فن (الأبجرام) في الأدب العربي. أحمد مطر ولافتاته

هييء لي، وأنا أدرس في جامعة النجاح الوطنية، أن أشرف على اطروحة (ماجستير) يعدها الطالب الغزي كمال غنيم تحت عنوان “عناصر الابداع الفني في شعر أحمد مطر”. والشاعر ، كما يعرف قراؤه، عراقي الأصل، وهو معروف في العالم العربي جيدا، وقد عرفناه هنا، في فلسطين، يوم كانت أشعاره تنشر على صفحات جريدة “الميثاق” التي صدرت في القدس منذ منتصف آذار 1980. وقرأنا أشعاره كاملة من خلال صدورها في دواوين حملت العناوين “لافتات” و “لافتات 2” و “لافتات 3” و “لافتات 4” و “لافتات 5” و “ما أصعب الكلام” و “إني المشنوق أعلاه” و “العشاء الأخير لصاحب الجلالة إبليس الأول”.

وقد بذل كمال غنيم، في دراسته، جهدا يشكر عليه ويحسب له، إذ اتصل بالشاعر وحصل منه على معلومات عديدة متنوعة منها ما يخص شخص الشاعر، ومنها ما يتصل بالدراسات التي كتبت عنه؛ وهي دراسات لم نطلع عليها، هنا، لصدروها في الشتات. وحلل الدارس اشعار الشاعر تحليلا جيدا، معتمدا، ابتداء ، على كتاب “المفارقة” الذي ألفه د. سي. ميوميك، وأصدره ضمن سلسلة موسوعة المصطلح النقدي التي نقلها الى العربية الدكتور عبد الواحد لؤلؤة.

ولقد نبهت الدارس، وأنا أصحح مسودات الرسالة، الى فن (الابجرام) ، آملا أن يفيد، وهو يحلل أشعار الشاعر ويدرسها، منه ؛ ذلك أنني ، وأنا أقرأ دراسة عن هذا الفن للألماني (Otto Knorrich) نشرها في كتاب أعده وشارك فيه آخرون تحت عنوان “Formen “der literatur ” (Stuttgart 1981) ، وجدت أن قصائد مطر تدرج تحت هذا الشكل الأدبي. وقد أرسلت الدراسة الى كمال غنيم آملا أن يفيد من الملاحظات التي دونتها على النسخة بخط يدي أو من خلال مساعدة شخص يجيد الالمانية يترجم له النص، أو من خلال البحث عن دراسة عن هذا الفن بالعربية أو بالانجليزية. ويبدو أن الاساتذة في جامعاتنا، من المتخصصين في الأدب الانجليزي، لم يعرفوا عن هذا الفن الكثير، ولعلهم لم يلتفتوا اليه في اثناء دراستهم، اذ جل ما قالوه لي، حين سألتهم، أن ثمة تعريفا يمكن الرجوع اليه في معجم المصطلحات الادبية، وانهم لم يطلعوا على دراسات متخصصة تتناوله – أي فن (الابجرام). ولم يسعف معجم المصطلحات الادبية الذي أنجزه مجدي وهبة في التعريف بالابجرام، فما أورده عنه لم يتجاوز عبارة واحدة.

ولم يشر الدارس غنيم إلى (الأبجرام) إطلاقا، ولعله لم يجد من يساعده في قراءة النص الألماني من ناحية، ومن يطلعه، في غزة، على بعض المقالات عن هذا الفن في العربية أو الإنجليزية من ناحية ثانية. وكان غاب عن ذهني تلك المقدمة التي صدر بها الدكتور طه حسين كتابه “جنة الشوك” (1945) وتلك الدراسة التي أنجزها عن هذا الكتاب فخري قسطندي ونشرها في مجلة “فصول” المصرية (تموز وآب وآيلول 1983، العدد الخاص بالأدب المقارن، ج2 ، ص 81 وما بعدها، وعنوان الدراسة “فن الأبجراما عند طه حسين : دراسة في جنة الشوك).

