استهلال: المعرفة النفسية وهندسة الهوية في السياق الاستعماري
تنتفي قدرة المعرفة النفسية على الإنتاج في فراغ اجتماعي أو سياسي؛ فهي تتشكل على الدوام داخل شبكات السلطة والعلاقات التاريخية المحددة لوظائفها وغاياتها. وتتحول العيادة، في السياق الاستعماري، من فضاء محايد للعلاج إلى موقع لإنتاج الذات المناسبة للمشروع السياسي؛ فيصبح الطبيب شريكاً في هندسة الهُوية الوطنية.
تأتي هذه المقاربة تطبيقاً لما يمكن وصفه ببيان فكري يرصد تحولات الوعي في مواجهة بنية وظيفية تسرق الزمن وتزيف الجذور.
ويعد كتاب، الباحث والمحلل النفسي الإسرائيلي، عيران رولنيك “فرويد في صهيون” (Freud in Zion) نموذجاً دالاً على هذا التداخل وتلك التحولات؛ إذ يكشف، بالاستناد إلى الأرشيف والتاريخ والملفات الطبية، طرق توظيف التحليل النفسي لخدمة المشروع الصهيوني أولاً، ثم في بناء الدولة تالياً. وعلى هذا، سيقرأ الكتاب بوصفه مادة تحليلية تتيح فهم العلاقة بين المعرفة والسلطة، وكيفية إعادة صياغة النظريات العلمية داخل سياقات تاريخية محددة. ويسلط الضوء على حدود تطبيق التحليل النفسي عند استعماله كأداة للهندسة الاجتماعية، دون إبطال قيمته المعرفية.
ننطلق في التحليل من فرضية افتقار آلية الحياد أثناء انتقال التحليل النفسي من فضائه الأوروبي إلى البيئة الاستيطانية. حيث جرت عملية إعادة تأويل للمفاهيم التي صاغها رائد التحليل النفسي سيغموند فرويد داخل سياق ثقافي ولغوي محدد، كما جرى توظيفه لخدمة مشروع اجتماعي وسياسي بهدف ضبط الجماعات وصناعة “اليهودي الجديد”، متجاوزاً استخدامها الأصيل بوصفها أداة لفهم اللاوعي الفردي.
يمثل الكتاب محطة نادرة في مسار النقد الذاتي داخل المؤسسة النفسية الإسرائيلية ضمن المشروع الاستعماري؛ غير أنه يظل محكوماً بحدود الرؤية الاستعمارية لذلك المشروع. كما يكشف “الوجه الخلفي”، أو “اللاشعور السياسي” في تغييب الذات الفلسطينية السياسية، فيختزله حضورها إلى مجرد عنصر كامن في اللاشعور اليهودي. ومثل هذا الفهم يجعل من الكتاب مادة خصبة لقراءة تفكيكية تتجاوز نوايا المؤلف لتقرأ “لاوعي النص”، وتغوص في تعقيدات العقل الاستيطاني، لتفكيك الآليات الخفية الموظِّفة للتحليل النفسي في هندسة هذا النموذج.
لذا، سنتخطى في قراءتنا النقدية استعراض المحتوى والتوجه مباشرة نحو تفكيك البنية المعرفية التي تسمح بتحويل العلم إلى أداة هيمنة، وكشف للثغرات الأخلاقية والسياسية في المشروع الصهيوني الاستيطاني منذ بدايته. كما تتجاوز حدود المراجعة الأكاديمية التقليدية لتتحول إلى تشريح للمستوى اللاشعوري السياسي الصهيوني؛ فتطرح تساؤلات الهُوية والحضور.
وانطلاقاً من هذه الإشكالية، سنعمد إلى استخدام أدوات تحليل الخطاب، وتوظيف المعرفة النفسية في المشروع الاستيطاني، مع التمييز في المنهج بين نقد بنية المعرفة الفرويدية ذاتياً، ونقد توظيفها أداتياً في السياق الصهيوني. والبحث في دوافع غياب الفلسطيني عن هذه السردية.
وسوف يكون السؤال المعرفي الجوهري يدور حول إمكانية تحول الاعتراف بالهشاشة إلى نرجسية كولونيالية جديدة، وموقع نظرية فرويد بمركزيتها الأوروبية واستعلائها المعرفي من هذه المعادلة.
كما تعنى الدراسة بسؤال آخر على درجة من الأهمية يتعلق بمسألة الترجمة بوصفها وسيطاً لإنتاج المعنى. فقد مثّل الانتقال من الألمانية إلى العبرية، ثم إلى الإنكليزية، عملية إعادة لتشكيل للمفاهيم داخل أفق دلالي جديد. ومن هنا تصبح الترجمة فعلاً تأويلياً يفتح إمكانات قراءة مختلفة، ويغيّر موقع النص ووظيفته في الوقت عينه. ويكتسب هذا البعد أهمية قصوى في فهم سبل استقبال الأفكار في سياقات متعددة، وتبدل دلالتها تبعاً للأطر الثقافية والسياسية.
وتكمن القيمة الأكاديمية في فهم الظواهر التي يناقشها الكتاب في تحليل حدوده وتفكيك منطق النص الداخلي. فكتاب رولنيك مادة غنية للتأمل في العلاقة بين الهُوية والمعرفة، وبين اللغة والسلطة. وأي قراءة نقدية له عليها وضعه في سياقه التاريخي، لمناقشة فرضياته، واستكشاف التوترات المرافقة لانتقال التحليل النفسي إلى بيئة استيطانية. مما تتيح فهماً أعمق لآليات تحول العيادة النفسية من فضاء للعلاج إلى ورشة لهندسة الهُوية القومية. وتكشف المكبوت الفلسطيني بوصفه الشبح الذي يطارد لاوعي المستوطن، والحقيقة الخفية لأسطورة المصحة النفسية الإسرائيلية.
إن أي قراءة رزينة للكتاب لا بد لها أن تتجاوز بلاغته والانتقال نحو محاولة فهم اقتران العلم بالسلطة، وتحول “صناعة النفوس” كهندسة للاستعمار. وتؤكد العودة الدائمة للمكبوت، فلسطينياً كان أم حقيقة تاريخية، ليعلن عجز أي أريكة نفسية عن محو جريمة استعمارية.
