السيدة صاحبة النزل

رولد دال

ترجمة محمود الصباغ

استقل بيلي ويفر قطار الظهيرة البطيء من لندن متجهاً إلى “باث” عن طريق  “سويندون”. وعند التاسعة مساءً وصل إلى “باث”؛ وكان القمر يبزغ من السماء الصافية المرصعة بالنجوم فوق المنازل المقابلة لمدخل المحطة. لكن الهواء كان بارداً برودة مميتة، والرياح تلسع كأنها  شفرة جليدية باردة. ترجل بيلي وسأل الحمّال عن فندق رخيص قريب؛ الذي اقترح عليه “بيل آند دراغون” على بعد نحو ربع ميل، عند الجانب الآخر من الطريق؛ فشكره بيلي وحمل حقيبته وانطلق يقطع ما مقداره ربع ميل باتجاه الفندق.

هذه أول زيارة له للمدينة ولا يعرف أحد هنا، لكن السيد غرينسليد من مكتب لندن أخبره بجمالها، مضيفاً: “ابحث عن مكان تمكث فيه؛ ثم اذهب وقدم تقريرك لمدير الفرع فور استقرارك”.

بيلي شاب صغير يبلغ السابعة عشرة. كان يرتدي معطفاً جديداً أزرقاً داكناً، وقبعة بنية جديدة، وبدلة بنية جديدة. سار بخفة وبخطى حثيثة. يحاول تأدية كل ما يفعله بنشاط هذه الأيام. إذ أيقن أن الخفة سمة مشتركة بين جميع رجال الأعمال الناجحين. إذ لطالما أظهر كبار الموظفين هناك في لندن خفة. ويثيرون الإعجاب حقاً.

انتبه إلى خلو الشارع من المتاجر، وأمامه صفين من المنازل المتشابهة على الجانبين. تزينت مداخلها بأعمدة وأربع أو خمس درجات تؤدي إلى الأبواب الأمامية. كانت مساكن فاخرة في زمن مضى، كما يبدو. وأما الآن، ورغم العتمة، يمكن رؤية طلاء الأبواب والنوافذ المتساقط عنها، وواجهاتها البيضاء الجميلة مشققة وملطخة نتيجة إهمالها.

أخرجه من ذهوله نافذة في الطابق السفلي، بعيدة عنه أمتار قليلة، يسقط عليها ضوء مصباح الشارع، ولمح إعلاناً مطبوعاً يستند على زجاج إحدى الواجهات العلوية كتب عليه “سرير وفطور”، ولمح تحته مباشرة مزهرية فيها نبتة صفصاف الهرة طويلة وجميلة. توقف واقترب قليلاً، ولاحظ انسدال ستائر كتانية خضراء على جانبي النافذة. وبدت أغصان الصفصاف المزهرة رائعة بجوارها. دنا أكثر واختلس النظر عبر الزجاج إلى الغرفة، فأبصر أول ما أبصر ناراً متأججة في الموقد، وأمامها، على السجادة، كلب ألماني صغير وجميل ملتفاً على نفسه ينام ويدس أنفه ببطنه.

بدت الغرفة، بقدر ما استطاع أن يرى، مليئة بأثاث مريح، وقد خفّت الرؤية بفعل الجو المعتم. لكنه لمح بيانو صغير وأريكة ضخمة وعدة مقاعد وثيرة. وفي إحدى الزوايا قفص بداخله ببغاءً كبير. وجود الحيوانات علامة طيبة. والمنزل، في المجمل، مكان لائق بلا للإقامة أفضل من “بيل آند دراغون” بلا ريب.

على أن الحانة، من ناحية أخرى، تبدو أكثر ألفة من النزل، لأنها توفر الجعة ولعبة رمي السهام، وجمع غفير للحديث معهم. ويرجح أن تكلفتها أقل كثيراً أيضاً. سبق له الإقامة ليلتين في حانة وأعجبته التجربة. ولكنه لم يجرب النزل قط. وبصدق أكثر، شعر بخوف طفيف منها. فذكر اسم النزل ذاته يستحضر صور الملفوف المسلوق بالماء، وصاحبات النزل الجشعات، ورائحة السمك المدخن القوية في غرفة المعيشة.

