أثير، وأنا أدرّس مساق الأدب الفلسطيني في جامعة النجاح الوطنية، أثير في بداية كل فصل دراسي السؤال التالي : ماذا نقصد حقا بالأدب الفلسطيني الحديث ؟ وأتبعه بسؤال ثان هو: من هو الأديب الفلسطيني؟ وغالبا ما احتاج إلى محاضرتين للإجابة عن هذا السؤال إجابة لا تشفي غليلي أو غليل الطلبة، وها أنا أختار هذا العنوان لأكتب فيه، لا لأنه الأفضل الذي أجيد فيه الكتابة، وإنما لأنه، لي ، مثل حتى للنحويين الذين ماتوا وفي أنفسهم شيء منها، حتى هذه التي حتحتت قلوبهم، فكان الله في عونهم.
وأتساءل عن بداية وجود أدب فلسطيني تساؤلي عن مكان هذا الأدب، تماما مثل سؤالي الذي أثرته، ابتداء ، عن الأديب الفلسطيني. وليس هذا بجديد، فقد خاض فيه، من قبل، الدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه “حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة…حتى النكبة” (1963)، وكتب عن “شخصية فلسطين الأدبية في التاريخ العربي”، وحدّد زمان دراسته، وبذلك أعطى جوابا للمتسائل عن زمكان الأدب الفلسطيني حتى عام 1948، العام الذي توقف الدارس عنده.
ولكنّ الأمر تعقد بعد النكبة تعقدا عجيبا غريبا تّعّقّد القضية الفلسطينية نفسها، وهكذا أصبحت إجابات الدكتور ياغي لا تشفي الغليل، فالفلسطينيون الذين عاشوا حتى عام 1948 في فلسطين الممتدة من النهر الى البحر، ومن رأس الناقورة حتى رفح، وجدوا أنفسهم وقد تفرقوا أيدي سبأ، وقد نجم عن هذا إشكالات عديدة سوف تتضح في سياق هذه الورقة.
ولكي يجيب المرء عن العنوان المقتـرح، عليه أن يسترشد ببعض من خاضوا في المعايير التي تحدد هوية أديب ما أو أدب ما. وهذا ما وقف عنده، ان لم تخني الذاكرة، (Manfred Fischer) الألماني في رسالة الدكتوراة التي أعدها ونشرها عام 1981، فقد ناقش المعايير وضرب أمثلة على الحيرة التي يجد الدارس نفسه أمامها وهو يدرس أدب (الالزاس واللورين) المنطقتين اللتين يكتب أدباؤهما باللغتين الألمانية والفرنسية، المنطقتين اللتين خضعتا تارة للسيطرة الألمانية وطورا للسيطرة الفرنسية. وما من شك في أن بعض أدباء هاتين المنطقتين
انحاز، وهو يكتب، لطرف ما فكرا وسياسةً.
ويجد المرء نفسه، عموما، أمام عدة قضايا، وهو يعالج إشكالية تحديد هوية الأديب والأدب ، هي :
– اللغة .
– الهوية السياسية.
– الموضوع .
– المكان .
– الفكر الذي يؤمن به الكاتب ويعتنقه ويدافع عنه.
وسوف أتناول ، وأنا أكتب عن فلسطينية الأدب والأديب، هذه النقاط بقدر من التفصيل، وسأضرب العديد من الأمثلة التي تؤيد معيارا ما أو تنقضه ، آملا أن يثري النقاش ما ورد في هذه الورقة، فلعلنا نتوصل معا إلى إجابات شافية وافية نطمئن إليها جميعا، ونعتمد عليها في أثناء معالجة العنوان المحّدد .
ولنبتدئ بفحص معيار المكان. اعتمد الدكتور ياغي، كما ذكرت ابتداء، هذا المعيار، ويبدو أنه وفق فيه لأن فلسطين، حتى عام النكبة، كانت موطن أبنائها كلهم، الكتاب منهم وغير الكتاب، الذين غادروها طوْعا لا قسراً، إما لاكمال تعليمهم أو لسبب آخر، ولكنهم ما أنهوا تعليمهم أو مهماتهم حتى عادوا ليواصلوا حياتهم وليسهموا، بدورهم، في الحركة الثقافية ونهوضها. وهكذا قرأنا، لكتاب عديدين، نصوصا كتبوها ونشروها في صحف بلادهم أساسا، قرأنا لخليل بيدس ولمحمد عزة دروزه ولمحمود سيف الدين الإيراني ولإبراهيم طوقان ولعبد الكريم الكرمي ولعبد الرحيم محمود ولنجاتي صدقي ولاسكندر الخوري البيتجالي ولإسحاق موسى الحسيني، كما قرأنا للبناني المولد وديع ألبستاني الذي أقام فترة في فلسطين ونشر ديوانا شعريا تحت عنوان “فلسطينيات” ، لانه كتب في الموضوع الفلسطيني.
ولما كانت النكبة فقد تفرق من بقي من هؤلاء على قيد الحياة في بلدان الشتات. أقام الكرمي في دمشق وصدقي في بيروت والإيراني في عمان، وأصبح المعيار المكاني، إذا اعتمدنا فلسطين وحدها جغرافيا، غير صالح لتحديد هوية فلسطينية الأدب والأديب، اللهم إلا إذا نظرنا إليها – أي إلى فلسطين – باعتبارها وطنا روحيا لا بقعة جغرافية ذات حدود بارزة معروفة. ونضيف، إلى ما سبق، أن عددا لا بأس به من الكتاب الذين يصنفون أنفسهم، الان، على أنهم كتاب فلسطينيون، ولدوا في مخيمات الشتات، أو بدأوا يكتبون وهم في أماكن بعيدة عن فلسطين. ولدت سميرة عزام في عكا، ولكنها نشرت نصوصها وهي في المنفى، ولم يتجاوز كنفاني، حين هاجر وعائلته، الثانية عشرة من عمره، ولما اشتد ساعده في الكتابة نشر قصصه في دمشق والكويت وبيروت . فأين يدرج أدب هذين، إذا اعتمدنا المكان معيارا وحيدا؟
ويرتبط الحديث عن المعيار المكاني بالحديث عن المعيار السياسي. لقد ألحقت الضفة الغربية بعد 1948 بالأردن لتصبح جزءا من المملكة الأردنية، وتبع قطاع غزة، إداريا، مصر، وأصبحت فلسطين في جزئها المحتل، دولة إسرائيل، ولم يعد هناك، باستثناء وثيقة السفر التي حصل عليها أبناء قطاع غزة والمهاجرون إلى سورية ولبنان، ما يدلل على هوية سياسية فلسطينية. واعتمادا على هذا المعيار الظاهري الشكلي لا يتجاوز الأدباء الفلسطينيون عدد أصابع اليدين، ولن نجد أدباء بارزين سوى قلة قليلة هم معين بسيسو وهارون هاشم رشيد من غزة، وغسان كنفاني وسميرة عزام ويوسف الخطيب في سوريا ولبنان، وبعض هؤلاء تحديدا حصل على جواز سفر البلد الذي أقام فيه. وسوف يخرج ، هنا، عن الإطار أولئك الأدباء الذين حملوا الجنسية الأردنية أو الإسرائيلية أو غيرهما. ولا أعتقد أن هذا المعيار معيار يصح اعتماده، وإن كانت ثمة إشكالات تنجم عن رفضه. فهناك أدباء ، ممن يحملون هذه الجنسية أو تلك، يعلنون صراحة عن انتمائهم السياسي، ويدينون بالولاء، سياسيا، لهذه الدولة أو تلك. وتبدو الأمور، الآن ، أوضح ما تكون لدى أدباء الداخل الذين نظر الدارسون في العالم العربي إليهم على أنهم كتاب مقاومة. لقد آخذ هؤلاء الأدباء يعلنون صراحة أنهم إسرائيليو الجنسية يستوي في ذلك من اعتبر، من قبل، اديب سلطة مثل محمود عباسي ومصطفى مرار، ومن هاجم هؤلاء واعتبر أديب مقاومة مثل سميح القاسم وحنا إبراهيم وإميل حبيبي…الخ. ويختلف عن هؤلاء الأدباء أولئك الذين يحملون جواز سفر صادرا عن دولة عربية، ولكنهم انتموا إلى م . ت. ف وسجنوا بسبب تأييدها والدفاع عن سياستها، أو غادروا البلد الذي يحملون جواز السفر الصادر عنه، مؤثرين الانضواء تحت لواء المنظمة والإقامة في أماكن وجودها، ابتداء من الأردن، مرورا ببيروت وتونس، وانتهاء بالعودة إلى أرض الوطن ليحملوا الهوية الفلسطينية. ويدرج إلى جانب هؤلاء، أدباء الضفة الغربية…. . وقطاع غزة ، وبخاصة الذين عاشوا في هاتين المنطقتين منذ عام 1967، وأعلنوا ، بدون مواربة، انتماءهم إلى الشعب الفلسطيني، فكتبوا من أجل إنجاز مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة استقلالا حقيقيا. وهنا يدرج المرء أسماء عديدة كثيرة منها أحمد دحبور ويحيى يخلف وغسان زقطان وزكريا محمد وغريب عسقلاني وزكي العيلة وأكرم هنية ومحمود شقير …الخ، ويقف المرء، أمام أسماء أخرى، موقف الحائر، وذلك أنها ما زالت تقيم في الأردن، وهي إبراهيم نصر الله ويوسف عبد العزيز وفخري صالح. لقد كتب هؤلاء أدبا في فلسطين وعنها، وأعلنوا ، في كتاباتهم، انحيازهم الواضح لها، ولكنهم يحملون الهوية الأردنية التي إذا ما اعتبرناها معيارا أدرجناهم ضمن الكتاب الأردنيين، وهو ما هم عليه ظاهريا، فهم أعضاء في رابطة الكتاب الأردنيين، ويشاركون في الحياة الثقافية الأردنية مشاركة فعالة.
