سيرة الخوف في فلسطين: من الفهم إلى فضّ الاشتباك

قد يبدو الخوف عاطفة طارئة، صافرة إنذار بيولوجية تعلن عن خطر وشيك ثم تنحسر. لكن في الحرب، وتحديدًا في التجربة الفلسطينية التي تمثّل “المختبر الوجودي” الأقسى في العصر الحديث، يتوقف الخوف عن كونه “حدثًا” ليصبح “كائنًا”. إنه ليس مجرد ردّ فعل على مظاهر التهديد كالقتل والقصف، بل هو المناخ الذي يتنفّسه الناس، واللغة التي يتحدث بها الجسد. في هذا المقال، لا نتناول “الخوف” بوصفه مجرد انفعال عابر، بل نغوص في عمق المفهوم، باعتباره ظاهرة وجودية، ذات أبعاد عميقة، نفسية وروحية، تعيد تشكيل هوية الإنسان تحت سياط الحرب والتهديد الدائم. إننا بصدد تشريح الحالة التي يتحول فيها الهلع من “عارض” إلى “بُنية”، ومن “شعور” إلى “وطن” بديل يسكنه الضحايا والمعتدون على حدّ سواء.

فلسطين: “الآن القَلِق”

الحرب، الاحتلال، التهديد الدائم للوجود في فلسطين، هي مظاهر تمثل في جوهرها “ميتافيزيقا الهدم”. حين تتصاعد مظاهر العنف لتصير حربًا شاملة، تصير الحرب الميدانَ الذي يرتطم فيه العدم بالوجود ارتطامًا عنيفًا. في هذا السياق، يبرز الخوف كخيط ناظم يربط الجسد المرتجف بالروح القلقة. في فلسطين، حيث تُمسي الأرض “مختبرًا للوجع”، لا يعود الخوف استجابة بيولوجية للنجاة، بل يتحول إلى “مناخ وجودي” يصبغ الزمان والمكان بلون الظلمة. إنه الخوف الذي لا يغادِر برحيل الجنود أو الصواريخ، بل يستوطن المسام، ويصبح جزءًا من الهوية السردية للإنسان.

في فلسطين، يتخذ الخوف حالة فريدة هي “الخوف المزمن” المرتبط بالاحتلال والحرب، اللذيْن يسرقان من الإنسان “المستقبل” عبر تفتيت الزمن واستباحة المكان. الزمن يصبح دائريًا ومحصورًا في “الآن القَلِق”. الفعل الفلسطيني المقاوم هنا هو “استعادة الزمن” عبر التخطيط لغدٍ، وبناء بيوت رغم احتمالية هدمها. على الصعيد المكاني، يتحول البيت، والشارع، والزقاق، والقرية، من “سكن وطمأنينة” إلى “مصيدة محتملة”. هذا الانزياح في مفهوم المكان يخلق حالة من “الاغتراب المكاني”، حيث يشعر الإنسان بالغربة لأن الخوف يجرّد المكان من أمانه.

أرسطو: ترويض الرعب

​​في المنظور الأرسطي، تتجلى الشجاعة لا كغيابٍ للرهبة، بل كـ “هندسة أخلاقية”  تقع في البرزخ الدقيق بين الإفراط في التقدّم والتفريط في الجبن، أي بين حدّة الجموح وعتمة الانكماش؛ فهي “توسّطٌ” واعٍ يدرك كنهَ المخاوف ولا ينفيها. فالشجاع الحق، في عُرف أرسطو، ليس ذلك “المجنون” الذي لا يستشعر زلزلة الأرض أو عصف الأمواج، بل هو الذي يرتجف كيانه أمام “أهول الأهوال”، وهو الموت، ومع ذلك يختار الصمود كفعلٍ أخلاقي ــ عقلاني.