وإذن، سننطلق من وعي واضح لقراءة نص صهيوني من خارج دائرة افتراضاته المركزية؛ مفككين “لاوعي النص” ذاته، وكاشفين البنى الفكرية المضمرة والمسكوت عنه المتمثل في الفلسطيني.
بهذا المعنى، تتحول القراءة من مجرد مراجعة كتاب إلى تطبيق منهجي واعٍ على واحدة من أكثر التجارب الاستعمارية تعقيداً في القرن العشرين.
الدلالات السيميائية: من “صناعة النفوس” إلى “فرويد في صهيون“
صدر كتاب المحلل النفسي الإسرائيلي عيران رولنيك في نسخته العبرية الإسرائيلية في العام 2007 بعنوان עושה נפשות،”عوشيه نفاشوت”(صناعة النفوس أو خلق الأرواح) لتصدر النسخة الإنكليزية في العام 2012 بعنوان Freud in Zion: Psychoanalysis and the Making of Modern Jewish Identity “فرويد في صهيون: التحليل النفسي وصناعة الهُوية اليهودية الحديثة”.
تتضح، للوهلة الأولى، مفارقة سيميائية في اختيار العنوان الإنكليزي البعيد عن الدلالة الأصلية.
يحمل العنوان العبري تورية لغوية كثيفة تغيب على نحو تام عن النسخة الإنكليزية. إذ يحيل العنوان الأصلي إلى النص الكتابي[1] في إشارة صريحة إلى الدور الخالق الذي قامت به كل من الحركة الصهيونية والتحليل النفسي في هندسة نفسية اليهودي الجديد والمستوطن من العدم، وإن على نحو قسري. أما في الاستخدام الحديث فتحمل عبارة “عوشيه نفاشوت” دلالة ثقافية وتبشيرية، تصف عملية تجنيد الأنصار أو التبشير بالأفكار، وكأن المحللين النفسيين الصهاينة الأوائل أدوا دور المبشرين بعقيدة جديدة، وهم يخوضون معركة عسيرة لإقناع مجتمع الييشوف الخشن بأهمية هذا العلم “البرجوازي” داخل بيئة استيطانية جماعية اشتراكية ترفض الفردانية.
جاء عنوان الترجمة الإنكليزية منقطعاً عن مضمون العنوان العبري، ومسطحاً للعمق اللاهوتي والسياسي، بالتركيز على البعد التسويقي لمخاطبة القارئ الغربي عبر ربط اسم فرويد بكلمة “صهيون” المثيرة للجدل [2]. وتنسحب هذه التحولات الدلالية على عناوين الفصول؛ فإذا كان عنوان النسخة العبرية يميل إلى الشاعرية والارتباط بالهُوية المحلية، فقد جنح عنوان النسخة الإنكليزية إلى الجفاف الأكاديمي.
تزاوج التناقضات: يهودي المنفى واليهودي الجديد
يشكل الكتاب وثيقة تاريخية مفصلية من خلال تقديمه إدانة ذاتية استثنائية؛ إذ يكشف “اللاشعور السياسي” للمشروع الصهيوني، فيظهر مشروعاً هشاً مثقلاً بالعقد النفسية، يهرب من مواجهة ذاته عبر إنكار الواقع واستبداله بالقوة. وباعتماد التحليل النفسي بوصفه أداة هندسة اجتماعية، يستخدم المؤلف هذا المدخل للإشارة إلى تجاوز التحليل النفسي وظيفة العلاج ليصبح صناعة هوية وتجنيد للنفوس في المشروع الصهيوني، محولاً الطبيب إلى مهندس نفوس لخدمة الدولة. ليكشف هوس المستوطنين الأوائل بالتحليل النفسي، ومحاولاتهم فهم ذواتهم وفهم العربي عبر نظريات فرويد[3].
ويطرح إشكالية جوهرية حول التناقض البنيوي العميق بين الصهيونية والتحليل النفسي (بوصفهما حركتين نشأتا في أوروبا). فالصهيونية -كحركة جماعية مستقبلية-، في سعيها لخلق “اليهودي الجديد” (العبراني، المزارع، القوي، المحارب الذي يقطع صلته بضعف المنفى)، احتقرت يهودي المنفى (الضعيف، المريض، دائم الشكوى).
وفي المقابل، يمثل التحليل النفسي علم يهود المنفى بامتياز؛ إذ نشأ في فيينا لدراسة الضعف البشري والعقد النفسية والغوص في الماضي.
هنا يطرح رولنيك سؤاله الجوهري: كيف تقبل مجتمع استيطاني “عسكري/فلاحي” يمجد القوة والعضلات ويكره الضعف، علماً يقوم على تشريح الضعف؟[4]
تكمن الإجابة في تدجين الصهيونية للتحليل النفسي وتحويله من وسيلة لفهم الذات إلى أداة هندسة اجتماعية لصيانة المستوطن[5]؛ أي تحويل العيادة إلى ورشة إصلاح تعيد تأهيل الجنود والمهاجرين لخدمة الدولة. فيتحول الكتاب إلى “ملف مريض سري” يكشف هشاشة المستوطن خلف قناع “الصابرا” (Sabra) الصلب[6]، ويوثق كيف وظفت المؤسسة الصهيونية نظريات فرويد كأداة ضبط اجتماعي لخدمة الدولة.
وكما يظهر الرسم تخطيطي أدناه النموذج البنيوي للجهاز النفسي كما صاغه سيغموند فرويد في طبوغرافبيته الثانية. تظهر لنا المكونات الثلاثة المتفاعلة والمتصارعة التي تشكل الديناميكية النفسية للفرد: الهو (Id) بوصفه مستودع الغرائز والدوافع الفطرية، والأنا الأعلى (Superego) كممثل للقيم الأخلاقية والمثل الاجتماعية المستدخلة، والأنا (Ego) بصفته الكيان الوسيط الذي يسعى للموازنة بين ضغوط الهو ومتطلبات الواقع وأوامر الأنا الأعلى.
مثلت هذه البنية النفسية الثلاثية المادة الخام لمشروع الهندسة الاجتماعية الصهيوني. وتكتسب الإحالة إلى هذه الطوبوغرافيا الثانية أهمية بالغة في مسار التحليل؛ فالمشروع الصهيوني لم يكتفِ بتغيير وعي المستوطن، بل تدخل في صميم هذه البنية الثلاثية العميقة، التي مثلت ساحة الصراع الداخلية التي سعت المؤسسة الاستيطانية لإعادة تشكيلها.
