تأليف إفرات بن زئيف
ترجمة محمود الصباغ
استهلال (عن هذه الترجمة)
سردية النكبة بين “برودة” الوثيقة و”حرارة” الذاكرة: قراءة في أنثروبولوجيا السقوط والصمت (قرية إجزم نموذجاً)
تكتسب هذه الدراسة المترجمة للباحثة الأنثروبولوجية الإسرائيلية إفرات بن زئيف Efrat Ben-Ze’ev أهميتها من منهجيتها المركبة؛ كمحاولة لتجسير الهوة بين جفاف الوثيقة العسكرية الإسرائيلية وحيوية الذاكرة الشفوية الفلسطينية. وهي بتركيزها على قرية إجزم (قضاء حيفا)، تقدم وثيقة إدانة نادرة -وإن بدت غير مكتملة- تعترف ضمناً بوقوع التطهير العرقي، والنهب الممنهج، ومنع العودة بقوة السلاح والقانون.
تنجح الباحثة عبر الانتقال في دراسة الحالة من “الماكرو” إلى “المايكرو” Micro-history ي تحويل الأرقام المجردة (أكثر من 400 قرية مهجرة) إلى قصة إنسانية ملموسة. وتكشف بالتركيز على “إجزم” عن تفاصيل دقيقة تغفلها بعض كتب التاريخ العامة، مثل: دور عائلة الماضي ونفوذها السياسي والاجتماعي. وبعض قصص البطولة الفردية أو المأساوية (كانتقام سائق الحافلة سعيد المدني، ومفاوضات شريف الماضي لإنقاذ الأسرى ). والديناميكيات الداخلية للقرية (العلاقة بين الفلاحين والقيادة، والجدل حول الاستعانة بجيش الإنقاذ).
تحتفظ الدراسة بقيمة توثيقية عالية تضم تفاصيل دقيقة للغاية، مثل توقيت الغارات الجوية وأنواع الطائرات(بايبر، داكوتا) وأسماء الأسرى، وحتى نصوص الرسائل المتبادلة بين الخاطفين والمفاوضين. ويمنح هذا المستوى من التفاصيل مصداقية عالية ويجعل من النص مرجعاً لتاريخ منطقة صغيرة (توصف في الأدبيات العسكرية الصهيونية بالمثلث الصغير، وتضم القرى الثلاث التي بقيت بعد سقوط كامل حيفا وقضاءها؛ وهي إجزم وجبع وعين غزال).
ولن يفوت القارىء وقوع الدراسة في فخ “الموضوعية الأكاديمية” المزعومة، إذ تظل محكومة بسقف الرواية الإسرائيلية، حتى وهي تحاول تفكيكها. فبينما تنجح في توثيق الديناميات الاجتماعية والمفاوضات، نراها تمر مرور الكرام على مفاصل دموية شكلت جوهر المأساة في “المثلث الصغير”. فهي تكاد تغفل -على سبيل المثال لا الحصر- الطبيعة الوحشية لعملية “شوتير”*، التي لم تكن مجرد “هجوم”، بل حملة ساحقة شاركت فيها ألوية النخبة(ألكسندروني، غولاني، وكرملي) مدعومة بالقصف الجوي وغيره، لكسر شوكة ثلاث قرى صمدت لأشهر وقطعت شريان المواصلات الرئيس للدولة الوليدة.
ونظراً لاعتماد الباحثة على الأرشيف الإسرائيلي كمادة توثيقية فقد أغفلت- ربما لطبيعة بحثها الذي يركز على “الذاكرة” أكثر من “التاريخ العسكري” جوانب جوهرية. فحين تنقل تفاصيل “مجازر الطريق” (كمين وادي الملح) تذكر باقتضاب أن “ما يقرب من ستين شخصاً قتلوا في طريقهم إلى عارة” نتيجة كمائن. ما غاب عن الكاتبة هنا هو أن الروايات الفلسطينية تصف هذا الحدث بأنه “مجزرة حقيقية” ومصيدة موت. لقد تعرضت قوافل اللاجئين العزل لقصف جوي ونيران رشاشات ثقيلة في منطقة مكشوفة (وادي الملح)، مما حول الانسحاب إلى “مقتلة”**.
تكشف قصة سقوط إجزم، عند قراءتها بتجرد، عن الجوهر الحقيقي لمشروع تأسيس الدولة؛ وهو أن “الإرهاب” لم تكن ممارسات هامشية بطريقة ما- لعصابات منفلتة، بل عقيدة عسكرية وسياسية ناظمة. فكان لـ “هندسة الرعب” دور يكاد يضاهي التفوق العسكري الذي تسبب في سقوط إجزم؛ حيث شكلت مجزرة الطنطورة المجاورة، التي لاحت ظلالها في الأفق-وقبلها مجزرة دير ياسين- “الرسالة” التي فهمها الأهالي جيداً: “الرحيل أو الموت”.
تأتي هذه الترجمة لتضع النص الأصلي تحت المجهر؛ فنحن نقرأ ما كتب، ونستحضر بوعينا ما حذف؛ من تدمير كامل لقريتي جبع وعين غزال لمحو أثرهما، إلى سرقة الموروث الثقافي والمكتبات الخاصة لعائلات إجزم العريقة (مثل آل ماضي). ومع ذلك، لا تكمن قيمتها في ما تقوله عن ماضي قرية إجزم فحسب، وإنما في المنهج الذي تقدمه لفهم النزاعات الجماعية، وطبيعة الذاكرة، والعلاقة بين التاريخ الرسمي والذاكرة الشعبية.
ونشير هنا أن المؤلفة إفرات بن زئيف باحثة إسرائيلية متخصصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ومن أبرز الوجوه الأكاديمية التي وظفت “الأنثروبولوجيا التاريخية” لتفكيك بنية الذاكرة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتركز أعمالها على كيفية تشكيل “المكان” و”الذاكرة” و”الصمت” للهويات السياسية. تنتمي بن زئييف للجيل الأكاديمي الذي يتحدى الرواية الصهيونية الرسمية باستخدام منهجيات أنثروبولوجية نقدية (لا تصنف عادة ضمن “المؤرخين الجدد”، ولكن قيمتها تكمن في مقاربتها الأنثروبولوجية النقدية “من الداخل” فهي لا تقف عند حدود “نقد النص” التاريخي، لكنها تنزل إلى الميدان لتستنطق الصمت والذاكرة.).
شاركت الباحثة في تحرير كتاب: “Shadows of War: A Social History of Silence in the Twentieth Century” (ظلال الحرب: تاريخ اجتماعي للصمت في القرن العشرين) (2010)، مع إيال بن آري وروث جينيو عن طرق “إسكات” الروايات المزعجة في الذاكرة الجماعية، وهو موضوع يتقاطع بقوة مع اهتمامها بتغييب الرواية الفلسطينية في السردية الإسرائيلية. كما تُعرف بأبحاثها حول “الخرائط الذهنية” (Mental Maps) التي تقارن فيها بين ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين وخرائط جنود “البلماح”.
نعتمد في ترجمة دراسة بن زئيف عن إجزم إلى الصيغة البحثية الأولى له، أي المقال المنشور عام 2002)***، وهي تختلف في بعض تفاصيلها وسياقاتها التحليلية عن المادة ضمن الفصل الرابع من كتابها المرجعي: “Remembering Palestine in 1948: Beyond National Narratives” (تذكر فلسطين في عام 1948: ما وراء السرديات الوطنية)، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج (2011).. ( عنوان الفصل “1948 من وجهة نظر محلية: قرية إجزم الفلسطينية”)
فبينما ركزت النسخة الأولية( الأصلية) بشكل مكثف على “الذاكرة الشفوية الصرفة” للاجئي إجزم، شهدت نسخة الكتاب تطوراً منهجياً أوسع؛ فأدخلت فيه مقارنات أرشيفية شملت وثائق الشرطة البريطانية وتقارير وحدات “البلماح”.
وتكمن قيمة الترجمة من نسخة الأطروحة في احتفاظها بـ “بكرية” الشهادة الفلسطينية وكثافتها الميدانية قبل إخضاعها لعمليات التحليل المقارن اللاحقة في الكتاب، مما يمنح القارئ العربي فرصة للاطلاع على المادة الخام للذاكرة كما سجلتها الباحثة في لقاءاتها الأولى مع أهالي القرية.
ركزت البحث الميداني لأطروحة الدكتوراه على عائلات قرية إجزم التي تهجرت عام 1948، وتحديداً من استقر منهم في منطقة جنين ومخيمها وبعض القرى المجاورة في الضفة الغربية. ومنهم عائلة “ماضي” (أسياد القرية سابقاً) وهم المجموعة الأبرز في دراستها فقد مثلت هذه العائلة وجاهة القرية، وامتلكت مساحات شاسعة من الأراضي والمباني الفاخرة (مثل “المضافة” الشهيرة).
استنطقت الباحثة بـ “تقنية أنثروبولوجيا المكان المهجر” ذاكرة هؤلاء وركزت عليه الطريقة التي استعادوا فيها فقدان “المكانة والسلطة” ناهيك عن بيوتهم وأراضيهم. وقارنت بين ذاكرة أفراد العائلة لمبانيهم و”قصورهم” في إجزم، وبين الواقع الحالي لها التي حولتها السلطات الإسرائيلية إلى متاحف أو كُنس، أو سكنها مهاجرون يهود، فرصدت اللحظات الدرامية لتهجير أهل إجزم في تموز 1948، وانتقال القرية من وظيفتها كمركز اجتماعي واقتصادي نابض إلى مكان مهجر يعاد استخدامه من قبل المستوطن.
كما استجوبت العشرات الفلاحين وأصحاب الحواكير العاملين في زراعة الزيتون والحبوب. واستخرجت من خلال محاورتهم “خرائط ذهنية” دقيقة.
وتعترف بذهولها من قدرة الفلاح البسيط على إعادة وصف شجرة زيتون معينة أو بئر ماء بدقة متناهية بعد مرور 50 عاماً، بينما لا تظهر هذه التفاصيل في الخرائط العسكرية. وتصف كيف خدعوا في أيام الحرب الأخيرة؛ حين قبل لهم أن المغادر مؤقتة (لأيام فقط) حتى ينتهي القصف، فتركوا خلفهم مفاتيح بيوتهم وأمتعتهم خلفهم.
وثمة فئة أخرى تعاملت معهم الباحثة وهم المقاتلون المحليون (المدافعون عن المثلث الصغير) فأجرت مقابلات مع رجال كانوا شباباً آنذاك ومنهم من حمل السلاح للدفاع عن القرية، ولاحظت-بالاستناد إلى روايتهم- كيف صمدت إجزم، وكيف أن سقوطها لم يكن بجهد عسكري بحت بقدر ما كان نتيجة للحصار الخانق ونفاد الذخيرة وتجاهل الجيوش العربية لنداءاتهم.