ولما قرأت رسالة الطالب قراءة ثانية فوجئت أنه لم يشر، من قريب أو من بعيد، إلى فن (الأبجرام)، ودهشت لأن قارئي رسالته لم يذكروه بضرورة الالتفات إلى (الأبجرام) في أثناء دراسة شعر الشاعر. ولقد اتضح لي أن هذا الفن غير ذي حضور في أدبنا العربي المعاصر من ناحية، وأن ما أورده عنه مجدي وهبة لا يفي بالمطلوب ولا يسعف المسترشدين بمعجمه. وقد أعدت الرسالة إلى الطالب آملا أن يقرأ ما كتبه طه حسين وفخري قسطندي، وأن يقرأ ايضا ملخص دراسة (Otto Knorrich) الذي كتبته له. وكنت اكتشفت، وانا في بون، في صيف 1996، أن دارسي الادب العربي من الالمان لم يعرفوا عن هذا الفن في أثناء دراستهم الأدب العربي، فلقد التقيت طالبا ألمانيا يعد رسالة دكتوراة عن الأدب الإسلامي المعاصر وأخبرني، حين سألته إن كان قرأ أحمد مطر، أنه لم يسمع به، وأنه أيضا لم يسمع عن فن (الأبجرام)، وازدادت دهشتي حين سألت عن فن (الأبجرام) أستاذين فاضلين؛ أحدهما ألماني متخصص في الأدب العربي وثانيهما أردني متخصص في النقد العربي القديم، دون أن أتلقى منهما جوابا.

وتطلعنا المقدمة التي كتبها د. طه حسين على طبيعة فن (الأبجرام) من ناحية، وعلى حضوره في الأدب العربي من ناحية ثانية، ويقدم لنا الكاتب، في كتابه، نماذج منه في النثر لا في الشعر، على الرغم من أن الكاتب يقر بأن (الأبجرام) “نشأ منظوما لا منثورا” (ص9).

يذكر طه حسين خصائص (الأبجرام) ويراها على النحو التالي : إنه شعر قصير، وهو يمتاز “بالتأنق الشديد في اختيار ألفاظه بحيث يرتفع عن الألفاظ المبتذلة دون أن تبلغ رصانة اللفظ الذي يقصد إليه الشعراء الفحول في القصائد الكبرى، وإنما هو شيء بين ذلك لا يبتذل حتى يفهمه الناس جميعا فتزهد فيه الخاصة، ولا يرتفع حتى لا يفهمه إلا المثقفون الممتازون والذين يألفون لغة الفحول من الشعراء”، وأن يكون معناه أثرا من آثار العقل والارادة والقلب” ، و “أن المقطوعة منه أشبه شيء بالنصل المرهف الدقيق ذي الطرف الضئيل الحاد” و “أن من قوانينه الحرية المطلقة التي يتجاوز أصحابها حدود المألوف من السنن والعادات والتقاليد، والتي تدفع أصحابها إلى الافحاش في اللفظ وإلى الافحاش في المعنى …”.

‏ويعلل الدكتور خصيصة القصر التي يمتاز بها (الأبجرام) ، فيشير إلى مكان نشأته ومكان كتابته وإلى ضرورة القصر “ليكون سريع الانتقال، يسير الحفظ، كثير الدوارن على ألسنة الناس، يسير الاستجابة إذا دعاه المتحدث في بعض الحديث، أو الكاتب في بعض ما يكتب، أو المحاضر في بعض ما يحاضر، ثم ليكون مضحكا للسامعين والقارئين بما فيه من عناصر الخفة والحدة والمفاجأة ، ثم ليكون بالغ الأثر آخر الأمر في نفوس الأفراد والجماعات …” (ص 16)

ويلفت طه حسين الأنظار إلى نماذج من هذا الفن في الشعر العربي القديم هي تلك القصائد الساخرة التي نظمها في العصر العباسي كل من بشار وحماد ومطيع وأصحابهم في البصرة والكوفة وبغداد، وإن لم يدرجها دارسو الشعر تحت شكل (الأبجرام) لأنهم لم يعرفوا هذه المفردة أصلا.