وماذا إذا اعتمد المرء الموضوع معيارا. هل ينظر فقط إلى الكتابات التي كتبت في فلسطين على أنها أدب فلسطيني؟ وهل يعد الأديب الذي كتبها ، بغض النظر عن مكان ولادته وهويته السياسية، فلسطينيا؟
ثمة أدباء فلسطينيون لم يكتبوا بروح فلسطينية- إن جاز هذا التعبير. فأين ندرج أدب هؤلاء الذي ولد قسم منهم قبل عام 1948 ونشر كتاباته بعد العام نفسه في فلسطين نفسها؟ ومن هؤلاء محمود عباسي ومصطفى مرار في معظم ما كتباه في أكثر مراحل حياتهما، لأن الثاني ، في فترة قريبة، اخذ يكتب بطريقة مغايرة لما كان يكتبه في بداية حياته الأدبية.
وثمة أدباء عرب كتبوا في الموضوع الفلسطيني مثل أديب نحوي صاحب رواية “عرس فلسطيني”، وعيسى الناعوري ووديع البستاني ونزار قباني..الخ، وهوية هؤلاء السياسية سورية وأردنية ولبنانية، بحكم مولدهم، فهل نعتبرهم أدباء فلسطينيين؟
ونذهب إلى أبعد من ذلك لنرى كاتبا فرنسيا هو (جان جينيه) يكتب في فلسطين نصا من أجمل النصوص النثرية هو “أسير عاشق”. وقد زار جينيه قواعد الفدائيين في الأردن، كما زار مخيماتهم في لبنان، وتعاطف مع اللاجئين تعاطفا واضحا، فهل نعتبره أديبا فلسطينيا؟
ما من شك في أن المرء، هنا، يفضل أن يدرج كتابات هؤلاء تحت عنوان آخر هو “موضوع فلسطين في الأدبين العربي والعالمي”، وإن كان، اعتمادا على الموضوع وحده، يتساءل أيهما أكثر فلسطينية (جان جينيه) أم عطا الله منصور الذي كتب رواية “وبقيت سميرة” (1962)، وانحاز فيها – هكذا تقول روح الرواية – إلى حياة الإسرائيليين؟ لقد ولد الأول في فرنسا، خلافا للثاني الذي ولد في فلسطين ، ويخيل لقارئ نصيهما أن الأول فلسطيني والثاني إسرائيلي.
فإذا ما انتقلنا إلى المعيار اللغوي لتحديد هوية الأدب والأديب، وجدنا إشكالات عديدة. فليس ثمة لغة يكتب بها أهل فلسطين، ممن ولدوا فيها قبل عام 1948، ليورثوها إلى أبنائهم الذين عاشوا، فيما بعد ، بعيدا عن فلسطين. يتكلم الفلسطينيون العربية وبها يكتبون، وإذا ما اعتمدنا اللغة معيارا اعتبرناهم أدباء عربا يقيمون في إقليم تعرض للمأساة فأنتج أدبا ذا موصفات محددة كتبه أبناء ذلك الإقليم وأبناء غيره من المناطق العربية.
ونشير هنا إلى أبناء فلسطين الذين كتبوا بلغات أخرى غير العربية، مثل جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب روايته “صيادون في شارع ضيق” (1960) بالإنجليزية، وانطون شماس الذي كتب روايته (عربسك) (1986) بالعبرية، وإبراهيم الصوص الذي كتب روايته “بعيدا عن القدس” (1986) ونصوصا أخرى بالفرنسية. فإذا ما اعتمد الدارس اللغة معيارا وحيدا لتحديد هوية الأدب والأديب أدرج نصوص هؤلاء وأصحابها ضمن أدب اللغة التي كتبوا بها نصوصهم هذه، تحديدا. وهكذا يصبح جبرا أديبا عربيا وأديبا إنجليزيا في الوقت نفسه، على الرغم من أن نصه، مثل نصوص شماس والصوص، تمحور حول المأساة الفلسطينية. وسوف تدرس نصوص هؤلاء، حين يدرس الدارس أدبا ما معتمدا المعيار اللغوي، ضمن الآداب الإنجليزية والعبرية والفرنسية، وهو ما تمّ أصلا. لقد قمت مؤخرا بترجمة دراسة عن صورة العربي في الأدب الإسرائيلي المعاصر لدارسة ألمانية هي (Ute Bohmeier ) ، ونشرتها على صفحات ريدة الأيام في تشرين أول وتشرين ثان (1996) ، وقد لفت انتباهي فيها أنها درست رواية شماس باعتبارها جزءا من الأدب الإسرائيلي، وذلك لأن الرواية كتبت بالعبرية، ويبدو أن الكاتبة لم تعتمد المعيار السياسي وحده وحسب، وإلا لدرست سميح القاسم واميل حبيبي، وإنما اعتمدت المعيار اللغوي، ووجدتني مضطرا لاستبدال كلمة من العنوان بأخرى، ليصبح العنوان “في الأدب العبري المعاصر”. والكاتبة نفسها تشير، في أثناء مراجعتها لرسالة الدكتوراه التي أنجزتُها بالألمانية تحت عنوان ” صورة اليهود في الأدب الفلسطيني بين عامي 13-1987″ إلى أن سكان الضفة والقطاع هم الفلسطينيون الوحيدون غير المدجنين. (انظر : جريدة الأيام، 3/10/1996). ولم تختلف الدكتورة (انجليكا نويفرت) في دراستها قصيدة محمود درويش “عابرون في كلام عابر” . لقد رأت ان المخاطبين -بكسر الطاء- هم أهل الضفة الغربية وقطاع غزة. (نشرت دراستها عن القصيدة في مجلة Orient عام 1988 وقد نقلتها أنا إلى العربية، ولم تنشر الترجمة حتى الان).
ويبقى المعيار الأخير وهو الفكر الذي يعتنقه الكاتب ويؤمن به ويدافع عنه، وبناء عليه تبرز رؤيته للمشكلة الفلسطينية.
لقد تعددت رؤى الكتاب الفلسطينيين وأفكارهم، فمنهم من آمن بالفكر الإسلامي ومنهم من اعتنق الماركسية، ومنهم من تبنى الفكر القومي. وهكذا تعددت زاوية الرؤية وتعدد المنظور، وأصبحت فلسطين جزءا من عالم أوسع وأرحب. رأى الماركسيون في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وجها من وجوه الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية، وذهب القوميون إلى أنه صراع عربي- صهيوني، ونظروا إلى فلسطين على أنها جنوب سوريا، وقال المسلمون إن فلسطين جزء من الديار الإسلامية التي لا يقرر الفلسطينيون وحدهم أمر البت فيها وفي مصيرها.