وبعد حيرة لدقيقتين أو ثلاث في البرد، قرر السير ومعاينة فندق (بيل آند دراغون) قبل اتخاذ قراره. فاستدار للمغادرة. وهنا حدث أمر عجيب. ففي لحظة تراجعه والتفاته مبتعداً عن النافذة، التقطت عيناه الإعلان الصغير المعلق هناك وتسمرتا نحوه بطريقة غريبة للغاية. “سرير وفطور”، وبدأ يرددها: “سرير وفطور، سرير وفطور، سرير وفطور”. تحولت كل كلمة إلى عين سوداء واسعة تحدق به عبر الزجاج، وتأسره، وكأنها تجبره على البقاء وعدم الابتعاد عن ذلك المنزل، وما لبث أن وجد نفسه يقطع المسافة من النافذة إلى الباب الأمامي، صاعداً الدرجات، وتمتد يده نحو الجرس وتضغط عليه.

سمعه يرن بعيداً في غرفة خلفية، وفي الحال -ولا بد أنه حدث في الحال لأنه لم يجد وقتاً لرفع إصبعه عن زر الجرس-، انفتح الباب على مصراعيه وظهرت امرأة تقف هناك.

يقتضي قرع الجرس عادة الانتظار نصف دقيقة على الأقل قبل انفتاح الباب. لكن هذه السيدة خرجت مثلما يخرج عفريت العلبة.

ضغط الجرس، فانبثقت أمامه! مما جعله ينتفض فزعاً.

بدت في حدود الخامسة والأربعين أو الخمسين، وما إن وقع نظرها عليه حتى رمته بابتسامة دافئة  وترحاب. وقالت بلطف:

“تفضل بالدخول”.

تنحت جانباً وفتحت الباب على اتساعه، ليجد بيلي نفسه يندفع تلقائياً إلى داخل المنزل. كانت الرغبة في اتباعها إلى الداخل، أو الاندفاع القهري وراءها، قوية غب نحو غير عادي.

 تحدق  بي

قال متمالكاً نفسه:

“رأيت الإعلان في النافذة”.

“نعم، أعلم”.

“كنت أتساءل عن غرفة شاغرة”.

فأجابته بوجهها الوردي المستدير والعينين الزرقاوين الوديعتين:

“كل شيء جاهز لاستقبالك يا عزيزي”،

“كنت في طريقي إلى فندق (بيل آند دراغون). لكن الإعلان في نافذتك لفت انتباهي مصادفة”.

“يا بني العزيز، لم لا تدخل وتحتمي من البرد؟”.

“كم الأجرة؟”.

“خمسة شلنات وستة بنسات لليلة الواحدة، شاملة الفطور”.

كان السعر رخيصاً على نحو غير متوقع، ويقل عن نصف ما استعد لدفعه.

أردفت تقول:

“إن بدا لك السعر مرتفعاً، أستطيع تخفيضه قليلاً. هل ترغب في تناول بيضة على الفطور؟ البيض باهظ الثمن حالياً. ستقل التكلفة ستة بنسات دون البيضة”.

“خمسة شلنات وستة بنسات مبلغ ممتاز. أود فعلاً البقاء هنا”.

“عرفت أنك ستوافق. تفضل بالدخول”.

بدت السيدة في غاية اللطف. تماماً مثل والدة أقرب أصدقاء المدرسة وهي ترحب به لقضاء عطلة عيد الميلاد في منزلها.

خلع بيلي قبعته وتجاوز العتبة.

“علقها هناك فحسب، ودعني أساعدك في خلع معطفك”.

خلت القاعة من أي قبعات أو معاطف أخرى. وغابت المظلات والعصي وأي شيء آخر.