ويشير مصطلح الطوبوغرافيا الثانية (The Second Topography) أو النموذج البنيوي إلى خريطة الجهاز النفسي، وكان فرودي قد صاغها في العام 1923 في كتابه “الأنا والهو” لتفسير تعقيدات الصراع داخل الذات. واستعار كلمة طوبوغرافيا لرسم خريطة مكانية متخيلة للنفس البشرية، وقدمها في مرحلتين:
-الطوبوغرافيا الأولى (نموذج الوعي): قسم النفس فيها، في بدايات التحليل النفسي، وفق مستويات الإدراك إلى ثلاثة مستويات الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور.
-الطوبوغرافيا الثانية (النموذج البنيوي): أدرك فرويد قصور النموذج الأول عن تفسير ظواهر نفسية معقدة (مثل آليات الدفاع اللاواعية للذات، أو الشعور بالذنب المكبوت). فابتكر خريطة وظيفية جديدة المفسرة للذات بوصفها ساحة صراع دينامية بين ثلاث قوى (الهو والأنا الأعلى والأنا ) بوصفها ساحة صراع دينامية حيث يكون الهو (Id) منبع الغرائز والدوافع البدائية، يسعى لإشباع اللذة متجاهلاً قيود الواقع. والأنا الأعلى (Superego) الضمير والمُثُل الأخلاقية المستدخلة من المجتمع وسلطة الأب، يمثل الرقيب الداخلي. أما الأنا (Ego) فهو الجزء العقلاني المنظم الذي يوازن بين اندفاعات “الهو” ومطالب الواقع وقيود “الأنا الأعلى”.
استغل المشروع الصهيوني هذا التحول النظري؛ فلم يكتفِ بتغيير وعي المستوطن السطحي، بل تغلغل في صميم هذه البنية الثلاثية العميقة. وعملت ورشة الهندسة الاستعمارية على قمع “الهو” (المرتبط بضعف المنفى، أو التخلف المنسوب للشرق)، وبناء “أنا أعلى” قومي دمعي يفرض التضحية من أجل الجماعة، لإنتاج “أنا” جديدة (المستوطن اليهودي الجديد المحارب) تتكيف مع وظيفة الاستعمار الإحلالي.”

الثالوث الفرويدي (الهو، الأنا، الأنا الأعلى): مخطط للبنية الدينامية المتصارعة داخل الذات،
والتي تحولت في السياق الاستعماري من أداة للفهم إلى ورشة لهندسة الهوية.
في معنى المصحة النفسية للمشروع الاستيطاني: البتر اللغوي
يوثق الكتاب في محاوره الرئيسة “مأساة” المستوطنين الأوائل (لا سيما النخبة المثقفة) المجبرين على التحدث بالعبرية الحديثة، بينما بقي لاوعيهم ومشاعرهم الحميمة يتحدثان الألمانية (لغة الأم). خلق هذا “البتر اللغوي” انفصاماً حاداً جعل من العسير التعبير عن الصدمات النفسية بلغة تفتقر للنضج العاطفي.
يخصص رولنيك فصلاً محورياً بعنوان “فرويد واللغة العبرية” يناقش فكرة فرويد عن فقدان “اللغة الأم”، فالعلاج بالكلام يتطلب “اللغة الأم” (Muttersprache)، وإجبار المرضى على استخدام العبرية سيخلق حاجزاً نفسياً يمنع الوصول إلى اللاوعي العميق، مما جعل المجتمع الاستيطاني يعيش حالة “انفصام لغوي”[7]. كان المرضى يستلقون على الأريكة عاجزين عن التعبير عن مشاعرهم الحميمة بتلك اللغة “الخشبية” الجديدة التي تفتقر للحمولات العاطفية. وسرعان ما استحالت تقنية التحليل النفسي من وسيلة لفهم الذات إلى ورشة صهر المهاجرين في بوتقة الدولة، مما جعل العيادة امتداداً للثكنة.
إرث فرويد في السياق الإسرائيلي
خلافاً للسردية المؤسسية التي حاولت “عبرنة” فرويد، يكشف رولنيك عبر الأرشيف استقبال فرويد للصهيونية ببرود وسخرية، بل واحتقار ثقافي.
ففي رده على طلب لدعم المستوطنين بعد “ثورة البراق”( رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر حول الصهيونية)[8] ، كتب يصف المشروع بالحماقة، منتقداً “التقوى المضللة” حول حائط البراق، ومعتبراً “التعصب غير المبرر” هو ما استجلب عداء السكان الأصليين. علماً أنه، ومن حيث هو -بنظرته الأوروبية الاستعلائية- رأى في فلسطين جزءاً من “الشرق” المليء بالقذارة والتعصب، وتمنى لو يتأسس الوطن اليهودي في “أرض أقل ثقلاً بالتاريخ”.
ويغص كتابه “موسى والتوحيد” بالأفكار التي تنسف فكرة “النقاء العرقي” لليهود، الجوهرية في المشروع القومي الصهيوني، معتبراً مؤسس اليهودية مصرياً، مما يجعل الهُوية اليهودية هجينة في جوهرها، وهو ما يتناقض مع السردية القومية المغلقة. وأن الديانة اليهودية ذاتها نشأت عن عقدة ذنب قتل الأب. ولهذا السبب، تجاهلت المؤسسة النفسية الإسرائيلية هذا الكتاب لسنوات، لأنه يحول الهوية اليهودية من “جوهر ثابت” إلى “سيرورة هجينة” ومركبة.