واختلف الأمر حين بادرت م. ت. ف بأخذ زمام الأمر، ونادت، تبعا لذلك، بحق سكان فلسطين في الدفاع عن فلسطين، لأنها – أي م. ت. ف – رأت في الرؤى الأخرى ما لا يحقق طموحات الشعب الفلسطيني، وفي أصحابها أفرادا غير واقعيين. وانضوى كثير من الكتاب تحت راية المنظمة، وتبنوا الآراء السياسية آلتي رفعتها، وكتبوا أدبا يجسد تلك الآراء ويعكسها. ويمكن ، انطلاقا من هذا، إدراج الكاتب الفلسطيني الذي كتب انطلاقا من هذا، على أنه أديب فلسطيني، وربما شذ عنه ذلك الكاتب الذي أخذ ينظر إلى فلسطين على أنها الضفة والقطاع فقط.
اعتمادا على ما سبق يستطيع المرء أن يقول: إن أيا من المعايير الخمسة الآنفة الذكر لا تكفي وحدها لتحديد هوية فلسطينية الأدب والأديب. وأرى ، شخصيا، أن الأديب الفلسطيني هو الأديب الذي يلتزم بكتابة الحقيقة كاملة دون تزييف أو تزوير أو انحياز لرؤية فكرية أو مبدأ فكري يحرفه عن قول الحقيقة وكتابتها، وهو ما برز في نصوص بعض الماركسيين والقوميين والمسلمين.
والذي أقصده بقول الحقيقة يكمن في الكتابة عما جرى منذ عام 1882 وما نجم عنه من مآس ألمت بالشعب الفلسطيني في جميع المناطق، دون أدنى اعتبار للمصالحات السياسية أو القومية، المصالحات الآنية التي تفرضها على السياسي معطيات الواقع التي ما كانت، حتى الان، أبدا لصالحه. إن الأديب الفلسطيني هو الذي يكتب عن نكبات 48، 67، 70، 76، 82، 87 ، وهو الذي يكتب عن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وهو الذي يسمي القاتل قاتلا والسارق سارقا، وهو الذي يعكس آمال شعبه وآلامه بصدق تام.
وقد يرى بعض الدارسين في الأديب الفلسطيني ذلك الأديب الذي ولد على أرض فلسطين أو في أحد مخيماتها، أو لأبوين فلسطينيين، بغض النظر عن مواقفه السياسية والفكرية وعن اللغة التي يكتب فيها أو المكان الذي يقيم فيه، وأننا حين نصف أديبا بأنه فلسطيني فإنما نقصد الأدباء على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم؛ الوطني الملتزم وغير الملتزم، الشريف والخائن، المنتمي للوطن والمنتمي لمصالحه الفردية، الذي يكتب بالعربية والذي يكتب بأية لغة من اللغات الأخرى، وأننا حين نكتب عن أدب فلسطيني وأدباء فلسطينيين فإنما يجب أن نكتب عن هؤلاء كلهم، ويجب ألا نفعل ما فعله غسان كنفاني في كتابه الأدب الفلسطيني المقاوم بين عامي 48 و1968″. لقد أسقط الأدباء الفلسطينيين الذين لم يكتبوا أدبا مقاوما ولم يلتفت إلى أدبهم، وميز بين توفيق زياد ومحمود درويش واميل حبيبي وسميح القاسم..الخ وبين محمود عباسي ومصطفى مرار وآخرين هادنوا السلطة الإسرائيلية. وهكذا يكون الأدب الفلسطيني، انطلاقا من هذه الرؤية، أكبر من الأدب المقاوم وحده. ويأخذ المرء بها حين يكتب عن الأدب الفلسطيني لا عن فلسطينية الأدب والأديب، فليس هناك من شك في أن كاتبا ولد في فلسطين لأبوين عربيين وينحاز، في الوقت نفسه، للرؤية الإسرائيلية أو لغيرها من الرؤى التي لا تقول الحقيقة كاملة هو كاتب فلسطيني الأصل، ولكنى أدبه، من وجهة نظري، ليس أدبا ينتمي إلى فلسطين العدالة، كما أنه لا يعتبر فلسطيني الهوى أو أديبا فلسطينيا بالمعنى المجازي للكلمة لا المعنى الحرفي لها. فهل يمكن أن نضع محمود درويش وعطا الله منصور في سلة واحدة؟
ولعل النقاش حول هذه القضية، قضية فلسطينية الأدب والأديب، يثري هذه الكتابة ويعمقها ويوسع من آفاقها.
(1)
لتوضيح ذلك فسوف أختار ، ابتداء ، ثلاثة نصوص أدبية كتبت بين عامي (48/1967) ، لثلاثة أدباء عاشوا في المنفى. وقد أطلق الدارسون على الأدب الذي كتب، في حينه، في الشتات مصطلح أدب النكبة، وناقشوا خصائصه على صفحات مجلة “الأفق الجديد” التي صدرت في الستينيات من هذا القرن.
وتعود النصوص الثلاثة إلى عبد الكريم الكرمي(أبو سلمى) وماجد أبو شرار وغسان كنفاني، وتتراوح ما بين قصيدة وقصة قصيرة وأخرى طويلة. اخترت قصيدة “المشرد” من ديوان “المشرد” الذي صدرت طبعته الأولى عام (1953)، واخترت قصة ماجد “الخبز المر” التي نشرت عام (1959) قبل أن تصدر قصة كنفاني الطويلة “رجال في الشمس” التي نشرت عام (1963) وأدرجها الدارسون ضمن جنس الرواية، دون أن يميزوا ما بين الرواية والقصة الطويلة.
ويختلف عبد الكريم الكرمي عن ماجد وغسان في أنه ينتمي إلى جيل أدبي بدأ يكتب الأدب قبل عام (1948)، جيل توفي أو استشهد معظم أدبائه، في حين بدأ الاثنان الكتابة في الخمسينيات ، ولم يكونا، يوم كان أبو سلمى يكتب، قد ولدا.
ويلحظ قارئ نصوص هؤلاء الثلاثة التي كتبت في المرحلة نفسها أن أدب المنفى يكاد يتشابه من حيث الثنائيات التي عقد عليها تشابها كبيرا. ويعود ذلك، كما أرى، إلى تشابه التجربة التي مر بها معظم أدباء الخمسينيات ومنتصف الستينيات. ويستطيع المرء أن يذكر عناوين قصائد وقصص وروايات لكتاب آخرين لم تشذ الثنائيات التي عقدت عليها عن تلك التي نلحظها في النصوص الثلاثة الوارد ذكرها آنفا. وحتى فدوى طوقان التي عانت ما عانت بسبب تجربتها الشخصية التي أوضحتها في مذكراتها، وظلت نتيجة لها أسيرة منزلها وعزلتها وذاتها المدمرة، حتى فدوى التي كتبت عن هموم الذات وغربتها وضجرها واستلابها لم تشذ، في بعض قصائدها، عن النغمة العامة التي برزت في أدب تلك المرحلة. ولا يجد المرء، مثلا، في قصيدته “نداء الأرض” التي نشرتها في مجموعتها “وجدتها” نغمة مغايرة عن قصائد ديوان أبي سلمى “المشرد” .
ويمكن قول الشيء نفسه عن القاصة سميرة عزام هذه التي ركزت في كثير من قصصها على تصوير المرأة وهمومها ومعاناتها وما يلم بها في مجتمع أبوي. وسيجد قارئ قصصها في قصة “فلسطيني” وقصة “لأنه يحبهم” حضورا للموضوع الفلسطيني يتوازى وحضوره في نصوص كنفاني ذات النكهة الفلسطينية مثل “رجال في الشمس” و “أرض البرتقال الحزين” و “ما تبقى لكم”.
وتعتبر قصيدة “المشرد” نموذجا جيدا لتمثيل شعر الخمسينيات، ولا أبالغ إذا قلت إن النصوص الشعرية والنثرية التي كتبها الشعراء والقصاصون ليست سوى تنويع على الفكرة نفسها وتوسيع لها، أو كتابتها بأسلوب مختلف الشكل. وسوف يبرز هذا بوضوح، إذا ما قرأها المرء أولا، ثم وقف عند نصي ماجد وغسان المذكورين، وأمام نصوص أخرى كتبت في المرحلة نفسها، ثانيا.