وأرى شخصيا أن أحمد مطر هو أبرز شاعر عربي معاصر كتب قصائد تدرج تحت هذا الشكل الأدبي، وليس بالضرورة أن يكون قد درس فن (الأبجرام) أولا وكتب قصائده بناء على دراسته ثانيا.

وسوف أورد بعض خصائص هذا الفن، كما أوردها (Otto Knorrich) الألماني ، وسأشير إلى بعض الأمثلة التي ضربها من خلال اطلاعه على الأدب الألماني، لأبين، من ثم، بروز هذه الخصائص في شعر أحمد مطر من ناحية، ولأظهر أوجه التشابه بين تجربته وتجربة (غوتة) و (بريخت) اللذين أتى (Knorrich) على ذكرهما، من ناحية ثانية.

يذهب (Knorrich) إلى أن هذا الفن من أقدم الأجناس الأدبية التي عرفت، وأنه كان ذا حضور منذ آلاف السنين وما زال يعتنى به، وأنه – حسب أصله – يخص الأشكال القصصية القصيرة التي عرفت من قبل القرن الثامن قبل الميلاد، وأن الدارسين يحسبونه – حسب شروطه العامة – على الأشكال الشعرية القصيرة. وقد عده بعضهم مقطوعة قصيرة ساخرة كانت تكتب على شواهد القبور وعلى هدايا أعياد الميلاد وعلى التماثيل وعلى الرسوم التذكارية وعلى المذبح في الكنيسة، وقد رأى فيه دارسوه رمزا أو اشارة أو شعارا.

ويرى الدارس أن (الأبجرام) يمتاز بثلاث علامات هي :

أولا : يعتبر هذا الشكل – حسب أصله – قصيدة مناسبة غالبا ما تحتاج كتابتها إلى علاقات سياسية غير هادئة، وتوظف أساسا للخصومة مع الأعداء في المشهد الثقافي، وتتخذ الخصومة طابع الهجاء. لقد كتبها (غوتة) حين كان بعيدا عن ألمانيا، وتحديدا حين كان وحيدا ومجبرا على الإقامة في البندقية ينتظر دوقة (فايمر). وسماه (لسنج) الجنس الثقافي الأجمل، ولكن ليس الأنبل أو الأكثر إثارة. ويعتبر (برتولد بريخت) من أبرز كتابه في العصر الحديث، وقد كتبه يوم كان مقيما، في المنفى، في السويد وفنلندا، إبان حكم هتلر، وكان الوضع، لبريخت، يومها صعبا ومحبطا وقاتلا.

ثانيا : ينتظم هذا الفن أصلا أشخاصا وموضوعات. ويصبح، حين يعالج أشخاصا ، مهما من حيث هو سلاح في الخصومة الأدبية أو النزاع السياسي، ويوظف أيضا للتسديد نحو شخصيات كوميدية مثل البخيل أو الذي تخونه زوجته. وفيما يمس العلاقة المزدوجة بين الموضوع والدلالة، فقد رأى (Lessing) أن قصائد المعنى تنقسم إلى قسمين اولهما أنها تثير اهتمامنا حول موضوع، وثانيهما أنها تفتح أعيننا على الهدف.

ثالثا : يتسم هذا الشكل الأدبي بالقصر، ويعود السبب في ذلك إلى ضيق المساحة التي كان يكتب عليها ، وعليه فقد أصبح الاقتضاب ، فضيلة ومطلبا لهذا الجنس الأدبي.

وتضاف إلى الخصائص السابقة خصائص أخرى منها أنه يمتاز بالوحدة والاقتصاد

وأنه يقوم على الطرفة، وأنه يبنى على المفاجأة .