تظهر قراءة رولنيك لفرويد، توظيف التحليل النفسي لترسيخ سيادة الطبيب الأوروبي الأبيض الممتلك للعقل والسلطة. في مقابل غير الأوروبي (الفلسطيني/العربي) بوصفه مريضاً بدائياً يقتضي الدراسة والضبط أو التجنب. في الواقع، لم ينبع رفض فرويد للصهيونية من انحياز للفلسطينيين أو حباً بهم أو دفاعاً عنهم، وإنما تولد من اشمئزازه إزاء ذهاب اليهودي “الأبيض” للعيش في “مستنقع” الشرق، مما يهدد تحضره [9]
لم يكن فرويد عنصرياً بالمعنى المبتذل على شاكلة النازيين أو الفاشيين أو الصهاينة، وإنما كان “عنصرياً بنيوياً، انبنت نظرياته على سُلم تطوري يتربع “الرجل الأبيض الفيكتوري” على قمته، ويقبع “البدائي” (الآخر) في قاعه. ويشير في كتاب “الطوطم والتابو”[10] إلى امتلاك الإنسان البدائي البنية النفسية ذاتها للمريض العصابي. ويستعير المصطلح الكولونيالي “القارة المظلمة” The Dark Continentلوصف النشاط الجنسي للمرأة، فحين أراد وصف شيء “غامض، بدائي، ومخيف” (المرأة)، استدعى صورة “أفريقيا”، محركاً عقله الباطن نحو مطارح عنصرية تربط المجهول والمرعب بغير الأبيض.
تكشف هذه المفارقة حدود المشروع النقدي لرولنيك نفسه. فيظل، رغم شجاعته في كشف تواطؤ المؤسسة النفسية، أسيراً للإطار الفرويدي، فلا يصل إلى نقد جذري للحداثة الأوروبية المنتجة للعلم (التحليل النفسي) والإيديولوجيا (الصهيونية) معاً. ويشتركان- فرويد ورولنيك- في الإيمان بقدرة “الكلمة” و”العلاج” على حل إشكاليات وجودية، وكأن الصراع يمكن حله بجلسات علاج نفسي بعيداً عن التاريخ والسياسة
النرجسية الكولونيالية وصناعة الضحية
يمثل رولنيك “الحالة السريرية” النموذجية التي حذر منها فرانس فانون. فهو بتمثله دور “الضحية المتحضرة” إنما يفاقم نرجسيته بأخطر تجليات المكون الاستعماري المثقل بـ “عبء الرجل الأبيض” ليتحول إلى ضحية دائمة، تمنحه حصانة ترتد إلى ذاته لتضعه خارج التاريخ. فرولنيك-على سبيل الاستعارة- كان في أوروبا ضحية للنازية (لأنه يهودي). وهو في فلسطين ضحية لـ “الواقع الصعب” و”عداء الجيران” و”قسوة المناخ” (لأنه أوروبي رقيق). وتتأمن هذه النرجسية عبر سؤال محوري ذاتي “كيف أكون مجرماً وأنا أعاني من كل هذا القلق والاكتئاب؟.
غير أنه يفاخر -بوصفه ضحية- بهشاشته ويحول هذه المفاخرة إلى مرافعة نرجسية حين يكشف “هشاشة” وضعف المستوطنين (كشكل من أشكال الصدق). ولا يبدو هذا كاعتراف تطهيري، وإنما دفاع أناني. وعندما يركز على “قلق” المستوطن ويتجاهل “موت” الضحية، فهو يخون المبدأ الأخلاقي الأول للتحليل النفسي، أي مواجهة الحقيقة كاملة. وحين يطلب فرويد من قرائه مواجهة المكبوت، نرى ورولنيك يطلب منهم الالتفاف حول هذا المكبوت ( اقرأه الفلسطيني هنا) للغرق في استدرار شفقة الذات، مستخدماً هشاشته النفسية دليل براءة، بينما تبرز هذه الهشاشة بوصفها نتيجة حتمية لخوفه من انتقام الضحية.
يجسد رولنيك الكولونيالي الأبيض حتى النخاع. والفرق بينه وبين المستوطن المتطرف (الذي يحمل البندقية ويشتم العرب) في الدرجة وليس في النوع. ويتجلى عبء الرجل الأبيض لديه (بنسخته النفسية) في نشر الوعي وخلق “اليهودي الجديد”، متخذاً من فلسطين حقل تجارب، ومن أجساد الفلسطينيين تفصيلاً هامشياً في عقلية لا تكترث لضحاياها. مما يضطره للاعتراف بخيانة الصهيونية لفرويد بغية الاستفادة منه، وتحويل التحليل النفسي من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لخدمة المؤسسة الاستعمارية[11]
هذه الإشكالية ليست حصرية على الحالة الفلسطينية-الإسرائيلية، بل تندرج ضمن ظاهرة استعمارية أوسع سبق أن نوقشت في سياق نقد “الطب الاستعماري” الفرنسي في الجزائر.
فكما أن الطبيب النفسي الفرنسي كان يحمل أحياناً حقيبة الإسعافات على ظهر دبابة، فإن المحلل النفسي الإسرائيلي عند رولنيك يحمل “أريكة فرويد” إلى جبهات القتال وفي مجتمع الييشوف كيبوتسات العمل الجماعي. ولكن الجديد في الحالة الصهيونية هو درجة التماهي الإيديولوجي، حيث لا يرى المحلل نفسه مجرد خادم للدولة، بل مهندس نفوس بشرية يشارك في خلق إنسان جديد. لكن النتيجة واحدة: تواطؤ العلم مع السلطة، وتحويل العيادة النفسية إلى ورشة إصلاح الآلة الاستعمارية. لذا يتحدث رولنيك عن “المؤسسة” (الجمعية، العيادات، الأطباء)، أي جميع من تواطأ مع الحالة الاستعمارية.
ملحق تكميلي إدوارد سعيد وقراءة فرويد
لا يمكن الحديث عن فرويد ورؤيته للشرق (أو لغير الأوروبيين) دون المرور على مناورة إدوارد سعيد النقدية لتفكيك مقولات النقاء العرقي، ويبرز في هذا الصدد موقف سعيد في كتابه (أو محاضرته الطويلة) “فرويد وغير الأوروبيين” كمحطة فارقة في تفكيك المركزية الأوروبية. ويثير هذا الموقف تساؤلاً مشروعاً حول إحجام سعيد عن نقد فرويد نقداً جذرياً، بخلاف صرامته المعهودة مع أدباء ومفكرين آخرين؛ إذ هاجم ألبير كامو لمحو نصوصه الوجود الأصيل للجزائريين، وانتقد ميشيل فوكو لتغاضيه التام عن الظاهرة الكولونيالية.