قالت مبتسمة له من فوق كتفها وهي تتقدمه صعوداً في الدرج:

“نملك المكان كله لأنفسنا… كما ترى، لا أحظى بمتعة استضافة زائر في عشي الصغير في أحيان كثيرة”.

حدث بيلي نفسه أن العجوز تبدو غير متزنة قليلاً، لكنه لم يرَ في ذلك مشكلة مع هذه الأجرة الرخيصة لليلة الواحدة. قال بأدب:

“حسبت أن يكون نزلك ممتلئاً بالرجال كبار السن “.

“أوه، إنهم كذلك يا عزيزي، بالطبع. لكن المشكلة أنني أميل إلى الانتقاء والتدقيق قليلاً – إن أدركت مقصدي”.

“آه، نعم”.

“لكنني مستعدة دائماً. كل شيء جاهز ليل نهار في هذا المنزل تحسباً لقدوم شاب نبيل لائق. ويا لها من متعة يا عزيزي، متعة عظيمة جداً حين أفتح الباب بين الحين والآخر لأرى شخصاً ملائماً تماماً يقف هناك”.

توقفت في منتصف الدرج، ووضعت يداً على الدرابزين، وأدارت رأسها مبتسمة له بشفتين شاحبتين. وأضافت: “مثلك تماماً”، وجالت عيناها الزرقاوان ببطء على طول جسد بيلي حتى قدميه، ثم صعوداً مرة أخرى.

قالت له عند ردهة الطابق الأول:

“هذا الطابق يخصني”.

ثم صعدا درجة أخرى. وقالت:

“وهذا الطابق بأسره لك”. “هذه غرفتك. آمل أن تنال إعجابك”.

أدخلته غرفة نوم أمامية صغيرة ولكن ساحرة، وأشعلت النور عند دخولها.

“تدخل شمس الصباح مباشرة من النافذة يا سيد بيركنز. اسمك السيد بيركنز، أليس كذلك؟”.

“لا. اسمي ويفر”.

“السيد ويفر. كم هو جميل. وضعتُ زجاجة ماء بين الملاءات لتهويتها يا سيد ويفر. وجود زجاجة ماء ساخن في سرير غريب ذي ملاءات نظيفة يبعث على الراحة، ألا تتفق معي؟ وبمقدورك إشعال مدفأة الغاز متى شعرت بالبرد”.

 “شكراً لك”.

ولاحظ إزالة غطاء السرير، كما أن الأغطية مطوية بعناية على جانب واحد، استعداداً لدخول شخص ما.

قالت وهي تنظر بجدية في وجهه:

“سعيدة جداً بظهورك. بدأ القلق يساورني” .

فأجابها بيلي بإشراق:

“لا بأس. لا ينبغي أن تقلقي بشأني”.

وضع حقيبته على الكرسي وشرع في فتحها.

“وماذا عن العشاء يا عزيزي؟ هل تناولت شيئاً قبل قدومك إلى هنا؟”.

“لست جائعاً البتة، شكراً لك. أظنني سأخلد إلى النوم حالاً؛ يتعين علي الاستيقاظ مبكراً وتقديم تقريري للمكتب”.

“حسناً إذن. سأتركك تفرغ أمتعتك. ولكن قبل النوم، هل تتكرم بالنزول إلى غرفة الجلوس للتوقيع في السجل؟ يلتزم الجميع بذلك عملاً بقانون البلاد، ولا نود مخالفة أي قوانين في هذه المرحلة من الإجراءات، أليس كذلك؟”.

لوحت له بيدها تلويحة خفيفة، وغادرت الغرفة مسرعة وأغلقت الباب.

لم يكترث بيلي لكون صاحبة النزل تبدو مختلة قليلاً. فهي غير مؤذية -ولا شك في ذلك- وصاحبة روح طيبة وسخية. خمن أنها ربما فقدت ابناً في الحرب، أو ما يشابه ذلك، وعجزت عن تجاوز المحنة.

