيت عن فلسطين.

تتناول هذه الدراسة تجربة فرق الليل الخاصة، حيث يتكشف قمع التمرد كفعلٍ يتسم بالعنف والوحشية غالباً؛ وهو لم يكن عارضاً، بل ركناً ثابتاً في الممارسة العسكرية المعيارية التي انتهجها الضباط البريطانيون قادةُ تلك الوحدات. ضد المدنيين والثوار المحليين على حد سواء، ليورثوا هذه العقيدة لاحقاً إلى الجنود اليهود الذين تدربوا وقاتلوا في صفوف تلك الفرق.

اتسمت العقيدة والممارسة العسكرية البريطانية لمكافحة المتمردين بالقسوة الدائمة واستهداف صريح للمدنيين، لكن إنسانية الجنود، والرقابة المدنية، والقيود القانونية، وتدقيق الرأي العام والصحافة، والتدابير المضادة للثوار، والتراتبية الهرمية العرقية في الدولة الاستعمارية(حيث عومل الثوار “البيض” عادةً بقسوة أقل) كانت عوامل عدة خففت من حدة ووطأة العمل العسكري[9].

علاوة على ذلك، تناوب الجنود على الخدمة في فلسطين ضمن جولات دورية محددة المدة الزمنية، وكانت فلسطين بالنسبة لهم-بالتالي- مجرد موقع استعماري آخر مثير للاهتمام، ولم يكترثوا-والحال هذه- لمصير البلاد، لذا لم يكن لديهم عداء شخصي تجاه الفلسطينيين يتخطى كونهم جزء من حالة تمرد أو ثورة. وحين سُئل كينغ-كلارك عما إذا كان هو أو رجاله قد عرفوا شيئاً عن فلسطين قبل إبحارهم من المملكة المتحدة في العام 1938، أجاب كيف أنه “في ذلك الوقت، وفي الجيش على الأقل، سادت حالة من اللامبالاة والجهل التام بالشؤون السياسية -بين الضباط الأصغر سناً والرجال على أية حال”[10].

ولكن الأمر اختلف مع فرق الليل الخاصة ذات التوجه المستقل؛ فقد كان وينغيت صاحب المزاج المتقلب مؤيداً متعصباً لقيام دولة يهودية، فملأ فرق الليل بجنود يهود يتدربون لحرب بقاء مستقبلية ضد الفلسطينيين المحليين، وهي الحرب التي وقعت في العام 1948. وقد أدى هذا العامل، مقترناً بغياب سلسلة قيادة عسكرية رسمية، إلى تصاعد وحشية فرق الليل التي سرعان ما خرجت عن السيطرة، مما أزعج كبار الضباط المدركين للأثر السلبي لقصص الفظائع، وكان أحد الأسباب التي دعتهم في النهاية إلى تقليص عمل الفرق ثم حلها.

يصعب كشف الوحشية المتأصلة في العمليات العسكرية، لكن أنشطة الفرق أثناء الليل هي على وجه الخصوص أعمال غامضة و”جامحة”، على ما سيناقش أدناه[11].

لقد حرضت وحشية فرق الليل البريطانية الجنود اليهود، وعلمتهم كيفية التعامل مع التمرد والمتمردين، وأطّرت ذلك ضمن إطار قانوني استعماري من العقاب الجماعي والإجراءات التأديبية جعلتها تبدو كأنها تدابير طبيعية.

تبادل المعلومات الاستخبارية

تعاون ضباط الخدمة الخاصة (SSOs) في الجيش البريطاني وسلاح الجو الملكي(RAF) المعنيون بالمسائل السياسية-الاستخبارية في المنطقة، منذ بداية الثورة العربية مع اليهود في فلسطين بغرض جمع المعلومات الاستخبارية، مستفيدين من المعلومات الوثيقة التي يملكها اليهود عن العدو، ومن مخبريهم الفلسطينيين، ومن مواطنيهم الناطقين بالعربية[12]. وتولى ضباط الخدمة الخاصة إدارة الاستخبارات في فلسطين قبل الثورة، واستفاد الجيش من خبراتهم، مستعيناً بهم في تجنيد شبكة المخبرين وجمع المعلومات الميدانية.

فعلى سبيل المثال، في أواخر العام 1936، عمل جوشوا غوردون موفداً للوكالة اليهودية إلى ضابط استخبارات سلاح الجو الملكي في نابلس، الكابتن ويندسور، الذي عرفه اليهود بلقب “الدوق”[13]. وفي العام 1938، رتب ويندسور لقاءً بين العميل اليهودي الأساسي [عزرا] دانين وضابط الجيش الكابتن فيتزباتريك، ضابط استخبارات “فوج هوسار Hussars الملكي التاسع لفرقة الفرسان. وحل العقيد لاش محل ويندسور، ولقبه اليهود بـ”الأسد”، وأشير إليه (لاحقاً) باسم العميد نورمان لاش من الفيلق العربي الأردني[14]. وكان جي. بي. دومفيل ضابط استخبارات محورياً آخر من ضباط الخدمة الخاصة، انتقل للخدمة في العراق بعد كانون الأول 1937[15]. وعمل رؤوفين زاسلاني (لاحقاً شيلواح) مترجماً لدومفيل، وربطتهما صداقة امتدت حتى أربعينيات القرن العشرين(2). والتقى الزعيم السياسي اليهودي ديفيد بن غوريون بدومفيل. وفي وقت سابق، في العام 1934، وصف هوس، وهو عميل يهودي آخر، دومفيل بأنه “أفضل مخبر صهيوني عن الإنكليز” في البلاد[16].

وثمة ضابط من ضباط الخدمات خاصة آخر استعان به اليهود كثيراً، يدعى هاكيت، ويشير إليه اليهود باسم أ. هاكيت-فاين(3)، وهي الترجمة الحرفية الصوتية لاسمه في العبرية، وأطلقوا عليه لقب “خميس”، والعميل (MI5) أو (MI6)، والذي حلّ محل لاش وكانت على علاقة “وثيقة” بدانين[17]، حيث كان هذا الأخير وسيطاً بين الشرطة والجيش فيما يتعلق بتقدير المعلومات الاستخبارية المستخلصة، وفك رموز الوثائق العربية وترجمها، بل وسمح له البريطانيون باستجواب المتمردين الأسرى[18].

ارتكزت العمليات العسكرية البريطانية على العلاقة النفعية المتبادلة إبان الثورة العربية بين أجهزة الاستخبارات اليهودية والبريطانية، ووطد وينغيت -بصفته ضابط استخبارات في فلسطين منذ العام 1936- علاقات وثيقة مع فرع الاستخبارات اليهودي، الذي أصبح لاحقاً يعرف باسم “شاي” (خدمة المعلومات) في العام 1940، ثم الاستخبارات العسكرية و”الشاباك” (جهاز الأمن العام) في العام 1948. ويتذكر كينع-كلارك، في حديثه لأحد كتاب سيرة وينغيت بعد سنوات عديدة، عن امتلاك قائده “شبكة استخبارات آمنة عبر الوكالة اليهودية”[19].

كما لاحظ مايك غروف اتصالات وينغيت مع اليهود، “من القمة إلى القاعدة”، ومنهم رئيس إسرائيل اللاحق حاييم وايزمان: “وصولاً إلى رؤساء جميع المستوطنات. جميعهم عرف وينغيت”[20]. فقد نسج [عزرا] دانين شبكة علاقات وثيقة مع ضباط الاستخبارات البريطانية؛ إذ نجد تشابهاً لافتاً بين مجموعة الوثائق العربية المُصادَرة التي نشرها دانين في العام 1944، وبين أكداس التقارير الاستخبارية العربية المحفوظة ضمن أرشيف وينغيت الخاص بفلسطين (موجودة بنسخ “ميكروفيلم” في المكتبة البريطانية بلندن). والحق أن جلَّ هذه المواد تدفق أصلاً من عملاء يهود[21]؛ مما يجعل أوراق وينغيت دليلاً دامغاً على تبادله كميات هائلة من الوثائق السرية مع الجانب اليهودي.

ساعد اليهود في توجيه العمليات البريطانية، إذ تطلبت مكافحة التمرد تقديم المزيد من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، وكانت لليشوف (المجتمع اليهودي في فلسطين) اليد العليا هنا، نظراً لجودة معلوماتهم الاستخبارية عن الفلسطينيين وشبكة عملائهم الأمنيين بينهم. كما ارتدى اليهود زي الجيش في العمليات المشتركة مع البريطانيين، وارتدى الجنود البريطانيون ملابس مدنية يهودية[22].

شجع اليهود والبريطانيون القوات العربية الموالية المناهضة للمتمردين، وهو موضوع نوقش على نحو مستفيض في مكان آخر[23]. وهكذا، أشار دانين بعد سنوات عديدة إلى أن فنحاص ميتال، وهو ضابط يهودي من الخضيرة، ربما كان يعمل في الشرطة، توسط لدى البريطانيين لعودة العرب الموالين إلى فلسطين في العام 1938[24].  وفي غضون ذلك، دفع بعض اليهود مثل دافيد هكوهين من حيفا أموالاً للعرب الموالين[25]. كما زود اليهود عائلة النشاشيبي الفلسطينية المناهضة للمتمردين بالأسلحة؛ ويبقى السؤال فيما إذا كان البريطانيون  هم من قدموا هذا السلاح عبر اليهود، وهو أمر يبدو محتملاً[26].

نظر اليهود باهتمام إلى البريطانيين والفلسطينيين المستعدين للتعاون لتحقيق هدفهم في جمع المعلومات الاستخبارية، والحصول على التدريب العسكري، وإضعاف الفلسطينيين. كما حاز الييشوف على قدرات عسكرية من القوات المسلحة البريطانية -وكانت فرق الليل الخاصة أحد أمثلة هذا الدعم- وبذلك منحوا رجالاً مثل دانين حق الوصول إلى قلب الجهاز العسكري البريطاني. فاخترقت الاستخبارات اليهودية هياكل الأجهزة الأمنية البريطانية، وسرقت ملفات الشرطة، فتمكنت من مراقبة المقاومة الفلسطينية بصورة أفضل[27].

وقعت حوادث مشابهة في أماكن أخرى من الإمبراطورية البريطانية، مثل كينيا في خمسينيات القرن العشرين، وهي مستعمرة أخرى ضمت مجتمع مستوطنين “بيض” غير أصليين يتمتعون بنفوذ وقدرة على التعبير عن مصالحهم an articulate, non-native ‘white’ settler community،(4) حيث سلم البريطانيون أجزاءً من عملياتهم العسكرية إلى مستوطنين انتسبوا إلى ما كان يعرف باسم  “فوج كينيا” Kenya Regiment و”الشرطة الكينية الاحتياطية” Kenya Police Reserve ، وهي وحدات ارتكبت أسوأ الانتهاكات ضد مقاتلي الماو ماو(5)[28]. باختصار، انبثقت فرق الليل الخاصة من رحم تبادل المعلومات الاستخبارية البريطانية-اليهودية.

القيادة العليا البريطانية وفرق الليل الخاصة

تطورت فرق الليل الخاصة من خلال تقاسم المعلومات الاستخباراتي البريطاني اليهودي، وأقر ويفل وهاينينغ عمل هذه الفرق، لكن مراكز قيادة الجيش أبدت تردداً حيال أساليب الحرب غير النظامية واستخدام مستويات غير متناسبة من القوة لا تبررها حتى قوانين الطوارئ الصارمة المعمول بها آنذاك. فثمة حدود رسمية لعمليات الإخضاع، أو لإخماد التمرد، وحث هاينينغ قادة فرقه على معاقبة “العنف غير الضروري، ونزعة الانتقام التي لا تليق بالبريطانيين، ناهيك عن القتل بدم بارد”[29]. وبما أن الجيش لم يفرض الأحكام العرفية الكاملة في فلسطين، فقد ظل للمسؤولين الاستعماريين المدنيين الكلمة الأخيرة لتعيين حدود وممارسات صلاحياتهم، وشكلت احتجاجاتهم عائقاً إضافياً أمام التجاوزات العسكرية للجيش.

وأشار أحد ضباط الاستخبارات العسكرية كيف حذر “هيو فوت” مفوض المقاطعة (DC) (لواء أو قضاء) قرية فلسطينية من مداهمة عسكرية وشيكة، فأمسك ضابط كبير “المفوض من عنقه وهزه ونعته بـ “الخائن الدموي اللعين”. هذا المفوض هو اللورد كارادون لاحقاً والذي أصبح حاكماً لقبرص”[30]. عاين فوت بنفسه آثار عمل وينغيت عن كثب، إذ إن الأخير “قضى على رجال العصابات المعارضين بقتلهم جميعاً. لقد كان منحازاً. وكانت تلك الحرب، حرباً قذرة تخللها  اغتيالات واغتيالات مضادة. لا أعتقد أنه كان علينا التورط في ذلك”[31].

تولى لواء إيفيتس في حيفا مسؤولية منطقة عمليات فرق الليل الخاصة، وحمت قيادته المحلية الميدانية عناصر وينغيت من تدخل مركز القيادة والسلطات المدنية. عمل وينغيت وإيفيتس معاً على نحو وثيق، إذ دبّر إيفيتس “هروب” أحد مخبري وينغيت من حجز الشرطة[32].

وبعيداً من كونها “مجموعة مارقة”(6)، كانت فرق الليل “مدمجة بالكامل” في استراتيجية مكافحة التمرد الخاصة باللواء السادس عشر[33]. وقد عرف عن إيفيتس بطشه الشديد بالثوار العرب، حتى أن الجنرال ريتشارد أوكونر، قائد القدس، كتب لزوجته في تشرين الثاني1938، يكشف خبايا هذا النهج” إن جاك إيفيتس (وهذا سر بيننا) دأب على دفع رجاله وتشجيعهم لارتكاب الفظائع [ضد العرب]، بدعوى أن التوحش، في نهاية المطاف هو الخيار الأكثر إنسانية الآن. وأنا، في الحقيقة أختلف معه في هذا المنطق”[34].

توافقت قسوة إيفيتس تجاه المتمردين مع قسوة وينغيت، إذ كان إيفيتس بالفعل “معجباً” بوينغيت، وكان كلاهما مستعداً لترهيب القرويين الفلسطينيين لإجبارهم على وقف دعم الثورة[35]. شاطرهما هذا النهج الصارم أحد قادة فرق إيفيتس، الجنرال برنارد مونتغمري، الذي وصل إلى فلسطين قُبيل نهاية عهد فرق الليل الخاصة. وقد روى الضابط السامي الاستعماري إدوارد كيث-روش، كيف ترك مونتغمري رجل دين أنغليكانياً محلياً في حالة “ذهول تام” محتجاً على فظائع الجيش في قرية البصة؛ إذ يقول كيث-روش: “كان لدى مونتي رد وحيد على كل سؤال: ’سأرميهم بالرصاص‘. وقد اشتكى القس في مكتبي قائلاً: ’هذا الرجل دموي بشكل لا يصدق[36]؟”

قوبل دعم إيفيتس لفرق الليل بالسرور لدى “اليشوف”، إذ منح اليهود فرصة للانتقام رداً على هجمات الثوار على مستوطناتهم في الجليل، وللتدريب العسكري في آن معاً.