يدرك سعيد استعلاء فرويد المعرفي ونظرته الاستشراقية إزاء الشرق إدراكاً عميقاً؛ ويختار، رغم ذلك، قراءته قراءة استراتيجية تفكيكية، متجاوزاً مسألة الإدانة المباشرة. وتكمن غاية سعيد في استثمار أطروحة فرويد المتأخرة في كتاب “موسى والتوحيد”. التي ينسف فيها -بإصراره على الأصل المصري لموسى- أسطورة النقاء العرقي المغلقة؛ مؤسساً هُوية يهودية تنهض في جوهرها على وجود “الآخر” غير اليهودي. يمنح فرويد لسعيد سلاحاً نظرياً ماضياً لتفكيك السردية الصهيونية الإحلالية. فيصبح “موسى المصري” دليلاً قاطعاً على الهُوية الهجينة، مما يدحض المساعي الاستعمارية لاختراع جذور نقية مسروقة من الزمن.
يستثمر سعيد هذا التناقض الداخلي في قلب المؤسسة التحليلية لتوجيه ضربة مضادة للمشروع الاستيطاني الأوروبي في فلسطين. فيعكس اتجاه استعلاء فرويد ليستخرج من نصوصه اعترافاً صريحاً باستحالة صفاء الهُوية، متجاهلاً الانشغال بإدانة عنصريته البنيوية. ويمثل هذا التوظيف ذروة المناورة النقدية؛ إذ يوظف مفاهيم “المؤسس” لتعرية هشاشة المشروع الاستيطاني المدعي احتكار الجغرافيا والتاريخ، مؤكداً ارتباط الوجود الإنساني بالتعدد والانفتاح، على نحو يناقض الانغلاق الكولونيالي.
خاتمة: استعمار إحلالي وعودة المكبوت
يقال، على سبيل الحكمة النفسية، إن المكبوت لا يموت، أو-في قول آخر- استحالة موته. وتلخص هذه المقولة مآل المحاولة الصهيونية لعلاج أزمتها الوجودية، حيث تحول مشروعها من “عودة ميتافيزيقية” مزعومة إلى استعمار إحلالي يواجه مأزقه عند كل اصطدام بوجه فلسطيني. ولن تصمد المصحة النفسية التي شيدها رولنيك ورفاقه لعلاج قلق الجلاد أمام حقيقة عودة الفلسطيني، بوصفه المكبوت الأصيل لمطاردة وعي المستعمِر.
الاستعمار ليس حالة “عصابية” يمكن علاجه على أريكة فرويد أو سواه، وإنما هو جريمة موصوفة لا تنتهي إلا بانتهاء مسببها.
وتكمن الخطورة الكبرى في الأنسنة الزائفة لهذه الجريمة. وتصبح الموضوعية المطلقة في خضم المعركة الوجودية خرافة تخدم القوي، مما يتحتم الانحياز الواعي لتسليط الضوء على الحقائق التي جرى طمسها، ففي معركة وجودية كالتي نعيشها اليوم لا توجد ثقافة بريئة.
يتجاوز الاستعمار الاستيلاء على الأرض إلى الهيمنة على العقل، فارضاً معاييره الثقافية والنفسية. ومن هنا، يحاول رولنيك- بوصفه حارس البوابة المعرفية الاستعمارية- تحويل عنف المستعمِر إلى جلسة تحليل نفسي. راغم إدراكه أن الاستعمار ليس آلة تفكير، ولا هو جسد يواجه بالعقل. فعندما يفشل السلاح في إخضاع السكان الأصليين، يلجأ المستعمِر إلى الثقافة وعلم النفس لرسم معاناته وألمه كمقدمة للطلب من المستعمَر الاعتراف به: “انظروا، نحن بشر مثلكم، نعاني ونتألم!”. وهذا أعلى مراحل الدفاع عن الذات الاستعمارية عبر “أنسنتها”.
وإذن، الكتاب، بهذا المعنى، محاولة لإنقاذ “صورة” الصهيوني. بالتأكيد على أن هذا الأخير “إنسان معقد وعميق ولديه مشاعر”، وليس مجرد غازٍ. هذه الرغبة أو الضمير التعيس يجسدها رولنيك فهو يشعر بالذنب (قليلاً) لكي يشعر بأنه إنسان راقٍ، لكنه لا يفعل شيئاً لإيقاف الجريمة.
……
الملاحظات
تعتمد هذه المادة على النسخة الإنكليزية من كتاب عيران رولنيك
Rolnik, E. (2012). Freud in Zion: Psychoanalysis and the Making of Modern Jewish Identity (H. Watzman, Trans.; 1st ed.). London, UK: Karnac Books.
وعلى المصادر التالية:
المصادر العربية (مرتبة هجائياً)
سعيد، إدوارد. (2004). فرويد وغير الأوروبيين (ترجمة ثائر ديب، فاضل جتكر، تعقيب جاكلين روز، ط 1). بيروت، لبنان: دار الآداب.
فانون، فرانس. (2014). معذبو الأرض (ترجمة د. سامي الدروبي ود. جمال الأتاسي، ط 1). مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، مصر.
فرويد، سيغموند. (1982). الأنا والهو (ترجمة محمد عثمان نجاتي، ط 4). القاهرة، مصر: دار الشروق.
فرويد، سيغموند. (1983). الطوطم والتابو: بعض المطابقات في نفسية المتوحشين والعصابيين (ترجمة بوعلي ياسين، ط 1). اللاذقية، سوريا: دار الحوار.
فرويد، سيغموند. (1973). موسى والتوحيد (ترجمة جورج طرابيشي، ط 1). بيروت، لبنان: دار الطليعة.
المصادر الأجنبية
Uris, L. (1958). Exodus (1st ed.). New York, USA: Doubleday.
Uris, L. (1984). The Haj (1st ed.). New York, USA: Doubleday.
الهوامش
[1] راجع سفر التكوين (12 :5): “فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.”