تعقد القصيدة، أساسا ، على ثنائية محورية أساسية هي ثنائية الشتات والوطن، وتتفرع عنها ثنائيات أخرى أبرزها الآنا والآخر، هذه التي تنقسم بدورها إلى ثنائية الأنا اللاجئ والآخر العربي الحاكم، والى ثنائية الأنا العربي والآخر العدو، والثانية تنقسم بدورها، وهو ما يبدو في نصوص أخرى للشاعر، إلى العدو اليهودي والعدو البريطاني، تماما كما أن أنا اللاجئ تنقسم إلى أنا الباكي وأنا الحاث على التمرد الرافض للذل ولحياة المنفى.
وتقوم القصيدة، على صعيد الزمن، على ثنائية الحاضر والماضي؛ الحاضر البائس والماضي الذي يحن الشاعر إليه، كما لو أنه الجنة المفقودة، ويدعو، بناء على ذلك، إلى الثورة على الحاضر للتخلص من تبعاته: النفي والشتات والذل. وعلى الرغم من أن الماضي يبدو في النص عابرا، تماما كما يبدو في النصوص كلها، وأعني النصوص الثلاثة ، إلا أن له حضوره. انه الغائب الحاضر، الغائب المنشود في الوقت نفسه لأنه النقيض للحاضر الذي يلقي بثقله على المتكلم، الحاضر الذي يعيش اللاجئ تفاصيله الصعبة.
وسوف أختار من القصيدة الأبيات التالية التي تبرز فيها تلك الثنائيات المذكورة :
يا أخي !… أنت معي في كل درب فاحمل الجرح وسر جنبا لجنب
الوشــــاحات تعـــــرى زهــرهـــا بعدما كانت موشاة بِسُـــــحْبِ
يا رفاق الدهر ! هل شـــــــــردكم غـــدر عــــــــدو أم محــــب
زعمــــــاء دنســــــوا تاريخكــــم وملوك ! .. شــردوكم دون ذنب
دول تحـســــــبها شـــــــــرقية وإذا أمعنت فالحاكم غربــــي
يا فلسطين ! وكيف الملتقــــــى ؟ هل أرى بعد النوى أقدس ترب
عبـــق السؤدد فـــي ذراتــــــه وأناشيد الهوى في كل مهـــب
كفكف الدمع وســـــر في أفــــق حافل بالأمل الضاحك، رحب
وتقوم قصة “الخبز المر” التي يسردها نعيم عن أبي خميس صديقه في العمل، على الثنائية نفسها. يعمل الاثنان معا في منجم قرب الرصيفة، ويكدّان حتى يحصلا على قوت عيالهما، ويواصل أبو خميس الذي يعيل زوجته وخمس بنات العمل، على الرغم مما يلم به من مرض. إنه يريد ان يعلم بناته وأن يطعمهن، ولأن ودا ينشأ بينه وبين نعيم الذي يطمئن له، نجده يفيض بمكنون أسراره له، فيحدثه عن مرض زوجته وجشع الطبيب، ويقص عليه أحيانا شيئا عن ماضيه. وهكذا تبرز ثنائية الوطن – الشتات أو الماضي- الحاضر، تلك التي بدت واضحة في نص أبي سلمى.
يسرد نعيم ما يلي :
“حدثني عن كل دقائق حياته، عن يافا، عن بساتين البرتقال التي تشبه سماء خضراء مرشوقة بنجوم صفراء لامعة حيث تنتهي هذه السماء بأفق رملي أشقر فاتن، حدثني عن معمله الصغير الذي تركه هناك وترك معه شظايا قلبه الذي تفجر حزنا على ابنه البكر وهو يقضي هناك في سبيل بلده.
حدثني عن شقاء ما بعده شقاء عاشه بعد أن ترك يافا.. لقد عرفت معنى الجوع المجرم، وذقت طعم الذل المحرق، وصارعت لسعات البرد القارص، وعشت مرارة فقد الولد تلو
الولد.
حقا إن ثنائية الأنا والآخر العدو أو الآخر العربي الحاكم لا تبرز في هذه القصة، وإن برزت ثنائية العامل المظلوم والبرجوازي الجشع متمثلا في الطبيب، إلا أنها تبرز في قصص المجموعة. وهذا ما يبدو، على سبيل المثال، واضحا في قصة “أفاعي الماء” (1964) التي تصور، بإيجاز، أجواء القمع في عاصمة عربية. يخبرنا سارد القصة عن أخيه صخر الذي يموت في العاصمة، وينهي السارد القصة واصفا حالته التي ألمت به، وهو هناك، حيث ذهب للبحث عن أخيه :
“وأغادر الفندق وشمس المدينة لا زالت تلهث في طيات السحب، والمطر ينهمر بغزارة تغيظني.. وأشجار البساتين حول المدينة ما عادت تذكرني ببيارات ساحل بلدي المسروق.. بل تبدو في عيني عيدان مشانق والغيمات من فوقها أسراب غربان كثيفة، وأفاعي الماء لا زالت تتلوى بنذالة في وحل الشارع، والعربة المنهوكة لا يزال يركبها مخلوق ملفوف بحرام خلق أسود ترك أمر الجر والقيادة بحكم الموقف للحمار”.
وليس هناك من شك في أن العبارة الأخيرة ذات دلالة رمزية سرعان ما تتضح من خلال إمعان النظر في السياق، عدا أن القصة توضح تلك الثنائية المشار اليها، الثنائية التي بدت في نص أبي سلمى واضحة وضوحا لا يحتاج الى إبانة وإفصاح، فمقتل الأخ في عاصمة عربية هو ضرب من تشريد المحب وغدره، تماما كما أن أشجار البساتين في العاصمة بدت للسارد غريبة لا قريبة من بيارات ساحل بلده المسروق.
وتبدو ثنائية الأنا والآخر العدو بارزة في قصة “مكان البطل” (1960) التي أهداها إلى روح البطل إبراهيم أبو دية.
ولا تشذ قصة نجاتي صدقي من مجموعته “الشيوعي المليونير” “عنبر رقم 5” عن قصة ماجد. إنها تقوم على الثنائية نفسها وإن اختلفت التفاصيل وطبيعة الشخصيات وسلوكها في تعاملها مع الواقع.
وتتشابه قصة كنفاني الطويلة “رجال في الشمس” مع نصي أبي سلمى وأبي شرار. تجرى أحداث القصة التي نشرت عام (1963) في الخمسينيات، وتحديدا بعد عشر سنوات من الهجرة، أي في عام (1958). ويعاني شخوصها من وحشة المنفي وقسوته. هكذا تنقلب حياة أبي قيس رأسا على قدم، مما يضطره إلى التفكير في الهجرة إلى الكويت لعله يستطيع أن يوفر لعائلته حياة كريمة. ولكن الأمور لا تسير كما يشتهي. تعتور رحلته الصعاب، ويجد نفسه في الصحراء، وهناك يتذكر بلدته وأناسها، لتبدأ المقارنة بين ما هو عليه الان وما كان عليه في وطنه.
“في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئا سوى أن تنتظر .. لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها..”.
“أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرّت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟ ..”
“يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم !.. يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك ذو حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط .. يا الله أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه ؟ صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك.. ولكنك على أي حال بقيت هناك.. وبقيت هناك ! وفرت على نفسك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار..”
الموت في الوطن حظوة عند الله، والحياة في المنفى ذل ومسكنة وعار. والوطن يوفر لأبنائه الشجر والبيت والشباب، والمنفى يجعل المرء يعيش كالشحاذ، وهكذا يبدو الماضي مشرقا، خلافا للحاضر البائس الذي يفضله الموت.
تختلف أسباب هجرة أسعد ظاهريا عن تلك التي دفعت بأبي قيس، ولكنها ناجمة عن المأساة نفسها، المأساة التي نجمت عن الرحيل عن الوطن ومحاصرة النظام العربي للفلسطيني. ويبدو هذا واضحا أيضا في نص أبي سلمى. تكمن مشكلة أسعد في انه مطلوب للنظام، ولأنه لا يستطيع أن يظل مختفيا في عمان، يقرر الرحيل حتى لا يزج به، إن القي القبض عليه، في السجن. ولا يملك جواز سفر أو سمة مرور، وهو ، فوق ذلك، متآمر على الدولة.