وقبل أن نختم ،هناك ملاحظة مهمة ينبغي الإشارة إليها، وهي الفرق بين المقالة والكتاب؛ إذ كان التركيز شبه الكلي في الأطروحة على الذاكرة الفلسطينية (أهل إجزم). أما في الكتاب، فقد أضافت “الروايات المقابلة” على نحو منهجي، فأدخلت شهادات لجنود “البلماح” الذين شاركوا في عملية “شوتير”. وأضافت تقارير من الشرطة البريطانية كانت تراقب الوضع في حيفا والكرمل آنذاك. بهدف وضع سردية أهل إجزم في مواجهة الروايات الأخرى لتكشف كيف يتم “تغييب” الحقيقة في الفجوات بين هذه الشهادات (تطلق على أصحاب هذه “حمَلة الذاكرة”Memory Carriers مما يضفي صفة “الأمانة” على روايتهم إزاء الأرشيف الورقي الرسمي).
كما طورت فصلاً كاملاً تتحدث فيه عن مفهوم “الخريطة الذهنيةMental Maps كمقابل لـ “الخريطة العسكرية” للمقارنة بين خريطة اللاجئ التي تمتاز بـ “الحميمية” والارتباط بالأرض والشجر. وخريطة الجندي التي تتعامل مع إجزم كـ “طوبوغرافيا عسكرية” (تلال، إحداثيات، زوايا رؤية). ولعل هذه الإضافة أصبحت فيما بعد من أشهر إسهاماتها الأكاديمية وجعلها موضع استشهاد دائم للسياقات المشابهة
بالإضافة إلى فضل آخر خصصته لشهادة النساء بما يعنيه هذا من تدوين لذاكرة المعيش والحياة اليومية في القرية، ولكن لهذا الفصل أهمية خاصة حيث تبين لها أن رواية النساء تختلف كماً ونوعاً عن “الرواية البطولية” للرجال، لما تحتويه من تفاصيل دقيقة عن “الرحيل الصعب” وفقدان الأطفال أثناء الهرب والرعب من القصف الجوي (الذي كان جديداً عليهم) وكيفية تدبير شؤون الأسرة في الأيام الأولى للجوء.
والخلاصة التي توصلت إليها أن “إجزم” في ذاكرة هؤلاء الناس ليست مجرد مكان ضائع، بل هي”نظام اجتماعي” كامل تحطم. فالعلاقات الطبقية بين (آل ماضي) والفلاحين انتقلت معهم إلى المخيم ولكن بأشكال مشوهة ومنكسرة.
كما استعارت في نسخة الكتاب مفاهيم من كتابها الآخر Shadows of War؛ مثل “أنثروبولوجيا الصمت” أو “الصمت الاجتماعي” Social Silence -وربما يمثل هذا جوهر تطويرها للأطروحة -فلم تعد تكتفي بما “يقال”، بل أصبحت تحلل “لماذا لا يُقال” بعض الأشياء. مثلاً: لماذا يصمت الجنود الإسرائيليون عن تفاصيل معينة في تهجير أهل إجزم؟ ولماذا يسكت الفلسطينيون عن بعض “الانكسارات” الداخلية؟ صمت الجنود وصمت الأهالي تدعوه الباحثة “الصمت النشط”؛ أي الصمت المتعمد لحماية الذات أو الرواية “الوطنية”. حيث يتجنب الرواة الحديث
واحتوى الكتاب أيضاً على مادة أخرى عن تحولات “المكان” بعد العام 1948 حول ما حلّ بقرية إجزم (تحولت قرية إجزم لمستعمرة “كيرم مهرال”). فحللت كيف جرى “أسرلة” المكان، وكيف يتفاعل الزوار الإسرائيليون اليوم مع أطلال إجزم دون معرفة تاريخها. وكيف تحولت مضافة آل الماضي إلى مرفق عام والمسجد إلى كنيس
لم تسقط إجزم وحدها. لقد كانت جزءً من صمود أسطوري لثلاث قرى هي إجزم، جبع، عين غزال. وإجزم كانت الأهم وسقوطها كان يعني انهيار المقاومة المنظمة في جنوب حيفا. وما يضاعف من أهمية هذه الترجمة، هو الندرة الشديدة لأي مراجعات أو قراءات نقدية تفصيلية لأعمال إفرات بن زئييف في الفضاء الثقافي والبحثي العربي؛ إذ تكتفي الإشارات العابرة بذكر اسمها ضمن قوائم المراجع الأجنبية دون خوض في منهجيتها الأنثروبولوجية الفريدة.
لذا، يأتي هذا الجهد ليكون، على حد علمنا، أول اشتباك نقدي مباشر ومترجم مع أطروحتها الأصلية، ونقطة انطلاق لسد ثغرة معرفية في فهم كيف يقرأ “الجيل الثاني” من الباحثين الإسرائيليين سردية النكبة من الداخل.
إن ما جرى في كل قرية وخربة وتل ووادي وبلدة ومدينة في فلسطين هو قطعة صغيرة في لوحة كبيرة ندعوها “النكبة”؛ بدءاً من الإرهاب العسكري والنفسي لكسر إرادة السكان، وصولاً إلى منع العودة وسن “قانون أملاك الغائبين” لشرعنة الإرهاب القانوني، أي السطو على الأرض والممتلكات في وضح النهار.
بهذا المعنى، لم تكن إجزم مجرد قرية احتلت، بل كانت مسرحاً لجريمة متكاملة الأركان، أُريد لها أن تكون عبرةً لمن تبقى، وحجر أساسٍ في دولة قامت -منذ لحظتها الأولى- على أنقاض الآخرين وأشلائهم.
ويبقى السؤال: هل يمكن لهذه الأبحاث أن تغير الوعي الإسرائيلي السائد؟ الواقع يشير إلى أن تأثيرها على الرأي العام الإسرائيلي لا يزال هامشياً، لكن قيمتها التاريخية والمعرفية لا تُنكر.
اعتمدت هذه المراجعة على المصادر التالية
Ben-Ze’ev, Efrat. (2002). “The Local Battle of 1948 in Palestine: The Arab-Israeli War of 1948 through the Experience of Individual Participants.” History and Memory, Vol. 14, No. 1/2, pp. 93-118. [Link to History and Memory via JSTOR]
Ben-Ze’ev, Efrat. (2000). Narratives of Exile: Palestinian Refugee Reflections on Three Villages: Tirat Haifa, Ijzim, and ‘Ain Hawd. D.Phil. Thesis, University of Oxford. [Official Record at Oxford University Research Archive]
Ben-Ze’ev, Efrat. (2011). Remembering Palestine in 1948: Beyond National Narratives. Cambridge: Cambridge University Press.
Ben-Ze’ev, E., Ben-Ari, E., & Ginio, R. (Eds.). (2010). Shadows of War: A Social History of Silence in the Twentieth Century. Cambridge: Cambridge University Press.
وليد الخالدي (1997). كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
الأرشيف الشفوي في موقع “فلسطين في الذاكرة”: صفحة قرية إجزم (للمقارنة بين الروايات الشفوية والصور التاريخية). https://www.palestineremembered.com/Haifa/Ijzim/index.html توجد شهادات مسجلة لناجين من إجزم وجبع يصفون كيف تحول طريق الانسحاب إلى “مجزرة” بفعل الكمائن والرشاشات.
……
*تعني كلمة “شوتير” שוטר الشرطي، وهي التسمية الإسرائيلية الرسمية للهجوم العسكري على قرية إجزم وقرى المثلث الصغير واختيار هذا الاسم لم يكن عشوائياً، بل مناورة سياسية وقانونية خبيثة من جانب القيادة الإسرائيلية آنذاك، للالتفاف على اتفاق الهدنة الثانية، لأن الهجوم وقع خلالها. وبموجب الاتفاق، كان على جميع الأطراف الالتزام بعدم القيام بأي عمليات عسكرية. وزعمت إسرائيل أن ما يحدث في إجزم ليس “حرباً”، بل هي “عملية شرطية” لفرض النظام والقانون ضد “متمردين” يغلقون الطريق الساحلي، بهدف إقناع المراقبين الدوليين بأنها تمارس “سيادة داخلية” وليس عدواناً عسكرياً، رغم أن القوات التي هاجمت إجزم كانت وحدات عسكرية نظامية (من لواء ألكسندروني وكرملي والبلماح) مدعومة بالطيران والمدفعية. تطور الكاتبة معنى الخديعة هنا لتنقلها إلى مستويات سوسيولوجية ونفسية أعلى حين تعتبر أن هذه التسمية أسهمت في “تخفيف” وطأة الحدث في السجلات الرسمية الإسرائيلية؛ فبدلاً من تسجيلها كمعركة طاحنة أدت لتهجير آلاف المدنيين، سُجلت كإجراء أمني لفتح الطرق.
**حاولت الكاتبة في كتابها اللاحق (2011) معالجة هذا القصور قليلاً عبر إضافة وثائق بريطانية، لكن يظل تركيزها على “الديناميكيات” أكثر من “النتائج الدموية”. فما كتبته عن مجزرة وادي الملح يميل إلى تبني لغة “النتائج العسكرية” (مثل عدد القتلى)، بينما يفترض السياق الحقيقي وصف الحدث كما هو؛ أي “مصيدة موت” و”إعدامات ميدانية”. بما يعيد الاعتبار للضحايا الذين غيبتهم “برودة” الوثيقة. وحتى حين تذكر العثور على “أربعين جثة” خلف المسجد وفي المدرسة، تقول: “من الواضح أنه لم يكن هناك وقت لدفن الموتى”. لكن المصادر الفلسطينية تشير إلى أن القوات الإسرائيلية قامت بـ إعدامات ميدانية للأسرى وللرجال الذين تخلفوا عن الركب، وأن هذه المقابر الجماعية (خاصة خلف المسجد) كانت نتيجة تصفيات فورية وليست لقتلى سقطوا أثناء المعركة وتركت جثثهم. الأرشيف الإسرائيلي نادراً ما يعترف بـ “الإعدام”، ويستخدم مصطلحات مثل “العثور على جثث”، ويبدو أن الكاتبة تبنت هذا الوصف. (للتوسع: انظر، وليد الخالدي “كي لا ننسى”)
*** نشرت المقالة في دورية (History and Memory) في العام وتعود الأطروحة للعام 2000\2001 (جامعة أكسفورد) بعنوان: “Narratives of Exile: Palestinian Refugee Reflections on Three Villages” سرديات المنفى: تأملات اللاجئين الفلسطينيين حول ثلاث قرى: طيرة حيفا، إجزم، وعين حوض.
…….
مقدمة
في صيف العام 1948، وبعد أكثر من ستة أشهر من المواجهات، سقطت قرية إجزم الفلسطينية بأيدي القوات الإسرائيلية، فاقتلع سكانها وتشردوا وتشتتوا في أنحاء الشرق الأوسط. وإجزم واحدة من قرابة 400 قرية وبلدة فلسطينية أُفرغت من سكانها خلال حرب العام 1948 في فلسطين. ويقدم الجمع بين المعلومات المستقاة من وثائق الجيش الإسرائيلي والروايات الشفوية للاجئين -التي جُمعت في إسرائيل والأردن والأراضي المحتلة في الضفة الغربية- صورة معقدة عن المقاومة المحلية والظروف الاجتماعية التي أثرت في النتائج النهائية. ونطرح -بموازاة السرد التاريخي للأحداث- حجتان رئيسيتان: تقابل الأولى الصورة الجزئية المصغرة (المايكرو) microcosmosللقرية بالصورة الكلية (الماكرو) macroللحرب. بينما تبرز الثانية فرادة وتأثير التاريخ الشفوي -وإسهامه- كمصدر يكشف عن جوانب كانت ستغيب لولاه [1].