وهكذا، شكر مسؤول يهودي كبير(7) إيفيتس بحرارة عند مغادرته فلسطين بقول: “سنتذكر دائماً بامتنان مساعدتكم التي مكنتنا من تقديم بعض العون للجيش البريطاني في حملته. لقد بذلتم أنتم، أيها العميد إيفيتس، وضباطكم قصارى جهدكم لترسيخ سمعتنا وتحسين مظهرنا الخارجي داخل الجيش البريطاني، ولهذا، نشكركم بصدق. غير أننا نأسف لأنكم تضطرون في لحظة رحيلكم أن تشهدوا  هذا الهمود الذي فرض علينا في وقت لا يزال فيه القتل والاعتداءات على الممتلكات حدثاً شبه يومي”[37]؟

وسوف تتذكر إسرائيل جيداً المساعدة التي قدمها وينغيت ورجاله، فقد رحب رئيس إسرائيل بكل من بريدين وكينغ-كلارك عند زيارتهما للبلاد في العام 1988. حتى أنه أطلق اسم بريدين على أحد التلال “نتيجة لمآثره البطولية المشهودة على الخصوص”[38]. بدأ وينغيت-الذي كان “شريراً كعادته” في ذكريات كينغ-كلارك- العمليات في حزيران 1938 في “غبطة عظيمة… بمبارَكة رسمية وكان قادراً على فعل ما يريد ومتى يشاء”، وهي بركة سُحبت [منه] في النهاية، إذ تحولت عمليات فرق الليل إلى ممارسات بغيضة وغير منظمة لدرجة أنها أساءت للقيادة العسكرية العليا، بارتكابها فظائع ممنهجة ومنتظمة[39]

الإرهاب في الجليل: الحرب القذرة

صعّد وينغيت ورجاله ممارسات الجيش النظامية في العقاب الجماعي لمكافحة التمرد وضاعفوها ضد القرويين الفلسطينيين المشتبه في إيوائهم للمتمردين أو حجبهم المعلومات أو وجودهم قرب هجمات الثوار، مثل تفجير خط أنابيب شركة نفط العراق أو “التابلاين” الذي يمر عبر الجليل إلى حيفا. وأمر وينغيت رجاله بوجوب الضرب بقوة في هجمات “انتقامية”، وفي 11 حزيران 1938، وخلال إحدى العمليات الأولى، طارد بريدين ورجاله مجموعة عربية إلى إحدى القرى وألقوا قنابل يدوية داخل المنازل[40].

ونفذت فرق الليل الخاصة خلال أشهر عملها الخمسة بقيادة وينغيت من حزيران إلى تشرين الأول 1938، ثم بقيادة بريدين، سلسلة من الفظائع في كفر حطين وحطين ونين وكفر مصر ودنّة، وسيلة الظهر وبيسان ودبورية وما حولها، إلى جانب أعمال وحشية تراكمية خارج نطاق القضاء في قرى لم يكشف عن اسمها. وقعت هذه الأحداث جميعها في الجليل الأدنى في مرج ابن عامر أو قرب طبريا، باستثناء سيلة الظهر الواقعة جنوب غرب جنين في الضفة الغربية[الآن]. ومن المؤكد أن الإشارة إلى الطعن بالحراب في “خربة بيت ليد” قرب نهاية هذه المقالة، هي إشارة إلى خربة ليد في الجليل الأدنى غرب العفولة، وليست إلى المستوطنة الواقعة شرق نتانيا قرب تل أبيب.

بالإضافة إلى ظهور أسماء قرى أخرى وقعت فيها حوادث، وحين تترجم حرفياً من العربية إلى العبرية ثم إلى الإنجليزية، تصبح بلا معنى أو تبدو حتى كأنها غير عربية، مثل كوكومبل Kokomble(8) حيث هدد البريطانيون بإجبار الفلاحين على سف التربة الملوثة بالنفط بأفواههم [41]. في كل هذه الحوادث، تذهب الحجة إلى أن المقاتلين اليهود في فرق الليل الخاصة تعلّموا من رفاقهم البريطانيين فن إيقاع العنف، متأثرين بطريقة ممارسة الجنود البريطانيين لفرض سيطرتهم الاستعمارية، وهو ما تشهد عليه توصيفاتهم ورواياتهم الشخصية وشهاداتهم عن فترة عملهم مع فرق الليل المدونة باللغة العبرية[42].

أعدم بريدين في كفر حطين ثلاثة أسرى أحضرهم إليه اليهود، معلناً: “’باسم ملك إنكلترا، أجدكم مذنبين بالقتل وأحكم عليكم بالموت‘… وأمر الجنود الإنكليز فوراً بتنفيذ الحكم، فأطلقوا النار على العرب في الحال والمكان. كان بريدّن [كذا] يتبع في هذا ممارسات وينغيت”[43]. وقد تشير هذه الرواية إلى حادثة وقعت في 20 تشرين الأول 1938 شهدها الرقيب اليهودي ييغال آلون الذي ذهب مع بريدين إلى “حطين” حيث أطلقا النار على عربي هارب وأسرا ثلاثة آخرين مشتبه بهم، “حاولوا الهرب في الطريق إلى السيارة فأطلقت فرقة النار عليهم في الحال”[44].

أخبر وينغيت العريف هوبروك والرجال الذين يخدمون تحت قيادة كينغ-كلارك أن العرب يروعون الفلاحين، لذا كان واجب سريته “إرهاب الإرهابيين إن جاز التعبير، والإمساك بهم والقضاء عليهم تماماً”[45]. كان بريدين مميزاً في أفعاله، كما يتذكر كينغ-كلارك: “اتخذ ’بالا‘ موقفاً متشدداً جداً مع الفلاحين [الذين يعيشون في قرى] قرب خطوط التابلاين؛ لقد كان شخصاً قاسياً جداً وشديد الصرامة. في الواقع، بعض التدابير التي اتخذها لمنع التخريب بعيدة كل البعد عن الأساليب التقليدية. في إحدى المرات، على وجه الخصوص، كاد يواجه ورطة كبيرة عندما اتخذ إجراءات وحشية ضد قرية كانت تؤوي المتمردين، لكن نتيجة عمله كانت ناجحة جداً من حيث منع التخريب لاحقاً، لدرجة أن السلطة العليا حفظت أسلوبه في ممارسة ’القبضة الحديدية‘ في الأدراج بعيداً عن الاضواء”[46]. [القصد من السياق أن القيادة البريطانية العليا كانت تعلم تماماً أن أساليب بريدين وحشية وغير قانونية، وتعتمد على الترويع والتعذيب؛ لكن نظراً لأنها حققت “النتيجة المطلوبة” (وقف تخريب خط الأنابيب)، قررت القيادة غض الطرف عنها، وعدم إخراجها للعلن أو محاسبته عليها.-المترجم]. وكلما دنت الفرق من المستوطنين، زاد تورطها؛ إذ عبّر كينغ-كلارك عن ذلك بقوله: “كلما أخذتنا سياسة وينغيت عميقاً داخل المعسكر اليهودي، أمسينا خارجين عن القانون أكثر”[47].

انتشلت الشرطة الفلسطينية جثثاً ملقاةً خلّفتها اغتيالات فرق الليل الخاصة في جنوب البلاد، ما يشير إلى امتداد نطاق عمليات هذه الوحدات إلى ما وراء الجليل، أو إلى وجود “حرب قذرة” أخرى في جنوب فلسطين. وقد عاين ضابط الشرطة ريتشارد كاتلينغ ما ظنه “بقايا” ضحايا فرق الليل الخاصة. وحين سُئل عن قصده، تابع قائلاً: “كنت لا أزال في يافا آنذاك. وبالتأكيد، انتشلنا في مناسبتين جثث عرب قتلتهم هذه… هذه الوحدة الخاصة… في المنطقة الريفية المحيطة بيافا”[48]. وتعيد هذه الأفعال إلى الأذهان طريقة تخلص الجيش الفرنسي من الجثث إبان الثورة الجزائرية في خمسينيات القرن العشرين، أو ما فعلته جيوش أمريكا اللاتينية لاحقاً. وفي بعض الأحيان، لم يكن القتلى العرب سوى “قرويين اعترضوا الطريق”، إذ طالهم إطلاق نار عشوائي شنته فرق الليل أثناء اقتحامها لقرىً اشتُبه في إيوائها مقاتلين متمردين[49].

اتخذ الإرهاب الذي مارسته فرق الليل أبعاداً ومزايا كلاسيكية: فتمثلت الطريقة المفضلة لدى الجنود البريطانيين واليهود على حد سواء في الجليل في أسلوب الفيالق الرومانية، أي “التقتيل النسبي” (Decimation)، مع تفاوت في نسبة القتلى، بهدف جمع المعلومات الاستخبارية، أو جمع البنادق، أو مجرد بث الرعب في نفوس المحليين. فعلى سبيل المثال، أعدم اليهود واحداً من كل ثمانية ذكور بالغين في كفر مصر لإجبارهم على تسليم البنادق غير المرخصة التي في حوزتهم[50]. وقتل بريدين واحداً من كل 15 رجلاً، أي ثلاثة في المجموع، في قرية عجزت عن إحضار البنادق، وفقاً لما ذكره مقاتل يهودي سابق يُدعى جوناثان في الأربعينيات[51]. وطلبت مجموعة أخرى بقيادة بريدين (برودين في العبرية) سبع بنادق في غضون 15 دقيقة، وإلا، أخبر بريدين القرويين سيقتل رجلاً من كل عشرة رجال إن لم يفعلوا، وفي المرة التالية سيقتل واحداً من كل ثمانية. استدعت قيادة اللواء بريدين عقب هذه الحادثة، وبعدها لقن بريدين جنوده البريطانيين واليهود ما يجب قوله في حال حدوث تحقيق رسمي[52].

مارس وينغيت سياسة التقتيل النسبي في القرى أيضاً[53]. فقد كتب قرويون فلسطينيون رسالة باللغة الإنكليزية-يعتقد اليهود أن محامياً صاغها- يشكون فيها دخول ضباط يهود إضافيين إلى قريتهم، حيث صفوا الرجال وأطلقوا النار على واحد من كل ثمانية منهم لفشلهم في الحصول على البنادق. ثم توعد اليهود بالعودة وقتل الجميع. يبدو أن وحدة من فرق الليل هي من نفذت ذلك. بيد أن تشابك مشهد العنف في الجليل، واختلاط قيادة الضباط البريطانيين للوحدات اليهودية بالتحركات الانفرادية للمسلحين اليهود، يجعل من تفكيك خيوط تلك الأحداث أمراً بالغ الصعوبة[54].

تشارك المستوطنون اليهود وجنود فرق الليل الخاصة في العنف الذي فرضته رسمياً هذه الفرق، وتشربوا نظام التدريب المصاحب له. صفع وينغيت وضرب الجنود اليهود الذين عدّوا ذلك جزءاً ضرورياً من تدريبهم وأطلقوا على وينغيت لقب “المجنون”[55]. لم يصفع وينغيت قط الجنود البريطانيين، إذ كان ذلك مخالفاً للقانون العسكري البريطاني، وقد أخبره معاونوه بعدم السماح له بضرب رجالهم أو المساس بهم أبداً[56].

إن التركيز في الأدبيات على وينغيت الأكثر شهرة يصرف الانتباه عن الدروس اليومية التي تعلمها اليهود من جنود فرق الليل البريطانيين أمثال بريدين، الذي تظهر حوله قصص مشوشة لكن متسقة عن الإعدامات والوحشية[57]، وعقب مذبحة طالت مدنيين يهوداً عزلاً على يد متمردين في طبريا بتاريخ 2 تشرين الأول 1938، ساد لدى اليهود أيضاً “مزاج لقتل العرب”، وبوجود عسكريين بريطانيين، وجهوا المدافع الرشاشة نحو أهالي دبورية، مستهدفين أي شخص يدخل المكان أو يغادره أو يتواجد في محيط القرية[58].

أطلق رجال فرق الليل النار عشوائياً على الفلسطينيين في محيط قرية دبورية بعد [مذبحة] طبريا(9)؛ إذ أطلق “رجل إنكليزي” النار على عربي قرب قرية لوبية-قد يكون القروي صاحب الدراجة المذكور أدناه- لكنه عجز عن إصابته بمسدسه، فتناول بندقية من يهودي وأرداه قتيلاً[59].

أثارت مذبحة طبريا حفيظة بريدين، فنظم رجاله لشن هجوم انتقامي على مضارب للبدو قرب دبورية (أو ربما في غور الأردن) بينما قصفت الطائرات قطعان ماشيتهم بالرشاشات. وأثناء المعركة، وصل ضابط بريطاني من “قوة حدود شرق الأردن” وشرع في إطلاق النار عشوائياً على خيام البدو[60].

ربما لم يكن بريدين صهيونياً ملتزماً، لكنه كان مرتبطاً باليهود الذين خدم معهم. ففي الطريق إلى دبورية بعد مذبحة طبريا، صادف بريدين ورجاله عربياً يركب دراجته. أطلق بريدن [كذا] النار عليه فقتله على الفور-وساعد هذا قليلاً في إحياء الجو العام. وعند وصولنا إلى دبورية، أصدر بريدن أوامره بعدم الرحمة وعدم التصرف مثل النبلاء… أذكر أنه عند رؤية عائلة يهودية، أم وأطفالها محروقين في حريق طبريا، سالت الدموع على خدي بريدن وقال: “لو سُمح لي بالانتقام، لكنت محوت جميعاً”[61].

هاجم وينغيت دبورية عقب مذبحة طبريا، وربما كان ذلك في الهجوم ذاته المفصل أعلاه، بينما حددت استخبارات الهاغاناه لاحقاً قرية كفر حطين بصفتها المسؤولة عن مذبحة طبريا، ما استدعى غارة عقابية بقيادة بريدين[62]، ولم يكتف جنود فرق الليل بالرد على الهجمات، بل عمدوا إلى افتعال الحوادث ونصب الكمائن واستدراج الضحايا وخلق الذرائع للقتل، كما حدث يوثق أحد الجنود اليهود يخدم في إحدى دوريات فرق الليل حادثة حصلت أمامه حين رأى عناصر الفرقة يوجهون مدافعهم الرشاشة نحو بعض الفلاحين العرب الذين هرعوا  لإخماد حريق أشعلته الدورية، ما أسفر عن مقتل 20 شخصاً. وفي ذات السياق يستذكر الجندي كيف الأموال المصادرة من قادة العصابات لاستخدامها لفائدة اليهود، بما في ذلك وجبة “فاخرة” slap-up في العفولة[63].