وإذا ما أخذنا بالتفسير الرمزي للرواية، ووقفنا عند شخصية أبي الخيزران، رأينا كنفاني يعبر بوضوح عن تلك الثنائية التي ركز عليها أبو سلمى في أشعاره التي كتبها قبل النكبة وبعدها : الشعب المستعد للتضحية والأنظمة العبيد.
ولا يختلف السؤال الذي يرد على لسان أبي الخيزران في نص كنفاني “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” عما ورد في قصيدة الكرمي: “فاحمل الجرح وسر جنبا لجنب!”. ولا يعني الانتظار سوى الموت والهلاك، تماما كما أن البحث عن حل فردي سيؤول بصاحبه إلى موت محقق.
ومن المؤكد أن من يبحث في نصوص كنفاني بحثا جادا، من المؤكد أنه لا يعدم العثور على قصص يبدو فيها الموقف من الحكام والزعماء واضحا وضوحا تاما وضوحه في أشعار الكرمي. خذ مثلا قصة “درب إلى خائن” من مجموعة “المدفع” ، وستجد أن النظام فيها يقف حائلا أمام المناضل الذي أراد أن يصل إلى بلده اللد ليتخلص من أخيه الخائن. تماما كما أن المرء لا يعدم العثور على قصص صوّرت ما فعله (الآخر) بالفلسطينيين عام (1948)، وخذ مثلا على ذلك قصة “ثلاث أوراق من فلسطين” من مجموعة “أرض البرتقال الحزين”.
هل يصل المرء ، بناء على ذلك، إلى نتيجة مفادها أن الكتاب الذين كتبوا ، في حينه، ركزوا كلهم على تلك الثنائيات بالمقدار نفسه؟ وهل نلمس مثلا في قصص محمود شقير وفي أشعار عبد الرحيم عمر ما نلمسه في قصص كنفاني وأشعار الكرمي اللذين لم ينتميا ، كما انتمى الاخران ، في حينه، إلى الحزب الشيوعي.
تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى قراءة جديدة لنصوص شقير وعمر، وعلى ضوئها يستطيع المرء أن يصدر حكما أكثر اطمئنانا بخصوص أولئك الكتاب الذين صدروا في كتاباتهم عن أيديولوجية معنية. غير ان النغمة العامة لأدب النكبة هي تلك النغمة التي بدت في النصوص الثلاثة المعاينة جزئيا!!.
(2)
وأجدني الآن ، مضطرا للإجابة عن الاسئلة إجابة تعتمد على الذاكرة، فلم أقرأ، الآن، نصوص الاثنين قراءة مدقق لها ممعن فيها، على الرغم من أنني درست قصص شقير مرتين؛ مرة في جريدة الفجر، 13/7/1979 في نهاية السبعينيات ، وثانية في رسالة الماجستير التي أنجزتها عام 1982، وأصدرتها في كتاب عام 1993. ولن أقف عند هذين الكاتبين وحسب، إذ يمكن ضم معين بسيسو اليهما، فقد صدر هو الآخر، في نصوصه، عن الأيديولوجية نفسها،
أعني أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي الفلسطيني وواحدا من مؤسسيه.
كتب شقير قبل 1967 العديد من القصص القصيرة، وقد صدر عدد منها في مجموعة “خبز الآخرين” (1975). ولا تقول لنا المقدمة التي كتبها توفيق زياد ، بوضوح، إن كان شقير نفسه هو الذي اختار هذه القصص دون غيرها. يكتب زياد: “إن مجموعة “خبز الآخرين” التي بين أيديكم، هي الأولى التي تنشر في كتاب، وهي تضم جزءا فحسب من قصصه”.
وتتمحور أكثر قصص المجموعة حول الريف وعلاقته بالمدينة، ويقدم شقير فيها، كما تبين لنا القصص وكما يكتب عنها زياد” القرية الفلسطينية بطبيعتها الجميلة وآهلها الطيبين البسطاء الذين يكدحون بقسوة ويجوعون وهم يحلمون بحياة أفضل يسودها العدل والاكتفاء، وهو يعالج، بوعي، مسألة التناقضات الاجتماعية الأساسية : أغنياء القرية وفقرائها. إنك تحس أن القرية وناسها تحت جلده” (ص8) وتظهر لنا قصصه، في مجموعته هذه، ان الثنائيات التي تعقد عليها تختلف، الى حد كبير، عن تلك التي بدت في نصوص الكرمي وأبي شرار وكنفاني، وإن التقت بعض ثنائياتها ببعض ثنائيات تلك. تغيب في قصص شقير ثنائية المنفى والوطن، الثنائية الأساسية في نصوص المذكورة أسماؤهم، لتتصدر ثنائية اخرى بدت فرعية في نصوصهم، وثنائية قصص شقير هي المستغل – بكسر الغين – والمستغَل – بفتحها، أو هي ثنائية المدينة والقرية. ويتساءل المرء عن سبب هذا، فهل يكمن – أي السبب – في أن شقير لم يكن من اللاجئين الذين كان أبو سلمى وكنفاني منهم ؟ أم يكمن السبب في كونه – أي شقير- كان ينتمي الى الحزب الشيوعي، وبالتالي فقد كان تأثير الايديولوجية عليه تأثيرا واضحا؟ أم يعود الى السببين معا ؟
وأجدني ، هنا ، قبل أن أعالج نصا من نصوص شقير، مضطرا لأن أقف وقفة سريعة عند معين بسيسو. كان بسيسو، كما ذكرت، شيوعيا ولم يكن لاجئا ، ومع ذلك فسيعثر قاريء دواوينه الأولى، دواوينه التي كتبت في الخمسينيات والستينيات، على بروز متساو للثنائيات التي بدت في نصوص أبي سلمى وكنفاني وتلك التي ظهرت في “قصص شقير”، وان اختلفت ظاهريا مع الأخيرة. كتب بسيسو نصوصا أتى فيها على وصف حياة اللاجئين وما ألم بهم، ولكنه في الوقت نفسه عبر، بوضوح، عن ثنائية المستغِل والمستغَل، ووقف الى جانب الأولين وتعاطف معهم كما تعاطف معهم شقير ووقف الى جانبهم. حقا إن الاثنين اختلفا ظاهريا في هذا، ولكنه اختلاف جزئي فرضته البيئة الاجتماعية التي نما كل منهما فيها. نشأ شقير في قرية فلسطينية، وولد بسيسو في غزة وترعرع فيها، وكانت هذه – أي غزة- ذات بيئة اجتماعية مغايرة لتلك التي في قرى القدس. اكتظت غزة باللاجئين ، وأحيطت القدس بالريف. وقد يعثر المرء على خلاف آخر يتمثل في إصرار الشيوعيين في غزة على تأسيس حزب شيوعي فلسطيني مستقل عن الحزب الشيوعي المصري، واختلف عنهم شيوعيو الضفة الذين انضوى أكثرهم تحت لواء الحزب الشيوعي الأردني. ويمكن ، فوق هذا كله، أن نشير الى اختلاف النوع الأدبي الذي كتب فيه كل منهما : نظم بسيسو الشعر، وكتب شقير النثر.
وإذا ما أتى المرء على عبد الرحيم عمر الذي ولد في قرية جيوس، وأنفق معظم حياته في عمان، أدرك المرء أنه لا يختلف في هذا الجانب، على الأقل حتى عام 1967، عن شقير ، اختلافا جذريا. اصدر عبد الرحيم عمر، في الستينيات، ديوانه الشعري “أغنيات للصمت” (1963) ، وتوقف بعد ذلك عن نشر الشعر الى حين.
ويمكن ان يدرس المرء قصة “بقرة اليتامى” لشقير، وسيجد المرء أنها تبرز الثنائيات التي عقدت عليها قصص الكاتب المكتوبة قبل 1967. نصغي، في القصة، الى صوت السارد يقص قصة أبي اسماعيل ابن القرية الفقير الذي يذهب الى المدينة ليعمل فيها لدى عائلة غنية تمتلك بيتا له صديقة توكل العائلة أمر رعايتها اليه. وتحاول ربة الأسرة أن تستغله جنسيا، وعندما يجيبها بغباء إجابة تنزعج المرأة منها تطرده من عمله. ويوظف السارد في القصة قصة شعبية هي حكاية “بقرة اليتامى” التي يرويها الطفل اسماعيل رواية مخالفة لتلك التي يرويها الأب في النهاية.