أظهرت الأحداث التي وقعت في إجزم وما حولها في سهل الكرمل الساحلي أثناء حرب 1948 غموضاً كبيراً في مصطلحات تُعتبر واضحة على المستوى الكلي. فمصطلحات مثل “طُردوا” أو “فروا”، و”مفاوضات”، و”عملاء”، وحتى استخدام مصطلح “حرب”، تكتسب معان مرنة ومتحركة. وعلاوة على البحث التاريخي ومحاولة رسم معالم المعاني والهواجس والدوافع المحلية، تكشف روايات اللاجئين عن مفاهيم اجتماعية وأحداث ميزت حياة القرية والمجتمع الريفي الفلسطيني.[مصطلح “حرب 1948” يستخدمه المؤرخون الإسرائيليون، بينما يستخدم الفلسطينيون مصطلح “النكبة” للإشارة إلى الحدث-المترجم]
يعتمد هذا البحث على مصدرين رئيسين: الروايات والتوصيفات الشفوية للحرب التي سمعتها مباشرة من أهالي القرية الذين أصبحوا لاجئين (سواء من”الجزماويين” أهل البلد أنفسهم أو من سكان القرى المجاورة)، والوثائق الموجودة في أرشيف الجيش الإسرائيلي (IDFA) [2]. وتتضمن مواد الأرشيف تقارير الضباط عن الهجمات وسير المعارك، والتقديرات الاستخباراتية، وتقارير المخبرين، والوثائق العربية المُصادرة، واستجوابات الأسرى [3]، بالإضافة تحقيق اللجنة التابعة لأمم المتحدة الذي شمل استجواب الأهالي بعد وصولهم إلى خطوط الجيش العراقي. كما تشمل المصادر التكميلية لهذا البحث شهادات شفوية لجنود إسرائيليين شاركوا في القتال في إجزم والمنطقة المحيطة، ومواد من أرشيف الانتداب البريطاني وتقارير صحفية.
القاسم المشترك بين المصدرين الرئيسيين -روايات القرويين ووثائق الجيش- هو أنهما صادران عن أشخاص عاصروا أحداث الحرب؛ وهي في الغالب شهادات مباشرة. وغني عن القول إن الفارق بين المصادر الأرشيفية والروايات الشفوية للأهالي يكمن في أن الأخيرة هي انعكاسات أو تأملات تُروى بعد خمسين عاماً من “التذكر”. لكن حقيقة أنها انعكاسات لا تعني بالضرورة عدم موثوقيتها أو تشوهها(Thompson 1978; Samuel and Thompson 1990). وتنبني حجتي على عكس ذلك، فذكريات هذه المدة الزمنية المصيرية لا غنى عنها.
لقد حفظ الأهالي المنفيون العديد من “مشاهد” فريدة نقلت دون تنقيح لما حدث أثناء المرحلة الفوضوية للعام 1948. وتخلد الروايات الشفوية ذكرى شخصيات فاعلة معينة وتشرح-أو تفسر- دوافعها؛ فتخبرنا كيف ولماذا أقدم سائق الحافلة “الجزماوي” على الانتقام من اليهود، أو كيف حاول المحامي “الجزماوي” التوسط بين القرية واليهود. علاوة على ذلك، تصبح الديناميات الداخلية للقرية (مثل التوتر الطبقي، والتقسيم الجندري العمل بين الذكور والإناث، أو تفكك النسيج الاجتماعي المعتاد بسبب الاشتباكات المستمرة) عوامل مؤثرة ذات صلة في الصورة العامة لمرحلة الحرب.
وكما يشير صموئيل هاينز، فتقادم الزمن بين الأحداث وسردها “يحول التركيز نحو الداخل، وإلى المعنى واستجابة الذات: فلا يعود السؤال عمل حدث فقط، وإنما يتعداه إلى معنى ما حدث وكيف يؤثر على الفرد” (Hynes 1999: 208). وعليه، بدلاً من التعامل مع الذكريات بعين الريبة، ينبغي توظيفها كقوالب تظهر قضايا كانت -ولا تزال- ذات صلة بالأهالي (انظر Wachtel 1986, متوافقاً مع Halbwachs 1980).
في المقابل( وعلى نقيض تلك الرواية الشفوية)، ترسم وثائق الجيش حقائق محددة مثل طبيعة كل مواجهة أو اشتباك وموقعه وتاريخه وتوقيته، والمحاولات والوسائل المحددة التي استخدمها الإسرائيليون لاحتلال القرية. ومن هنا، يوفر الجمع بين المصدرين المتباينين -وثائق الجيش والروايات الشفوية- قصة متماسكة إلى حد بعيد، غنية بالفروق الدقيقة لأحداث عام 1948.
إجزم وموقعها
كانت إجزم قرية كبيرة ومزدهرة نسبياً تقع على تلة تبعد بضعة كيلومترات شرق طريق حيفا-يافا. في العام 1948، أجبر الجيش اليهودي سكانها البالغ عددهم 3000 نسمة على الفرار، إلى جانب حوالي 750,000 فلسطيني من سكان المدن والأرياف والبدو (Abu Lughod 1971: 161; Morris 1987: 298; Takkenberg 1997: 19). تُعد القرية، من الناحية التاريخية، مسقط رأس عائلة “الماضي” ذات النفوذ، التي حكمت منطقة ساحل حيفا كوسطاء للعثمانيين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر [4]. حافظ آل الماضي على مناصب سياسية رئيسة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين وامتلكوا مساحات واسعة جداً من الأراضي. وأُرسل بعض أفراد العائلة إلى الخارج للدراسة (خصوصاً إلى بيروت ودمشق)، وأقام وجهاء العائلة في مدينة حيفا القريبة وفي القرية في آن واحد.
كانت إجزم ثاني أكبر قرية في قضاء حيفا من حيث ملكية الأرض والسكان (تأتي في المرتبة الثانية بعد طيرة حيفا) [5]. وبالإضافة إلى الأهمية التاريخية للقرية وتركيبتها الاجتماعية الخاصة، اختيرت إجزم كدراسة حالة نظراً لوفرة الوثائق المتعلقة بها والمحفوظة في أرشيف الجيش الإسرائيلي (IDFA).
كان سهل الكرمل الساحلي، الممتد من قيسارية جنوباً إلى حيفا شمالاً، مكتظاً بالسكان وشهد نمواً سريعاً في أواخر الحكم العثماني وبداية الانتداب. واستثمرت الحكومة البريطانية في المنطقة، فنفذت مشاريع مثل تعبيد الطريق الساحلي عند سفح جبل الكرمل (أُنجز في منتصف الثلاثينيات)، وإنشاء صناعة الملح في عتليت وتعميق ميناء حيفا، وإقامة معسكرات الجيش ومراكز الشرطة والسجون. ووفرت جميع هذه المشاريع فرص عمل للسكان المحليين. وكانت حيفا، التي تبعد 25 كيلومتراً شمال إجزم، المركز الحضري للقضاء. وخلال الانتداب ازداد عدد سكانها بسرعة، من 24,640 نسمة في العام 1922 إلى 128,800 في العام 1944 [6]. وجاء الرخاء الاقتصادي مقروناً بسيطرة أمنية مشددة، لا سيما بعد الثورة العربية (1936-1939)، حين حظر البريطانيون حيازة أي سلاح، وطبقوا هذه السياسة بصرامة في الوسط العربي.
احتل الجيش اليهودي حيفا في 21-22 نيسان 1948، عقب انسحاب البريطانيين من أجزاء من المدينة وتمركزهم في معسكرات غادروها نهائياً بعد بضعة أشهر. غادرت الغالبية العظمى من سكان حيفا العرب، البالغ عددهم 60,000 نسمة، المدينة على عجل عبر الميناء فور سقوطها في أيدي اليهود، فنزلوا أولاً في عكا، عند الطرف الشمالي لخليج حيفا، ثم تابعوا طريقهم لاحقاً إلى لبنان [7]. وكان لتفاقم العنف في المدينة بين الفريقين مجزرة دير ياسين التي ارتكبها اليهود ضد العرب قبل عشرة أيام -من سقوط المدينة- أثر بالغ في هذا النزوح الجماعي.
صمدت العديد من قرى قضاء الكرمل لثلاثة أشهر بعد سقوط حيفا. قاتلت إجزم وجارتاها، جبع وعين غزال (اللتان كان يقطنهما 1140 و2170 نسمة على التوالي) [8] معاً وكانتا آخر قرى الكرمل سقوطاً، وذلك في 26 تموز. وترد الإشارة إلى المقاومة المستمرة وصمود القرى الثلاث، التي أطلق عليها اليهود لقب “المثلث الصغير”، في الكتب الإسرائيلية عن الحرب [9]. وفي مفارقة لافتة، نجد تقارير فلسطينية تقتبس المصادر اليهودية التي تصف صمود هذه القرى. فعلى سبيل المثال، يستشهد وليد الخالدي في كتابه “كي لا ننسى” (Khalidi, All That Remains 1992 :164) بكتاب “تاريخ حرب الاستقلال”، كما يستشهد موقع جامعة بيرزيت الإلكتروني في حديثه عن الطيرة بكتاب “تاريخ الهاغاناه” [10].
تتجلى نية الجيش اليهودي في “تطهير الكرمل” في وثيقة نادرة تعود لشهر أيار 1948 (عادة ما تخضع الوثائق المحفوظة في أرشيف الجيش الإسرائيلي التي تشير إلى التطهير للرقابة) [11]. كان “توفيا أرازي” قد عمل لصالح “شاي” (خدمة المعلومات)، ذراع الهاغاناه الاستخباراتي، ولاحقاً لصالح القسم العربي في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية. وأجرى أرازي محادثات مع ممثلي القرى الدرزية في جبل الكرمل وأبلغ نتائجها لـ “موشيه كرمئيل”، قائد لواء “كرملي”، الوحدة العسكرية المسؤولة عن المنطقة [12]. [شاي اختصار عبري لـ “شيروت يديعوت” (خدمة المعلومات). هو جهاز الاستخبارات التابع للهاغاناه قبل تأسيس الدولة. كان مسؤولاً عن جمع المعلومات عن القرى الفلسطينية (فيما عُرف بملفات القرى) وعن تحركات الجيوش العربية. شكل لاحقاً النواة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية الحالية (الشاباك والموساد). ولواء كرملي هو لواء المشاة الذي عمل في منطقة حيفا والجليل الغربي. وقاد عملية احتلال حيفا وتطهيرها من سكانها العرب (عملية “المقص”)، وشارك في حصار قرى الكرمل. قائده “موشيه كرمئيل” هو الذي أصدر أوامر التطهير المذكورة في النص.-المترجم]
وفيما يلي الرد الذي أرسله موشيه كرمئيل إلى أرازي في أيار 1948:”… أكدت لك هذا هاتفياً قبل الاجتماع وأكرره الآن، لم تخول الهاغاناه أحداً بالتفاوض مع الدروز في مسائل الأمن والدفاع، ولا بعقد اتفاقات معهم في هذه المسائل سواء كتابياً أو شفهياً. كل ما تقرر في هذا الاجتماع لا يلزم الهاغاناه التي ستعمل وفقاً لاعتباراتها وتوجهاتها الخاصة. وعلاوة على ذلك، فإن التطرق إلى الأمور العسكرية، في هذا الاجتماع، يتناقض مع توجه الهاغاناه لتطهير (لتيهور) الكرمل ويسبب ضرراً في المسائل الأمنية…” [13].