وأشار المقاتل اليهودي، شلومو، كيف ذهب خمسة جنود-يهوديان وثلاثة بريطانيين (بينهم ضابط)- إلى قرية دنّة عقب هجوم على خط التابلاين، ربما في 11 حزيران1938، في عملية سرية بملابس مدنية في يوم ممطر موحل، ويذكر شلومو أن الطقس العاصف أزعج الضابط. وفي القرية، أطلق الضابط النار ببرود على جميع الرجال الفارين من وجهه. ثم جمع الناجين والتف نحو شلومو وسأله عن عدد الجلدات التي يحتملها الرجل برأيه. أجاب شلومو بالرقم 25، فرد الضابط بأنه سيجلد كل فرد منهم 13 جلدة، وفعل ذلك معهم جميعاً باستثناء المختار وطفل. كما “عذّب” الضابط فلسطينياً لانتزاع معلومات عن العصابات “بطريقة قاسية… كان مشهداً مروعاً”[64]، وبينما كان الضابط يجلد الأهالي، توسلت إليه النساء ليتوقف وقبلن قدميه وهن يصرخن. ويتذكر يهودي آخر محاضرة ألقاها وينغيت بالعربية على أهالي قرية دنّة، وهو يهوي بسوطه على الرجال الذين كانوا يتراكضون أمامه هرباً[65]، وربما كان الضابط الغاضب من الطقس الموحل هو وينغيت، وهو أمر يبدو غريباً بالنظر إلى استعداده المعروف والمثير للإعجاب لتحمل المسيرات الطويلة والظروف الميدانية القاسية.

استهدفت فرق الليل القرى بغارات متعددة، ومداهمات متكررة إذ شاهد تسفي برينر-قائد عسكري إسرائيلي مستقبلي آخر- وينغيت يأمر قروي دنَة “بفتح أفواههم وأمر الجنود الإنجليز حشوها بالتراب المشبع بالنفط المتسرب من خط الأنابيب(10). وهنا أيضاً، حرص وينغيت على أن يكون المنفذون جنوداً إنكليزاً، وليس اليهود”[66] .كما عثر شلومو والبريطانيون على عربيين جريحين يحتضران، فأجروا لهما “محاكمة ميدانية حيث هما وقتلوهما كليهما”[67 ].

كانت العقوبات الجسدية اليومية غير المميتة شائعة أيضاً. فقد أذل وينغيت الأهالي، جاعلاً رجال القرية يركضون مسافة 10-15 كيلومتراً أمام مركبات الجيش البطيئة. ثم يأمرهم بالعودة سيراً على الأقدام بعد هذا “التمرين” المنهك… وفي بعض الحالات، كان يصف العرب أمام خط الأنابيب، ويجبرهم على غسل وجوههم بطبقة النفط المتشكلة على سطح الأرض بعد الانفجار، من مزيج من نفط محترق وحجارة وأوساخ، وحين يترددوا في إطاعة أوامره، كان الجنود حاضرين دائماً لضمان تنفيذ تعليماته[68].

كان هوبروك حاضراً عند حدوث انفجار في خط أنابيب التابلاين حين لم يبد العرب تعاوناً للإبلاغ عن المتسبب  في التفجير، فقال وينغيت: “حسناً، سنلقّن هؤلاء الأوغاد درساً”. ويضيف هوبروك: “لذا جمعنا رجال القرية كافة. وأخرجناهم… حيث أُحرق النفط وتكوّنت بركة كبيرة من النفط الأسود المحترق. أوقفنا الرجال جميعاً بجانبها. ثم أمسك كل منا بطرف (ذراع وساق) وقذفنا بهم جميعاً في وسطها”[69]. ويرد استخدام النفط وسيلة لتعذيب القرويين في سير وينغيت أيضاً، إذ كان يجبر القرويين على حشو أفواههم بالرمل حتى يتقيؤوا[70].

التفت وينغيت إلى أحد اليهود، وأشار إلى العربي الذي كان يسعل ويختنق، قائلاً: “أطلق النار على هذا الرجل”. نظر اليهودي إليه بتساؤل وتردد. قال وينغيت بصوت متوتر: “ألم تسمع؟ أطلق النار عليه”. فأطلق اليهودي النار على العربي. حدق الآخرون للحظة، في ذهول، إلى الجثة الملقاة عند أقدامهم. كان الصبية من [كيبوتس] “حنيتا” يراقبون الموقف بصمت(11). قال وينغيت [مخاطباً العرب]: “تكلموا الآن”. فتكلموا]71].

كان على العرب الذين يبدون “مشبوهين”  تلقي الضرب والموت إذا ما وقعوا  في قبضة عناصر فرق الليل، كما حدث عندما أسر عريف بريطاني رجلاً قرب قرية نين (أو ناعين) أثناء الليل؛ إذ بدأ الرجل بالتوسل لكونه يحمل سلاحاً، لكنه “قُتل في الحال” ونُقلت جثته إلى الشرطة[72].

كانت فرق الليل أبرز أشكال التعاون بين الجيش والييشوف، لكن وحدات الشرطة تعاونت أيضاً مع المستوطنين اليهود. فقد رأى ضابط الشرطة البريطاني، جاك بينسلي، جنوداً بريطانيين يذهبون مع مفتش شرطة يهودي إلى مستوطنة “زخرون يعقوب” اليهودية عقب هجوم عربي. وعثر بينسلي لاحقاً على جثث ستة رجال عرب من قرية مجاورة، طعنوا بالحراب، وكانت جثثهم ملقاة على أرضية بيدر في مخزن حبوب كبير، وقد بدت عليهم “جروح مروعة في صدورهم وبطونهم”. أغدق المستوطنون على الجنود الطعام والشراب، ثم ما لبثوا أن “داهموا” قرية مجاورة رغم غياب أي دليل على انطلاق الهجوم منها، وانتقوا ستة رجال “محتمل أنهم رجال عصابات” وطعنوهم بالحراب. ويقول بينسلي: “كان القاتل الحقيقي هو المفتش، وإن كان قد استعمل أبناء جلدتي لتنفيذ عمله القذر، لعلمه اليقين بأن الأمر سيبقى طي الكتمان ولن ينتشر الخبر لتجنب فضيحة تمس القوات البريطانية”[73]. ولم تكن فرق الليل لتشذ عن هذه القاعدة في تركها المتمردين الجرحى يواجهون الموت في الميدان، حسناً، اتركوهم؛ فما إصابتهم إلا جريرتهم” [74].

شجع الدعم البريطاني القوات اليهودية، ولا سيما شرطة النواطير الإضافية من خارج الملاك، التي سلحها البريطانيون ودعموها، على قتال المتمردين في أنحاء فلسطين كافة وليس في الجليل فحسب.

وقد رأى أحد المسؤولين الاستعماريين البريطانيين، وهو “أ. ت. أو. ليس”، شرطة النواطير اليهودية تدخل في شاحنات إلى قرية “صرفند الخراب” قرب يافا: “وهناك صادفوا [في طريقهم] صبية صغاراً من طلاب السنة الأولى في مدرسة القرية، كانوا قد خرجوا للتو من المدرسة في طريقهم إلى منازلهم. فألقى أحد أفراد الشرطة قنبلة على الصبية الصغار، لتنفجر وتقتل ثلاثة منهم، اثنان منهم في السادسة والثالث يبلغ من العمر سبع سنوات. واصلت مجموعة الشرطة اليهودية مسيرها، وعند مرورهم قرب المسجد أطلق أحدهم النار من بندقيته على شخص كان يصلي فأرداه قتيلاً. وأطلق آخر طلقة واحدة على امرأة تحمل حفيدها (لا يتجاوز العامين). مما أدى إلى مقتل الجدة، بينما نقل الطفل إلى المستشفى إثر إصابته[75].

تدعم رواية “ليس” هذه، ما يتذكره كاتلينغ عن الاغتيالات في جنوب فلسطين قرب يافا. حيث هددت شرطة النواطير اليهودية “ليس” بـ “رشاش تومي” وقطعت عليه الطريق، وبعدها سمع إطلاق نار: سمعت المزيد من الرشقات النارية، تلتها مباشرة صرخات نسائية حادة، قادمة من بيت عربي كبير. ولم يمض وقت طويل حتى اقتحمت علينا المكان امرأتان  عربيتان أو ثلاث…مذعورات من المنزل، انفجرن غضباً في وجوهنا وهن يشرحن بشكل باضطراب كيف انقض عليهم أن اليهود وأطلقوا النار، أو كانوا يطلقون النار، على كل رجل عثروا عليه… وسمعنا صوت الشاحنة وهي تغادر[76]، اتصل “ليس” حينها بالشرطة التي وصلت وأخذت اثنين من الجرحى العرب؛ كانت شرطة النواطير اليهودية قد أطلقت النار على رجال آخرين في شاحنتهم. زار “ليس” العربيين في المستشفى بعد يومين، في 24 تشرين الأول 1938، وذكر “المسؤول الطبي العربي، بعدما رأى اهتمامي بمحاولة الاغتيال الوحشية هذه، أن حالات مماثلة كانت تستقبلها المستشفى يومياً تقريباً”[77]. أحال “ليس” تقريره إلى الشرطة والسلطات المدنية، لكن شيئاً لم يحدث.

أثارت الثقة والبراعة العسكرية البريطانية إعجاب اليهود في فرق الليل. ورأى حاييم ليفكوف، أحد المقاتلين اليهود في فرق الليل، كيف كان بريدين يقود القتال في ساحة المعركة. “هنا وجدنا عربياً يحمل بندقية فقتلناه؛ وهناك وجدنا عربياً واشتبهنا في حيازته لبندقية، فقتلناه”.

بعد معركة في دبورية، عثر ليفكوف ووحدته على عربي نجا من المعركة، مختبئاً بين التبن، يستجدي حياته. ضربه اليهودي حتى جاء جندي بريطاني ونزع “حربته من بندقيته وبدأ في تقطيع (فرم) العربي كمن يصنع سلطة”. طلب وينغيت تفاصيل الحادث، ولم يكن اعتراضه الوحيد سوى أن العربي مات قبل أن يتمكن من استجوابه[78]، ولاحظ دان رام، وهو مقاتل يهودي آخر في فرق الليل، أن البريطانيين “كانوا جنوداً رائعين”، قبل أن يستدرك قائلاً “[لكن] عندما كانوا يغضبون، لم يكن لغضبهم حدود” وعند نطقه هذه الجملة تنفس الصعداء، وأطلق تنهيدة إعجاب كأنه يبرر ما فعلوه وختم بصوت مثل الحشرجة “همممف”[79].

نقل وينغيت والبريطانيون، خلال تعاونهم القصير مع اليهود، أسلوبهم العملياتي في مكافحة التمرد. ووصف رام بريدين بأنه “رجل رائع”؛ وفي إحدى “الغارات العقابية” على إحدى القرى، طلب بريدين من اليهود البقاء خارجاً لأنهم سيضطرون للعيش مع هؤلاء الناس لاحقاً، وهكذا اقتحم بريدين القرية  مع القوات البريطانية وحدها[80].

استغل بريدين ما اعترضته استخبارات الهاغاناه اليهودية في تشرين الأول 1938، حين توجهت قوات فرق الليل إلى قرية سيلة الظهر عقب هجوم على خط التابلاين، فاختاروا ثلاثة قرويين، هم: “لطفي اليوسف، ومحمد اليوسف، ورشيد إبراهيم القاسم، واقتادوهم مسافة 30 متراً خارج القرية. وهناك قيدوهم، وأطلقوا عليهم الرصاص، فماتوا من فورهم”[81].

ويتذكر كينغ-كلارك هذه الحادثة في مراسلات جرت بعد سنوات عديدة مع أحد كتاب سيرة وينغيت: لقد ذكرت لي الحادثة التي وقعت في فلسطين والتي أوقعت “بالا” بريدين في ورطة، وهي الأعمال الانتقامية التي نفذها بعد هجوم على خط التابلاين. كنت أطالع بعض ملاحظاتي على أوراق وينغيت الخاصة بفلسطين في أحد الأيام، وقرأت عن إعدام ثلاثة رجال رمياً بالرصاص في قرية سيلة الظهر في تشرين الأول 1938 [82]. شعر كينغ-كلارك بأن بريدين وسلوكه “الجامح” أسهما في تسريع فرض حل فرق الليل بعد رحيل وينغيت: “ربما كان ’بالا‘ قاسياً جداً ولا يساوم، مدعوماً باقتدار من رجاله الملقبين بـ ’الإوز البري‘”. [الإوز البري (The Wild Geese) مصطلح تاريخي يُطلق أصلاً على الجنود الأيرلنديين الذين عملوا كمرتزقة في الجيوش الأوروبية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر(فيما عُرف بـ “رحلة الإوز البري” عام 1691). ويستخدمه كينغ-كلارك هنا في تلميح مزدوج؛ فمن جهة، يشير إلى الأصول الأيرلندية لبريدين (الذي خدم في فوج بنادق ألستر)، ومن جهة أخرى، يسبغ على رجاله صفة “المرتزقة المحترفين” الذين يتسمون بالشراسة والنزعة الفردية، والعمل خارج ضوابط المؤسسة العسكرية النظامية، تماماً كجنود الحظ الجوالين.-المترجم]. في واقع الأمر، اشتد في تعامله وصرامته مع إحدى القرى الواقعة على خط الأنابيب إلى درجة كادت توقعه في ورطة حقيقية. لكن ذلك أوقف الحرائق، وهذا ما أنقذ رقبته! (سأخبرك عن ذلك في وقت ما).

عندما غادر وينغيت (في أيلول1938؟) وواصل “بالا” [بريدين] المهمة مكانه، أصبحت  فرق الليل أكثر توحشاً وساحة للفوضى المنفلتة أشبه بـ “الغرب المتوحش”(12) وخرجت عن السيطرة، وأعتقد أن ذلك كان أحد أسباب حل السرايا الليلية الخاصة[83]. حارب الجيش البريطاني “الإرهاب بالإرهاب”[84]، وجعل وينغيت القرويين الفلسطينيين في وضع يخشون فيه الجنود أكثر من خشيتهم للمتمردين. فإذا قادت آثار عصابة متمردة إلى قرية ما، أحرق رجال وينغيت الحظائر، واعتقلوا القرويين، وصادروا الماشية. وعندما قال القرويون: “يا جناب القائد، ما حيلتنا؟ يأتينا أفراد العصابات مسلحين، ونحن عزل، ولا يسعنا إلا الرضوخ لمطالبهم”، كان يجيبهم وينغيت: “أمامكم خياران: إما تخافوني، وحينها يمكنكم قتال العصابات. لا أقبل زعمكم بأنكم مساكين ولا تستطيعون فعل شيء”[85]. أقر وينغيت بأن ذلك لم يكن خطأ القرويين، “لكن هذه ليست المسألة. أريد الوصول إلى وضع لا يسمح فيه سكان القرية للغرباء بدخول قريتهم”[86].