بعد دقائق، وعقب تفريغ حقيبته وغسل يديه، هرول إلى تحت ودخل غرفة المعيشة. لم يرَ صاحبة النزل، لكن النار متوهجة في الموقد، والكلب الألماني الصغير ما زال غافياً أمامها.

غمر الدفء والراحة أرجاء الغرفة.

فرك بيلي يديه مفكراً:

“أنا شاب محظوظ. هذا مكان ممتاز”.

وجد دفتر السجل مفتوحاً على البيانو، فأخرج قلمه ودون اسمه وعنوانه. سبقه اسمان فقط في الصفحة، وكما يفعل المرء عادة مع هذه السجلات، شرع في قراءة أسماء النزيلين. أحدهما كان كريستوفر مولهولاند من كارديف. والآخر غريغوري دبليو تمبل من بريستول. تأمل فجأة:

“أمر غريب. كريستوفر مولهولاند. يثير هذا الاسم ذكرى ما”.

أين سمع هذا الاسم غير المألوف من قبل؟. هل كان زميل مدرسة؟ لا… هل هو أحد الشبان الكثر من أصدقاء شقيقته، أو ربما صديقاً لوالده؟. لا، لا، لم يكن أياً من هؤلاء.

عاود النظر إلى السجل. كريستوفر مولهولاند 231 شارع الكاتدرائية، كارديف غريغوري دبليو تمبل 27 سيكامور درايف، بريستول.

 في واقع الأمر، وحين أعمل فكره، لم يساوره أدنى شك في أن الاسم الثاني يحمل صدى مألوفاً يضاهي الأول تقريباً. قال بصوت مسموع: “غريغوري تمبل؟ كريستوفر مولهولاند؟”. أجابه صوت من خلفه:

“شابان في غاية السحر”

استدار ليرى صاحبة النزل تدخل الغرفة حاملة صينية شاي فضية كبيرة، تمسكها أمامها بإحكام، كما لو أنها تمسك زمام حصان جامح.

 “تبدو أسماء مألوفة لسبب ما”.

“حقاً؟ كم هذا مثير للاهتمام”.

“أكاد أجزم سمعت بهما في مكان ما من قبل. أليس هذا عجيباً؟ ربما في الصحف. ألا يحظيا بشهرة من أي نوع، هل هما؟ أعني لاعبي كريكيت مشهورين أو كرة قدم أو غير ذلك؟”.

قالت وهي تضع صينية الشاي على الطاولة المنخفضة أمام الأريكة: “مشهورين؟… أوه لا، لا أعتقد هذا. لكنهما كانا وسيمين جداً، كلاهما، أؤكد لك. كانا طويلين ووسيمين يا عزيزي، مثلك تماماً”.

نظر بيلي مجدداً إلى السجل. قال منتبهاً للتواريخ:

“انظري هنا، يعود اسم النزيل الأخير إلى ما قبل عامين وأكثر”.

“حقاً؟”.

“نعم، بالتأكيد. ويسبقه كريستوفر مولهولاند بعام تقريباً – أي منذ أكثر من ثلاث سنوات”.

هزت رأسها وأطلقت تنهيدة رقيقة وقالت:

“يا إلهي… لم أكن لأتخيل ذلك قط. كيف يتسرب الوقت من بين أيدينا، أليس كذلك يا سيد ويلكينز؟”.

“اسمي ويفر… و ي ف ر”.

ندت عنها صرخة وهي تحاول الجلوس على الأريكة، واستدركت:

“أوه، بالطبع هو كذلك!… كم أنا حمقاء. أعتذر بشدة. يدخل الكلام من أذن ويخرج من الأخرى، هكذا أنا يا سيد ويفر”.

“أتدرين ؟ ثمة ما هو غير عادي حقاً في كل هذا؟”.

“لا يا عزيزي، لا أعلم”.