لم تُنفذ خطة “تطهير الكرمل” بالكامل. فقد بقيت قريتان مسلمتان، الفريديس وجسر الزرقاء (التي كانت تعرف أصلاً باسم عرب الغوارنة)، سليمتين، وكذلك القريتان الدرزيتان، دالية الكرمل وعسفيا (اللتان كانت لهما روابط سابقة مع وجهاء يهود). أما بقية قرى القضاء فقد أُفرغت بالفعل من سكانها. وفي بعض الحالات، كما في قرية الصرفند (التي كانت صغيرة نسبياً)، غادر السكان خوفاً قبل تعرضهم للهجوم، بينما لم يغادر السكان في معظم الحالات إلا بعد أن أدركوا خسارتهم للمعركة. وتلك كانت حال إجزم [14].
1948 — الحوادث المبكرة
كان أبو أشرف، المولود في العام 1927، مطلعاً جيداً على أحداث الحرب وملماً بأخبارها، إذ كان مشاركاً نشطاً فيها لكونه في سن القتال في العام 1948. التقينا خمس مرات تقريباً في قريته الحالية التي يقيم بها في إسرائيل.
(حديث بالعبرية) [15] أبو أشرف: سأحدثك عن حرب “كيرم مهرال” [اسم المستوطنة اليهودية التي أقيمت على أنقاض إجزم] [16]. بدأت حرب كيرم مهرال بالتدريج. أولها كان على الطريق الرئيس الذي تسلكه الناس من إلى حيفا. لم تكن حيفا قد ضاعت بعد [أي لم تكن قد سقطت في أيدي اليهود]. أول حادثة في الحرب… كانت هناك سيارة جيب يهودية على الطريق. وكانت هناك حافلة متجهة من إجزم إلى حيفا [حافلة عربية]. كان فيها ممرضة ومعلم اسمه توفيق… [يحاول أبو أشرف تذكر اسم عائلة توفيق].
أم أشرف [زوجته]: توفيق العارف [17].
أبو أشرف [مصححاً لزوجته]: توفيق المراد، توفيق المراد. تلك السيارة الجيب كانت تطلق النار على الحافلة. قتلت تلك الفتاة [أي الممرضة] وذلك الرجل المتعلم.
إفرات[المحاورة]: لماذا كانوا يطلقون النار على الحافلة؟
أبو أشرف: لقد كانت بداية الحرب… وصلت الحافلة إلى القرية في المساء. قالوا: “قُتلت هذه الممرضة والرجل من عائلة الماضي” [18]. في اليوم التالي، ذهب هذا الرجل صاحب الحافلة [إلى حيفا]. اسمه سعيد المدني، من إجزم. ذهب بالحافلة ورأوا الجيب على الطريق. قال للناس في الحافلة: “تمسكوا جيداً” ودهس سيارة الجيب تلك. قتل من فيها. لكن الإنكليز كانوا لا يزالون هنا. لم يغادروا بعد. وهكذا بدأ الأمر-اليهود يطلقون النار على الحافلات، والناس [أي العرب] يطلقون النار على اليهود.
وصف أبو أشرف هذين الحدثين المتتاليين كأول حوادث حرب مهمة في المنطقة. كانت حافلة إجزم، التي اصطدمت بالسيارة اليهودية، حدثاً لا يُنسى أيضاً بالنسبة لجميل، الذي يعيش في مدينة إربد شمال الأردن. كان جميل، وهو من عين حوض، صبياً في العاشرة والنصف من عمره وقت حادث الطريق هذا، وبما أنه كان يدرس في قرية عين غزال، فغالباً ما كان يركب الحافلة التي تربط إجزم بحيفا، والتي يقودها سعيد المدني. وفيما يلي روايته (التي قُدمت باللغة الإنجليزية، ومن هنا جاءت الأخطاء اللغوية كما هي) للحادث الذي دهس فيه سعيد المدني المركبة اليهودية:
(حديث بالإنجليزية) جميل: الأشهر الأولى… ذات مرة السائق الذي اسمه سعيد المدني، أعتقد أنه كان يعيش في بغداد… ربما مات. ربما لا يزال حياً. حتى قبل ثلاث أو أربع سنوات كان لا يزال حياً. كان سائق الحافلة [التي] تتبع لإجزم وكان هو من إجزم. ورأى سيارة أجرة صغيرة. بداخلها-ثلاثة أو أربعة مهندسين-رجال سياسة، لا أعرف. وقال للناس في الحافلة-فقط أمسكوا بمقاعدكم بقوة [19]. كما نقول في الطائرة-اربطوا حزام الأمان. واستخدم المكابح فوق التاكسي ليدوس عليهم ويقتل من فيها. بعد ذلك، بالطبع، عقد الإنكليز محاكمة في حيفا، وأحاط أهالي الطيرة بالمحكمة لمنع أي أذى لذلك الشخص… بعد ذلك، وهذا مضحك حقاً، بدلاً من زجاج النوافذ حافلته، وضعوا نوافذ فولاذية. تخيلي.
من المحتمل أن يكون الحدث الذي وصفته صحيفة “هآرتس” اليهودية في 3 شباط 1948 مرتبطاً بـ”حادث” الطريق المذكور أعلاه. ذكرت “هآرتس” أن رجلين يهوديين قُتلا وأصيب واحد عندما اصطدمت حافلة عربية بسيارتهما الصغيرة على طريق حيفا-تل أبيب. كان أحدهما مهندساً هيدروليكياً، والثاني رئيساً للجنة البناء العبرية Hebrew Masonry Committee في منظمة الإنتاج المحلي Organization for Home Produce ، والرجل المصاب عضواً في نقابة الموظفين Clerk’s Union [20]. وكما هو متوقع، سمّت الصحيفة اليهودية أسماء اليهود المعنيين، بينما سمّى “الجزماويين” أسماء الفاعلين الفلسطينيين (فقط الممرضة الفلسطينية في الحافلة، وهي امرأة، بقيت مجهولة الاسم).
في حين اكتفى أبو أشرف وجميل برواية القصة كجزء من سجل سردي تاريخي متقطع نوعاً ما، أضاف شفيق نظرية وضعت هذا الحدث في إطار تصعيد الحرب في إجزم.
يعتقد شفيق، المولود عام 1930 في إجزم والمقيم حالياً في حيفا، أن أهالي إجزم لم يكونوا ليختاروا الانخراط في الحرب لأنهم “كانوا مزارعين بسطاء لا يملكون أسلحة ولا يعرفون كيفية استخدامها”. وانعكست نظرة شفيق، وهو فرد من عائلة الماضي، على الطبقات الاجتماعية داخل القرية وربط الأحداث بمسافة معينة عن “المزارعين البسطاء”. كان هو وفرد آخر من عائلته يحاولان فهم ما حدث لقيادة القرية أثناء سردهم للأحداث التاريخية. وأسفوا لحقيقة أن القيادة قبل العام 1948 لم تستثمر موارد كافية في التعليم والحفاظ على ممتلكات العائلة. وبالإضافة إلى هذا المسار الداخلي، جاءت أحداث العام 1948.
في رأي شفيق، أثار عملان استفزازيان يهوديان “الحرب” القاتلة. أحدهما اختطاف سبعة رجال يعملون في الحقول بالقرب من الطريق الرئيسي، والثاني إطلاق النار على حافلة سعيد المدني.
تسلط الرواية الشفوية الضوء على جوانب معينة في قصة سعيد المدني. أشار جميل إلى أن المدني لا يزال يعيش في بغداد حتى وقت غير بعيد. وجميل على علم بذلك لأن أهالي منطقة حيفا المشتتين يبقون على اتصال. علاوة على ذلك، فقد تداول الناس قصة فعل المدني طوال السنوات الخمسين الماضية، ولم ينته فعله وأهميته ودلالته لقرى القضاء في العام 1948.
إن الرواية هي جزء من فعل تخليد الذكرى يتحول فيه الناس إلى أبطال محليين. وسوف ينظر، في وقت لاحق، إلى هذه الأحداث على أنها معالم تتأطر ضمن النضال الوطني.
الخطف والمفاوضات
بحلول ربيع العام 1948، كان الجيش الإسرائيلي قد عزز صفوفه، واشتدت الاشتباكات على طول الطريق، ووجدنا أن الجيش يوثق أيضاً الأحداث التي وصفها القرويون. والمثير للدهشة نوعاً ما، أن المصدرين يميلان لتكملة بعضهما البعض.
أبلغ مخبر عربي الجيش الإسرائيلي بما يلي: “يوم الخميس، أسر اليهود ثلاثة عرب من إجزم في حقول عين غزال بالقرب من الطريق المؤدي إلى إجزم. اسم أحدهم [الاسم خضع للرقابة] والآخر [الاسم خضع للرقابة]. وتركوا الثالث. قبل أسبوعين أُسر ستة عرب في حقول جبع. أُطلق سراح اثنين ولم يعد الأربعة الآخرون بعد” [21].
كانت هناك مفاوضات مستمرة وعمليات تبادل للأسرى طوال الحرب. إحدى أواخر أحداث الحواجز، التي يتذكرها القرويون جيداً والموثقة بدقة في الأرشيفات اليهودية، وقعت في 6 تموز، قبل ثلاثة أسابيع من سقوط القرية.