[2]اشتركت عناوين الفصول الثلاثة الأولى في التعبير عن المضمون ذاته بالتركيز على العلاقة بين فرويد والعبرية، والبدايات الأولى لترجمة أعمال فرويد واهتمامه الشخصي (رغم تحفظه) بكيفية تلقي أفكاره في “الشرق”. كما يناقش “البتر اللغوي”. ورصد
هجرة المحللين النفسيين-جسدياً وفكرياً- من أوروبا إلى فلسطين قبل قيام الدولة، والتحديات التي واجهتهم في تبيئة هذه النظرية الغربية في بيئة رائدة خشنة. والتضاد بين الفرد والجماعة” الكيبوتس” بتبني هذا الأخير مفاهيم فرويد في التربية الجماعية، ومحاولة خلق “إنسان جديد” متوازن نفسياً بعيداً عن عقد الأسرة البرجوازية التقليدية، فيركز على الصراع والتعاون بين المحللين النفسيين والمؤسسات الصحية والنفسية الرسمية في سنوات الاستيطان الأولى. علماً أن النسخة الإنكليزية أعطت انطباعا أقل حدة لمعنى العبراني الجديدNew Hebrew ، فهذا المصطلح الصهيوني الإسرائيلي “Ha’Ivri Ha’Hadash”يمثل مستوى إيديولوجياً عالي الشحنة وشديد الحساسية في إسرائيل. وقد حاولت الترجمة الإنكليزية تفسيره بوصفه “منتجاً” للتربية التحليلية (Analytical Education) كنوع من التأكيد على الهندسة الاجتماعية. وكذلك الأمر ينطبق على عنوان الفصل الخامس الذي يناقش التوتر بين التركيز على فردية المريض (جوهر التحليل) وبين الالتزام الجماعي الصهيوني (جوهر الدولة القادمة). وهنا كانت الترجمة الإنكليزية مجازية \أكاديمية The Psychoanalytic Movement and the Establishment فالعنوان العبري (المؤسسة الطبية والحركة הממסד הרפואי והתנועה Ha-Mimsad ha-Refu’i ve-ha-Tnu’ah .)يميل لوصف بناء المؤسسة في سياق الدولة الناشئة. ويكمل الفصل السادس هذا الاختلاف، ففي الأصل العبري يختار المؤلف العنوان التالي حرب الصدمة، والجسد والقومي מלחמה, טראומה והגוף הלאומי Milkhamah, Trauma ve-ha-Guf ha-Le’umi كإشارة إلى بتر الهُوية وإعادة صهرها. وهنا يظهر هنا اختلاف جوهري في الدلالات، فالعنوان العبري يستخدم مصطلح “الروح القومية” أو “الجسد القومي” في سياق ميتافيزيقي (Ha-Guf ha-Le’umi)، بينما النص الإنكليزي فضل استخدام “الجسد الوطني” War, Trauma, and the National Body للإشارة المادية. مما يعكس تحويل الأداة من وسيلة لـ “فهم النفس” في الأصل العبري إلى أداة لخدمة “المشروع القومي” في الترجمة،
[3] ما بين اكتئاب الصابرا وحنينه لأوروبا يبرز هنا القصور الأخلاقي والمعرفي للكتاب في التعاطي مع الفلسطيني، الذي يظهر مثل “شبح” يطارد أحلام المستوطنين. ويوضح رولنيك عجز المحللين النفسيين عن رؤية الفلسطيني كذات سياسية، ويورد الكتاب حادثة دالة حاول فيها المستوطنون تفسير قدرة الفدائيين الفلسطينيين على التنسيق العسكري بكونها “تخاطراً” Telepathy أو قدرة بدائية فوق طبيعية هرباً من الاعتراف بوجود مقاومة منظمة. ويعكس هذا التفسير عجز العقل الصهيوني عن استيعاب أن “العربي” يمتلك عقلاً وتنظيماً وإرادة سياسية، مفضلاً رده إلى خانة “الغرائز” أو القوى الغيبية. يقوم رولنيك بتشييء العربي واعتباره موضوع قلق، فالعربي مجرد “مادة خام” لأحلام وكوابيس المستوطنين. فما يهمه بالدرجة الأولى الطريقة التي يؤثر بها العربي على نفسية المستوطن (وهذا سؤال نرجسي لا شك) دون أن يكلف نفسه عناء معرفة سبب “كره” هذا العربي للمستوطن (وهذا سؤال سياسي بامتياز). في الحقيقة، هذا هو جوهر العنصرية” سلب الآخر إنسانيته وتحويله إلى “شيء” وظيفته الوحيدة هي خدمة (أو إزعاج) السيد.
[4] تجسد صورة غلاف النسخة الإنكليزية للكتاب هذا التناقض البنيوي تجسيداً بصرياً مكثفاً؛ إذ تعرض صورة فوتوغرافية التقطها المصور رودي فيسنشتين (Rudi Weissenstein) في العام 1936، وتحمل عنوان “يوم بناء في كيبوتس في فلسطين”. لا تبدو الصورة مجرد تصميم بصري عابر، فهي تبني نصاً موازياً مكثفاً يلخص أطروحة الكتاب ومأزق المشروع الذي يحاول هذا المقال تفكيكه. وتظهر مجموعة عمال (مستوطنين رواد) منخرطين في جهد عضلي شاق لبناء أساسات أحد الكيبوتسات. تمثل هذه اللقطة -عبر عدة دلالات سيمائية ونفسية- المعادل البصري لرفض “يهودي المنفى”(المثقف الأوروبي الشاحب، أو المريض العصابي) المستلقي على أريكة التحليل النفسي في فيينا، لتطرح البديل العملي؛ أي جسد “اليهودي الجديد” الذكوري الصلب المنهمك في العمل اليدوي الخشن. ويصبح هذا الانغماس المحموم في البناء المادي آلية دفاعية وهروباً نفسياً لإنكار الهشاشة الداخلية المكبوتة من خلال قولبة الهوية عبر “العرق” و”التراب” بدلاً من “الكلمة” و”اللاوعي”. في الحقيقة، يمارس الإطار البصري هنا إقصاءً تاماً للحضور الفلسطيني؛ بتصوير الأرض كمساحة فارغة تنتظر الهندسة المكانية والاجتماعية الاستعمارية. وهنا تكمن حدة أو (مأزق) الغلاف؛ فالجمع بين اسم “فرويد” (سيد التحليل ومهندس اللاوعي وكاشف الهشاشة البشرية) وبين “صورة الكيبوتس” (رمز العمل الجماعي وإنكار الفردانية وتمجيد القوة الجسدية) يخلق تصادماً بصرياً وذهنياً. وكأن الغلاف يطرح السؤال ذاته الذي يطرحه المقال: ما الذي يفعله علم يدرس “الضعف البشري” في بيئة تستعرض “عضلاتها” وتنكر أي ضعف؟
تخفي صورة الغلاف أكثر مما تظهر. فتقدم القناع الكولونيالي (الجسد القوي والبناء المستمر) لتغطي على “المصحة النفسية” التي يعج بها الداخل، وتؤكد بأن استدعاء التحليل النفسي ليس لتحرير هذه الأجساد، وإنما لصيانتها وضمان استمرارها في أداء وظيفتها الاستعمارية. فتبدو عملية البناء (بناء جدران وأسقف) كأنها مجرد صورة بناء موقع، لكنها في سياق التحليل النفسي تعبر عن “الهندسة الاجتماعية”. فكما يُبنى الكيبوتس بالحجارة والجهد العضلي، كان التحليل النفسي يُستخدم كأداة لبناء “نفوس” المستوطنين، وإصلاح من يعطب منهم (الجنود والمهاجرين المصدومين) لإعادتهم إلى آلة البناء والحرب.