“حسناً، ترين هذين الاسمين، مولهولاند وتمبل، لا يقتصر الأمر على تذكري لكل منهما على حدة، إن صح التعبير، وإنما يبدو لي -بطريقة أو بأخرى، وبصورة غريبة-، أنهما مرتبطان معاً أيضاً. وكأنهما اشتهرا بالشيء ذاته، إن أدركت مقصدي – مثل ديمبسي وتوني مثلاً، أو تشرشل وروزفلت”*.

“كم هذا ممتع. لكن تعال إلى هنا الآن يا عزيزي، واجلس بجواري على الأريكة. سأقدم لك كوب شاي لذيذ وبسكويت الزنجبيل قبل نومك”.

“لا ينبغي لك تكبد هذا العناء. لم أقصد دفعك لفعل ذلك”.

وقف بجوار البيانو يراقبها وهي تنشغل بالأكواب والصحون. لاحظ يديها الصغيرتين البيضاوين سريعتي الحركة، وأظفارها المطلية بالأحمر.

“أكاد أجزم رؤيتي لهما في الصحف، سأتذكر الأمر في غضون ثانية. أنا متأكد من ذلك.

لا شيء يثير الحنق أكثر من بقاء أمر كهذا يحوم على حدود الذاكرة. وكره الاستسلام.

“انتظري دقيقة. دقيقة واحدة فقط. مولهولاند… كريستوفر مولهولاند… ألم يكن هذا اسم طالب إيتون الذي قام بجولة راجلة عبر ويست كونتري؟… ثم فجأة…”

قاطعته، تقول:

“حليب؟ وسكر؟”.

“نعم، من فضلك. ثم فجأة…”

“طالب إيتون؟ أوه لا يا عزيزي، يستحيل أن يكون هذا صحيحاً؛ لأن السيد مولهولاند لم يكن طالباً في إيتون عند قدومه إلي. كان طالباً جامعياً في كامبريدج. والآن… تعال إلى هنا واجلس قربي لتدفئ نفسك أمام هذه النار الرائعة. هيا. فالشاي جاهز”.

ربتت على المكان الفارغ بجوارها على الأريكة، وجلست مبتسمة له تنظر قدومه.

عبر الغرفة ببطء وجلس على حافة الأريكة.

وضعت فنجان الشاي أمامه على المنضدة وقالت:

“تفضل. كم يبدو المكان دافئاً ولطيفاً، أليس كذلك؟”.

بدأ بيلي يرتشف الشاي. وكذلك هي.

لم ينطق أيهما بكلمة لنصف دقيقة أو نحو ذلك. لكن بيلي أدرك نظراتها المصوبة نحوه. كان جسدها موارباً نصفه باتجاهه، وأحس بعينيها تستقران على وجهه، تراقبه من فوق حافة فنجانها. التقط بين الحين والآخر رائحة غريبة بدت منبعثة منها مباشرة. لم تكن منفرة، وذكرته… حسناً، لم يدرك تماماً بم تذكره… بالجوز المخلل؟. بالجلد الجديد؟ أم بأروقة المستشفيات؟.

قالت أخيراً:

“كما أحب السيد مولهولاند -العزيز الرقيق- الشاي… لم أر في حياتي شخصاً يشرب الشاي بكثرة مثله “.

“أفترض أنه غادر في وقت قريب”.

قال بيلي ذلك وهو يرهق ذهنه محاولاً فك لغز الاسمين. وبات متيقناً الآن من رؤيتهما في عناوين الصحف.

رفعت حاجبيها وقالت

“غادر؟ لكن يا بني العزيز، لم يغادر قط. لا يزال هنا. والسيد تمبل هنا أيضاً. يقطنان الطابق الثالث، كلاهما”.

وضع بيلي فنجانه ببطء على الطاولة وحدق في السيدة صاحبة النزل. بادلته الابتسامة، ثم مدت إحدى يديها البيضاوين وربتت على ركبته مواسية. وسألته:

“كم عمرك يا عزيزي؟”.

“سبعة عشر عاماً”.