إن جوهر الشجاعة الأرسطية يكمن في “العلّة الغائية”، حيث لا يكون الإقدام بدافع الاضطرار أو الخوف من العار، ولا بدافع الخبرة العسكرية التي قد تنهار أمام المفاجآت، ولا حتى بفعل فورة الغضب التي تشبه ثورة السباع؛ بل يكون الإقدام استجابةً لنداء “الجميل” (كل ما هو سامٍ ونبيل). وهنا تبرز تراجيديا الوجود: فكلما كان الإنسان أكثر سعادةً وأشد تمسكًا بقيمة حياته، كانت شجاعته أعظم وألمُ تضحياته أعمق، لأنه يدرك تمامًا حجم “الخيرات” التي يغادرها، لكنه يختار “الموت الجميل” في ساحة المعركة كأسمى تجلٍّ للفضيلة، محوّلًا الألم الجسدي إلى “تاجٍ روحي” يتجاوز حدود الفناء البيولوجي. وفي هذا المعنى، يصير فعلُ التضحية والاستشهاد في فلسطين صورةً معاصرةً للشجاعة الأرسطية، اختيارًا واعيًا للموت الجميل، وإقدامًا لا ينفي الموت بل يهذّبه، ووعيًا بالخسارة يتحول إلى انتصارٍ بالمعنى.

بين “دوار الحرية” وحتمية الموت

​حيث يقف أرسطو عند عتبة “الخوف” كاستجابة لمثير محدد، يقتحم سورين كيركغور منطقة أكثر عتمة ورحابة: منطقة “القلق”. في كتابه “مفهوم القلق”، لا يرى الفيلسوف الدنماركي في هذه الحالة مجرد انفعال طارئ، بل يقرأها بصفتها “بنية وجودية أولية” تسبق المعرفة والخطيئة معًا. فالقلق عنده ليس خوفًا من الموت أو من “شيء” بعينه، بل هو “دُوار الحرية”؛ ذلك الهلع الذي يصيب النفس وهي تقف وجهًا لوجه أمام هاوية احتمالاتها، حيث لا يدعم اختيار الإنسان أي سند سوى إرادته العارية.

​في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا “الدوار” بُعدًا تراجيديًا؛ فالقلق هنا ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو الوعي الحاد بحريةٍ مهددة بالاستلاب التام. إن الإنسان تحت وطأة الحرب لا يخاف الصاروخ والرصاص فحسب (خوف أرسطي  متعلق بموضوع محدد)، بل يعيش قلقًا يُثقل الوجود برمّته. لكن كيركغور يرى في هذا القلق مكمن الخلاص؛ فهو الباب الذي يطلّ منه الكائن على حقيقته قبل السقوط في اليأس. إن مقاومة الخوف في زمن الحرب تبدأ بالوعيِ بالقلق ثم محاولة امتلاكه، والاعترافِ بأن الإنسان يظل كائنًا حرًا يمتلك القدرة على الاختيار؛ فالقلق هو الضريبة الوجودية لكوننا أحرارًا، وهو الشرارة التي تحول الارتجاف إلى فعل مقاومة.

وإذا كان كيركغور قد انشغل بدوار الحرية، فإن مارتن هايدغر في “الكينونة والزمان” يضعنا أمام الحقيقة العارية: نحن “كائناتٌ نحو الموت”، فالموت هو الإمكانية التي تلازم الكينونة. في السِّلْم، نراوغ هذه الحقيقة ونواريها خلف روتين الحياة، أما في الحرب، فيسقط القناع؛ إذ يواجه الإنسان حتمية فنائه وجهًا لوجه. هذا الوعي الصادم بالعدم لا يشلّ الروح، بل يحررها؛ فهو الذي يدفع المرء ليخرج من “قطيع” التابعين ويستعيد “أصالته” الفردية. في الحالة الفلسطينية، يصبح “الوجود نحو الموت” نمط حياة؛ حيث يتم استرداد الوجود من براثن النسيان عبر المواجهة اليومية مع الفناء، ليصبح كل فعل صمود، وكل إصرار على البقاء، هو اختيارٌ حرٌّ ومسؤول أمام جلال النهاية.

نقوش الخوف وذاكرة الصدمة

​إذا كان الفلاسفة قد ناقشوا الخوف كـ “موقف”، فإن العلم الحديث يحاول شرحه كـ “احتلال بيولوجي”. في سياق الحرب والتهديد الوجودي المستمر، لا يعود الخوف مجرد رد فعل لحظي (كرّ وفرّ)، بل يتحول إلى “نقشٍ عصبي” دائم يعيد صياغة كيمياء الجسد.