وقد توقف هذا الفن في العصر الوسيط، ولكنه نشط في عصر البعث، والمجالات التي يكتسب فيها أهمية خاصة هي فترة الثورات والانقلابات وفترات الاصلاح.

وأرى أن ما ذكر سابقا عن خصائص هذا الفن وعن ظروف ازدهاره يتطابق وشعر أحمد مطر والفترة التي يعيش فيها الشاعر. ثمة ظروف سياسية غير مستقرة في عالمنا العربي، وثمة خصومة لهذا الشاعر، في المشهد الثقافي، مع الشعراء العرب المعاصرين، والشاعر يعيش بعيدا عن العراق التي يختلف مع قيادتها، مثله مثل (بريخت) الذي اختلف و (هتلر)، وهو يكتبه في أشخاص، كما تنتظم أشعاره موضوعات معينة، وفوق هذا كله تمتاز لافتاته بالقصر، فمنها ما لا يتجاوز أربعة أسطر، الحجم الذي امتازت به قصائد (بريخت) التي كتبها في المنفى .

وإذا كان القصر قد فرض على هذا الشكل الأدبي بسبب ضيق المكان الذي منح للشاعر القديم، فإن المساحة الضيقة التي خصصت لأحمد مطر وهو يعمل في صحف الكويت قد أجبرته ، ابتداء، على كتابة لافتات قصيرة جدا. لقد خصص، للشاعر كما أعرف، مكانا ضيقا على الصفحة الأولى، وكان عليه أن يلتزم بهذه المساحة . ولنأخذ المقطع التالي من لافتات أحمد مطر الأولى لنرى مبلغ حجمها:

صرخت : لا

من شدة الالم

لكن صدى صوتي

خاف من الموت

فارتد لي : نعم (لافتات ا ، ص 14)

ولنقارن حجم القصيدة السابقة بحجم هذه القصيدة التي أوردها (Knorrich) في دراسته :

للتو فإن القصيدة الساخرة سهم

يصيب برأسه

للتو تكون سيفا

يصيب بحده

وهي أحيانا أيضا – هكذا أحبها اليونانيون –

لوحة صغيرة ، إشعاع مرسل

ليس للحرق وحسب، بل للاضاءة (ايضا)

وأحسب أن أحمد مطر قد اطلع على طبيعة هذا الفن، وهو ما يوضحه عنوان إحدى اللافتات “عزاء على بطاقة تهنئة” (لافتات 1، ص 134).

وجل لافتات الشاعر كتبت لتهجو الحاكم العربي. ولنأخذ اللافتة التالية :

كلب والينا المعظم

عضني، اليوم، ومات !

فدعاني حارس الأمن لأعدم

بعدما أثبت تقرير الوفاة

أن كلب السيد الوالي

تسمم . ” (لافتات 2، ص 12)

أو اللافتة التالية :

“قال أبي :

في أي قطر عربي

إن أعلن الذكي عن ذكائه

فهو غبي ” (لافتات 2، ص 76)

واللافتة هنا حكمة، إشارة، ويستطيع المرء أن يحفظها بسرعة وأن يستشهد بها في

المواطن التي تدعو للاستشهاد بها.

ويمكن أن نقف عند لافتة “عقوبة إبليس” لنرى كيف وظفها الشاعر لإظهار خصومته مع بعض الشعراء في المشهد الثقافي. تنص اللافتة :

طمأن إبليس خليلته :

لا تنزعجي يا باريس.

إن عذابي غير بئيس .

ماذا يفعل بي ربي في تلك الدار ؟

هل يدخلني ربي نارا ؟

أنا من نار !

هل يبلسني ؟

أنا إبليس !

قالت : دع عنك التدليس

أعرف أن هراءك هذا للتنفيس

هل يعجز ربك عن شيء ؟؟

ماذا لو علمك الذوق

وأعطاك براءة قديس

وحباك أرق احاسيس

ثم دعاك بلا إنذار..