ويلحظ قاريء القصة أن الثنائية المحورية التي تعقد عليها القصة هي ثنائية الريفي والمدني، الفقير والغني، الشاعر بالاضطهاد والضعف والشاعر بالقوة والثقة. ويمكن ان يدلل على هذا من خلال اقتباس أي مقطع من مقاطع القصة التي تفوح بها تلك الثنائيات . ولنأخذ بداية القصة:
“كانت أذناه متهدلتين وهو يجوس بفتور أرض الجنينة، وكان يقبض بوهن على أنبوب المطاط الطويل، والماء يتدفق في أنين منسربا تحت سيقان الورود الطرية.. وكان، بين
الفينة والأخرى، ينظر من زاوية عينه الى الشرفة : ربما تنام الان في سريرها كالبقرة الهولندية، فهي تظل نائمة حتى الضحى العالي .. وحينما تنهض، تطل عليه بجسدها الساخن، وتراقبه بشكل استفزازي، فما أن يتوانى حتى تنتهره بعنف، وتتهور في شتمه .. ومن ثم تتوعده :
– غصة تصيبك … سوف نطردك ” . (ص 27).
وتتكرر هذه في نهاية القصة أيضا. تنتهي القصة بالفقرة التالية : ” وفي ليل القرية … كانت الكلاب تنبح بحزن .. وكانت الأسرة تتحلق في وجوم فوق المصطبة.. وكان أبو اسماعيل يحكي بقرة اليتامى في لوعة .. وأولاده يصغون اليه في غرابة :
– كان لليتامى بقرة .. أمسكها الأغنياء وذبحوها وسلخوها .. و .. وقاطعه احد أطفاله بحماس:
– لا يا أبي .. حاولوا ان يمسكوها.. وتمنى اليتامى : يا رب لا تجعلهم يمسكونها.
وانتفض الأب :
– لا .. أمسكوها وذبحوها وسلخوها وأكلوها وناموا مبسوطين. وامتعض الاطفال.. وناموا يحلمون ببقرة ذات قرون صلبة كالرماح.. تعدو في جموع ثائر عبر الحقول .. بينما تندحر بعيدا من حولها الذئاب.. “.
ولقد اصبحت هذه الثنائية ، في مجموعة “الولد الفلسطيني” التي كتبها بعد عام 1967، ثنائية هامشية. وتصدرت مكانها ثنائيات اخرى هي الفلسطيني والاسرائيلي، المحتل والمحتل، الثورة واعداؤها، المنفى والوطن. ويعود السبب في ذلك الى أن شقير أصبح ضحية الواقع الجديد، فتشابه وأبا سلمى وكنفاني .
وماذا بشأن مجموعة عبد الرحيم عمر التي كتبها ما بين عامي 1959 و 1963؟
يعترف هو شخصيا، وذلك في مقدمة مجموعته الثانية التي نظمها بعد هزيمة 1967، بأنه كتب قصائد “أغنيات للصمت” يوم “كانت الكلمة المكتوبة تختنق في بحة الصمت، وكانت مجموعة المفارقات التي تجتاح حياتنا العربية تفرض نفسها على كل مجالات حياتنا وتدفع بها الى أقصى النهايتين المتقابلتين. فالفكر تقدمي أو رجعي ، وأنظمة الحكم ثورية أو عميلة، والأدب جديد أو مهتريء، ولم يكن هذا هو واقعنا الحقيقي”. ويقر بأنه وجد، ازاء هذا، أن الغناء للصمت اجدى، وكان، بالتالي، غناؤه احتجاجا على انقسام العالم العربي وغياب الحوار فيه، وذلك لأنه كان يزدحم بالمفكرين المتأكدين من كل شيء يتصل بآرائهم واحكامهم.
ومع ذلك، يلمس المرء أن عبد الرحيم عمر، في بعض قصائده ، اقترب الى حد ما من شعر النكبة، وإن كان هذا أقل قليل “أغنيات للصمت”. ويبدو واضحا في قصيدتي “عائدون يا تشرين” و “لمن تقرع الاجراس؟” وأهدى الأخيرة الى الأخوة الذين يعبرون بوابة مند لباوم في كل عيد ميلاد.
وتعكس قصيدته “الهزيمة” تلك المفارقات التي سادت الستينيات ، المفارقات التي أشار اليها الشاعر. ثمة صراع بين الماضي والحاضر، بين الفكر الرجعي والفكر التقدمي اللذين برزا جنبا الى جنب. وقد انحاز الشاعر الى الفكر التقدمي، وبذلك انحاز الى الحاضر. يقول :
“فأنا يا أصدقائي
أعشق الفرحة. لكن كؤوس العمر مرة
قد مضى عهد البطولة
وأبو زيد الهلالي ذاب خزيا من حصانه
وابن شداد توارى
عاد، لا عبلة في الحي ولا الحي فخور بطعانه
والخيول البلق ليست عربية
والكماة البله في أعرافها،
ما عرفوا معنى الرجولة
(يا لفرسان طواحين الهواء)
أصدقائي :
نحن إن غبنا عن الدنيا
تناسينا آسانا”. (الأعمال الكاملة، ص 40).
يبدو الماضي عديم الجدوى، ويبدو العيش فيه ضربا من التناسي ، تناسي الأسى الحاضر.
ويعيش عبد الرحيم عمر في لجوئه للصمت وغنائه له هذه الحالة، وينحاز – أراد ذلك بوعي منه أم بغير وعي – الى الماضي الذي أصبح، فيما أصبح هو عليه شخصيا، جزءا منه. لقد تعايش مع النظام الذي يعزز الماضي ويفخر به ويكرسه، النظام الذي حارب أصحاب الفكر التقدمي بلا هوادة .
يجمع معين بسيسو ما بين اولئك الادباء الذين كتبوا عن المنفى والوطن، الماضي والحاضر، واولئك الذين كتبوا عن المستغِل والمستغَل أساسا. لقد كان بسيسو فلسطينيا وأمميا بالدرجة نفسها وبالمقدار نفسه ايضا. حارب من اجل عودة اللاجئين الى بلادهم، وغنى من اجل مجتمع شيوعي، وظل وفيا، حتى مماته ، لحق الفلسطينيين ببلادهم وللشيوعية. ولم يلجأ الى الصمت من اجل أن يحيا حياة هادئة أو من أجل ان يحتج بطريقة سلبية فيغني للصمت. دفع معين من عمره بعض سنوات أنفقها في السجون المصرية دفاعا عن انتمائه للحزب، وقاد المظاهرات التي انطلقت في قطاع غزة رفضا لمشروع توطين اللاجئين في سيناء. وقد انعكست فلسطينيته وأمميته في اشعاره انعكاسا متوازيا. وتعتبر دواوينه خير شاهد على هذا، سواء تلك التي كتبت قبل عام 1967 أو تلك التي كتبت بعده، وإن برز الحس الفلسطيني في ديوان “الآن خذي جسدي كيسا من رمل” (1976) بروزا واضحا. أصدر بسيسو “المسافر” و “المعركة” و “حينما تمطر الأشجار” و “مارد من السنابل” و “الأردن على الصليب” و “فلسطين في القلب” و “الاشجار تموت واقفة”، وفيها غنى للشيوعيين في كل مكان، في مصر وفي الأردن وفي العراق وفي سوريا وفي موسكو، كما غنى لفلسطين وكتب عن حياة اللاجئين ومعاناتهم وحنينهم الى وطنهم الذي حن هو شخصيا اليه ، حتى أنه صدّر ديوانه “فلسطين في القلب” بمقطع ناظم حكمت المشهور:
“وضع الشاعر في الجنة
فصرخ قائلا :
آه يا وطني … “
لقد ذهب كنفاني في أثناء دراسته أدب المقاومة في فلسطين المحتلة عام 1948 الى أن ثمة أبعادا بارزة ظهرت في أشعار درويش والقاسم وزياد وراشد حسين، وهي التركيز على اهمية الكلمة والالتزام بها، والتعبير عن الهم الوطني والهم القومي والهم الانساني، ولذلك غنى هؤلاء للوطن وللثورات العربية والأممية. وقد كان أغلب هؤلاء الشعراء يساريين، مثل بسيسو نفسه، وليس غريبا ان يتشابه معهم، حتى ليستطيع المرء ان يقول انه الصوت الوحيد من بين أصوات المنفى الذي يتشابه شعره مع اشعارهم، مع فارق يتمثل في تركيزه على وصف حياة المنفيين المعذبين.