خططت فرق الليل لغاراتها مستعينة بالمعلومات الاستخبارية، أو كانت ترد على الأحداث بعنف “وحشي”، كما حدث في مجزرة طبريا. وهكذا، عندما قتل لغم للمتمردين الزعيم اليهودي لمستوطنة عين حيرود، حاييم شتورمان، في 14 أيلول 1938(13)، أطلق وينغيت “صرخة، أقرب بالصيحة منها إلى الأمر” وأنزل “أقسى انتقام” بسكان الحي العربي في بيسان (بيت شان)، بالقرب من موقع الانفجار: “الجميع إلى السيارات!”… كانت صرخته مدوية، أمسكنا بنادقنا، وفي غضون ثوانٍ كنا جميعاً في السيارات. ودون أي خطة عمل أو تحضير، ووينغيت في مقدمتنا، دخلنا الجزء العربي من بيسان، الذي كان يغص برجال العصابات، وشرعنا في ضرب ودهس أي شخص يعترض طريقنا. فقد وينغيت نفسه السيطرة على أعصابه، فدخل المتاجر وحطم ما فيها. وبعد ساعة عدنا إلى عين حيرود[87](14)

يتغاضى كتاب السيرة المتعاطفون عن أمر وينغيت “بقتل كل عربي يُكتشف في محيط الغارة” على بيسان، مشيرين إلى حالته العاطفية وإلى “الأوامر الجامحة غير المدروسة التي صدرت في فورة طيش لحظية غاضبة” قبل مهاجمة بيسان، ولهذا “أُطلق الرصاص على بعض المارة الأبرياء وسط المتمردين الفارين الذين ردوا بإطلاق النار. كانت غارة مفاجئة غير محضرة، وخطأً من جانب وينغيت، وغير معهودة في تعاليمه”[88].

شن وينغيت وفرقه غارات عقابية محضرة ومتجددة وأبدوا ردود فعل جاهزة، حسب مقتضيات الموقف، وأدى مزاج وينغيت المتقلب إلى عنف ارتجالي عرضي تجاه العرب، كما حدث في بيسان أو عندما كان عملاء يهود يتحدثون مع فلسطيني عجوز مصاب بالتراخوما ويعرج، وكان يعمل جاسوساً لهم، بقصد استخدامه دليلاً لغارة على قرية. طلب وينغيت: “’أحضروا لي هذا العربي‘… فأُحضر الجاسوس إليه. اقترب منه جداً، وثبت نظره في عينيه حتى كاد يلتصق به، وبدأ يستجوبه بالعربية. وفجأة تراجع إلى الخلف ووجه للعربي ضربة قوية على عنقه طرحته أرضاً”[89].

كما ضرب كينغ-كلارك رجلاً محلياً بقوة شديدة أثناء غارة على تليل (يُفترض أنها التليل) عند بحيرة الحولة لدرجة أنه كسر يده[90]، وحتى عند التحضير للغارات بناءً على معلومات استخبارية، كان العنف “الوحشي” غير المخطط له يندلع. ففي أوائل أيلول1938، توفرت لوينغيت معلومات تدين مختار الطنطورة، فتوجه مع سرية إلى القرية وجمع القرويين للعثور على المذنب. ثم أخذت المداهمة منحى عنيفاً، كما يروي أحد كتاب سيرته، إذ اضطر جندي لإطلاق النار على فلاح هارب: “بينما كان وينغيت يسير في الصف يتفحص الأسرى، اندفع أحدهم هارباً، فأرداه أحد رجال وينغيت قتيلاً في الحال”[91]. كانت عبارة “قُتل أثناء محاولته الهرب” تعبيراً ملطفاً ومناسباً للاغتيالات، إذ ذكر ليفكوف، أحد الجنود اليهود الحاضرين، أن وينغيت ذهب إلى الطنطورة وأطلق النار على الشخص غير المقصود، وهو أحد العرب الأبرياء الذي كان أيضاً عضواً في نقابة العمال اليهودية “الهستدروت”. كما اتهم ليفكوف ضباطاً بريطانيين بالسكر أثناء العمليات، بعد مغادرة وينغيت لفرق الليل[92].

نهاية فرق الليل الخاصة

لم يتورع الجيش النظامي عن استخدام العنف ضد المتمردين، وإنما تعلق إنهاء عمل فرق الليل الخاصة بحوكمة فلسطين الرشيدة والتنظيم الرسمي لاستخدام القوة وتبريرها، بقدر ما تعلق بمعارضة استخدام القوة المفرطة. اندرج عمل وينغيت خارج نطاق الشبكة الرسمية، وشعر كل من الجيش والشرطة بعدم الارتياح تجاه وحدات خاصة “مغامرة، تتفاخر ببطولاتها” و “متساهلة” في موقفها تجاه القوات النظامية، كما لاحظ كينغ-كلارك في مذكراته: “نظر الجيش إلينا، تقليدياً، بعين الريبة التي يحتفظ بها لـ “القوات المسلحة الخاصة”-مع مسحة، ربما، من الحسد لكوننا “فوق القانون” واحترام للنتائج التي كنا نحققها… أما بالنسبة لشرطة فلسطين… فقد وقعنا في المشاكل في وقت مبكر جداً، بسبب الحريات التي اتخذناها في دخول القرى العربية-وأحياناً تفتيشها- دون سابق إنذار ودون مرافقة الشرطة. في البداية-في حزيران- كان رجال الشرطة يرافقوننا أحياناً في الدوريات، لكن مع تمرسنا وتدريبنا لم يعودوا يفعلوا ذلك، وسرعان ما اختفوا من مشهد فرق الليل الخاصة. لم نلمهم حقاً، على أية حال، إذ كان شغلهم الشاغل الحفاظ على القانون والنظام المدني دون تحيز، انطلاقاً من مراكز ومخافر الشرطة في جميع أنحاء البلاد. وفي المقابل، لا بد أننا بدونا في نظرهم تنظيماً منحازاً ومشبوه الطابع[93].

فوجئ كبار المسؤولين اليهود بنجاة وينغيت وصموده كل تلك المدة في فلسطين، مقتنعين بأن الجميع كان ضده باستثناء ويفل و”ريتشي”-يُفترض أنه آلان ريتشي رئيس استخبارات سلاح الجو الملكي في مقر الجيش-[94]، كما كان دعم إيفيتس ضرورياً وحيوياً في مواجهة قادة الأفواج المحليين الآخرين في الجليل الذين استاؤوا مما كانت تفعله الفرق الليلية[95].

إن مباهاة كينغ-كلارك ورفاقه في فرق الليل البريطانية بنجاحاتهم ضد المتمردين لم تكسبهم سوى قلة من الأصدقاء خارج “اليشوف”: “إنصافاً لحق الجيش والشرطة، تفاقمت نقمتهما على فرق الليل، ولهم الحق في ذلك، جراء غرورنا بخصوص بأسنا المزعوم وصلابتنا المتخيلة وتباهينا بـ “معدلات القتل” لدينا. والحق أصبحنا حقاً متعجرفين جداً قرب النهاية، فطفت على السطح نزوات “الغرب المتوحش، وحمى المسدسات السداسية” وهي مسلكيات-وإن بدت مسلية- غريبة عن أعراف الجيش البريطاني العادي (وتصدر “إوز” بالا بريدين “البري” ذلك  المشهد بجدارة). وأحسب أن القيادة العليا أصابت الراي حين أعادت وينغيت إلى دياره وأسدلت الستار على المشروع برمته في الوقت المناسب؛ لعدة اعتبارات، ليس أقلها خشيتها من تحول فرق الليل الخاصة إلى ما يشبه “الجيش الخاص”[96].

بحلول أيلول 1938، عقد هاينينغ العزم على إبلاغ  إيفيتس بحل وحدات فرق الليل الخاصة، تزامناً مع اتفاقية ميونيخ بشأن تشيكوسلوفاكيا التي حررت حشوداً من القوات البريطانية النظامية لنشرها في فلسطين(15). وما إن انجلت أزمة ميونيخ وانتفاء الحاجة إلى القوات البريطانية في حرب أوروبية، حتى صارت فرق الليل الخاصة فائضة عن الحاجة. ولولا تسوية ميونيخ في أيلول 1938، لربما صمدت تلك الفرق؛ إذ راسل الجنرال ويليام إيرونسايد، قائد قوات الشرق الأوسط في العام 1939، وينغيت مؤكداً أنه لو “تطورت [أزمة تشيكوسلوفاكيا]، لكنتُ عزمتُ على تسليح اليهود وسحب معظم قواتي”[97].

ظل دعم فرق الليل الخاصة منقوصاً دائماً، ولم يوافق الجيش ووزارة الخارجية قط على إنشاء وحدات يهودية خالصة، لما قد تجره مثل هذه الوحدات من كارثة دبلوماسية على العلاقات البريطانية مع العالم العربي الأوسع. وقد راسل مكتب الحرب في لندن الجنرال جون ديل، القائد العام في فلسطين وسلف ويفل، في شباط1937 عقب مؤتمر حول فلسطين، يخبره كيف أن: “ممثل وزارة الخارجية في المؤتمر أوضح بجلاء أنهم سينظرون بقلق بالغ إلى أي فكرة لاستخدام اليهود في عمليات هجومية ضد العرب. وتوقعوا أن يؤدي ذلك إلى تكتل العرب جميعاً، ما قد يسفر عن اشتعال عام في العراق وأماكن أخرى. لن يكون ثمة اعتراض على استخدام اليهود في دور دفاعي داخل مناطقهم، ولكن ليس في المناطق العربية”[98].

أخذ ويفل بهذه النصيحة حين وافق على تشكيل فرق الليل الخاصة بقيادة بريطانية في مطلع العام 1938، غير أن بعض السرايا عملت في نهاية المطاف كوحدات يهودية خالصة في بعض الأحيان، مع ازدياد ثقة الجنود المستوطنين بمهاراتهم القتالية. ولم يكن لدى هاينينغ صبر على وينغيت كما كان لدى معلمه ويفل. وعلاوة على ذلك، ربما لم يدرك رؤساء وينغيت تماماً ما كان يجري في الجليل، أقله في الأشهر الأولى من عمليات الفرق حين كانت فلسطين كلها تموج بالاضطرابات، وكانت القيادة المركزية في القدس منشغلة بأمور أخرى، ولم تكن التقارير عن عمليات فرق الليل قد وردت بعد[99]. من المؤكد أن القيادة العليا ” كانت تعرف تمام المعرفة” أن جنودها يدربون يهوداً، لكنها آثرت تجاهل ذلك ما دام يناسبها ويخدم مصلحتها، فمنحت فرق الليل الخاصة نافذة فرص قصيرة أُغلقت بعدها[100].

وسرعان ما تصاعد الضغط على فرق الليل داخل المؤسسة البريطانية في فلسطين. ولم يقتصر الاعتراض على سياسات وينغيت القاسية على المسؤولين المدنيين والشرطة، بل شمل العديد من ضباط الاستخبارات البريطانيين، الذين تيقنوا من أنها تنفر العرب. واتفق مؤتمر لضباط الاستخبارات البريطانيين في شمال فلسطين في نهاية كانون الثاني 1939 على عدم توظيف اليهود لأن ذلك يستفز الفلسطينيين، وهو قرار أزعج وينغيت لكنه لم يملك حياله إلا الاحتجاج، إذ كانت فرقه في طور الأفول[101].

ارتابت السلطات البريطانية أيضاً في تسريب وينغيت معلومات استخبارية لـ “اليشوف”، فتنصتت على هاتفه وجعلت حياته “لا تطاق”[102]، وامتدت مراقبة الاستخبارات البريطانية لتشمل زوجته ووالدتها، وربما كان ذلك نتيجة تحقيق للجيش في أمر “إعدام” أصدره وينغيت لجنود يهود في قرية عربية[103].

أشاد هاينينغ بوينغيت بعد مغادرة الأخير لفلسطين، لكنه رأى انحيازه للقضية الصهيونية كبيراً لدرجة “تجعل خدماته في فرع الاستخبارات عديمة الجدوى ومحرجة. وكان نقله إلى مجال عمل آخر في وقته المناسب”[104].

أدرك الإداريون المدنيون المحليون أن “بلطجة” وينغيت تهدد بإفساد حوكمة فلسطين السليمة: “الناس الذين كان يصفيهم، أي عرب غرباء يصادف دخولهم القرية ليلاً، لم يكونوا بالضرورة هم الرجال الذين يفجرون خط التابلاين”.[105]. لم تكن الحكومة الاستعمارية البريطانية في فلسطين قوية قط، مالياً أو عسكرياً، وكانت تعتمد على أشكال من الموافقة المحلية التي يتعين على الإداريين المحليين إدارتها بعد أن يرحل الجنود[106]. وقعت فرق الليل ضحية نجاحها، إذ انتهى عنفها المستشري الذي أرعب وأخضع الفلسطينيين إلى خدش مشاعر القيادة العسكرية العليا البريطانية، التي توجست من القوة غير النظامية المطلقة  وآثرت القوة النظامية المعتدلة، فأنهت عمل فرق الليل  وأقالت وينغيت.

نقل الإرث

من البديهي توقع تعلم العديد من اليهود الذين دربهم وينغيت من أساليبه، وأساليب الجيش البريطاني، الخبير في عمليات الإخضاع  الاستعماري.

كان وينغيت شخص فرداني وعاطفي للغاية- ورأى بريدين فيه “حماسة المتعصب”، بينما وصفه مسؤول بريطاني آخر عمل معه في السودان بأنه “مجنون خطير”- لكن نهجه الأساسي في مكافحة المتمردين كان نهج الجيش ذاته، كما كان حال ضباط مثل بريدين وكينغ-كلارك[107]. ومع ذلك، دفعت فرق الليل مكافحة التمرد البريطانية إلى أقصى درجات الانفلات، وعدم التقيد، ما جعل أي شكل من أشكال العلاقات الطبيعية مع الفلسطينيين مستحيلاً. لاحظ القائد المستقبلي للقوة الضاربة في الهاغاناه “البلماح”، يتسحاق ساديه، ذلك، فكتب في حزيران 1938 كيف أن “الطريقة التي تعمل بها هذه الفرق (التفتيش في القرية مصحوباً بالضرب وما إلى ذلك) قد تورطنا، وفق رأي كثيرين من هذه المنطقة، في علاقات غير مرغوب فيها مع الجيران”[108].