يشير بيسيل فان دير كولك في كتابه المرجعي “الجسد لا ينسى” إلى أن الصدمات الناتجة عن أهوال الحرب لا تُخزّن كذكريات عادية، بل كاستجابات حسّية حركية في الجهاز العصبي اللاإرادي. في حالة الحرب الدائمة، تظل “اللوزة الدماغية” (مركز إنذار الخوف) في حالة استنفار كيميائي مزمن، مما يؤدي إلى تدفق مستمر لهرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين). هذا الاستنفار يحول الجسد إلى “قلعة محاصرة” تعجز عن الاسترخاء حتى في لحظات الهدوء، وهو ما يُعرف بـ “اليقظة المفرطة”.

أحد أكثر الحقول العلمية إثارة للجدل والبحث اليوم هو “علم فوق الجينات” (Epigenetics). تشير دراسات حديثة، لا تزال في طور الاستكشاف والتعمق، إلى أن أثر الخوف والتروما (الصدمة) قد ينتقل من الآباء إلى الأبناء عبر آليات جزيئية لا تغير شيفرة الـ (DNA) نفسها، بل تغير “طريقة تعبيرها”. الصدمات التي عاشها الأجداد في النكبات والحروب تُورّث للأحفاد كـ “تأهّب جيني” للخوف، مما يجعل الجماعة القومية تعيش في حالة “ترقّب كارثي” دائم، حتى في لحظات الهدوء النسبي. لكن لا بد من الإشارة إلى أن الأبحاث في هذا المجال لا تزال حديثة العهد وتواجه تحديات منهجية، إلا أنها تفتح أفقًا جديدًا لفهم كيف يخلّد الخوف نفسه في النسيج الحيوي للشعوب المقهورة.

الخوف في مرايا العارفين

بينما يُغرق علم النفس في فهم الخوف كشعور وفي تفكيك القلق كمرض، يقدم التصوف الإسلامي “علاجًا بالمعنى”. فالإنسان في الإسلام، يرتقي بجناحيْ الخوف والرجاء، يوازن بينهما بلا إفراط أو تفريط، فالاعتماد على الرجاء وحده ضلال وغرور، والإغراق في الخوف يأس وقنوط. غير أن التصوف لا يقف عند هذه الحقيقة فحسب، ذلك أن الخوف في السلوك إلى الله مقام “تطهيري” ينتهي بالحب الإلهي المتبادل بين الخالق والمخلوق.

ذهب العارفون إلى النظر في كنه الخوف، بوصفه “حركة القلب من جلال الرب”، فلم يروا فيه نقصًا، بل “سراجًا” و”سَوْطًا” يقود النفْس نحو كمالها. في أدبيات السلوك، يتحول الخوف من انفعال مرضي واضطراب وجداني إلى “انكسارٍ في الباطن يكسر الظاهر عن الانبساط” كما يصفه المحاسبي؛ هذا انكسارٌ لا يعني الهزيمة، بل يعني التواضع أمام عظمة الوجود

إن “الخوف الصوفي” هو “نارٌ في نور” بتعبير الواسطي؛ نارٌ تحرق شهوات النفس الزائفة لتكشف عن نور الحقيقة الكامن فيها. وهو ليس مجرد ترقب للعقوبة، بل هو “سلوك الأبطال” الذي يحرر الإنسان من الخوف من “الأغيار” (أي البشر والقوى المادية) ليصل إلى مقام “ألّا تخاف مع الله أحدًا”. في هذا السياق، يصبح الخوف “زمامًا” يربط العبد بخالقه، و”جندًا من جنود الله”، يستخرج من أعماق الإنسان طاقات الصمود التي قد لا يستخرجها الرجاء وحده.

في السياق الفلسطيني، يكتسب كلام العارفين بُعدًا عمليًا؛ فالخوف الذي يسكن القلب المتقي يتحول إلى “يقين”، والارتجاف الذي يبدأ بـ “قلق” ينتهي بـ “حزنٍ نبيل” يرفض الانحناء لغير الحق، فهو حزن يهذّب الروح ولا يكسرها. إن الخوف هنا هو “انعكاس ضياء أنوار الجلال على مرآة القلب”، حيث يدرك الإنسان أن سطوة الخالق تحميه من سطوة الخلق، وأن قلقه الوجودي هو في جوهره “اضطراب القلب مما عَلِم من سطوة المحبوب”، مما يحول الرعب من الموت إلى دهشة من اللقاء واستعدادٍ له، والضعف البشري إلى قوة روحية عابرة للزمان والمكان.