(3)
وسوف أقف ، الان ، عند بعض الكتاب الذين تأثروا بالفكر القومي وانضووا تحت لواء الأحزاب التي تبنته، وسأعالج نصا كتبه مؤلفه وهو يتربع على كرسي رئاسة تحرير صحيفة مصرية في فترة شهدت المد القومي وازدهار خطابه وانتشاره انتشارا لافتا للنظر، والنص هو “حفنة رمال” (1964) لناصر الدين النشاشيبي.
وأشير، ابتداء، إلى أن النشاشيبي ليس الكاتب الوحيد الذي انعكس الخطاب القومي في نصوصه، فثمة كتاب انتموا الى حزب البعث العربي، ومنهم كمال ناصر ويوسف الخطيب. ونظرا لتعذر الحصول على نصوص هذين الكاملة فسأشير اليهما معتمدا على بعض المراجع التي درس مؤلفوها نصوص الكاتبين.
يذهب الدكتور إحسان عباس في المقدمة التي صدر بها الأعمال الشعرية لكمال ناصر (بيروت، 1974) الى ان قضية فلسطين “والعروبة والوحدة والعودة صورة لشيء واحد، متألة في نفس الشاعر من اجله عاش وفي سبيله لقي مصرعه” (ص 8)، ويقف عند عنصر واحد ليتحدث عن صلته بالقضية، وهو عنصر الدين، ويرى ان كمال ناصر “لا يستطيع ان يفهم المسيحية إلا اذا انصهرت في بوتقة العروبة” (ص 9)، ولهذا يؤمن “أن مباديء الدين الصحيح هي تلك التي تخدم قضية العروبة” (ص9) ومن هنا كتب قصيدته “أنشودة الحقد” واتخذ فيها “جناحي نسر، وطار في أرجـاء الوطن العربي قطرا قطرا، يستنفر العرب للثورة على المغتصب” (ص9). ويتابع د. إحسان ومع ذلك فقد صح القول “إن الحق الفلسطيني، وهو النموذج الأعلى في سلم القيم، قد جعل كل قيمة اخرى دينية وأيديولوجية وسلوكية وغير ذلك ذات صفة نسبية مرهونة بمدى علاقتها بذلك النموذج الكبير” (ص 10). ويرى أن الهدفين الواضحين لدى كمال كانا استدعاء الحديث عن المطلب الفلسطيني الأول – أي العودة-، وعن المطلب العربي الشعبي الأول- أي الوحدة -.
ولئن كان معين بسيسو وفيا لفلسطينيته وأمميته ، فإن كمال ناصر كان وفيا لفلسطينيته وعروبته بالمقدار نفسه. لقد وقف من الغرب المسيحي المستبد موقف الرافض :
لست مني يا غرب فاحمل صليبك راعفا بالدماء واتبع ربيبــــك
لست مني فانزع شعار صلاتــــي حسبي العمر قد حملت ذنوبك
ووقف ، في المقابل، من الأنظمة العربية التابعة لهذا الغرب الموقف نفسه، ومن هنا، ومنذ انضمامه لحزب البعث ، بدأ صراعه مع خاله موسى ناصر الذي كان متمشيا مع سياسة المملكة الأردنية الهاشمية التي اختلف معها كمال. (حول ذلك انظر: محمد حمادة، كمال ناصر شاعرا ومناضلا، عكا، 1985).
ولا يختلف يوسف الخطيب، في هذين الجانبين، عنه. ولد الخطيب في دورا قضاء الخليل عام 1931، ودرس في دمشق ، والتحق ، هناك، بحزب البعث العربي الاشتراكي، وكتب الشعر ملتزما بالقضية الفلسطينية والعربية. ويعتبر “من خلال عقيدة العروبة والقومية التي تشربها مبكرا، … من خير الشعراء الذين غنوا آمال الأمة ووحدتها، … ولأن (دفء العروبة في شرايينه وملء دمه)، فقد ظل يؤمن أن فيها – أي في الوحدة – السند الوحيد لعودة الروح الى وطنه… ” (حول ذلك : انظر حسني محمود، شعر المقاومة الفلسطينية، دوره وواقعه، عمان 1984).
ويقول لنا كتابه النثري “عناصر هدامة : أطراف من النكبة في خمس لوحات قصصية” (1963) أنه وقف الموقف نفسه الذي وقفه كمال ناصر من نظام الحكم في الأردن. نصغي في اللوحة الأولى “التجربة والإيمان” (1955) الى صوت المدرس الذي أراد المشاركة في المقاومة ونسف قطار العدو الذي يمر بالقرب من قرية بتير، فاعتقلته كوكبة “من فرسان جيشنا الأردني”، نصغي اليه يرد على آمر الكوكبة الذي ملأ المكان بصراخه المجنون :
” لبيوتكم يا كلاب .. أتظنون انفسكم رجالا.. أين هو الرجل فيكم .. ألا توجد
حكومة تؤدبكم يا أنجاس” ، نصغي اليه يخاطب هذا الآمر :
” – عد الى أسيادك الانجليز.. واتركنا نعمل”.
وكان يمكن للمقدمة التي كتبها يوسف الخطيب لديوان الوطن المحتل، لو توفرت لي الان، أن تسعفنا أكثر في تبيان توجهه القومي الذي حكم من خلاله على شعر الأرض المحتلة في الستينيات .
ويستطيع المرء، على أية حال، أن يتبين، من خلال نص النشاشيبي، نغمة الخطاب القومي التي طغت في حينه. ولقد أشرت الى هذا في دراستي “صورة اليهود في الأدب الفلسطيني بين عامي 13-1987” (1991، 1992، 1993) حين درست نصه “حبات البرتقال”، ومما كتبته : “يكتب النشاشيبي مميزا بين اليهود والصهيونيين، ذاهبا الى أن الأولين هم ضحايا الحركة الصهيونية. وتتطابق وجهة نظرة هذه مع لهجة الخطاب العربي الذي ساد في الستينيات” ( ص 62). وأشرت في دراستي الى تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي، وهذا ما سأوضحه ايضا في هذه المقالة.
كتب النشاشيبي نصيه الروائيين وهو يعمل رئيسا لتحرير جريدة “الجمهورية” المصرية، وكان، بحكم موقعه، يعكس فيهما الخطاب الناصري، على الرغم من أن الزمن الروائي لنصيه يرتد الى فترة ما قبل الناصرية، فهو – أي الزمن الروائي- في “حبات البرتقال” (1964) يرتد الى ما قبل عام 1948، وهو في “حفنة رمال” (1966) يرتد الى عام 1948 ابتداء ويعود الى فترة 1941 أو قبلها بقليل. ولا يتمثل النشاشيبي تلك الفترة تمثلا تاما، فلم يعزل نفسه عن اللحظة التاريخية التي كتب نصيه فيها، ومن هنا فقد كانت رؤيته للأحداث التي جرت في الأربعينيات تعكس رؤية الستينيات وخطابها. (انظر : عادل الأسطه، اليهود في الأدب الفلسطيني بين عامي 13-1987، القدس، 1992، ص 62 وما بعدها).
كتب النشاشيبي “حفنة رمال” لتصور جانبا من المأساة، حتى يجري انتاجها ، في حينه، لحساب الشركة المصرية للانتاج السينمائي العالمي في القاهرة. وغلب على الرواية الطابع الدعائي، وبرزت فيها روح الانفعال بوضوح. وتتمحور الرواية حول “هناء الغزاوي” المرأة الفلسطينية التي كانت تعيش في قرية (النعاني) بالقرب من الرملة، وقد حكم عليها بالسجن المؤبد لأنها قتلت يهودا ثأرا لابنها ثابت الذي صرعه سكان مستوطنة (هاديف) القريبة من القرية المذكورة، وذلك لرفضه بيع أرضه لهم. وقد أنفقت هناء من محكوميتها سبع سنين، حتى إذا ما جاء شهر آيار 1948 وزحفت الجيوش العربية لتحرير فلسطين، التقى بها الضابط المصري عمران، وهي في سجن غزة، واستمع الى قصتها وقرأ اوراق ملفها من الفها الى يائها.