وهذا هو وصف الحادث في سجل أرشيف الجيش الإسرائيلي (IDFA): “في الساعة 11:15 وقع هجوم عنيف على المواصلات [اليهودية] على طريق عتليت-زخرون. كان الهجوم بأسلحة ثقيلة ورشاشات وجاء من كلا جانبي الطريق بالقرب من جبع. أصيب سائق السيارة المصفحة، التي كانت ترافق ست عشرة سيارة، بجروح طفيفة كما أصيب راكبان آخران من السيارات. نُقل الجميع إلى المستشفى. وفي الساعة 11:15 وصلت سيارة مدفعية إلى الموقع من تل أبيب مع سيارة أجرة. وبينما كانوا بالقرب من جبع، أطلق ثلاثة عرب مسلحين النار عليهم. فردوا عليهم بأسلحة خفيفة. في ذلك الوقت وصلت قافلة كبيرة من حيفا. أوقفها إطلاق نار كثيف. بدأت ناقلة وقود بالاحتراق وسدت الطريق. تمكنت بقية السيارات من الفرار إلى مكان آمن. يُفترض أن بعض الأشخاص غير المسلحين قفزوا من السيارات أثناء الهجوم واختبأوا في حقول جبع. في الساعة 13:15 أرسلنا سيارة مصفحة من عتليت إلى جبع وهاجمت المواقع التي تطل على الطريق. هناك جهد للعثور على الأشخاص الذين قد لا يزالون في الحقول” [22].[زخرون المذكورة هي زخرون يعقوب(وتُعرف عربياً بـ “زمارين”). مستوطنة أنشئت في العام 1882 بدعم من البارون روتشيلد جنوبي حيفا. وكانت، بحكم قدمها، تربطها علاقات اقتصادية واجتماعية مع القرى العربية المجاورة قبل العام 1948، مما يفسر أحياناً وجود قنوات اتصال أو معرفة شخصية بين السكان، كما سيرد في قصة الناجي من الطنطورة أدناه-المترجم].
خلال هذا الهجوم، أسر عدد قليل من اليهود. أحدهم يدعى بيرتس فيلفيل إتكيس، ذُكر اسمه في وثائق الجيش الإسرائيلي، وفي الروايات الشفوية. كان إتكيس واحداً من العديد من الأسرى لكنه أصبح أكثرهم شهرة ربما بسبب منصبه السابق كمهندس في دائرة الأشغال العامة البريطانية British Public Works Department في حيفا. خطرت حادثة اختطاف إتكيس ببال أمين وهو يخبرني عن السيارات والشاحنات العديدة التي جرى الاستيلاء عليها على الطريق وجُلبَت إلى القرية. أمين، المولود في إجزم عام 1934، يعيش في قرية داخل إسرائيل.
(حديث بالعبرية) أمين: أتذكر مرة عندما أحضر المقاتلون على الطريق سيارة محملة بالدواجن… ومرة أحضروا ذرة. وأتذكر مرة أمسكوا بشخص اسمه إتكيس. يقود، على ما أعتقد، دراجة نارية. هاجموه فهرب إلى حقل الذرة قرب جبع وطاردوه وأمسكوا به كأسير، أي أُخذ إلى إجزم.
تذكر أبو نعيم، المولود في إجزم عام 1936، إتكيس أيضاً. يعيش أبو نعيم في قرية داخل إسرائيل. التقينا مرتين في منزله، الذي لا يزال يشبه منازل الماضي الريفية. في المساحة المجاورة للمنزل، يمتلك أبو نعيم قنا للدجاج وبعض الأغنام والماعز.
(حديث بالعبرية) أبو نعيم: كان هناك رجل اسمه إتكيس اختطف. مر على الطريق الساحلي بسيارة، أعتقد في منطقة عين كرمل-زروفا [23]، لست متأكداً… أوقفوا سيارته وأحضروه. كانت زوجته مصابة. أتذكرها، امرأة بدينة. كانت مصابة في يدها. صنعوا لها ضمادة من قطعة قماش وأحضروها. ما هذا؟ [قلت لنفسي]. رأيت هذه المرأة في هذا الوضع، [وشعرت] بعدم الارتياح. شخصان يمسكان بها وهي…؛ وزوجها، ربطوا عينيه. إذن ماذا يريدون أن يفعلوا بها؟ ستموت بين أيديهم. ثم كان الناس سريعين، امتطى شخص حصاناً وركض إلى دالية [24]. أحضر أناساً [درزيين]، وضعوها على حصان ثانٍ وأخذوها. وبقي هو [الزوج] في “الماقورة”. كانت القيادة في الماقورة. أين أقام؟ مع شريف. ومن كان حارسه؟ عمي مرشد…؛ وأتذكر، كان هو الحارس، وكانت بينهما علاقة جيدة. ورأيت كيف أطلقوا سراحه، من خلال مفاوضات في عسفيا. [عين كرمل، هو كيبوتس(مستوطنة تعاونية) يقع جنوب حيفا بالقرب من عتليت. أُنشئ في العام 1950 على بعد كيلومتر واحد من قرية المزار، وبعض منازل الكيبوتس تقع على أراضٍ تابعة للقرية وعلى أراضي قرية “جبع” الفلسطينية المهجرة (إحدى قرى المثلث الصغير المجاورة لإجزم). أما زروفا، فهي موشاف (قرية زراعية تعاونية) تقع إلى الجنوب قليلاً من عين كرمل. أُنشئت في العام عام 1949 على أراضي قرية “الصرفند” وجزء من أراضي “جبع” أسسها يهود من الجزائر وتونس. وبينما يزعم المستوطنون أن الاسم مشتق من الآية الكتابية (مزمور 18: 30): التي نقشوها على مدخل القرية “اَللهُ طَرِيقُهُ كَامِلٌ. قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ لِجَمِيعِ الْمُحْتَمِينَ بِهِ.” إلا أن الأرجح تاريخياً ولغوياً هو اشتقاقه من اسم “صرفند” (أو سربتا يودي Sarepta Yudee كما دُعيت في الحقبة الصليبية، بمعنى “مكان الصهر”). يحتوي الموقع على بقايا أثرية من فخار روماني وبيزنطي، وآثار قلعة ومصلى من العصر الصليبي، ولا تزال بقايا مسجد القرية الفلسطينية ظاهرة للعيان حتى اليوم. ودالية هي دالية الكرمل، وهي -وعسفيا-من قرى جبل الكرمل -المترجم].
كان شريف محامياً. وهو أصلاً من إجزم، درس في دمشق، وعند عودته فتح مكتباً في حيفا. كان يمتلك قطعة أرض كبيرة مجاورة لإجزم من الشرق، حولها إلى بستان مثمر يُعرف بـ”البيارة” يقع بالقرب من نبع الماقورة. خلال الثورة العربية، في عام 1937، دفعته محاولة اغتياله إلى المغادرة لمدة عامين والذهاب إلى بيروت مع عائلته. عندما عاد، اكتشف أن الثوار دمروا منزله وأشجاره. ومع ذلك، اختار إعادة بناء مزرعته، حيث كان يقضي أيام الأسبوع في حيفا يمارس المحاماة وعطلات نهاية الأسبوع في مزرعته بإجزم. من خلال مهنته أقام علاقات وثيقة مع المسؤولين البريطانيين وكذلك مع اليهود المتنفذين. وبسبب هذه التحالفات، عمل كوسيط خلال الحرب، محاولاً التوصل إلى اتفاق بين إجزم والهاغاناه (التنظيم المسلح اليهودي الرئيسي الذي سبق تأسيس الجيش الإسرائيلي).
في اليوم الذي أُسر فيه إتكيس، كتب شريف، الذي كان يحتجز الأسير في منزله بالماقورة بالقرب من إجزم، الرسالة التالية إلى أحد معارفه اليهود: “إلى السيد دوف بن ألتر هأدوم، أبو يوسف مرحباً، لقد استلمت رسالتك اليوم من خلال رجل من عين غزال بخصوص المهندس إتكيس. كما تقدم سالومون، المحامي من حيفا، بطلب في هذا الشأن. أيضاً، جاء السيد خياط من حيفا والتقى بوجهاء جبع ووعد بالإفراج عن خمسة من الأشخاص الذين أسرهم اليهود في عتليت. ربما بحلول الغد سينتهي التبادل وسيتم إطلاق سراح المهندس إتكيس. إنه في منزلي، بصحة جيدة ومُكرم كما هي عادات العرب” [25].[يعقوب سالومون محامٍ يهودي بارز في حيفا وضابط في الهاغاناه. استغل علاقاته المهنية السابقة مع النخبة الفلسطينية (مثل شريف الماضي) لخدمة الأهداف العسكرية (المفاوضات) ثم الاستيلاء على الممتلكات (شراء أرض شريف لاحقاً).].
تذكر شفيق، ابن شريف، السجناء بوضوح. التقينا في تموز 1998 في منزله بحيفا.
(حديث بالعبرية) شفيق: ذات يوم جاء الناس إلى والدي وأخبروه أن أحد اليهود قد استسلم وأنهم أطلقوا النار عليه. قال لهم والدي إن هذا ليس جيداً، ومن استسلم يجب أن يوضع في الأسر. بعد بضعة أيام أحضروا له سجناء، سائق شاحنة عمل لاحقاً كحارس في مكتب ضريبة الدخل في شارع الميناء… كان رجلاً مسناً. لا أعرف ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة… وسائق سيارة أجرة عمل لاحقاً في مستودع للملابس في شارع هرتزل… وإتكيس وزوجته. كانت زوجته مصابة في يدها وصادف أن كان لدينا ضيوف من “دالية”. وبما أنه لم يكن لدينا طبيب، قال والدي: “ماذا أفعل؟” وطلب من الضيوف أن يأخذوها. وأخذوها، كما تعلمين، عبر الجبال… وبقي الثلاثة في المنزل وكانت والدتي تعد لهم الطعام كل يوم.
تعلمين أن مثلث جنين كان تحت سيطرة الجيش العراقي وقد أرسلوا جنوداً عراقيين لأخذ الأسرى. رفض والدي. قال لهم: “لا يمكنكم أخذهم. هؤلاء أسرانا. سنستبدلهم بأسرانا الذين أخذهم اليهود. لا نريد التخلي عن الأسرى، وإلا فإن أسرانا سيبقون هناك”. فغادروا ولم يأخذوهم. لم يقم أحد بحراسة السجناء الثلاثة. كنت أزور الغرفة التي يقيمون فيها كل يوم. أتذكر السائق، من شارع الميناء، قال لي “دعني أهرب” فقلت له: “هناك الكثير من الناس ولن تتمكن من الهرب. سيمسكون بك ويقتلونك. لا تستطيع”. وباختصار، حدث تبادل لاحقاً… وبمساعدة بعض الدروز، أرسلت السيدة إتكيس هدية إلى والدتي، جوارب وعطراً ولا أتذكر ماذا كان في تلك الحقيبة أيضاً.
عندما عاد إتكيس من الأسر، استجوبه الجيش الإسرائيلي وقدم معلومات حول الوضع في إجزم، بما في ذلك وصف العراقيين الذين جاؤوا لاقتياده. فيما يلي مقتطف من التقرير الذي كتبه محقق إتكيس: “ليلة الخميس، ظهرت وحدة عراقية مع ضابط في العزبة. كان الأفراد مسلحين تسليحاً جيداً، وكان أحدهم يحمل مدفعاً رشاشاً. بدوا مرهقين للغاية وكأنهم جاؤوا من مكان بعيد. ثم اكتشف [إتكيس] أنهم جاؤوا من عرّابة [قرية جنوب غرب جنين] حيث يقع المقر العراقي حالياً. تحدث الضابط الإنكليزية بطلاقة لكن إتكيس متأكد من أنه ليس إنكليزياً. يبدو عراقياً. استجوبه الضابط لفترة وجيزة ثم قال إنه على وشك نقله إلى عرّابة لاستجواب شامل. لكن بعد التشاور مع شريف، غير رأيه وقال إنه سيتم إطلاق سراح إتكيس إذا أطلقنا سراح سجناء إجزم. بقيت الوحدة لفترة قصيرة ثم واصلت طريقها إلى جبع” [26].