ما لا تناقشه هذه المقالة هو كيف عدّ بعض اليهود وينغيت عبئاً يفوق نفعه[109]. نقل وينغيت لليهود مستويات من العنف المنفلت الذي لم يستخدمه الجنود البريطانيون النظاميون بسهولة، لكنه كان روتينياً في فرق الليل. صاغت سرايا هذه الفرق قادة عسكريين إسرائيليين كباراً في المستقبل مثل موشيه دايان، الذي خدم مع وينغيت وأعجب بـ “قسوته المطلقة” واستعداده لإطلاق النار على العرب “في الموقع ليكونوا عبرة للآخرين”، والذي “لم يعرف حبه” لوينغيت “حدوداً”.

أطلق رجال الهاغاناه عليه لقب “هَيّديد” הידיד (الصديق)، وأدركوا وجاهة قناعته بأن الهجوم خير وسيلة للدفاع[110]. أما جيمس بولوك، مفوض اللواء، فعبر عن ذلك بصراحة أفج: “علّم وينغيت اليهود سفك الدماء، ولم يلتفتوا إلى الوراء منذ ذلك الحين قط”[111].

كتب دايان لاحقاً أنه بينما زرع القادة العسكريون اليهود الأوائل، مثل ساديه، فكراً هجومياً وأكثر عدوانية بين المقاتلين اليهود، وأكثر تفكراً بعقلية الكوماندوز، وما أثار إعجاب دايان حقاً هو “مهنية” وينغيت النابعة من تدريبه في الجيش البريطاني. تمتع وينغيت بـ “اليقين، ورفض بعناد المساومة والحلول التوفيقية.  كان صاحب شخصية مهيمنة نقلت عدوى تعصبها وإيمانها إلينا جميعاً”[112].

استهدف وينغيت إنشاء جيش يهودي، مخاطباً رجال الهاغاناه: “ستصغون الآن باهتمام شديد لما سأقوله لكم، ولن تنسوا كلماتي أبداً. اليوم يوم مشهود لشعب إسرائيل، لأنكم ستشهدون اليوم بداية تكيل  الجيش اليهودي”… كانت هذه كلمات لم يجرؤ حتى رجال الهاغاناه على النطق بها جهراً. لكن هذا بالضبط ما كان يدور في خلد الكابتن أورد وينغيت[113].

واستمر إرث وينغيت في “اليشوف” طويلاً عقب مغادرته فلسطين. وكتب هاري ليفين، المحاصر في القدس الغربية اليهودية في أيار1948، في يومياته عن ذلك “الإنكليزي غريب الأطوار المحبوب” وينغيت، الذي “أرسى دعائم” البلماح، وهي القوة التي كانت تقاتل حينئذ لفك الحصار عن المدينة[114].

نقل وينغيت التدريب التكتيكي عبر فرق الليل، لكنه نقل أيضاً على المستويات العليا روحاً هجومية وثابة، وبوصفه “ضابطاً محترفاً في الجيش البريطاني، حظيت آراؤه بوزن كبير لدى القادة السياسيين المسؤولين عن الهاغاناه”[115]. وأدى نظام تدريب فرق الليل الصارم الذي وضعه وينغيت، بمسيراته الطويلة التي كان يصفع فيها المجندين اليهود على وجوههم-“بدا أنهم يستسيغون ذلك” كما يستذكر بريدين- إلى تطبيع الجنود اليهود على التوحش وجعل العنف أمراً عادياً، شأنه شأن أي معسكر تدريب لوحدات عسكرية نخبوية[116]. خضع جنود بريطانيون مثل العريف هوبروك، الذي خدم في سرية كينغ-كلارك، لتدريب عسكري بريطاني محدد وراسخ، ورأى خلال  وجوده مع فرق الليل وينغيت غريب الأطوار يعامل اليهود “بمهانة بالغة… كان بوسعه فعل أي شيء بالأفراد والجنود العاديين. كان يدفعهم ويأمرهم. وكانوا يركضون كالقطط الصغيرة، أو الجراء”[117].

علم البريطانيون اليهود استخدام السلاح الأبيض في العمليات ضد المتمردين العرب، والهجوم بالحربة، الذي يمثل ذروة القتل المباشر، كما حدث في خربة ليد (غالباً خربة بيت ليد) مع سرية كينغ-كلارك في أيلول 1938 حيث رصد الجنود عربياً يختبئ خلف جدار. استدعى كينغ-كلارك أقرب جنوده اليهود: “أظنه كان دافيد من دغانيا(16) [يُفترض أنه كيبوتس دغانيا بيت جنوب بحيرة طبريا]، وأومأت بحركات القتال بالحربة بذراعي. أتذكر كيف اتسعا عيناه عندما أشرت  إلى حربته المثبتة. أومأت برأسي بشدة، فانطلق وراقبناه وهو يركض مسافة خمسين ياردة نحو الجدار، ويقفز عليه ويطعن مراراً بسلاحه وحربته في الجانب الآخر. عاد إلى جانبي بعد دقيقة، وفي يده الحرة بندقية “ماوزر” قديمة، وحربته ملطخة بالدم حتى مقبضها، عيناه متسعتان من هول ما فعله للتو”[118].

شاركت وحدات الهاغاناه في هذا الهجوم، أو في هجوم آخر في وقت مختلف استهدف القرية عينها، وضم قادة إسرائيليين مستقبليين مثل ييغال آلون وشمعون أفيدان وموشيه دايان، حيث اضطرت القوات البريطانية-وهذا له دلالته- إلى منع المقاتلين اليهود في فرق الليل من ضرب الفلسطينيين ونهب منازلهم[119].

خاتمة

تتطرق دراسة استخدام الجيش البريطاني لفرق الليل الخاصة هنا إلى كيفية استغلال القوى الاستعمارية الإمبريالية لمجتمع استعماري محلي موال للمساعدة في إخضاع المتمردين. إن التفاصيل التجريبية لوقائع وحشية فرق الليل صادمة لكنها ليست مفاجئة، إذ مكن الجيش البريطاني وحشد مستوطنين محليين لديهم مصلحة وجودية في مستقبل فلسطين، كما سيحدث لاحقاً في مستعمرات أخرى مثل كينيا في خمسينيات القرن العشرين. اتسم الجيش البريطاني كمؤسسة بالمحافظة والتردد حيال الحرب غير النظامية على غرار فرق الليل، ولذا أوقف عمل هذه الوحدات في نهاية المطاف بعد حياة عملياتية قصيرة وجزئية، شابتها فظائع شنيعة خدشت حساسيات القيادة البريطانية العليا، والمسؤولين المدنيين المحليين، وضباط جيش آخرين.

أدارت القيادة العسكرية المركزية السيطرة على العنف  وضبطته، وفي حالات مكافحة التمرد، اصطدم استخدام “القوات الخاصة” دائماً بتعارض مع المحاذير العسكرية التراتبية للجنود العاملين بصورة مستقلة، مما يثير قلقاً مبرراً بشأن الاتهامات المتعلقة بفرق الموت المنفلتة و”الحروب القذرة”.

وافق ويفل على تشكيل وحدات الليل الخاصة، لكن مصدر إلهام هذه الوحدات كان وينغيت، وقادة محليين مثل إيفيتس، متجاوزين هياكل القيادة العسكرية المركزية إلا في الموافقة الأولية على إنشاء ما كان حينها قوة جديدة غير معروفة، ما يبرهن على قوة المبادرات المحلية في مكافحة التمرد.

كانت تكتيكات فرق الليل الأساسية هي ذاتها تكتيكات الجيش البريطاني، بما فيها العقاب الجماعي للسكان المحليين المعادين الداعمين للمتمردين المسلحين، وهي تكتيكات تجلت بوضوح للعيان حين طبقتها بفظاظة ووحشية وحدات عسكرية غير تقليدية مثل فرق الليل، التي لم يفعل قائدها، وينغيت، شيئاً لإخفاء العنف المتأصل في مكافحة التمرد.

شكر وتقدير

يتقدم المؤلف بالشكر إلى أمناء “مركز ليدل هارت للأرشيف العسكري” للسماح بإعادة إنتاج المواد المحفوظة في المركز؛ وإلى جامعة برونيل لتمويل رحلة بحثية إلى الأرشيفات البلدية الإسرائيلية في عام 2015؛ وإلى إيتامار راداي للمساعدة في المواد العربية والعبرية المنقولة صوتياً.

هامش المؤلف

سيلاحظ القارىء التساهل في استخدام تعابير مثل  “يشوف”، “صهاينة”، “يهود”، “يهودي”، وسوف يلاحظ أنها كلها تشير إلى المجتمع اليهودي  في فلسطين قبل العام 1948؛ في بعض السياقات، تم استخدام “يهودي / يهود” بما يناسب ما كانت مستخدماً في حينه  آنذاك، ومن الواضح أنه استخدام غير دقيق. والأمر ذاته ينطبق على الاستخدام المختلط لـ “عرب” و “فلسطينيين”.

هوامش المترجم

* نبذة عن المؤلف: ماثيو هيوزMatthew Hughes؛ أكاديمي ومؤرخ عسكري بريطاني بارز، يشغل كرسي التاريخ العسكري في جامعة برونيل (Brunel University) في لندن، وهو زميل الجمعية التاريخية الملكية في بريطانيا. يعرف بنهجه النقدي الصارم واعتماده المكثف على الأرشيفات الأولية والسجلات العسكرية البريطانية التي لم تُدرس بعناية من قبل. وقد اشتهر بمنهجه البحثي الذي يدمج بين الأرشيفات العسكرية الرسمية (البريطانية والصهيونية) وبين التحليل السوسيولوجي للعنف الاستعماري. يختص هيوز في تاريخ الإمبراطورية البريطانية، والحروب الاستعمارية، والصراع العربي-الإسرائيلي. ويُعد كتابه المرجعي ” الاستعمار البريطاني وإجهاض الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939″ (Britain’s Pacification of Palestine: The British Army, the Colonial State, and the Arab Revolt, 1936–1939)، الصادر عام 2019، أحد أهم المراجع الأكاديمية التي فككت الآليات العسكرية والقانونية التي استخدمتها بريطانيا لسحق الثورة الفلسطينية وتعبيد الطريق أمام المشروع الصهيوني. تتميز كتابات هيوز بالجرأة في كشف المسكوت عنه في التاريخ العسكري البريطاني، لا سيما فيما يتعلق بجرائم الحرب، وسياسات العقاب الجماعي، والتعاون الاستخباراتي والميداني بين الجيش البريطاني والعصابات الصهيونية، مما يجعله صوتاً أكاديمياً وازناً في إعادة قراءة تاريخ تلك الحقبة بعيداً عن الروايات الرسمية المنحازة.

هوامش الترجمة

(1) يشير مصطلح “الشرطة الإضافية” (Supernumerary Police) في القاموس الإداري للانتداب إلى القوات التي جُنّدت “خارج الملاك” الرسمي للشرطة الفلسطينية؛ والتي عملت كقوة رديفة سلّحتها بريطانيا ودرّبتها، لكن تمويلها (رواتب وتجهيزات) كان يأتي غالباً من الوكالة اليهودية أو المستوطنات، ولم تكن تتمتع بصلاحيات الشرطة النظامية الكاملة ولا بامتيازاتها التقاعدية. ومن الناحية التنظيمية والتاريخية، يجب التمييز بين مصطلحين عبريين غالباً ما يحدث خلط بينهما عند الترجمة إلى حارس أو ناطور، فالنواطير “نوطريم הנוטרים” وتعني حرفياً “النواطير” أو “الخفراء”. وهم أفراد هذه “الشرطة الإضافية” الذين شكلتهم بريطانيا قانونياً لقمع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، واستغلتهم “الهاغاناه” كغطاء شرعي لتدريب وتسليح آلاف المقاتلين علناً (وصل عددهم إلى نحو 22 ألفاً). أما هاشوميرהשומר وتعني “الحارس”. فهي منظمة صهيونية مسلحة أقدم وأشد راديكالية، نشطت في العهد العثماني (تأسست في العام 1909)  قامت على مبدأ “العمل العبري” وهدفت إلى “احتلال الحراسة” واستبدال الحراس العرب بحراس يهود، وقد حُلت عام 1920 لتشكل النواة الصلبة لتنظيم “الهاغاناه”. وفي مقالة هيوز هنا يكون المقابل العربي  لعبارة للشرطة الإضافية اليهودية هو “النواطير” والكلمة العبرية تحمل ذات المعنى العربي المشتقة من جذر مشترك “نطر” ( وتعني الحارس الذي يحمي الكروم أو المزارع). كان هؤلاء “النواطير” اليهود يرتدون زياً رسمياً ويتبعون إدارياً للشرطة البريطانية. جدير بالذكر أو وثائق تلك الحقبة الانتدابية تشير إلى مصطلح آخر هو “الغفير” الذي كان يُطلق غالباً على حراس القرى العرب.

(2)اسمه الأصلي رؤوفين زاسلانسكي، ولد في القدس في العام 1900، حول اسمه في البداية إلى زاسلاني ثم إلى شيلواح שילוח أثناء العمل السري مع الهاغاناه، ثم اختاره لاحقاً ليكون كنيته الرسمية، وهو مستمد من اسم نبع شيلواح (عين سلوان). ويعرف رؤوفين زاسلانسكي بكونه المؤسس وأول مدير لجهاز الموساد الإسرائيلي.