أن تقرأ شعر أدونيس ؟

ويرى أحمد مطر، وهو الشاعر الواضح شعره، في قراءة اشعار أدونيس الغامضة لعنة أقسى من لعنة ابليس الابدية التي كتبها الله عليه حين خلقه من نار، خلافا للآخرين، وحين جعله إبليسا يلعن منذ البدء حتى المنتهى. ويدرك إبليس أنه يعاني أشد المعاناة، وأن ليس هناك عذاب اشد وأقسى مما نزل به، ولكن خليلته ترى أن هناك ما هو اشد وأقسى، وأن ثمة لعنة ألعن من تلك اللعنة التي نزلت به وهي قراءة شعر أدونيس. فقد يمنح الله الذوق لابليس وقد يعفو عنه ويعطيه براءة قديس ويمنحه أرق الأحاسيس، لا لكي يغفر له وإنما ليلعنه لعنة أشد، وهنا يتحقق عنصر المفاجأة – وهو من سمات (الأبجرام) – لتكون قراءة شعر أدونيس لعنة قاسية تفوق اللعنة الأولى .

وأرى أن كثيرا من خصائص فن (الأبجرام) تتوفر في قصائد أحمد مطر، وعليه فلا يعقل أن يدرس هذا الشاعر دون أن ترتبط قصائده بذكر فن (الأبجرام) ، سواء اطلع الشاعر على خصائص هذا الفن، أم لم يطلع عليها، وسواء أكتب اشعاره بناء على إدراك لخصائص فن القصيدة القصيرة الساخرة أم لم يكتبها اعتمادا عليها.

أحمد مطر في لافتاته الجديدة:

إمعان في جلد الذات

لافتات رقم 7 هي آخر ما صدر للشاعر العراقي المقيم في لندن، وكانت صدرت في عام 1999، وأعيدت طباعتها هنا في الأرض المحتلة، خلال الأشهر الأخيرة.

ويلحظ من يتابع حضور الأدب العربي في فلسطين أن الشاعر أديب من أبرز الأدباء العرب الذين يعتني بنتاجهم هنا، منذ بداية الثمانينات، بداية صعود اسم الشاعر في العالم العربي، وبخاصة في الكويت. ولعل ما يستحق أن يدرس، في أثناء دراسة الحركة الأدبية في فلسطين، هو الأسماء الأدبية العربية التي اهتم بها هنا على صعيد النشر وإعادة النشر، والتناول النقدي وإقبال القراء على أسماء أدبية بعينها دون غيرها، فمما لا شك فيه أن ثمة تأثيراً بارزاً للأدباء العرب المعتنى بهم بدا واضحاً في نصوصنا وعلى حركتنا الثقافية.

ويمكن هنا أن يشار إلى أبرز الأسماء الأدبية العربية التي كان لها حضور في فضائنا الثقافي منذ أوساط السبعينات. اهتمت دار نشر صلاح الدين بنشر روايات الأديب الجزائري الطاهر وطار والأديب المصري يوسف القعيد وقصص الأديب السوري زكريا تامر، واهتمت دار نشر الأسوار بهذه الأسماء أيضاً وبأسماء أخرى مثل الكاتب السوري ممدوح عدوان، وصورت دور نشر أخرى، بالإضافة إلى دار نشر صلاح الدين، أعمال الشاعر العراقي مظفر النواب. ولاحظنا في التسعينات الاهتمام بأعمال الشاعر أحمد مطر، حيث صدرت لافتاته كلها مصورة، كما لاحظنا الاهتمام بروايات الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي. وربما يذكر المرء أسماء أخرى كان لبعض نصوصها حضور مثل السوري سعد الله ونوس، والسوري أيضاً محمد الماغوط، وبخاصة كتابُه ” سأخون وطني الذي نشرت أكثر مقطوعاته على صفحات جريدة ” الشعب ” المقدسية.

وخلافاً لدور النشر الوطنية كانت بعض دور النشر التابعة لأحزاب إسرائيلية تهتم بكتابات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.