كوبرشتوك كان اسم سائق الشاحنة الذي سُجن في منزل شريف والذي ذكره شفيق. أرسل من سجنه رسائل إلى يعقوب سالومون، وهو محامٍ يهودي كان ضابط اتصال للهاغاناه في حيفا ومشاركاً في المفاوضات مع إجزم. عرف سالومون شريف قبل الحادث بوقت طويل، بحكم عملهما في سلك المحاماة في حيفا. عُثر على الرسالة التالية في أرشيف يعقوب سالومون في مظروف صغير يحتوي على ملاحظات أخرى من تلك الفترة [27]: “15/7/48. عزيزي السيد سالومون. لقد استلمت رسالتك ولا أفهم لمَ يستغرق الأمر كل هذا الوقت بينما رأسي وجسدي ليسا على ما يرام… وأحتاج إلى علاج طبي… وليس لدي أي شيء هنا. “محمد أفندي” [28] على استعداد لإطلاق سراحي إذا أعطيتموه عربياً واحداً. يجب أن تعلم أن الوضع هنا متوتر للغاية وأنا عرضة لدفع الثمن بحياتي في أي دقيقة. طائراتنا ألقت العديد من القنابل… وكان هناك العديد من الإصابات… لقد أرادوا بالفعل الإيقاع بي [أي التخلص مني]، لولا أن محمد أفندي لم يسمح لهم. لا يمكنك تخيل مدى خطورة وضعي. أكتب إليك الآن بوضوح وأطلب رداً واضحاً. حينها سأعرف ماذا أفعل، إذ لن يكون لدي خيار سوى الهرب والمخاطرة بحياتي مئة في المئة [29]. أنا ضائع وأجد صعوبة في الاستمرار. إنهم يراقبونني بسبعين عيناً. يرجى أخذ كل شيء بعين الاعتبار. أشكركم مقدماً. تسفي كوبرشتوك” [30].
وفي الثامن من تموز، وبينما كان كوبرشتوك وإتكيس لا يزالان في إجزم، وقع هجوم للمشاة اليهود على القرية، وُصف بأنه انتقام للهجوم العربي على الطريق قبل يومين. فشل الجنود اليهود في الوصول إلى القرية وتعرضوا لهجوم عنيف من قبل مقاتلي القرية، وحوصر موقعهم من ثلاثة اتجاهات وتراجعوا على عجل، تاركين وراءهم قتيلين واصطحبوا معهم تسعة جرحى. واختتم الضابط الإسرائيلي الذي وثق الحدث بقوله، من بين ملاحظات أخرى، إن “العدو كان سريعاً في التموضع والهجوم، ويتمتع بقيادة جيدة وبروح هجومية وميل للاقتحام” [31].
وفي العاشر من تموز أُطلق سراح إتكيس، وفي السادس عشر منه أُطلق سراح كوبرشتوك أيضاً [32].
المنظور المحلي مقابل المنظور الوطني
في حين تتشكل الصورة المحلية بشكل متماسك إلى حد ما من الوثائق والروايات الشفوية، إلا أن هناك بعض التناقضات بين “العالم المحلي” (كما يصفه الأهالي ووثائق الجيش) والصور العامة والشعبية لعام 1948 التي تطورت عبر السنين.
أحد النقاشات المستمرة بخصوص العام 1948 يدور حول دور “القوى الخارجية”-سواء كانت قوات التحالف العربي (العراقية والأردنية والسورية وغيرها) أو القوات الفلسطينية المعبأة مثل تلك التي نظمها عبد القادر الحسيني في القدس أو محمد الصفوري في صفورية.
أشار الأهالي إلى ترددهم في السماح للقوات الأجنبية بالاستقرار داخل القرية. وفي تقرير استخباراتي للجيش الإسرائيلي، بتاريخ 12 آذار 1948 (قبل التصعيد الحربي الكبير)، يقول مخبراً، يُدعى “المحامي”، إن عصابة محمد الصفوري غادرت قرية إجزم وهي الآن في منزل بالقرب من بستان شريف. كما نقلوا ذخيرتهم وأسلحتهم. ويقف الناس خارج المنزل للحراسة ببنادق “كناري” Canary [33]. [بنادق كناري مصطلح استخباراتي ورد بكثافة في تقارير الإدارة الاستعمارية البريطانية وأرشيفات الوكالة اليهودية خلال الثورة العربية الكبرى (1937-1938) للإشارة إلى البندقية الإيطالية Carcano M91/24. وهي نسخة معدلة قصيرة استخدمتها القوات الإيطالية في ليبيا وجرى تهريب بعضها إلى فلسطين خلال الثورة، واستمر استخدامها حتى العام 1948؛ وكانت تُصنف في التقارير العسكرية الصهيونية ضمن الأسلحة التي يمتلكها “العدو”. بينما ظل اسم “الكناري” مسمىً أرشيفياً استخباراتياً كرمز تشفير Code Name لتصنيف السلاح وتتبع مساراته دون التصريح المباشر بالمنشأ الإيطالي لأسباب دبلوماسية. عُرفت البندقية شعبياً في معارك 1948 باسم (الإيطالية)، واعتمد عليها الثوار لسهولة حملها وتوفر ذخائرها المهربة عبر الحدود. للمزيد راجع الأرشيف الوطني البريطاني (TNA): ملفات وزارة المستعمرات [CO 733/352]، تقارير تسليح الفصائل. وأرشيف الهاغاناه: سجلات مصادرات السلاح وتقارير المخابرات (SHAI) لعام 1948. عارف العارف: كتاب “النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود”، ومذكرات بهجت أبو غربية: “في خضم النضال العربي الفلسطيني”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية-المترجم]
أعطى “المحامي”، وهو على الأرجح شريف نفسه (حيث كان المحامي الوحيد في إجزم في ذلك الوقت)، مزيداً من المعلومات لليهود بعد بضعة أيام: أرسلت تعزيزات من 30 رجلاً بالإضافة إلى رجال الصفوري إلى إجزم مع ضابط تركي، ربما مرتبط بـ”جيش الإنقاذ العربي”. قالوا إن من أُرسلهم هو عبد القادر الحسيني، قائد القوات المقاتلة في منطقة القدس. كان الضابط والصفوري في خلاف لأن التركي كان تابعاً للصفوري لكنه كان يعتقد أنه لا يعرف شيئاً عن المسائل العسكرية. رسم التركي مخططات لمناطق المستوطنات اليهودية القريبة وحفر مع رجاله حفراً للألغام بين قرية الفريديس العربية ومستوطنة زخرون يعقوب اليهودية (على بعد بضعة كيلومترات جنوب إجزم) [34]. ونعلم من كلا المصدرين أن قوات من الخارج جاءت وذهبت، وبقيت بالقرب من القرية، ويبدو أنها واجهت مشاكل في التواصل مع الأهالي.
بعد سقوط حيفا، عُزل أهالي المنطقة. ومُنعوا من دخول المدينة خلال أشهر أيار وحزيران وتموز، فاستخدموا وسطاء دروزاً لنقل وبيع منتجاتهم الزراعية في المدينة [35]. أدى طريق آخر للخروج من الحصار إلى القوات العراقية المتمركزة في جنين، على بعد عشرين كيلومتراً جنوب إجزم. دخل العراقيون فلسطين مع قوات التحالف العربي الأخرى في 15 أيار 1948. ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت الجيوش الأجنبية شاركت بنشاط حقاً، كما تميل الرواية الإسرائيلية إلى التأكيد، أو كان وجودها على نحو رمزي وجزئي ومضلل للفلسطينيين المحليين الذين اعتمدوا خطأً على مساعدتهم، كما تقدمها المصادر الفلسطينية غالباً.
وفي إجزم، كما سنرى، لعبت القوات الأجنبية دوراً ثانوياً، خاصة عندما كانت الحاجة إليها ماسة.
ورغم أن الخطاب العراقي الرسمي كان مؤيداً بقوة للفلسطينيين، إلا أن التدخل كان في الواقع محدوداً. اتُهم العراقيون، سواء داخل الجامعة العربية أو من قبل الفلسطينيين المحليين، بعبارة “ماكو أوامر” (لا توجد أوامر، باللهجة العراقية الدارجة) وافتقارهم لسياسة واضحة [36]. ونتيجة لهذا النقص، تولى ضباط عراقيون في بعض المناطق مبادرات شخصية.
ونجد مراسلات بين الضباط العراقيين المحليين والإسرائيليين المحليين لتسوية نزاع بخصوص استخدام قطعة أرض معينة على الحدود بين القوات اليهودية والعراقية، في مكان ما بين إجزم وجنين. يرسل الضابط العراقي رسالة إلى الضابط اليهودي يتحدث فيها نيابة عن المزارعين العرب المحليين الذين أطلق الجيش اليهودي النار عليهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم. ويشير إلى أن اليهود يجمعون الآن المحاصيل العربية وأن مثل هذا الفعل لا يمت بصلة لـ”الروح العسكرية”. ولحل المشكلة يدعو لاجتماع، يأتي إليه الطرفان غير مسلحين [37]. حصل هذا الاجتماع بالفعل، وربما تكون هذه المبادرات المحلية مؤشرات على الحالة العامة المضطربة للأمور.
ومع ذلك، قدم العراقيون بعض المساعدة للمقاتلين الفلسطينيين المحليين. ونعلم من سجلات الجيش الإسرائيلي عن تدفق للأسلحة والمنتجات بين “المثلث الصغير” والمنطقة التي تحتلها القوات العراقية، خاصة عندما كان المثلث الصغير تحت الحصار [38]. قال أبو أشرف: “في الليل كنا نذهب من إجزم إلى عارة [20 كم جنوب إجزم]. حيث الجيش العراقي متمركزاً هناك. نذهب ونحضر الرصاص على الجمال. في الليل. مروراً باليهود. ذهبت أنا أيضاً بضع مرات”. تُظهر الوثائق أن الجيش اليهودي على علم بالطريق المفتوحة عبر الجبال: أبلغ مخبر أن مقاتلي إجزم لديهم اتصالات جيدة مع قرية عارة وأم الزينات [تقع على بعد حوالي 8 كم شرق إجزم]. عارة تحت سيطرة العراقيين ولديهم قوة كبيرة هناك. جنود عراقيون يزورون إجزم. في الأسبوع الماضي زار قادة إجزم عارة وأبلغهم القائد العراقي أنه عند انتهاء الهدنة، سيكون هناك هجوم عام على حيفا من اتجاه “مشمار هعيمق” من قبل القوات النظامية، مع قوات جوية وبحرية [39]. وأخطرهم بعدم السماح للعرب بدخول حيفا وإخبار عرب حيفا بالابتعاد عنها بسبب الخطر [40].