(3)نسخ اسم الضابط البريطاني المذكور في الوثائق العبرية بحروف عبرية بناءً على نطقه العبر. وعندما قام الباحث بإعادة كتابته باللغة الإنكليزية، نقله كما هو في الصيغة العبرية، فحصل هذا التحريف للاسم الأصلي. إذ يظهر حرفي (F) و(P) في العبرية على صورة حرف (فِ/פ). والضابط البريطاني المقصود هو غالباً Hackett-Pain (هاكيت-بين). وسمعه اليهود “بين” (Pain) وكتبوه بالعبرية “فاين”(פיין). فظهر الاسم في النص Hackett-Fine بدلاً من Hackett-Pain. والرمز MI هو اختصار لـ Military Intelligence (الاستخبارات العسكرية). ويشير الرقم 5 إلى القسم الخامس (Section 5)، وهو جهاز الأمن الداخلي (Security Service). ويشير الرقم 6 إلى القسم السادس (Section 6)، وهو جهاز الاستخبارات السرية الخارجية (Secret Intelligence Service)

(4) يقصد هيوز بوصف مجتمع المستوطنين في كينيا بأنه “Articulate” (أي: مفوه، منظم، ذو صوت مسموع) الإشارة إلى النضج السياسي والمؤسسي لهذه الأقلية الاستيطانية، وليس الفصاحة اللغوية المجردة. ويطرح المؤلف هنا مقاربة ضمنية (غير مباشرة) مع مجتمع “اليشوف” في فلسطين؛ فكلا المجتمعين لم يكونا مجرد مجموعات مهاجرة عشوائية، بل شكلا كيانات سياسية شبه دولانية (State-in-making)؛ امتلكت مؤسسات تمثيلية قوية، وقنوات اتصال مباشرة ومؤثرة مع صانع القرار في لندن (اللوبي)، وقدرة فائقة على صياغة سردية تبرر وجودها وتصور قمعها للسكان الأصليين (سواء “الماو ماو” في كينيا أو الثوار العرب في فلسطين) على أنه دفاع عن الحضارة والنظام، مما جعلها “شريكاً” لا غنى عنه للإمبراطورية في إدارة مستعمراتها

(5) انتفاضة الماو ماو (1952–1960) يقدمها المؤلف بوصفها نموذجاً مقارناً لأساليب “مكافحة التمرد” البريطانية التي طُبقت في فلسطين. والماو ماو هي حركة تحرر وطني مسلحة نشأت في كينيا (مستعمرة التاج البريطاني آنذاك) قادتها بشكل رئيسي إثنية “الكيكويو” (Kikuyu)، وعرفت باسم “جيش الأرض والحرية” (Land and Freedom Army). اندلعت الانتفاضة رداً على سلب المستوطنين البيض لأراضي السكان الأصليين الخصبة، والظلم الاجتماعي، ونظام الفصل العنصري الفعلي. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها في سياق المقالة من زاويتين رئيستين:

-دور المستوطنين تماماً كما تعاونت القوات البريطانية مع “اليشوف” والميليشيات الصهيونية (مثل فرق الليل الخاصة) في فلسطين، اعتمدت في كينيا بشكل كبير على مجتمع المستوطنين البيض المسلحين. شُكّلت وحدات مثل “فوج كينيا” و”شرطة كينيا الاحتياطية التي ضمت مستوطنين عرفوا بقسوتهم المفرطة ومعرفتهم بالأرض، ومُنحوا صلاحيات واسعة خارج إطار القانون العسكري النظامي لقمع المتمردين.

-الحرب القذرة: اتسم القمع البريطاني للانتفاضة بوحشية ممنهجة شملت إنشاء شبكة واسعة من معسكرات الاعتقال حيث احتُجز وعُذب مئات الآلاف من الكينيين، واستخدام سياسة “العقاب الجماعي”، والتهجير القسري (Villagization)، واستخدام ميليشيات محلية موالية لزرع الفتنة الأهلية.

تُعد تجربة “الماو ماو” دليلاً تاريخياً على نمط الاستعمار البريطاني في إدارة الصراعات، حيث يتم توظيف “أقلية موالية” (سواء كانت دينية كما في إيرلندا، أو استيطانية كما في فلسطين وكينيا) كوكيل محلي لأداء “العمل القذر” نيابة عن الإمبراطورية.

(6) ترد العبارة في النص الأصلي “Cowboy Outfit” وترجمناها هنا بـ”مجموعة مارقة” كأقرب معنى دلالي لها، ويحمل مصطلح Cowboy Outfit في المخيال الإنكليزي (وخاصة في الثقافة البريطانية) دلالة ازدرائية تتجاوز المعنى الحرفي. فهو يتعدى الحديث عن الملابس ليصف سيكولوجية جماعة أو كيان أو مؤسسة تتسم بانعدام المهنية (Amateurish)، والرعونة، والعمل الفوضوي المرتجل الذي يضرب بعرض الحائط القوانين وإجراءات السلامة، تماماً كما في الصور النمطية عن “الغرب المتوحش”. واستخدام الكاتب لهذا الوصف هنا يأتي ليدحض فكرة أن فرق الليل الخاصة كانت مجرد “عصابة من الهواة المنفلتين” يتصرفون بمزاجهم الفردي؛ ليؤكد -على العكس- أنها كانت “آلة قتل” منظمة، محترفة، ومحمية بقرار عسكري رسمي Fully integrated.

(7) يعود هذا النص إلى رسالة وجهها موشيه شرتوك (الذي عُرف لاحقاً باسم موشيه شاريت، وشغل منصب أول وزير خارجية لدولة الاحتلال)، بصفته رئيساً للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية آنذاك، إلى العميد جون إيفيتس إبان مغادرته فلسطين في نيسان 1939. وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها من كشفها عمق التنسيق العسكري بين القيادة الصهيونية والجيش البريطاني لقمع الثورة الفلسطينية الكبرى. ويقصد شرتوك بمصطلح “حالة السلبية” (Passivity) التذمر من التحول الطارئ على السياسة العسكرية البريطانية مطلع العام 1939؛ إذ أجبرت القيادة العليا القوات اليهودية (الهاغاناه وخفراء المستوطنات) على العودة إلى استراتيجية “ضبط النفس” (هفلاغاه הבלגה) والاكتفاء بالدفاع داخل حدود المستوطنات، بعدما كانت تتمتع في العام 1938 -تحت رعاية إيفيتس ووينغيت- بضوء أخضر لشن هجمات استباقية، ، والخروج ليلاً لمداهمة القرى العربية، ونصب الكمائن للمتمردين، وملاحقتهم في معاقلهم (وهو ما كان يفعله وينغيت والسرايا الليلية)، وهي الفترة التي عدّها شرتوك ذروة “النشاط” والمبادرة العسكرية التي يأسف على انتهائها. ومع رحيل إيفيتس وتضييق الخناق على وينغيت (ثم طرده لاحقاً)، أصدرت القيادة العليا البريطانية (الجنرال هاينينغ) أوامر بوقف هذه العمليات الهجومية “غير النظامية” والوحشية. كان شرتوك المسؤول المباشر عن إدارة العلاقات السياسية والعسكرية مع سلطات الانتداب البريطاني، ولعب دوراً محورياً في نسج التحالفات مع الضباط البريطانيين المتعاطفين (مثل وينغيت وإيفيتس) لضمان تسليح وتدريب القوات اليهودية (الهاغاناه) تحت غطاء شرعي.

(8) كوكمبل غالباً هو تحريف لقرية “كوكب الهوا قضاء بيسان، التي كانت مسرحاً لعمليات فرق الليل الخاصة لقربها من خط أنابيب التابلاين وما يؤكد ذلك أنها تقع فوق تلة مشرفة على خط الأنابيب. ووقعت الحادثة في العام 1938 حين فجر الثوار الأنبوب، ورداً على ذلك، قاد  وينغيت حملة انتقامية ضد سكان القرى. وأجبر -هو والجنود البريطانيون (وبعض عناصر الهاغاناه)- الفلاحين على الانبطاح أرضاً، وحشروا في أفواههم التراب المشبع بالنفط الخام  عقاباً لهم على “عدم منع المخربين”.

(9).تُعد أحداث طبريا، إحدى أكثر اللحظات دموية في الثورة العربية الكبرى، وهي التي استخدمها أورد وينغيت لتبرير أقصى درجات الوحشية في غارات “فرق الليل”. بدأ الأمر حين اقتحم نحو 70 من الثوار الفلسطينيين (المسلحين) الحي اليهودي في مدينة طبريا (قرب البحيرة)من عدة جهات. ليلة الثاني في نشرين الثاني 1938 فقتل  19 صهيونياً، بينهم 11 طفلاً و3 نساء، إضافة إلى حرق بعض المكاتب الإدارية التابعة لسلطة الانتداب والوكالة اليهودية. كانت هذه الحادثة (إلى جانب مقتل حاييم شتورمان قبلها بأسبوعين) هذا بمنزلة  “الهدية السياسية” لوينغيت؛ فبينما كان البريطانيون يترددون في منح “فرق الليل” صلاحيات مطلقة، وتحويلها لى آلة قتل انتقامية تجوب قرى الجليل وغور بيسان. استغل وينغيت دماء ضحايا طبريا لانتزاع تفويض بالقتل دون قيود فقاد فرق الليل في مطاردة دموية استهدفت القرى التي اعتقد أن الثوار انطلقوا منها (مثل حطين وناصر الدين ولوبيا). وبعد هذه الحادثة لم يعد وينغيت يكتفي بحماية “خط الأنابيب”، بل أصبحت مهمته “التطهير الهجومي” للقرى العربية، وهو ما أطلق عليه اسم “الغارات العقابية الاستباقية”.

(10) تختلف الروايات حول منفذي “تعذيب النفط” في قرى قضاء بيسان (مثل دنَة وكوكب الهوا)، فبينما تذكر المصادر البريطانية وبعض الشهادات العربية أن جنود “فرق الليل” (بريطانيين ومستوطنين) شاركوا معاً في التنكيل، يصر القائد العسكري الإسرائيلي تسفي برينر في شهادته على أن وينغيت تعمّد جعل الجنود الإنكليز هم المنفذين المباشرين، لإبعاد تهمة القسوة عن المستوطنين اليهود وتجنب عمليات انتقامية مباشرة ضد الكيبوتسات المجاورة. وتظل هذه الحادثة علامة فارقة في تاريخ إرهاب خط الأنابيب التي حصلت في العام 1938. وشهادة تسفي برينر المذكورة هنا هي محاولة تبريرية معروفة في الأدبيات الصهيونية تهدف إلى الفصل الأخلاقي بالإصرار على أن “البريطانيين” هم من باشروا التعذيب بأيديهم، لتصوير الجنود اليهود كـ “متدربين” أو “مراقبين” فقط، تجنباً لترسيخ صورة المستوطن كقائم بالتعذيب. لكن الوقائع تشير -وفق مصادر أخرى وشهادات جنود بريطانيين (مثل كينغ-كلارك الذي ذكر دافيد في حادثة الحربة) إلى أن المشاركة كانت عضوية ومشتركة، وأن الهدف من فرق الليل كان دمج المستوطنين في العمليات الهجومية المباشرة لكسر حاجز التردد لديهم.

(11)يقع كيبوتس حنيتا في الجليل الأعلى الغربي على الحدود اللبنانية. تأسس في 21 آذار 1938 كتطبيق نموذجي لاستراتيجية “السور والبرج” (חומה ומגדל حُوما أُومِغدال)، بهدف فرض وقائع استيطانية عسكرية خاطفة في مناطق ذات كثافة عربية. أقيم الكيبوتس على نحو5000 دونم اشتراها “الصندوق القومي اليهودي” من عائلة بُسترس البيروتية الإقطاعية، ما أفضى إلى انتزاعها من فلاحي قرية “البصة” وعشائر “عرب العرامشة” الذين كانوا يعتمدون عليها للزراعة والرعي. ونظراً لموقعها الاستراتيجي المنعزل وسط القرى العربية وطرق إمداد الثوار، تحول حنيتا فوراً إلى قلعة عسكرية متقدمة وقاعدة انطلاق رئيسة لفرق الليل الخاصة.  أما عبارة “صبية حنيتا”، فتشير إلى نخبة عناصر “الهاغاناه” الشباب الذين اختارهم وينغيت ليكونوا نواة فرق الليل هناك؛ وأخضعهم لتدريبات قاسية و”تطهير نفسي”-كهذه الحادثة- لنزع “الحساسية الأخلاقية” منهم تجاه قتل العرب.

(12).لم يكن مصطلح “الغرب المتوحش” Wild West وصفاً جغرافياً بحتاً، بل  دلالة ثقافية صكّها وروّج لها ويليام “بافالو بيل” كودي عبر عروضه الاستعراضية المتجولة منذ العام 1883. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين-زمن هذه الأحداث- كانت السينما الهوليوودية وروايات “الويسترن” قد رسخت هذا المصطلح في الوعي الغربي كصورة نمطية ترمز إلى انعدام القانون، وسيادة شريعة الغاب Vigilante justice، والاحتكام الفوري للسلاح. ويستعير كينغ-كلارك هذه “الصورة السينمائية” للفوضى؛ ليصور تحول “فرق الليل” من وحدة عسكرية نظامية إلى مليشيا منفلتة، تخلت عن قواعد الاشتباك والضبط والربط العسكري، وغدت تتصرف بمنطق “الكاوبوي” حيث القوة هي القانون الوحيد.

(13).  يعد حاييم شتورمان (1891–1938)  من أبرز قادة الاستيطان الصهيوني المبكر في مرج ابن عامر؛ وقد أدى مقتله بلغم أرضي في 14 أيلول 1938 على الطريق الترابي الواصل بين كيبوتس “عين حرود” ومعسكر “بيسان” بالقرب من قرية المرصص(التي أقيمت عليها لاحقاً مستوطنة “سدي ناحوم”) إلى موجة من العمليات الانتقامية الوحشية وتحطيم الممتلكات والضرب العشوائي كأداة للترهيب الجماعي قادها وينغيت استهدفت مدينة بيسان والقرى المحيطة بها. وتكشف هذه الشهادات عن جانب مهم لتدريبات وينغيت التي لم تكن تفرق بين المسلحين والمدنيين، وهو نهج ورثته لاحقاً وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي في عملياتها الانتقامية خلال الخمسينيات. وتُعد حادثة مقتل حاييم شتورمان والرد الانتقامي الوحشي في بيسان المختبر العملي الأول الذي صاغ العقيدة القتالية لأبرز قادة إسرائيل المستقبليين. فقد كان ديان  ينظر إلى شتورمان كأب روحي ومسؤول أمني ملهم في الجليل وأدى مقتله إلى توليد نزعة انتقامية شديدة في صفوف المستوطنين، كما أن أسلوب وينغيت العقابي جعل المستوطنين يتعلمون أن “الرد السريع والعنيف غير المتناسب” هو الأداة الوحيدة لفرض الردع. وهذه العقيدة طبّقها ديان حرفياً لاحقاً عندما أسس الوحدة 101 في الخمسينيات للقيام بغارات انتقامية عبر الحدود ، بالإضافة إلى ديان كان يغال آلون أحد “شباب وينغيت” في تلك الغارات. الذي تعلم في أزقة بيسان المحطمة أن الحرب ليست مجرد اشتباك جبهوي، بل هي “ترهيب للبيئة الحاضنة وهو ما أصبح  أحد أهم تكتيكات قولت البلماح.

قبل مقتل شتورمان، كانت الهاغاناه تتبنى رسمياً سياسة الهفلاغاه في الأدبيات الصهيونية أي ضبط النفس.لكن  يبدو أن “صرخة وينغيت” في تلك الليلة أنهت هذا المفهوم تماماً، وأحلّت مكانه “عقيدة الانتقام الجماعي.

عندما قُتل شتورمان لم يكن الانتقام في بيسان مجرد رد فعل على موت شخص، بل كان رداً على “سقوط الرمز” الذي اشترى وثبّت أركان الاستيطان في كل تلك القرى (نورس، قومية، تمرة، وطيبة) كانت السيارة تقل “لجنة الكشف على الأراضي” التابعة للصندوق القومي اليهودي.