فهتفت: “سبعة عشر! أوه، إنه العمر المثالي! بلغ السيد مولهولاند السابعة عشرة أيضاً. لكنني أظنه أقصر منك قليلاً، بل أنا واثقة من ذلك، ولم تكن أسنانه ناصعة البياض هكذا. تمتلك أسناناً غاية في الجمال يا سيد ويفر، لو تعلم؟”.

“ليست بحالة جيدة كما تبدو. تملأ الحشوات الصف الخلفي منها”.

فقالت متجاهلة ملاحظته:

“أما السيد تمبل فكان أكبر سناً بالطبع… بلغ الثامنة والعشرين في الواقع. ومع ذلك لم أكن لأخمن عمره طوال حياتي لو لم يخبرني. لقد خلا جسده من أي شائبة”.

قال بيلي: “خلا من ماذا؟”.

“كانت بشرته كبشرة الأطفال”.

وساد الصمت بينهما.

رفع بيلي فنجانه ورشف رشفة أخرى، ثم أعاده برفق إلى صحنه. انتظرها أن تنطق بشيء آخر، لكن يبدو أنها غاصت في نوبة صمت أخرى. جلس محدقاً أمامه مباشرة نحو الزاوية البعيدة من الغرفة، عاضاً على شفته السفلى.

قال أخيراً:

“ذلك الببغاء. أتعلمين؟ خدعني تماماً حين رأيته أول مرة عبر النافذة من الشارع. كدت أقسم أنه حي”.

“واحسرتاه، لم يعد كذلك”.

فقال: “صُنع بمهارة فائقة… لا يبدو ميتاً البتة. من صنع هذا؟”.

“أنا”.

“أنتِ؟”

“بالطبع. وهل قابلت “باسيل” الصغير أيضاً؟”.

وأومأت برأسها نحو الكلب الألماني الغافي بارتياح أمام النار.

نظر بيلي إليه. أدرك فجأة أن هذا الحيوان لم يتحرك طوال الوقت كالببغاء تماماً. مد يده ولمس أعلى ظهره برفق. كان صلباً وبارداً، وحين أزاح الشعر بإصبعيه إلى جانب واحد، أمكنه رؤية الجلد تحته، رمادياً ضارباً للسواد وجافاً ومحفوظاً بإتقان. وقال

 “يا إلهي. هذا مدهش فعلاً”.

وأشاح بوجهه عن الكلب وحدق بإعجاب عميق في المرأة الصغيرة بجواره على الأريكة وتابع يقول.

“لا بد أن عمل كهذا يكتنفه عناء شديد”.

“لا، على الإطلاق. أحنط جميع حيواناتي الأليفة الصغيرة بنفسي عند نفوقها. هل ترغب في فنجان شاي آخر؟”.

“لا، شكراً لك”.

حمل الشاي مذاقاً خفيفاً للوز المر، ولم يرق له كثيراً.

“وقعت في السجل، أليس كذلك؟”.

“أوه، بلى”.

“هذا جيد. لأنني إن نسيت اسمك لاحقاً، أستطيع النزول إلى هنا وأتفقده. أفعل ذلك يومياً تقريباً مع السيد مولهولاند والسيد…”.

قال بيلي

“تمبل. غريغوري تمبل. معذرة لسؤالي، ألم يحل هنا ضيوف آخرون سواهما خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية؟”.

رفعت فنجان الشاي عالياً بإحدى يديها، وأمالت رأسها قليلاً نحو اليسار، ورمقته بطرف عينها الخفي خلسة وأهدته ابتسامة رقيقة أخرى و قالت:

“لا يا عزيزي. أنت فقط”.

………….

* ديمبسي وتوني: إشارة إلى الملاكمين الأمريكيين الشهيرين جاك ديمبسي وجين توني؛ اللذان خاضا نزالات تاريخية طاحنة في عشرينيات القرن العشرين فاقترن اسماهما في الذاكرة الرياضية. أما تشرشل وروزفلت، فهي إشارة إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت؛ اللذان قادا قوات الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية وارتبط اسماهما سياسياً وتاريخياً. يقصد دال بهذا التشبيه إبراز التلازم الوثيق بين اسمي “مولهولاند” و”تمبل” في ذهن بيلي، وكأنهما لم يشتهرا إلا معاً.-المترجم

………..