خوف “الليفياتان”: سيكولوجية الدول والجماعات القومية

​تخضع الدول والجماعات القومية لقوانين “الخوف المؤسسي” الذي وصفه توماس هوبز في كتابه “الليفياتان”.  والليفياتان في الأصل وحش بحري عملاق (ورد في سفر أيوب، وسفر المزامير) لا يقوى عليه بشر، استعاره هوبز ليرمز به إلى “الدولة” بصفتها قوة عظمى صانعة للنظام، يمنحها الأفراد ولاءهم المطلق هربًا من رعب الفوضى ورعب الكلّ ضد الكلّ.

غير أن بعض الكيانات تنشأ بالأصل من “رحم الخوف”، فتصبح هويتها قائمة على وجود “عدو خارجي” يهدد بقاءها. يوظف الخوف هنا كـ “أداة ضبط اجتماعي”. عندما تخاف الدولة ككيان، فإنها تشرعن العنف الاستباقي وتتحول إلى “وحش” يحاول التهام مصادر قلقه.

يضاف إلى ما سبق: خوف الجماعة من الذوبان؛ الجماعات القومية التي تعرضت لاضطهاد تاريخي تعيش ما يسمى “البارانويا الجمعية”. هنا يصبح الخوف هو “الغراء” الذي يربط أفراد الجماعة، لكنه أيضًا السجن الذي يمنعها من الانفتاح على “الآخر” أو حتى رؤيته كإنسان. في هذه الحالة، تصبح الحرب هي الوسيلة الوحيدة “للتطهّر” من الخوف عبر سحق الآخر الذي يمثل “مصدر التهديد المِرآتيّ”.

فضّ اشتباك الخوف

​كيف نهزم الخوف بدون أن نلغيه؟ إن المقاومة هنا ليست عسكرية أو ميدانية فحسب، بل هي “فعل معرفي” بالأصل؛ فالمعرفة أداة للتحرر، والخوف بدوره يتغذّى على المجهول. عندما يفهم الإنسان قوانين الصراع، وسيكولوجية عدوه، يتحول الخوف من “وحش غيبي” إلى “عقبة تقنية”. المعرفة تمنح الضحية “سلطة التفسير”، ومن يفسّر خوفه يمتلكه.

إن إصرار الأم على تعليم أطفالها تحت الأنقاض، أو إصرار الفنان على الرسم على بقايا الدمار، هو فعل “تعالٍ وجودي”. هؤلاء لا يتجاهلون الخوف، بل يمارسون “الاستخفاف به” لصالح المعنى. الحياة هنا تصبح “نقدًا عمليًا” للموت. يضاف إلى ذلك: التكاتف الجماعي؛ الخوف الفردي قاتل، لكن “الخوف المشترك” الذي يتحول إلى “تضامن” يصبح قوة دافعة. الجماعة التي تحول صراخها إلى “نشيد” هي جماعة استطاعت فكّ شيفرة الخوف وتحويله إلى وقود للصمود.

​إن الخوف في الحرب هو أشرس اختبار لمعنى “الإنسانية”. السلام الحقيقي ليس مجرد صمت الرصاص والقصف، بل هو اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان جسده وزمانه من “استعمار الخوف”. يبقى الخوف هو “الظلّ” الذي يرافق الوجود، لكن في التجربة الفلسطينية وأمثالها من تجارب الصمود الأسطوري، نتعلم أن “الوعي بالخوف” هو أولى خطوات الحرية. فالحرّ لا يقتحم ميدان الاشتباك لأنه “لا يخاف”، بل لأنه يرفض أن يغدو وجودُه أرضًا تحتلها سلطة الرعب.

المصدر:https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/civilisation/2026/3/31/%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B4%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%83?fbclid=IwY2xjawQ-YcVleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeSBO65VWXaeCtUKjzWQ2mKV7w1erCszD3lDLMLhNQanypMI7QKvLdMtevGgI_aem_MXwZ7aIeHLFfasnT82weAA

عن مليحة مسلماني

شاهد أيضاً

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: حوار مع البروفيسور آفي شلايم

إعداد: تيسير أبو عودة وشهد دعباس ترجمة محمود الصباغ ملخّص في ظلّ الإبادة الجماعية الجارية …