وتكون الحركة المستمرة والعمل الشاق الظاهران في الصورة وجهان أو مستويان يمثلان في التحليل النفسي آلية دفاعية للهروب للأمام تعرف بآلية التصرف (Acting out)؛ حيث يهرب المستوطن من مواجهة صدماته العميقة وعقده التاريخية عبر الانغماس المهووس في العمل المادي وبناء المؤسسات، لإنكار الهشاشة النفسية التي تسكنه. ولكن في لحظة قهر الطبيعة والمكان، تُظهر الأرض كأنها ورشة عمل أو “مساحة فارغة” تنتظر من يعمرها.
يمارس هذا الإطار البصري عملية “محو” تامة للسكان الأصليين،. فيوازي غياب الفلسطيني عن الصورة الفوتوغرافية، غيابه في “لاوعي” نص كتاب رولنيك؛ حيث تُركز العدسة (والتحليل النفسي) على قلق المستوطن وعنائه فقط، وتتجاهل الجريمة المرتكبة خلف إطار الصورة.
[5] اعتبرت الحركة الصهيونية التحليل النفسي أداة “ضبط” للمصحة العسكرية فتعرضت مقولات ونظريات التحليل النفسي إلى عملية تأهيل لخدمة المؤسسة عبر عدة مستويات مثل الكيبوتس، حيث استُخدمت النظريات النفسية لتبرير “التربية المشتركة” وتحطيم سلطة الأسرة التقليدية لصالح “الجماعة”، واستبدال “أنا” الفرد بـ “نحن” الكيبوتس. ثم الجيش، حيث تحول الطبيب النفسي إلى صانع ذوات وظيفته “إصلاح العطب” لدى الجنود المصدومين لإعادتهم إلى الجبهة. وأصبحت العيادة امتداداً للثكنة، والشفاء يعني “التكيف” مع متطلبات القتل والاحتلال. وأخيراً الهندسة الاجتماعية، حيث تميزت الحالة الصهيونية\الإسرائيلية باستخدام نظرية فردانية (فرويد) لبناء دولة قبلية وجماعية بهدف خلق إنسان قومي جديد، مما أنتج “مصحة نفسية” تحاول علاج عقدة النقص الأوروبية على أرض فلسطين.
[6] يفكك رولنيك أسطورة “الصابرا” (Sabra)؛ المستوطن البطل الذي لا يقهر. ويكشف عبر الملفات الطبية أن هذا النموذج لم يكن سوى قشرة هشة تخفي خلفها اكتئاباً، وقلقاً جنسياً، وحنيناً مرضياً لأوروبا التي لفظتهم. لقد استخدم المستوطنون هذا القناع لإنكار هشاشتهم .
[7] من أهم أنشطة رولنيك في هذا الصدد (أي ترميم البتر اللغوي) سعيه، عبر مشروعه لترجمة أعمال فرويد للعبرية الحديثة، إلى “رأب هذا الصدع” وتوطين التحليل النفسي، في محاولة لـ “أَوْرَبة” الوعي الإسرائيلي وتنقيته من “خشونة الشرق”. لم تكن ترجمة فرويد عملاً لغوياً محايداً، بل عملية توطين إيديولوجية لخدمة المشروع القومي، عبر تحميل المصطلحات دلالات جديدة مثل “الهو” The Id والذي أصبح في العبرية الإسرائيلية “سَت” ثم “ستام” للإشارة إلى الدوافع الخام التي يجب “تهذيبها” وتوجيهها نحو العمل الزراعي والدفاع، بدلاً من الغرق في عصاب المنفى. ويترجم “الأنا” The Ego إلى “أني” والهدف لم يكن الأنا الفردي، بل بناء “أنا عبري” قوي وواثق، نقيضاً لـ “الأنا اليهودي” الضعيف والمضطهد في أوروبا. أما “الأنا الأعلى”The Super-Ego فقد صار “أني هعليون” وتجاوز سلطة الأب ليمثل “الضمير القومي” ومتطلبات الريادة (الحلوتسيوت) التي تفرض التضحية بالفردية لأجل الدولة. وترجم “الكبت” Repression إلى هدحاكا. باعتبار أن الحياة في الشتات أدت إلى كبت “الهوية الطبيعية” لليهود، وأن العودة إلى الأرض واللغة هي وسيلة لفك هذا الكبت. أما مصطلح “التسامي” Sublimation وهو الأخطر ربما، فقد ترجم إلى “إيدون” ، حيث يروج لتحويل الطاقة الجنسية والفردية (الليبيدو) إلى طاقة بناءة تُستثمر في الاستيطان والزراعة. ويمكن تتبع بعض الحالات الأدبية الصهيونية التأسيسية التي صاغت الوعي الصهيوني الأولي مثل رواية ليون أوريس الشهيرة “إكسودس” (Exodus) التي مثلت صناعة “الأنا المثالي” (Ideal Ego). بطلها “أري بن كنعان” هو تجسيد لـ “اليهودي الجديد” الذي “شُفي” تماماً من عقد المنفى. (علماً أن أرشيف رولنيك يثبت أن الواقع كان مليئاً بالصدمات وأن مثل هؤلاء الأبطال ليسو سوى شخصيات “كرتونية” بلا “لاوعي”)، ورواية رواية “الحاج” (The Haj) التي تمثل عملية إسقاط وشيطنة الهو. حين عمل أوريس على إسقاط كل الصفات التي أرادت الصهيونية التخلص منها (الضعف، العنف، الغدر) على الشخصية العربية (اعتمد يوريس في الرواية على تقنية سردية مخادعة؛ حيث جعل الراوي هو “إسماعيل”، ابن بطل الرواية “الحاج إبراهيم” (مختار قرية طابة الفلسطينية).). فالعربي في الرواية هو “مريض نفسي” غير قابل للشفاء أو التطور، مما يبرر عزله أو الوصاية عليه. رغم أن هذه العملية ليست اقل من إعادة تدوير للصور اللاسامية التي رسمتها أوروبا لليهودي، لكن تم إسقاطها على الفلسطيني لتطهير الذات اليهودية.