سوف أقتبس من الرواية بعض الفقرات التي تبرز لهجة الخطاب التي غلبت على كتابة النشاشيبي. تبدأ الرواية بما يلي :
” كان ذلك في منتصف شهر مايو عام 1948 ، في ذلك الأسبوع التاريخي من حياة الأرض المقدسة، الذي انتهى فيه عمر الانتداب البريطاني على فلسطين، فانتقلت به أرض الانبياء من عهد الى عهد، ومن شعب الى شعب… وكانت الثورة الدامية تجتاح البلاد بأسرها..
ثورة العرب على قرار التقسيم.. ضد الانجليز، وضد الصهيونية..
وثورة مضادة من الانجليز ومن الصهيونية ضد ثورة العرب … “
“… وهذه هي المدن العربية تسقط في يد العدو واحده بعد الأخرى”
” لقد حدد الانجليز منتصف ليلة 14 و 15 مايو موعدا لرحيلهم…
وحدد اليهود تلك الساعات، بالذات، موعدا لقيام دولتهم
وحدد العرب تلك الدقائق التاريخية، موعدا لدخول جيوشهم الى أرض فلسطين”…
وخلافا لمعظم الكتابات التي صدرت في الخمسينيات ، بعد النكبة مباشرة، ونشرت بعيدا عن القاهرة، الكتابات التي صورت الجيوش العربية سلبا وسخرت من الحكام العرب، نجد النشاشيبي يرسم صورة ايجابية للجيش المصري ولضباطه ويمجد المصريين تمجيدا كبيرا. يبدي الضابط المصري عمران تفهما كبيرا لقضية هناء الغزاوي، ويصغي اليها ويقرأ ملفاتها ويرى “الحقيقة كلها عندما كان كاتب السجن يقدم اليه نسخا عن تفاصيل محاكمة هناء، وشهادات الشهود، ومناقشة الدفاع، فإذا به لا يرى في تلك الوثائق قصة هناء الانسانة وحدها، بل إنه رأى فيها قصة بلد هناء… قصة فلسطين كلها.. “، وعليه يبحث الضابط عن حامد حفيد هناء، هذا الذي كان في بيت لحم يستعد ليقاوم العدو، وحين يعثر عليه يأخذه معه الى غزة ويمكنه من رؤية جدته التي تعود، لهول المفاجأة، الى طبيعتها. ولا يكتفي عمران بهذا، وإنما ينزع عن جسده بزته العسكرية الرسمية ويرتدي لباس الميدان، ويخاطب القائد المصري:
” – سيدي لقد استعملت اسمك في إصدار العفو عن سيدة فلسطينية سجينة في السجن المركزي بغزة، وأطلقت سراحها فهل تسامحني..”
وهنا يضحك القائد ويقول لعمران :
” – لقد جاءت قواتنا لكي تطلق سراح أرض فلسطين كلها يا عمران..”
ويقرر ان يلتحق بقوات المقاومة. ويفعل هذا .
وتنسجم هذه الصورة للقيادة المصرية والجيش المصري والصورة التي رسمها الفلسطينيون للقيادة المصرية وجيشها قبل هزيمة 1967. عقد الفلسطينيون الأمل بتحرير فلسطين على مصر عبد الناصر، ورسموا لجمال صورة ايجابية، وتعاطفوا معه وأيدوه ورأوا فيه وفي الجيش المصري المخلص. ومن يقارن الصورة التي بدت في أدب بداية الخمسينيات للحكام العرب بهذه الصورة يجد بونا شاسعا. كان الخطاب القومي في الستينيات، وتحديدا بعد عام 1956، الخطاب الأكثر حضورا، ورأى الفلسطينيون في الوحدة العربية التي نادى بها ناصر السبيل الى تحرير الوطن المغتصب. وليس غريبا أن نقرأ في ثنايا الرواية ما يركز على البعد القومي تركيزا كبيرا، تركيزا تضاءل أمامه البعد الوطني. ولتوضيح ذلك أكثر يمكن الوقوف عند تصوير النشاشيبي لشخصية سارة.
سارة هي فتاة لأب عربي وأم يهودية. أحب أبوها أمها وتزوجها يوم كان يسكن في الحي نفسه الذي كانت تقطن فيه، على الرغم من معارضة أهله لهذا الزواج. مات أبوها بعد سنوات قليلة من ولادتها، وانتقلت سارة مع أمها وأهل أمها الى حيفا، وذلك لأن أهل أبيها رفضوا الاعتراف بها. وقد الحقها خالها، لأنها تجيد العربية، بوظيفة لدى دائرة (الكيرن كيميت)، وهناك تستغلها الحركة الصهيونية وترسلها مع ثلاثة مستوطنين لاقناع ثابت ببيع أرضه لليهود، وتتعاطف سارة مع ثابت لأن الدم العربي يجري في عروقها، وتجازف بحياتها من اجل إنقاذه والحيلولة دون قتله ، ويدفع هذا اليهود الى تلفيق تهمه لها، ومع ذلك تبدي تعاطفها مع ثابت وتعرب عن تأييدها له وتظهر حبها له. ولا أريد أن استطرد أكثر، وإنما أريد أن أقتبس بعض الفقرات التي توضح ما أذهب اليه في هذه المقالة. تخاطب سارة ثابتا بما يلي :
” أرجو أن تسمعني جيدا .. وأن تثق بصحة كل كلمة أقولها لك .. إن الدم الذي يجري في عروقك هو نفس الدم الذي يجري في عروقي.. ” (ص 51)
ويخاطب اليهود سارة بالتالي :
“إذا حاولت بقية قطرات من الدم العربي الذي في عروقك إرغامك على خيانة قضية الشعب، فان الحل الوحيد الذي نراه هو أن نسفك تلك القطرات ونتخلص منها.. ” (ص 60)
ويصر ثابت على إنقاذ سارة ، لأنه فيها أسيرة ، وتصبح رمزا للوطن، ويغلي في عروقه الدم العربي، هذا الدم الذي يطلب منه إنقاذها، وثابت متأكد من أن سارة بقيت عربية، وأن هواها عربي وشعورها عربي ووطنيتها عربية. ( ص68).
وينعت السارد سكان فلسطين بعرب فلسطين (ص 21) ويصف ثابتا بأنه كان شجاعا، وأنه يعتز بتقاليده ويفخر بعروبته (ص 19)، ويكثر السارد من إلصاق صفة العربية بالمدن والقرى في فلسطين .
وعموما فان نقمة الرواية كلها تبرز انتماء النشاشيبي، في تلك الفترة، لقوميته، وخضوعه للخطاب القومي لا للخطاب الوطني الذي كان ضئيلا، ولم يكن النشاشيبي الوحيد من كتاب تلك الفترة الذي وقع تحت هذا. يخلص احمد دحبور في دراسته التي نشرها في مجلة الكرمل(عدد 45 / عام 1992) حول شعر الستينيات الى ما يلي :
“بعثرت لقمة العيش كثيرا من المثقفين الفلسطينيين في الخليج والمنافي العربية، وبما أن الشعر العربي الحديث كان يعبر، في محاور متعددة منه، عن نزعات وجودية وقومية وفلسفية، فلم يكن من السهل دائما ان تعرف جنسيته الشاعر من قصيدته ، وعندما نضيف الى ذلك عدم وضوح جغرافية الشاعر، بالمعنى الاجرائي المحدد لكلمة جغرافيا، فان الخصوصية الوطنية كثيرا ما كانت تندغم في الأصوات الشعرية العربية المشغولة بهموم قومية كبرى، كانت فلسطين بطبيعة الحال على رأس قائمتها، فمن سيحدد القصيدة الفلسطينية، وكيف؟ ” ( ص 167).
وبعد، فلعلني لم أكن مخطئا فيما كتبته حول فلسطينية الأدب والأديب
فلسطينية الأدب والأديب
[ نص الورقة التي ألقيت في جامعة بير زيت في ١٩٩٧]
Aljarmaq center Aljarmaq center