وكانت أعمال بعض هذه الأسماء تستقبل استقبالاً لافتاً، وذكر علي الخليلي في بعض مقالاته في ” الفجر ” أنّ مجموعة ” وتريات ليلية ” لمظفر النواب كانت، في بداية الثمانينات، الأكثر مبيعاً، حتى من أعمال الشهيد غسان كنفاني. وكنت قد أشرت إلى هذا في الفصل الأول من كتابي ” الصوت والصدى: مظفر النواب وحضوره في فلسطين”(1999).

ويعد أحمد مطر، الآن، مثالاً جيداً للأدباء العرب الذين يقبل القراء على اقتناء أعمالهم، وبخاصة ذوو الفكر الإسلامي. وكان أحد طلبة جامعة النجاح الوطنية، وهو الطالب الغزي كمال غنيم، قد أعدّ رسالة ماجستير حول هذا الشاعر، اهتمت بها دار مدبولي في القاهرة، ونشرتها، وقد أقبل عليها القراء، وكانت الرسالة من الكتب الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، قبل ثلاث سنوات.

لافتات7:

ربما يتساءل المرء، ابتداء، وهو يقرأ لافتات 7 إن كان الشاعر أضاف جديداً إلى لافتاته السابقة، وأظنني لا أبتعد عن الصواب حين أزعم أن شكل اللافتة في جديد أحمد مطر هو شكل اللافتة في لافتاته السابقة، وربما لا أغالي حين أقول: يلحظ المرء أن الشاعر يجدّ ويرهق نفسه في كتابة لافتة يراعي فيها ما كان يراعيه في لافتاته السابقة: التركيز على المحسنات البديعية، وإبراز عنصر المفارقة التي هي شكل من أشكال السخرية والهجاء، الهجاء الذي يطبع أشعار الشاعر بعامة.

وربما أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأقول: إنّ من يبحث عن الشاعرية في لافتات 7 فلن يعثر عليها، وبخاصة إذا كان من أنصار الشعر الذي يصدر عن الوجدان والقلب. إن إعمال العقل وإجهاد الذهن والبحث عن المحسنات البديعية من جناس وطباق وتلاعب بدلالة المفردات تجعل من لافتة أحمد مطر قصيدة صنعة. وربما يدرك الشاعر هذا، وربما يصدر عن هذا لأن قصده تأليب الجمهور على ذاته وعلى حكامه، وهجاء الواقع العربي الذي يبدو لأحمد مطر واقعاً أسود، بل وواقعاً أسود جداً، لدرجة يتعثر من يحاول إصلاحه.

نزعة جلد الذات:

ما لفت نظري وأنا أقرأ لافتات 7 هو نزعة جلد الذات، وهذه ليست بجديدة في الأدب العربي أو في لافتات أحمد مطر نفسه. وربما يتذكر قارئ الأدب العربي بروز هذه النزعة في بعض قصائد نزار قباني بعد هزيمة عام 1967، وربما يتذكر القارئ بروزها أيضاً في رواية عبد الرحمن منيف ” حين تركنا الجسر “(1976) التي لفتت انتباه الناقد اللبناني جورج طرابيشي فخصها بدراسـة ظهرت في كتابه ” رمزية المرأة في الرواية العربية ودراسات أخرى ” (1981)، بل وربما يتذكر المرء أيضاً ” وتريات ليلية ” لمظفر النواب، هذا الذي قال:

” أعترف الآن أمام الصحراء،

بأني متبذل وبذيء وحزين كهزيمتكم

يا شرفاء مهزومين!

ويا حكاماً مهزومين!