(14) تأسس كيبوتس  عين حرود في 22 أيلول 1921. ويُعتبر أول كيبوتس كبير في فلسطين، حيث وضع 35 شاباً من كتيبة العمل (جدود هاعفودا) خيامهم عند نبع حرود [عين جالوت]. وأقيم الكيبوتس على أراضي  قرية نورس وقومية ومدينة تمرة في مرج ابن عامر وقضاء بيسان، حيث تم شراء الكتلة الأولى من الأراضي (التي عُرفت بكتلة نورس) من عائلة سرسق البيروتية عبر “شركة تطوير أراضي فلسطين” (PLDC). أقيم-فيما بعد-على أنقاض قرية نورس مستوطنة “نوريت”(1950) والتي اشتق اسمها من الاسم العربي الأصلي. أما بقية أراضي القرية فقد تقاسمها كيبوتس عين حرود وكيبوتس جيفع. انتقل كيبوتس عين حرود في العام 1930 إلى موقعه الدائم عند سفح تلة “قومية” التابعة لقرية قومية المهجرة التي اختفت معالمها تماماً لتصبح جزءً من النسيج العمراني للكيبوتس.  كانت هذه الأراضي مملوكة لعائلة سرسق اللبنانية، التي اشترتها من الحكومة العثمانية في العام 1872. وفي العام 1921، تم بيعها للمنظمات الصهيونية (بواسطة يوشع هانكين)، مما أدى لإخلاء العائلات الفلسطينية. حاول الفلاحون تقديم التماسات للإدارة البريطانية للبقاء في أرضهم، لكن طلباتهم رُفضت وتمت عملية الشراء لصالح “الصندوق القومي اليهودي”. اشتق اسم الكيبوتس من نبع “عين حارود” المذكور في العهد القديم، وهو ذاته  نبع عين جالوت  التاريخي المرتبط بمعركة عين جالوت الشهيرة عام 1260م(حيث هزم المماليك المغول.). وقع في العام 1952 انقسام إيديولوجي شهير داخل الكيبوتس (بين مؤيدي حزبي ماباي ومبام)، مما أدى إلى انقسامه إلى كيبوتسين منفصلين جغرافياً وإدارياً هما: عين حيرود (إيهود) وعين حيرود (مؤوحاد)، ثم عادا في الثمانيات فاتحدا من جديد تحت مظلة  “الحركة الكيبوتسية المتحدة”. لعب شتورمان دوراً مهماً في تأسيس الكيبوتس، نظراً لدوره في عمليات “تسييج” الأراضي فور شرائها لمنع الفلاحين المطرودين من العودة لزراعتها. وبفضل اتقانه للغة العربية وعلاقاته مع الوكلاء، كان يجمع المعلومات عن تحركات الثوار والقبائل في منطقة سلسلة جبال فقوعة وغور بيسان.

(15) تعد اتفاقية ميونيخ (30 أيلول 1938) نقطة تحول جيوسياسية أثرت بشكل مباشر على مصير الثورة العربية الكبرى في فلسطين ومستقبل “فرق الليل الخاصة” .وقعت الاتفاقية أو المعاهدة كل من بين ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا. سمحت الاتفاقية لأدولف هتلر بضم منطقة “السوديت” من تشيكوسلوفاكيا مقابل وعود (لم تتحقق) بوقف التوسع الألماني وتجنب حرب أوروبية شاملة فيما بات يعرف باسم  “سياسة التهدئة”. قبل الاتفاقية، كانت بريطانيا تخشى اندلاع حرب في أوروبا، مما جعلها تُبقي على قواتها النظامية في حالة استنفار داخل بريطانيا والقارة الأوروبية، واضطرت للاعتماد في فلسطين على “حلول بديلة” وقليلة التكلفة لقمع الثورة العربية، وأهمها “فرق الليل الخاصة” التي دمجت بين أعداد قليلة من الجنود البريطانيين وأعداد كبيرة من المستوطنين الصهاينة (الهاغاناه).. ويعكس تصريح الجنرال ويليام إيرونسايد (الذي أصبح لاحقاً رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية( الطبيعة الصريحة للبراغماتية الاستعمارية البريطانية؛ فلو اندلعت الحرب مع ألمانيا في 1938 (أي لو فشلت اتفاقية ميونيخ)، لكانت بريطانيا مضطرة لسحب كامل قواتها النظامية من فلسطين للمشاركة في الدفاع عن الإمبراطورية في أوروبا. وفي تلك الحالة، كان الخيار البريطاني الوحيد هو “تسليح اليهود” بشكل رسمي وواسع النطاق ليقوموا بدور الجيش الوكيل لحماية المصالح البريطانية ويقمع الثورة الفلسطينية في غياب القوات البريطانية. ولكن بمجرد توقيع الاتفاقية ميونيخ وتأجيل شبح الحرب الأوروبية مؤقتاً، شعرت القيادة البريطانية في فلسطين (بقيادة الجنرال هاينينغ) بالارتياح، حيث تدفقت فرقتان عسكريتان بريطانيتان كاملتان إلى فلسطين في خريف العام 1938. بوجود هذا “الفيض” من القوات النظامية، رأت القيادة أن “فرق الليل الخاصة” بقيادة وينغيت أصبحت عبئاً سياسياً وأخلاقياً (بسبب وحشيتها المفرطة وعلاقتها غير الرسمية بالهاغاناه)، فقررت البدء بإجراءات حلّها وتهميش دور وينغيت. هذا الجزء من مقال ماثيو هيوز جوهري جداً؛ لأنه يثبت أن دعم بريطانيا للصهيونية عسكرياً (عبر فرق الليل) لم يكن مجرد “عاطفة دينية” لوينغيت، بل كان ضرورة عسكرية مرتبطة بميزان القوى في أوروبا. من ناحية أخرى، أدى تدفق القوات البريطانية إلى توجيه “الضربة القاضية” لكل من لثورة العربية الكبرى وفرق الليل الخاصة، إذا  علمنا أن القوات التي وصلت هي  الفرقة الثامنة والفرقة السابغة وكانت الأولى بقيادة الجنرال بيرنارد مونتغمري (الذي أصبح لاحقاً بطل معركة العلمين). وتولى فور وصوله قيادة منطقة الشمال (الجليل وحيفا)، وكان يكنّ كراهية شديدة لوينغيت وأساليبه “غير النظامية”، وضغط بقوة لحل فرق الليل، أما الفرقة السابعة فقد  انتشرت في المناطق الوسطى والجنوبية لتأمين المدن الكبرى وخطوط السكك الحديدية،  كما حل محل فرق الليل الخاصة لواء المشاة الثاني الذي انتشر في الجليل. وكتيبة عمالقة الحدود (Border Regiment): وكتائب من فوج مانشستر (Manchester Regiment) -وهي الكتيبة التي كان يخدم فيها الضابط كينغ-كلارك الذي يرد ذكره في المتن. وكتائب الرماة الملكية (Royal Fusiliers): وكتائب من فوج الغلوسترشير (Gloucestershire Regiment). إن وصول ما بين 18 إلى 20  كتيبة بريطانية إضافية (ما يقارب 25,000 جندي نظامي) بعد اتفاقية ميونيخ  جعل بريطانيا تستغني عن “مغامرات” وينغيت والمستوطنين الصهاينة لقمع القرى؛ فالجيش النظامي أصبح يمتلك القوة البشرية الكافية لفرض “نظام الطوق والتفتيش” كما سمحت هذه القوة الكثيفة بإعادة  الانضباط، لا سيمل بوجود كل من  هاينينغ ومونتغمري، اللذان أرادا إعادة “هيبة الجيش الإمبراطوري” ومنع الانفلات الأخلاقي والعنف العشوائي الذي كانت تمارسه فرق الليل، والذي بدأ يسبب إحراجاً دولياً لبريطانيا

(16)  تأسس كيبوتس دغانيا سنة 1901 على يد مجموعات من المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوروبا (تحديداً من روسيا وأوكرانيا) إبان موجة “الهجرة الثانية” (1904–1914). على أراضي قرية “أم الجوني” العربية الواقعة عند المخرج الجنوبي لنهر الأردن من بحيرة طبريا، وتوسعت لتشمل أراضي خربة “الناصرة” المجاورة. آلت ملكية هذه الأراضي إلى “الصندوق القومي اليهودي” بعد شرائها بين عامي 1901 و1905 من عائلة سرسق البيروتية، ضمن صفقة كبرى شملت حوالي 31,500 دونم في منطقة الجليل الأسفل. أدت هذه الصفقات إلى إخلاء الفلاحين الفلسطينيين الذين فلحوا الأرض لأجيال بنظام “المزارعة”، حيث اشترطت المنظمات الصهيونية (مثل شركة PLDC) استلام الأرض “خالية”، مما دفع الوكلاء لاستخدام الدرك العثماني لإجبار السكان على الرحيل. فقامت عائلة سرسق عبر وكلائها وبالتنسيق مع السلطات المحلية (الدرك) بإخلاء الفلاحين قسراً من قرى أم جوني والدلهمية. وقد شكل هؤلاء المطرودون النواة الأولى للاجئين الداخليين قبل العام 1948.( بحجة انتهاء عقودهم، وهو ما مهد الطريق لإقامة مستوطنة “منحميا” (1902) ثم “دغانيا” لاحقاً.)أما “دغانيا بيت” المشار إليها، فتأسست في العام 1920  كمستوطنة ثانية ملاصقة للأولى. ولا يزال الكيبوتس قائماً بصفته “كيبوتس مخصخصاً”، ويحتفظ بمكانة “رمزية” عالية في إسرائيل بصفته “أم الكيبوتسات” وأول تجربة  للاستيطان الزراعي الجماعي.

ويُرجح أن الجندي “ديفيد” المشار إليه هو ديفيد أبلباوم، أحد عناصر فرق الليل الخاصة من كيبوتس “دغانيا بيت”. وتعكس هذه الواقعة، التي أوردها الضابط البريطاني روبرت كينغ-كلارك في مذكراته(Free for a Blast)، الدور التربوي والعسكري الذي لعبه الضباط البريطانيون في تحويل مستوطني الكيبوتسات من مزارعين إلى مقاتلين يمارسون القتل المباشر بالسلاح الأبيض (الحربة). أما “خربة ليد”، فهي قرية خربة بيت ليد في مرج ابن عامر، والتي شهدت عمليات قمع واسعة في العام 1938. ويظهر الوصف حجم الصدمة والتحول النفسي للمستوطن (اتساع عينيه) وهو ينتقل من دور “الفلاح الطليعي” إلى “المقاتل النخبوي” الذي سيشكل لاحقاً نواة قوات البلماح.”

……………

الهوامش

[1] For Cyprus, see French, Fighting EOKA, 118.

[2] Lefen, Ha’Shai, 273.

[3] Bala Bredin led irregular ‘X’ squads in Cyprus in the 1950s, also known as the ‘Toads’, with turned EOKA fighters. French, Fighting EOKA, 147–48.

[4] Royle, Orde Wingate, 119.

[5] Bierman and Smith, Fire in the Night, 71.

[6] Eyal, ‘The Arab Revolt, 1936–1939, 33.

2[7] nd Battalion The West Yorkshire Regiment, Battalion Intelligence Summaries, Nos 5–7,Ramallah, 17 Nov.–1 Dec. 1938, The Prince of Wales’s Own Regiment of Yorkshire Museum, York.

[8] Statement of Jewish Agency (hereafter JA), Views to Chief Secretary to the High Commissioner,25 Aug. 1938 (in English), given after interview with Chief Secretary on 24 Aug., The Riots: Negotiations with the Government, Feb. 1936–June 1936 (Aug. 1938), File 04/-165-B/622, Tel Aviv Municipal Archive, City Hall, Tel Aviv.

[9] For British practice and doctrine on counterinsurgency, see Callwell, Small Wars; Gwynn, Imperial Policing; Simson, British Rule and Rebellion.

[10] King-Clark, Free for a Blast, 146.

[11] For brutality, see Hughes, ‘The Banality of Brutality’, 313–54.

[12] Gelber, Sorshey ha-Havatzelet, 149–64.

[13] Danin, Tsiyoni be-kol Tnay, 135–36.

[14] Ibid., 135–36; Lefen, Ha’Shai, 44. The Air Force List records a Flying Officer N. O. Lash in November 1938, in Middle East command, presumably the same Lash, and someone who went on to command in Jordan’s Arab Legion in 1948.

[15] Air Force List, July–Sept, 1930, Sept. 1937, Dec. 1937–Jan. 1938.

[16] Friling, Arrows in the Dark, vol. 1, 279–80.

[17] Lefen, Ha’Shai, 44; Danin, Tsiyoni be-Kol Tnay, 135–36, 163.

[18] Gelber, Sorshey ha-Havatzelet, 164.

[19] R. King-Clark to Trevor Royle, 22 Feb. 1993, MR4/17/307/1/4, Tame side Local Studies and Archive Centre (hereafter TLSAC), Ashton-Under-Lyne.

[20] M. R. L. Grove, 4510/03, 23, Imperial War Museum Sound Archive (hereafter IWMSA).Wingate also dealt closely with Moshe Shertok (Sharett) of the JA’s Arab political department and Eliyahu Golomb of Haganah. Royle, Orde Wingate, 130.

[21] Danin, Te‘udot u-Dmuyot me-Ginzey ha-Knufiyot ha-Arviyot; Wingate Papers, M2313, British Library (hereafter BL), London; Gelber, Sorshey ha-Havatzelet, 164.

[22] Dekel, Shai, 202–03; and Slutsky, Sefer Toldot ha’Haganah, 919–20.

[23] Cohen, Tzva ha-Tzlalim [An Army of Shadows]; and Hughes, ‘Palestinian Collaboration with the British’.

[24] Danin, Tsiyoni be-Kol Tnay, 141.

[25] CID Intelligence Summary 92/38, Jerusalem, 31 Dec. 1938, S25/22732, Central Zionist Archive (hereafter CZA), Jerusalem.

[26] Cohen, Army of Shadows, passim; and Elyashar, Li-Hyot im Falastinim, 65–70.

[27] Lefen, Ha’Shai, 49ff. The Haganah archive in Tel Aviv stores many stolen English-language Palestine police files.

[28] Elkins, Britain’s Gulag, passim.

[29] Townshend, ‘In Aid of the Civil Power’, 32.

[30] Lt-Col. Tony Simonds, Memoir, ‘Pieces of War’, 163, Simonds papers, 08/46/1, Imperial War Museum Documents (hereafter IWMD).

[31] Interview with Lord Caradon (Hugh Foot), Lever Arch File 55,Wingate and SNS, 11, Thames TV Material, Imperial War Museum Film Archive (hereafter IWMFA).