تعد الظروف التي غادر فيها الفلاحون الفلسطينيون قراهم هي في صميم النقاش العام (والخاص أيضاً). في حالة منطقة الكرمل، على الرغم من إجلاء بعض السكان، حصل تشجيع للمقاتلين بل وإجبارهم على البقاء. في الطيرة، على بعد عشرين كيلومتراً شمال إجزم، أجلى الفيلق الأردني العديد من النساء والأطفال بطريقة منظمة. ترتبط حماية الأسرة وخاصة النساء بالدور المركزي للشرف في المجتمع العربي. يعتمد شرف الرجل على منع أي أذى، وخاصة الأذى الجنسي، الذي يلحق بنسائه. لذلك، شعر الرجال بضرورة إبعاد النساء والفتيات عن أي ضرر محتمل، بينما بقوا هم للقتال. ومع ذلك، بالنظر إلى الماضي، اعتبر بعض القرويين تفكك العائلات خلال الحرب عاملاً ضاراً.
في مقابلة بمنزله في إربد، ذكر أبو وصفي، مختار الطيرة وشخصية بارزة في المنطقة، إجلاء النساء والأطفال. أثار تعليقه ملاحظة (أو هل كان اتهاماً؟) من أبو مجدي، الذي كان يجلس معنا وكان طفلاً في الطيرة عام 1948: (حديث بالعربية): لدي سؤال واحد أود طرحه يا أبو وصفي: السبب في إبعاد النساء والأطفال وبقاء الرجال-ما هي السياسة المخطط لها؟… هل هي سياسة القوات من الخارج أم من الداخل؟ يعني، عندما غادرت أمي وزوجتي، ماذا بقي لي لأفعله؟
أشعل هذا التعليق نقاشاً بين الرجال في الغرفة. كان الافتراض الأساسي أن القرية كانت أكثر عرضة للخطر عندما لم تسمح ظروف الحرب بالحفاظ على النظام الاجتماعي المعتاد. بشكل عام، جرى تصوير النسيج الاجتماعي للقرية على أنه ريفي وتقليدي، حيث كانت الأدوار الجندرية [أدوار الجنسين] محددة على نحو واضح (Abu Rashed 1993). استلزم إجلاء النساء والأطفال في نيسان 1948 ترتيبات منزلية جديدة-من سيطبخ للرجال؟ من سيغسل الملابس؟ علاوة على ذلك، لم تكن الأمور العملية وحدها هي التي شكلت صعوبات؛ بل كانت صورة القرية كوحدة فعالة هي التي تحطمت، حتى قبل سقوطها في أيدي اليهود.
كان الجيش العراقي عاملاً جديداً يتدخل في النظام الاجتماعي العادي. قد يفسر هذا تردد القرويين في السماح للعراقيين للتمركز في القرية أو القتال نيابة عنهم. ومع ذلك، عندما أصبح الوضع أكثر خطورة (خاصة من منتصف تموز)، دعا “الجزامنة” العراقيين للانضمام إلى القتال لكن هذه المساعدة لم تصل.
(حديث بالعبرية) أبو نعيم: اعتدنا التشاور مع الجيش العراقي. “إذن ما رأيكم؟” كنا نقول. “استمروا” [كانوا يردون]. “سنأتي الأسبوع القادم. الأسبوع القادم”.
إفرات: إذن لقد أجبروا الرجال فعلاً على البقاء والقتال؟
أبو نعيم: نعم، وخدعوهم. قالوا-“انظروا، افعلوا ذلك… استمروا في القتال، اصمدوا، الأسبوع القادم سنأتي”. ومرة كانت هناك معركة، في المكان الذي يوجد فيه برج اليوم في جبال غيفع كرميل (جبع)، فاتصلوا [رجال إجزم]، كان لديهم اتصال، أول اتصال، [اتصلوا] بالجيش العراقي-“أرسلوا لنا تعزيزات”. قالوا سيرسلون طائرات. وجاءت الطائرات بالفعل لكنها قصفتهم.
قصد أبو نعيم أنهم انتظروا الطائرات العراقية واكتشفوا أن الطائرات كانت يهودية. ظنوا أن الطائرات جاءت لمساعدتهم وبالتالي كشفوا أنفسهم للطيارين مما مكن الطائرات الإسرائيلية من استهداف القرويين. كان يلمح إلى حقيقة أن اليهود خدعوهم-جعلهم اليهود يعتقدون أن الطائرات كانت عراقية ثم قصفوهم. وصف شفيق خداعاً مماثلاً. تقترب طائرة من القرية لكنها تطير باتجاه البحر وتسقط قنبلة هناك، وكأنها تستهدف المستوطنة اليهودية. ثم تطير الطائرة إلى الجبال في الشرق وتسقط قنبلة هناك. عندما خرج أهالي القرية للتهليل للطائرة العربية، أُلقيت عليهم قنبلة.
ربما عرف اليهود متى كان القرويون ينتظرون الطائرات العراقية لأن الجيش الإسرائيلي كان يرصد الاتصالات اللاسلكية بين المقاتلين العرب في إجزم والقوات العراقية في جنين. ربما مكن هذا اليهود من تعقب المقاتلين بدقة ويفسر قصة أبو نعيم المذكورة أعلاه عن القصف في جبع.
فيما يلي إرسال لاسلكي تم اعتراضه بين مقاتلي المثلث الصغير اليائسين والمقر العراقي، بتاريخ 21 تموز، قبل ثلاثة أيام من الهجوم الأخير على القرية الذي أدى إلى سقوطها:
10:40. إلى حسن [من إجزم] (2)
من مدار [يفترض الجيش الإسرائيلي أنه ممثل القرية في جنين] (1)
1- سيصلك الصليب الأحمر اليوم. يجب الدفاع بأقوى ما يمكن حتى وصول لجنة الصليب الأحمر.
2- متى ستصل اللجنة؟
1- ستصل اليوم. هي في طريقها إليكم.
2- الهجوم لا يزال عنيفاً.
1- سنبلغ الرئيس خليل. إذا كنت ترغب، يمكنك التحدث إليه.
2- دعه يتحدث إلي.
1- سأذهب وأتصل به. كنت أستفسر عنك للتو. ستصل اللجنة خلال ساعة. ابقوا في خنادقكم.
2- [غير واضح]
1- ساعة واحدة فقط. سيصل الممثلون إليكم
2- [غير واضح]
1- لم أستطع النوم طوال الليل. نسمع كل قنبلة تسقط عليكم. أرسلنا تحذيراً لاسلكياً لليهود.
2- [غير واضح]
1- أتحدث إليك الآن من جنين. ذهبت إلى هناك للتحدث نيابة عنكم.
2- إن شاء الله [بعون الله] سينظرون إلى الأمر بجدية.
1- ستصل اللجنة إليكم قبل وصول “المناضلين” [41] إليكم. موسى في المقر بنابلس ويهتم بأموركم.
2- لقد انكشفنا [42].
لا يزال القرويون يتحدثون عن فشل العراقيين في القدوم لمساعدتهم. تأتي اتهاماتهم لهذه القوة العسكرية الأجنبية من تجربتهم الخاصة؛ فهي ليست مجرد اتهام عام غامض للجيوش العربية التي وعدت بالمساعدة وفشلت في تقديمها.
بالنظر إلى الماضي، يأسف الأهالي لحقيقة أنهم ربما نظموا أنفسهم بشكل أفضل لو عرفوا مدى محدودية المساعدة التي كان العراقيون مستعدين لتقديمها.
تأثير مذبحة الطنطورة وسقوط إجزم
تكشف الروايات الشفوية، أكثر من وثائق الجيش، الجو الذي ساد خلال أشهر حرب العصابات المستمرة. وتناهى إلى المسامع عن مجزرة وقعت في أيار في قرية الطنطورة المجاورة. كانت الطنطورة تقع على الشاطئ على بعد بضعة كيلومترات جنوب غرب إجزم، واحتلتها وحدة ألكسندروني اليهودية (التي كانت مسؤولة عن السهل الساحلي) في 23 أيار 1948.
قُتل ما بين 70 و200 شخص، معظمهم من الرجال، في الطنطورة أثناء وبعد احتلالها. كان “يغال فريد” قائداً لإحدى الوحدات اليهودية التي قاتلت في المنطقة [43]. عندما ذهبنا في جولة بالسيارة على طول ساحل الكرمل لمناقشة أحداث العام 1948، أشار يغال بعدم معرفته عن مذبحة كهذه في الطنطورة لكن كان هناك “ميل” لإطلاق النار على الرجال في سن القتال. وصحح نفسه لاحقاً وقال إن إطلاق النار كان فقط على “الرجال الذين يحملون السلاح والذين هم في سن القتال”. ورغم أن عواقب احتلال الطنطورة لم تصبح معروفة علناً إلا مؤخراً [44]، ولم تصبح رمزاً عاماً مثل مذبحة دير ياسين، إلا أنها كانت معروفة في المنطقة [45]. سمع شفيق، الذي بقي مع عائلته في الماقورة قرب إجزم بعد الحرب، من قريبه عن أحداث الطنطورة.[وقعت مجزرة الطنطورة ليلة 22-23 أيار 1948 عقب استيلاء الكتيبة 33 التابعة للواء “ألكسندروني” عليها. تشير الشهادات الفلسطينية وبعض الاعترافات الإسرائيلية إلى إعدام العشرات من الرجال العزل (تتراوح التقديرات بين 70 وأكثر من 200 شخص) عقب انتهاء المعركة، ودفنوهم في مقابر جماعية (يقع بعضها حالياً تحت موقف سيارات شاطئ “دور”). ظلت هذه المجزرة طي الكتمان الرسمي لفترة طويلة، حتى أثارها الباحث الإسرائيلي “تيدي كاتس” في رسالته للماجستير بجامعة حيفا أواخر التسعينيات، مستنداً إلى شهادات شفوية من جنود سابقين وناجين من القرية. تعرض كاتس لاحقاً لدعوى تشهير وضغوط سياسية وأكاديمية هائلة أجبرته على التراجع شكلياً عن استنتاجاته. كان لهذه المجزرة أثر نفسي مدمر على القرى المجاورة (مثل إجزم وعين غزال)، إذ دفعت أخبارها الكثيرين إلى اليأس أو القتال المستميت خوفاً من مصيرٍ مماثل.-المترجم]
(حديث بالعبرية) شفيق: في الطنطورة قُتل الرجال. أُخرج الرجال وقُتلوا. وكيف أعرف هذا؟ جاء خال والدي بعد العام 1948، عبر… [يبدو أن شفيق لا يريد أن يقول إن خال والده جاء “بشكل غير قانوني” (تسلل)]. جاء إلى القرية، إلى والدي، لزيارة والدي. كان من الطنطورة. أخبرني خال والدي أنه عندما دخل اليهود الطنطورة، جعله أحد الجنود يستلقي على الأرض، وأخذ سكيناً، وكان على وشك ذبحه. ثم تعرف عليه أحد اليهود من “زخرون” وقال له [للجندي الذي يحمل السكين]: “دعه يذهب”. “ثم أنقذني”، كما قال. وأُخذ كأسير. وُضع في السجن. ثم طردوه إلى الأردن. وقال لي: “عندما كنا واقفين هناك، وأيدينا مقيدة، كل رجال الطنطورة… قتلوا خمسة ثم نادوا على خمسة آخرين. ثم عندما انتهوا من هؤلاء… وأحصيت مائة وخمسين رجلاً قُتلوا بهذه الطريقة. خمسة يدفنوا خمسة”.