ويا جمهوراً مهزوماً! ما أوسخنا

ما أوسخنا! ما أوسخنا

ونكابر!!! ما أوسخنا

لا أسثني أحدا “

وإن كان النواب عاد واستثنى الذين قاتلوا، وهو ما يبدو في قصائده التي ظهرت في أعماله الكاملة، قصائده التي نظمها بعد كتابة هذه القصيدة، وبخاصة حين اقترب الشاعر من المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

ولا أريد أن أستطرد في الكتابة عن النزعة المازوخية في كتابات أدباء آخرين، لأنني أخص في هذه المقالة الشاعر أحمد مطر. وكما ذكرت، ابتداء فإنّ نزعة جلد الذات بدت في لافتات الشاعر السابقة، ومنها اللافتة التالية:

” قال أبي:

في أي قطر عربي

إن أعلن الذكي عن ذكائه

فهو غبي “

ويعثر المرء، وهو يقرأ لافتات 7، على لافتات مثل هذه، لافتات تنتقص من الذات العربية وتمعن في جلدها، حتى أنها لتذكرنا برواية عبد الرحمن منيف الوارد ذكرها. ولمن لم يقرأ رواية منيف أقتبس من كتاب جورج طرابيشي الذي أورد جردة بعبارات جلد الذات، أقتبس العبارات التالية:

” أنا إنســان ملعون ( ص7 ) – زكي ندواي هش كالقصب ( ص 9 ) – اسـمع يا زكي، يـا ذنب الأفعي ( ص 15 )… أنت عود المزابل يا زكي ( ص 16 ) – قلت لنفسي: انزل يا زكي… انزل كجرذ في الحفرة ( ص51 ) أيتها الأحزان اقتليني، أنا لست إلا كلباً ويجب أن أموت ( ص 67 ) يجب أن تموت يا زكي النداوي ضرباً بالأحذية ( ص 58 ) ” (ص20 و ص 21 من كتاب طرابيشي ).

سوف أتوقف الآن أمام خمس لافتات من لافتات أحمد مطر، وردت أربعٌ منها في لافتات 7 ونشرت الخامسة في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 31/5/2001، وقد حصلت على صورة منها من بعض المهتمين بالشاعر، لنلحظ كيف تبدو النزعة المازوخية/نزعة جلد الذات بارزة أفضل ما يكون.

عنوان اللافتة الأولى ” غليان “، وفيها نجد أنفسنا أمام متكلم لعله الشاعر نفسه وأمام موقد على النار تنفخ بخاراً هازئاً بأنا المتكلم وبنبله. يخاطب الموقد أنا المتكلم قائلاً له: قم إلى شغلك واتركني لشغلي، ثم يفصح الموقد عن كرامته، فهو لا يوضع على النار إلاّ بعد أن يوضع أكله في بطنه. وفوق ذلك يرغي الموقد من حر ناره، وإذا ما طال استعاره فإنه يزيد، ثم إنه يطفئ غله بالزفرات، ويخاطب الموقد أنا المتكلم:

” أيها الجاهل قل لي:

هل لديكم عربي واحد

يفعل مثلي؟! “( ص 40 ).

والعرب، من وجهة نظر الموقد، كما أنطقه أحمد مطر، لا يثورون ولا يغضبون، بل إنهم لا يغيرون المنكر بقلوبهم، وذلك أضعف الإيمان.

وأظن أن أحمد مطر لا يعبر عن الواقع العربي، ولا يشتم العرب على هذه الشاكلة، وكأنه أول من يفعل ذلك. قال مظفر: تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم فلا تهتز لكم رقبة، وقال راشد حسين: تشتهي الثورة لحظات غضب، وقال… وقال …، وأحمد مطر هنا يعيد أقوال هذين من خلال البحث عن صورة جديدة.ولعل الأهم من هذا هو: حقاً ألا يوجد عربي واحد يثور؟ سأؤجل الإجابة، فلافتات الشاعر تقول لنا ما أود قوله.

اللافتة الثانية عنوانها انتساب، ونصها:

” بعدما طارد الكلب

وأضناه التعب

وقف القط على الحائط

مفتول الشنب !