[32] Morton, Just the Job, 85.

[33] Royle, Orde Wingate, 122.

[34] Letter, O’Connor to wife, 2–3 Nov. 1938, O’Connor papers, 3/1/8, Liddell Hart Centre for Military Archives (hereafter LHCMA).

[35] Bierman and Smith, Fire in the Night, 89–90.

[36] Keith-Roach, Pasha of Jerusalem, 194–95.

[37] Undated note, S25/8151-21, CZA.

[38] Joseph Finklestone, ‘Stalkers in the Night’, Jewish Chronicle, June 1988, in MR4/17/307/1/7,TLSAC.

[39] Lt-Col. R. King-Clark, Special Night Squad, Personal Diary with Training Notes by Wingate in Some Experiences in Palestine. Ex the Lorettonian, 22 June 1938, 11, King-Clark papers, 83/10/1, IWMD; King-Clark, Free for a Blast, 181–82.

[40] Slutsky, Sefer Toldot ha’Haganah, 919–20.

[41] Chaim Levkov, Testimonies of Special Night Squad fighters (in Hebrew), made c. 1941–44,S25/10685, CZA.

[42] Ibid.

[43] Eshkol, A Common Soldier, 173.

[44] Letter, Yigal Allon to Jewish Supernumerary police in Afule (details of Operations, 20 Oct.1938), 26 Oct. 1938, S25/8768, CZA.

[45] Fred Howbrook, 4619/03, 4, IWMSA.

[46] King-Clark, Free for a Blast, 187.

[47] Ibid., 177.

[48] Quotation from Sir Richard Catling, 10392/9/4, 16–17, IWMSA.

[49] King-Clark, Free for a Blast, 191.

[50] el-Nimr, ‘The Arab Revolt in Palestine’, 112.

[51] Jonathan, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44, S25/10685, CZA.

[52] Note from ‘A.A.’, 19–20 Nov. 1938, S25/8768, CZA.

[53] Ben-Eliezer, The Making of Israeli Militarism, 26–27.

[54] Note from ‘A.A.’, 19–20 Nov. 1938, S25/8768, CZA.

[55] Tzvi, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44, S25/10685,CZA.

[56] Maj-Gen. H. E. N. Bredin, 4550/05, 30, IWMSA.

[57] Arieh (Aryeh?), Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44,S25/10685, CZA.

[58] Ibid.

[59] Ibid.

[60] Chaim Levkov, ibid.

[61] Untitled Reminiscence: Operations Tiberias and Tabor [by Levacov, presumably Levkov], 5–6, Alice Hay of Seaton Papers, John Rylands Library Manuscripts, Manchester (hereafter JRL).

[62] Eshkol, A Common Soldier, 169, 172

[63] Chaim Levkov, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44,S25/10685, CZA.

[64] Shlomo, ibid.

[65] Chaim Levkov, ibid.

[66] Eshkol, A Common Soldier, 174.

[67] Shlomo, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44, S25/10685, CZA.

[68] Meeting with Mr Tabori and Gershon Ritov, 27 March 1950, 8, Alice Hay of Seaton Papers,JRL.

[69] Howbrook, 4619/03, 36, IWMSA.

[70] Mosley, Gideon Goes to War, 44–45, 58. See also Eshkol, A Common Soldier, 174–76.

[71] Mosley, Gideon Goes to War, 44–45, 58. For more on oil being forced into villagers’ mouths, see also Chaim Levkov, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c.1941–44, S25/10685, CZA.

[72] Operations of Patrols of Englishmen and Jews, 13 June 1938, 26/6: Reports on Fosh Actions, Haganah Archive, Tel Aviv.

[73] Binsley, Palestine Police Service, 104–05.

[74] Howbrook, 4619/03, 35, IWMSA.

[75] Extract from a letter from an English Friend in Palestine, 11 Jan. 1939, Lees Papers, 5/9,LHCMA.

[76] Memoir by Lees entitled ‘Unbeaten Track: Some Vicissitudes in Two Years of a Public Servant’s Life by el-Asi’, Lees Papers, 5/13, 3–4, LHCMA. Lees used the nom de plume al-‘Asi, the Arabic name of the River Orontes, also meaning ‘a rebel’.

[77] Ibid.

[78] Chaim Levkov, Testimonies of Special Night Squad fighters [in Hebrew], made c. 1941–44,S25/10685, CZA.

[79] Dan Ram, 21699, IWMSA.

[80] Ibid.

[81] Quoted in Bierman and Smith, Fire in the Night, 114–15, 125. Compare this to the material in the Wingate papers, where a captured Arab document details how a British patrol came to the village of Silat al-Dahr and killed the three men listed: Youssef Abu Dura, Pamphlet of the Great Leader of the fighters on British Atrocities, 14 Oct. 1938, Wingate papers, 72,M2313, BL.

[82] Letter, Colin Smith to King-Clark, 7 Sept. 1997, MR4/307/1/9, TLSAC.

[83] Letter, King-Clark to Trevor Royle, 22 Feb. 1993, MR4/17/307/1/4, TLSAC.

[84] Strachan, Politics of the British Army, 169.

[85] Danin, Tsiyoni be-Kol Tnay, 140.

[86] Eshkol, A Common Soldier, 174–76.

[87] Bierman and Smith, Fire in the Night, 114–15; and Eshkol, A Common Soldier, 175.

[88] Ben-Eliezer, The Making of Israeli Militarism, 26–27; Sykes, Orde Wingate, 169.

[89] Mosley, Gideon Goes to War, 56.

[90] Lt-Col. R. King-Clark, Special Night Squad, Personal Diary with Training Notes by Wingate in Some Experiences in  Palestine. Ex the Lorettonian, 23 June 1938, 13, King-Clark papers, 83/10/1, IWMD.

[91] Sykes, OrdeWingate, 177. See also Bierman and Smith, Fire in the Night, 113, in which a Jewish soldier shot dead the mukhtar as he tried to run away.

[92] Chaim Levkov, Testimonies of Special Night Squad fighters in Hebrew], made c. 1941–44,S25/10685, CZA.

[93] King-Clark, Free for a Blast, 177–78.

[94] Meeting with Moshe Sharret and Reuven Shiloah, 17–18, Alice Hay of Seaton Papers, JRL.There was also a Colonel N. M. Ritchie in Palestine at the time, in command of the King’s Own Royal Regiment.

[95] Eshkol, A Common Soldier, 160.

[96] King-Clark, Free for a Blast, 178.

[97] Ironside (Gibraltar, Government House) to Wingate, 8 June [1939?], Wingate papers, appendix,M2313, BL.

[98] Letter, Deverell (War Office, London) to Dill (Palestine), 19 Feb. 1937, Dill papers, 2/9,LHCMA.

[99] Smith, ‘Two Revolts in Palestine’, 92–94; and Townshend, ‘In Aid of the Civil Power’, 31.

[100] Colonel F. Morgan in ‘Arab Rebellion’ section, Lever Arch File 55, Thames TV Material,IWMFA.

[101] Slutsky, Sefer Toldot ha’Haganah, 936.

[102] Rossetto, ‘Maj-Gen Orde Charles, 52; and Taslitt, Soldier of Israel, 66.

[103] Mosley, Gideon Goes to War, 56.

[104] Remarks of General Haining [written by W. C. Ritchie?] on Captain Wingate, 10 July 1939,originally dated 22 July 1938, extracted from Army Form B. 194, Wingate papers, appendix,M2313, BL.

[105] Charles Evans, Lever Arch File 55, Thames TV Material, IWMFA.

[106] David French, The British Way in Counter-Insurgency, passim for fragile nature of the colonial state.

[107] Maj-Gen. H. E. N. Bredin, 4550/05, 31, IWMSA; letter, A. E. Vicars-Miles to King-Clark, 28 Dec. 1988, MR4/17/307/1/12, TLSAC.

[108] Slutsky, Sefer Toldot ha’Haganah, 1237, note to 921.

[109] See, Anglim Orde Wingate and the British Army, 59.

[110] Slater, Warrior Statesman, 45.

[111] James Pollock in ‘Orde Wingate and SNS’ section, Lever Arch File 55, Thames TV Material,IWMFA.

[112] Dayan, Story of My Life, 29–30.

[113] Taslitt, Soldier of Israel, 61.

[114] Levin, Jerusalem Embattled, 132–35 (8–9 May 1948).

[115] Luttwak and Horowitz, The Israeli Army, 1948–1973, 16.

[116] Maj-Gen. H. E. N. Bredin, 4550/05, 30, IWMSA.

[117] Fred Howbrook, 4619/03, 23, IWMSA.

[118] King-Clark, Free for a Blast, 198.

119] Eshkol, A Common Soldier, 165; letter, Lieberman to Jewish Agency, Foreign Affairs, 9 Sept.1938, S25/8768, CZA.

المصادر

Anglim, Simon. Orde Wingate and the British Army, 1922–44. London: Pickering & Chatto, 2010.

Ben-Eliezer, Uri. The Making of Israeli Militarism. Bloomington, IN: Indiana University Press, 1998.

Bierman, John and Colin Smith. Fire in the Night: Wingate of Burma, Ethiopia, and Zion. New York: Random House, 1999.

Binsley, Jack. Palestine Police Service. Montreux: Minerva, 1996.

Callwell, C. E. Small Wars: Their Principles and Practices. London: HMSO, 1906 [1896].

Cohen, Hillel. Tzva ha-Tzlalim [An Army of Shadows]. Jerusalem, ’Ivrit Publishing, 2004; Army of Shadows: Palestinian Collaboration with Zionism, 1917–1948, translated by Haim Watzman. Berkeley, CA: University of California Press, 2008.

Danin, Ezra. Te‘udot u-Dmuyot me-Ginzey ha-Knufiyot ha-Arviyot, 1936–39 [Documents and Portraits from the Arab Gangs Archives in the Arab Revolt in Palestine, 1936–39]. Jerusalem: Magnes, 1981 [1944].

Danin, Ezra. Tsiyoni be-kol Tnay [Zionist under any Condition]. Jerusalem: Kidum, 1987.

Dayan, Moshe. The Story of My Life. London: Weidenfeld & Nicolson, 1976.

Dekel, Efraim. Shai: The Exploits of Hagana Intelligence. New York: Yoseloff, 1959.

Elkins, Caroline. Britain’s Gulag: The Brutal End of Empire in Kenya. London: Cape, 2005.

el-Nimr, Sonia Fathi. ‘The Arab Revolt in Palestine: A Study Based on Oral Sources.’ PhD thesis, University of Exeter, 1990.

Elyashar, Eliyahu. Li-Hyot im Falastinim [To Live with Palestinians]. Jerusalem: Sephardic Community Committee, 1975.

Eshkol, Yosef. A Common Soldier: The Story of Zwi Brenner. Tel Aviv: MoD Books, 1993.

Eyal, Yigal. ‘The Arab Revolt, 1936–1939: A Turning Point in the Struggle over Palestine.’ In A Never-Ending Conflict: A Guide to Israeli Military History, edited by Mordechai Bar-Ond. Westport, CT, and London: Praeger, 2004.

French, David. The British Way in Counter-Insurgency, 1945–67. Oxford: Oxford University Press,2011.

French, David. Fighting EOKA: The British Counter-Insurgency on Cyprus, 1955–59. Oxford: Oxford University Press, 2015.

Friling, Tuvia. Arrows in the Dark: David Ben-Gurion, the Yishuv Leadership and Rescue Attempts during the Holocaust. 2 vols. Madison, WI: University of Wisconsin Press, 2005.

Gelber, Yoav. Sorshey ha-Havatzelet: ha-Modi‘in ba-Yishuv, 1918–1947 [Growing a Budding Fleurde-Lis: The Intelligence Forces of the Jewish Yishuv in Palestine, 1918–47]. Tel Aviv: Misrad ha-Bitahon, 1992.

Gwynn, Charles W. Imperial Policing. London: Macmillan, 1934.

Hughes, Matthew. ‘The Banality of Brutality: British Armed Forces and the Repression of the Arab Revolt in Palestine, 1936–39.’ English Historical Review 124, no. 507 (2009): 313–354

Hughes, Matthew. ‘Palestinian Collaboration with the British: The Peace Bands and the Arab Revolt in Palestine, 1936–39.’ Journal of Contemporary History (2015). doi:10.1177/0022009415572401.

Keith-Roach, Edward. Pasha of Jerusalem: Memoirs of a District Commissioner under the British Mandate, edited by Paul Eedle. London: Radcliffe, 1994.

King-Clark, R. Free for a Blast. London: Grenville, 1988.

Lefen, Asa. Ha’Shai: Shorasheha Shel Kehilat ha’Modi’in ha’Israelit [The Roots of the Israeli Intelligence Community]. Tel Aviv: Ministry of Defence, 1997.

Levin, Harry. Jerusalem Embattled: A Diary of the City under Siege. London: Cassell, 1997 [1950].

Luttwak, E. and D. Horowitz. The Israeli Army, 1948–1973. Cambridge, MA: Abt Books, 1983 [1975].

Morton, Geoffrey. Just the Job: Some Experiences of a Colonial Policeman. London: Hodder & Stoughton, 1957.

Mosley, Leonard. Gideon Goes to War. London: Barker, 1955.

Rossetto, L. ‘Maj-Gen Orde Charles Wingate and the Development of Long-Range Penetration.’ PhD thesis: Kansas State University, 1982.

Royle, Trevor. Orde Wingate. London: Weidenfeld & Nicolson, 1995.

Simson, H. J. British Rule and Rebellion. Edinburgh and London: Blackwood, 1937.

Slater, Robert. Warrior Statesman: The Life of Moshe Dayan. London: Robson, 1992.

Slutsky, Yehuda, ed. Sefer Toldot ha’Haganah [Book of the History of the Haganah], Vol. 2, Parts 2–3,Me’Haganah le’ma’avak [From Defence to Struggle]. Tel Aviv: Ma’arachot, 1963.

Smith, Charles. ‘Two Revolts in Palestine: An Examination of the British Response to Arab and Jewish Rebellion, 1936–1948.’ PhD thesis, University of Cambridge, 1989.

Strachan, Hew. The Politics of the British Army. Oxford: Clarendon Press, 1997.

Sykes, Christopher. Orde Wingate. London: Collins, 1959.

Taslitt, Israel. Soldier of Israel: The Story of General Moshe Dayan. New York: Funk & Wagnalls, 1969.

Townshend, Charles. ‘In Aid of the Civil Power: Britain, Ireland and Palestine, 1916–1948.’ In Counterinsurgency in Modern Warfare, edited by Daniel Marston and Carter Malkasian. Oxford: Osprey, 2008.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الثالث)

من نزع السياسة إلى نيكروسياسة (سياسة الإماتة) في الجزأين السابقين ناقشنا، كيف تُصبح الإبادة الحديثة …