[8]جاء رد فرويد على حاييم كوفلر (26 شباط1930) بعد أحداث البراق (التي يسميها اليهود أحداث 1929)، حين طلب “الصندوق التأسيسي” (Keren Hayesod) من فرويد رسالة تضامن. فجاء الرد: “لا أستطيع أن أفعل ما تطلبه مني… إن حكمي الرصين على الصهيونية لا يسمح لي بذلك. أنا حزين جداً لما أصاب المستوطنين… ولكنني لم أستطع أبداً أن أفهم تلك التقوى العامة التي جعلت من قطعة من سور هيرودوس [حائط البراق] أثراً وطنياً مقدساً، وتسببت بسببها في إثارة مشاعر السكان الأصليين”. ويضيف جملته الأهم حول الجغرافيا: “كان من الأجدر، في رأيي، تأسيس وطن يهودي في أرض أقل ثقلا بالتاريخ (less historically-burdened)… لكنني أعلم أن وجهة نظري هذه لن تجد صدى في فيينا”. تجدر الإشارة أن هذه الرسالة حفظت في الأرشيف ولم تنشر كاملة إلا بعد عقود، إذ يبدو فيها أن فرويد يلوم المستوطنين -بدلاً من دعمهم- على “تعصبهم الديني” عند حائط البراق.
[9] يتجلى استعلاء فرويد المعرفي تجاه “الشرق” في سخريته من مفهوم “الشعور المحيطي” (Oceanic Feeling) الذي طرحه صديقه رومان رولان (في رسالة بعثها إلى فرويد في العام 1927) مستوحياً إياه من التصوف الشرقي. فقد اختزل فرويد هذه التجربة الروحية واصفاً إياها بـ “النكوص” (Regression) إلى مرحلة الطفولة المبكرة، رافضاً الاعتراف بوجود “حكمة” أو نظام معرفي ناضج خارج المركزية الأوروبية. وتفسر هذه النظرة احتقاره لفكرة تأسيس دولة في فلسطين، التي رآها “مستنقعاً” للغرائز واللاعقلانية لا يليق بالنخبة اليهودية الأوروبية.
[10]يجدر الذكر هنا عندما ترجم كتاب فرويد “الطوطم والتابو” (Totem and Taboo) إلى العبرية، طُلب منه كتابة مقدمة. فكتب فرويد نصاً ملتبساً جداً يقول فيه: يصعب على قارئ هذا الكتاب بلوغ الموقف النفسي لمؤلفه بسهولة ويسر، وأقصد الموضع الوجداني لمؤلف يجهل لغة الكتاب المقدس، وقد انسلخ تماماً عن دين آبائه -كما عن كل دين آخر- والفاقد لأي قدرة على مشاطرة المُثُل القومية. غير أنه لم يتنكر لشعبه قط، ويشعر في جوهره بانتمائه اليهودي، ويرفض تغيير طبيعته الجوهرية هذه.
ولئن سئل “ما الذي بقي فيك يهودياً، إثر تخليك عن جميع هذه المشتركات مع أبناء جلدتك؟” لأجاب: “الشيء الكثير، ولربما الجوهر الأساسي ذاته”. غير أنه يعجز الآن عن التعبير الواضح عن هذا الجوهر بكلمات؛ لكنه سيغدو، دون شك، متاحاً، في قادم الأيام، للفهم العلمي. و وتعد ترجمة كتاب لمثل هذا المؤلف إلى اللغة العبرية، ووضعه بين أيدي قراء يتخذون من هذه اللغة التاريخية لغة حية، تجربة ذات طابع خاص جداً؛ وهو كتاب يتناول أصل الدين والأخلاق، رغم تجنبه تبني وجهة نظر يهودية، ورفضه وضع أي استثناءات لصالح اليهودية.
المصدر: Freud, S. (1930). Preface to the Hebrew Edition. In Totem and Taboo. The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, Volume XIII (1913-1914), p. xv. وانظر هنا . https://attfinnasanningen.se/dokument_offentligt/books/writter/sigmund_freud/totem%20and%20taboo%20-%20sigmund%20freud.pdf?.com . و”الجوهر الأساسي ذاته” عند فرويد لا يدل على عقيدة ولا على قومية ولا على رابطة دموية. وإنما هو اسم لشيء يتبقى بعد سقوط اللغة والدين والانتماء السياسي. أي بعد تفكك كل التعريفات الظاهرة. وبهذا تؤشر العبارة إلى بنية نفسية تاريخية، وليس إلى مضمون إيماني. فيتحدث فرويد عن أثر متراكم في الذات، تشكّل عبر قرون من الاغتراب والصراع مع السلطة والعيش في الهامش. لذلك يعترف بأنه لا يستطيع صياغته مفهوماً، ويؤجل فهمه إلى “العلم”. وإذن، الجوهر هنا ليس هُوية معلنة، بل توتر داخلي دائم، أي علاقة خاصة بالقانون وبالذاكرة وبالأب الرمزي. ويمكن قراءة امتداده لاحقاً في “موسى والتوحيد”، حيث يحاول تفكيك هذا المتبقي بوصفه أثراً نفسياً-تاريخياً لا يمكن رده إلى تعريف ديني بسيط.
[11] الثابت في السياقات الاستعمارية أن العيادة النفسية هي دائماً “فخ”. فقد يأتي الطبيب النفسي على ظهر دبابة، في هذه الحالة لا يقع اللوم على فرويد (أو أي معالج نفسي آخر) بل يقع اللوم على “الترجمة” الاستعمارية [الصهيونية في حالتنا] للعلاج النفسي لجهة الاستخدام الأداتي للعلم . فالخطر ليس في أفكار وممارسة العيادة النفسية، وإنما فيمن يقرأها وهو يحمل بندقية.
Aljarmaq center Aljarmaq center