قال للفأرة: أجدادي أسود

قالت الفأرة: هل أنتم عرب ” ( ص 58 )

ووضع العرب في مرتبة الحيوانات، بل وتفضيل الحيوانات على العرب، لوحظ في قصائد مظفر وفي رواية منيف. العرب هنا، مثل القط، يفتخرون بأجدادهم، ولا يفتخرون بذاتهم الحالية، ومطر قرأ بيت الشعر:

ليس الفتى من يقول كان أبي إنّ الفتى من يقول ها أنذا

بل إنه وظفه في لافتة من لافتاته، ولكن الأنا لا تفخر بذاتها بل تنتقص منها (ما أنا إلاّ فراغ) (ص28 ) ( أنا غبي/وغبائي نفسه مثلي غبي ) (ص134).

وتشبه لافتة ” انتساب ” السابقة لافتةُ ” دلال”.هنا يَجري حوارٌ بين النملة والفيل، تطلب الأولى من الثاني طلبات عديدة فيسخر منها مستهزئاً بها، إذ كيف يطيع الفيل النملة الصغيرة، وهنا تخاطبه قائلة:

غيري أصغر … / لكن طَلَبَتْ أكثر مني

غيرك أكبـر … / لكن لَبّي وهو ذليـل

ويسألها الفيل عن الدليل على ذلك، فتجيب النملة:

” أكبر منك بلاد العرب

وأصغر مني إسرائيل “( ص 94/ ص 95 )

والفيل كبير حجماً، ولكن عليه أن يلبي طلب النملة، والبلدان العربية كثيرة وإسرائيل واحدة، وقد لبى العرب طلبها وهم أذلاء.

ولا يبتعد أحمد مطر في لافتة ” مذهب الرعاة ” كثيراً عن اللافتتين السابقتين. هنا يجري الحوار بين الراعي والكبش، ويشبه العرب بالقطيع، بل إنه يطلب من الكبش أن يرضى أن يكون ضمن قطيع عربي. لنقرأ اللافتة:

– الكبش تظلم للراعي: / ما دمت تفكر في بيعي / فلماذا ترفض إشباعي؟

– قـال له الراعـي: ما الداعي؟ / كل رعاة بلادي مثلي / وأنا لا أشـكو وأداعي. / إحسب نفسك ضمن قطيع / عربي وأنا الإقطاعي.

والعرب هنا قطيع غنم لا أكثر.

ولئن كانت الثورة الفلسطينية في انطلاقتها، وكذلك المقاومة اللبنانية، هي التي جعلت مظفر النواب يتراجع عن شتمه الجميع: لا أستثني أحداً، ودفعته لأن يقول: ولست أبريء إلاّ الذي يحمل البندقية قلباً ويطوي عليها شغافه، فإن انتفاضة الأقصى هي التي دفعت أحمد مطر لأن يكتب في 31/5/2001 لافتة عنوانها ” موجز الأنباء ” ويقول فيها:

” وفيات اليوم: / لا قَلَّ ولا زاد العدد / نفسُ من كانوا مساءً / الأمس / أو في صبح غد / مئتا مليون مَيْتِ /لا يزالون يسيرون / بعشرين بلد / المواليد: / سوى حزب الله أو حزب حماس / لم يلد في أمة العرب / ولم يولد أحد “.

وليس من شك في أنه ليس أول من يقول هذا. لقد سبقه محمود درويش في بعض نصوصه، وربما سبقه آخرون أيضاً مثل نزار قباني. كتب درويش في مديح الظل العالي: كم كنت وحدك يا ابن أمي، وكتب: عرب وباعوا روحهم / عرب وضاعوا. ويخيل إليّ أن الأدباء، ومنهم أحمد مطر، غالباً ما يلجأون إلى هذا في لحظات استرخاء الأمة وعدم تصديها إلى أعدائها، بل وغالباً ما تبرز نزعة جلد الذات في لحظات الهزائم.

30/11/2001

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

محمود شقير والقصة القصيرة الفلسطينية

يعتبر محمود شقير واحدا من أبرز كتاب قصتنا القصيرة الذين اخلصوا لهذا الفن وكادوا يقصرون …