تعقيب

تبدو القصة، للوهلة الأولى، حكاية بسيطة عن شاب يبحث عن مكان يبيت فيه في مدينة غريبة. لكن رولد دال(1916 – 1990) يبني نصاً محكماً، يعمل على مستويات متداخلة من حيث السرد والرمز واللاوعي. والنتيجة ليست تمريناً دقيقاً في خداع الإدراك. فالقصة تتجاوز معاني الرعب السطحي أو المباشر. وفي العمق يمكن النظر إليها كتعليق على الوحدة المرضية، فالسيدة صاحبة النزل لا تحتمل الفقد، فتستبدله بالامتلاك المطلق، وتختزل العلاقة الإنسانية إلى علاقة حفظ واقتناء أحادية عبر رغبة غير سوية في إلغاء الآخر ككائن حي، وتحويله إلى شيء مضمون. (تحنيطه؟)

نحن هنا  أمام أسلوب دال المعتاد من جهة اقتصاد الحكاية ودهاء الإيقاع على مستوى البنية السردية عبر جمل قصيرة، واضحة، خادعة في بساطتها. فلا فائض لغوي. وكل تفصيل أولي بجري استعادته لاحقاً بوظيفة مقلقة. لنتأمل مثلاً اللافتة ورائحة البيت وأسماء النزلاء في الدفتر، طعم الشاي والرائحة، وحتى نبرة المضيفة، جميعها إشارات صغيرة تتحول تدريجياً إلى شبكة إنذار. يتجنب دال الإطالة الزائدة، ويوظف الحوار توظيفاً ذكياً لكشف مكنونات الشخصيات. تحمل كلمات العجوز معاني مزدوجة؛ فهي تصف الشبان بأنهم “لم يغادروا قط”، وتتحدث عن خلو جسد السيد تمبل من الشوائب. تبدو هذه العبارات بريئة في ظاهرها، وتحمل اعترافات صريحة بجرائمها في باطنها.

يمتاز إيقاع القصة بالبطء في البداية، ثم يتكثف على نحو خفي ما يجعل القارئ غير مدرك للانتقال من الأمان إلى الخطر إلا بعد التورط.

يبني دال الشخصية المركزية “صاحبة النزل” على مفارقة حادة: صوت دافىء ومظهر أمومي وسلوك مهذب مقابل جوهر قاتم، وهذا ما قصدناه بالرعب الخفي. الذي يكتمل بوصف المكان، فالمنزل دافىء ونظيف ومضياف ولكن في العمق يكمن التهديد، لأن الخطر يأتي من حيث يُفترض الأمان. والمفارقة هنا ليست جمالية فقط، بل نفسية، فنحن نميل إلى الثقة في “البيت”. ولكن النص يبرز التناقض الحاد بين ظاهر الأشياء وحقيقتها ويخفي هذا الغطاء المتقن حقيقة مظلمة؛  تتمثل في تحول السيدة صاحبة النزل إلى شرك محكم، مصيدة باردة الأعصاب تصطاد فرائسها بهدوء.

يمكن قراءة القصة كتشويه لصورة الأم التي تمنح الرعاية والطعام والدفء، لكنها في الوقت ذاته تسلب الإرادة والهُوية، القتل هنا أحد اشكال “التملك”، والسيطرة الكاملة بتحويل “الأبناء” إلى “موضوع” ثابت لا يتغير لا يعتريه التلف أو علامات الكبر.

يمكن فهم التحنيط هنا في مستوى أعمق من الفعل البيولوجي، أي بوصفه رغبة نفسية في تجميد الزمن وهوس الاحتفاظ بالأشياء الجميلة في حالة سكون أبدي.

لا يبدو بيلي غبياً، لكنه بسيطو يثق ما يراه. يقرأ الإشارات لكنه لا يربطها.

نكشف طريقة تفكير بيلي يكشف آلية ذهنية عامة تشير إلى ميلنا في تأويل الغرابة على نحو مريح، حين يفضل  العقل التفسير الأقل تهديداً، حتى لو كان خاطئاً، وها ما يجعل مصدر الخداع لأنفسنا يأتي من داخلنا أيضاً، حتى لو كان الخارج هو السبب المباشر له. وبيلي هنا نموذجاً للاندفاع وقلة الخبرة. حين تدفعه رغبته في تقليد رجال الأعمال الناجحين، وادعاء النضج، إلى تجاهل غريزته وتكذيب حواسه. يتذوق طعم اللوز المر (دليل على وجود سم السيانيد) في الشاي، ويشتم رائحة المستشفيات والمواد الحافظة التي تفوح من العجوز، لكنه يصر على إيجاد تبريرات منطقية تمنعه من الهرب.

يمثل البيت فضاءً مغلقاً، معزولاً عن العالم، وإذا كان الدخول إليه ليس سهلاً، فالخروج منه غير وارد على وجه التأكيد. والضيافة، التي يفترض أن تكون فعلاً أخلاقياً، تتحول إلى أداة اصطياد وعبور إلى الفخ بطقوس الابتسامة والمجاملة. حتى الدفتر الذي يحتوي أسماء النزلاء يشبه “سجل الأموات”، لكنه يتخفى بمظهر سجل “زوار” عادي، وحتى اللغة ذاتها تستخدم لإخفاء الحقيقة.

ما هو لافت عدم انتهاء القصة بانفجار أو مواجهة، وإنما بإدراك بطيء، شبه صامت.

سيفهم القارئ ما سيحدث حتى لو يصرح النص به. فالكاتب يُشرك القارئ في إدراك النهاية المحتومة قبل وعي البطل بها. تتوالى الإشارات المنذرة بالخطر تباعاً؛ بدءاً من السعر الزهيد غير المنطقي، ومروراً بغياب الضيوف والزوار، ووصولاً إلى تذكر “بيلي” لأسماء الضحايا من عناوين الصحف.

يثير هذا الأسلوب قلق القارئ، ويجعله شاهداً عاجزاً عن حماية البطل من السقوط في الفخ. وهنا نكمن استراتيجية السرد عند دال، فالرعب الحقيقي يتشكل في الفراغ، وفي ما لم يقل. وسوف تجبر هذه النهاية القارئ على إكمال الجريمة في خياله.

نشرت القصة في مجلة نيويوركر في العام 1959(https://www.newyorker.com/magazine/1959/11/28/the-landlady-fiction-roald-dahl)، وأُدرجت لاحقاً  ضمن مجموعة   Kiss Kiss في العام 1960، وتعكس هذه المجموعة جانباً من أسلوب دال القصصي، حيث تتكرر فيها ثيمة المفارقة القاسية، البدء بمواقف عادية ثم الانقلاب بهدوء إلى نهايات صادمة. وتضمين القصة في هذه المجموعة يعني انتماؤها  إلى المزاج العام لها الذي يتكون من  عالم مألوف ولغة بسيطة، ثم انحراف مفاجئ يكشف طبقة خفية من العنف أو الاختلال.

عملتُ في ترجمة النص على تمثله دون النقل الحرفي الأعمى، والحفاظ على الحس السردي الواضح. كما نقلتُ، قدر  الإمكان، الإيقاع ليكون قريباً من روح رولد دال في كثير من المواضع، خصوصاً في المقاطع التي تصف الجو الخارجي وبداية التوتر.

في الحقيقة، يكتب دال جمل نظيفة، شبه باردة. مع القليل من الطبقات البلاغية

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

النافذة المسدودة

أمبروز بيرس ترجمة محمود الصباغ في وقت ما من العام 1830، وعلى بعد بضعة أميال …