انتشرت قصة المذبحة بسرعة داخل القضاء، وعززت خوف “الجزامنة” من الوقوع في أيدي اليهود. بحلول تموز، كان رجال إجزم قلقين للغاية ويحاولون أساساً الدفاع عن القرية من سلسلة من الهجمات. بعد حادث الطريق في 6 تموز، وقع “هجوم انتقامي” للجيش الإسرائيلي في 8 تموز لكن الجنود فشلوا في الوصول إلى القرى [46]. استخدم الجيش الطائرات على نطاق واسع خلال الأسبوعين الأخيرين. لم تكن الطائرات عادة مقاتلات أو قاذفات، بل طائرات شحن واتصال (مثل داكوتا وبايبير) تُلقى منها القنابل يدوياً. كانت غارات الطائرات هذه شيئاً جديداً تماماً على القرويين، كما أشار أبو نعيم:
(حديث بالعبرية): بدأ اليهود بالقصف بالطائرات. أتذكر المرة الأولى التي كانت فيها قنبلة. كانت طائرات “بايبر”. كان وقت الغسق. أول من قُتل بالقنبلة الأولى كان زوج خالتي، أخت أمي. وكنا نظن إذا هربنا تحت شجرة فلن ترانا الطائرة.
استمر القصف الجوي لمدة أسبوعين. في 12 تموز الساعة 21:00، ألقت الطائرات 420 كغم من المتفجرات بالإضافة إلى قنابل حارقة على إجزم. وفي 17 تموز، قُصفت إجزم مرة أخرى. وفي 19 تموز قُصفت إجزم مرتين [47]. في 20 تموز، سبقت الغارات الجوية غارة للمشاة: “… من الساعة 19:15 حتى 20:10 [20/7] قصفت ثلاث قلاع طائرة وطائرة داكوتا واحدة عين غزال وإجزم وجبع… المجموع أربعة أطنان… بدأ هجوم الشرطة العسكرية الساعة 23:00” [48]. فشلت هذه الغارة في احتلال القرية ونظمت غارة أخرى بعد يومين، في ليلة 24 تموز، وهذه المرة بقوة أكبر [49]. سقطت القرية في هذا الهجوم، الذي سبقته غارة جوية أيضاً [50].
في ليلة 25 تموز، قُصفت إجزم مرة أخرى. كانت التعليمات للطيار كالتالي: “تتمركز قوات العدو على قبة التلة في منتصف الطريق بين إجزم وجبع وفي قرية إجزم…، اقصف قمة التلة بين جبع وإجزم بـ 800 كغم وقنابل حارقة بين الساعة 01:00-02:00 و08:00 بنفس الحمولة” [51]. كانت قمة التلة فارغة على الأرجح عندما قُصفت في اليوم التالي أيضاً [52].
سقوط القرية وفرار السكان
بدأت الهدنة الثانية في 19 تموز، لكن كما نرى، لم يحترم اليهود الاتفاقية في حالة إجزم وجبع وعين غزال. بدأ الهجوم اليهودي الأخير على إجزم، تحت ستار “عملية شرطية”، ليلة السبت (24 تموز) واستمر ليومين وليلتين. في المساء والليلة الثانية، بين 25 و26 تموز، استسلم المقاتلون العرب وقرروا التراجع في اتجاه الجنوب الشرقي، إلى عارة وعرعرة، حيث كان يعسكر الجيش العراقي. لخص أبو داود الأسبوع الأخير لإجزم:
(حديث بالعبرية): لمدة سبعة، ثمانية أيام [كان هناك قصف وقتال] ليلاً ونهاراً. بدأ ذلك على الطريق الرئيسي. الجيش، الهاغاناه، الجنود، الناس من إجزم وعين غزال وجبع. يطلق أحدهم النار على الآخر. ثم تُركوا [المقاتلون العرب] من دون أسلحة، لم يكن لديهم رصاص. كانوا على وشك الهرب. كان شريف من القادة، الضباط، وعبد الله زيدان، عمي، ابن عم أبي. أحدهم [شريف] يقول دعونا نستسلم، والآخر [عبد الله زيدان] يقول لا، وواحد يقول نعم. هربوا خلال رمضان، بعد الظهر، الرجال فقط، باتجاه “بت شلومو”.[ بت شلومو( وتعني بنت سليمان) مستوطنة زراعية يهودية أسست في العام 1889 بدعم من البارون إدموند دي روتشيلد، وتقع على المنحدرات الجنوبية لجبل الكرمل. اكتسبت المستوطنة أهمية استراتيجية قصوى خلال الحرب نظراً لموقعها على الطريق المؤدي إلى “وادي الملح” الذي يربط الساحل بمرج ابن عامر وجنين (خط الانسحاب الوحيد للقرويين). ودعيت بها الاسم تيمناً بابنة عم البارون روتشليد (ابنة سالومون ماير فون روتشيلد). استخدمتها وحدات الهاغاناه والجيش الإسرائيلي كنقطة حشد وانطلاق لمحاصرة قرى “المثلث الصغير” من الجهة الشرقية، ولقطع طرق الإمداد القادمة من القوات العراقية في جنين وتشير السجلات إلى أنه مع بداية الانتداب البريطاني، كان سكان الموشاف خليطاً من اليهود والمسلمين، وإن كانت الغالبية لليهود، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قاعدة انطلاقة ضد القرى العربية-المترجم.]
كان الكونت برنادوت، وسيط الأمم المتحدة، في حيفا خلال هذه الأيام الحاسمة. في منتصف يوم 25 تموز، توسل المقاتلون للعراقيين عبر الراديو لاستدعائه لإنقاذهم رغم قولهم عن برنادوت في نفس الإرسال: “ماذا يمكننا أن نفعل؟ يمكنهم انتهاك الهدنة لأن الكونت برنادوت في صفهم” [53]. لم يتدخل برنادوت وسقطت إجزم في اليوم التالي؛ كان جهاز الإرسال يُستخدم الآن فقط لترتيب إرسال المركبات لإجلاء النساء والأطفال [54].
عندما دخل الجيش إجزم، كانت فارغة تقريباً. كان ستمائة من النساء والأطفال في خربة “قمبازة” القريبة [55]، إما ينتظرون قافلتهم للمغادرة إلى وادي عارة أو، لأن بعضهم كان صغيراً جداً أو مسناً أو مريضاً أو مصاباً بحيث لا يمكنه المشي لمسافة خمسة عشر كيلومتراً أخرى إلى عارة، كانوا ينظمون أنفسهم للذهاب إلى دالية الكرمل وعسفيا، على بعد خمسة كيلومترات فقط.
لم يكن طريق الهروب الجبلي إلى عارة آمناً. عندما أدرك الجيش أن الفلاحين يتراجعون عبر هذا الطريق، نُصبت كمائن على طول الطريق، بالقرب من وادي الملح وقنير [56] وقُتل ما يقرب من ستين شخصاً في طريقهم إلى عارة [57].
تم استجواب “هاجد هاد صالح” (ربما هناك خطأ في كتابة الاسم في وثيقة الأمم المتحدة)، وهو من شيوخ إجزم، وعلي محمد حانوتي، وهو شيخ من إجزم، في 30 تموز 1948 من محققي الأمم المتحدة بخصوص ظروف سقوط القرية والهروب. ووصفوا في أقوالهما المشتركة ما حدث بعد الهجوم الأخير في 25 تموز: “… بعد هذه الهجمات العنيفة، بدأت النساء والأطفال بالتوجه إلى الماقورة. خلال التحرك، تعرضت النساء والأطفال لهجوم بنيران رشاشات الطائرات لكنني لم أستطع تقدير الخسائر لأن الجميع تشتتوا. غادر الرجال القرية وعادوا عبر الجبال إلى جنين. كانت النساء والأطفال تحت مسؤولية شريف. ذهبت معظم النساء والأطفال إلى عسفيا ودالية الكرمل وعرعرة وعارة. عاد الناس [58]. سرق اليهود الماشية والأغنام وأطلقوا النار بالرشاشات على القطعان والناس. سرقوا المال من النساء. لا يزال بإمكانك العثور على موتى في الجبال. لم يُسمح لأحد بأخذ أمتعة” [59].
يذكر أبو نعيم يوم الانسحاب:
(حديث بالعبرية): كان الناس في الخطوط الأمامية خائفين من القبض عليهم وقتلهم. بدأوا [بالهروب]. كنا في الماقورة-عائلتي. بدأ الناس يمرون. “ماذا حدث؟” [سألنا]. قالوا-“لا يمكننا الصمود”. ألقوا بنادقهم فقط [قائلين]-“ليس لدينا ذخيرة، ليس لدينا طعام، لا يمكننا الاستمرار”. ثم جاء شريف وقال “دعونا نتحدث، انتظروا بضع ساعات”. لم ينتظر الناس، وبدأ الجميع… هرب واحد، وبدأ الجميع بالهروب…
كان شريف ربما واحداً من القلائل الذين شكوا في أن من يغادر لن يتمكن من العودة. في تلك الأيام الحرجة الأخيرة في إجزم، فقد شريف نفوذه، إذ سرت عدوى الفرار بين الفلاحين على نحو متسارع مثل دحرجة كرة ثلج هائلة. لكنه اختار البقاء في الماقورة، في مزرعته، ومن المفارقات أنه بعد بضع سنوات اضطر لبيع العقار ليعقوب سالومون، المحامي اليهودي من حيفا.
ما بعد الكارثة
يتذكر ماعوز، وقد التقيته في منزله في حيفا، المشهد، وكان وقتها ضابطاً، ويقف خارج القرية عندما احتلالها، وعندما اقترب من القرية بعد أن هُجرت، يصف المشهد التالي: (حديث بالعبرية): كانت هناك قرى كنا ندخلها فنجد بيوتها قاحلة وفقيرة. أكواخ… لكن في هذه القرية كانت هناك منازل حجرية وشوارع، ومنازل من طابقين. يمكن للمراقب القول إن السكان هنا لديهم مستوى معيشي مختلف. وهذا ما فسر لنا أيضاً سبب إصرارهم على البقاء هناك. كانوا محاصرين وعليهم المغادرة في وقت مبكر جداً. وأشار -في تأمله لهروب الفلاحين-:”شعروا أن شيئاً ما يتطور من جميع الاتجاهات. فعلوا واحدة من أذكى الأشياء التي يمكنهم القيام بها، قرروا ببساطة مغادرة القرى الثلاث. لا أعرف اليوم ما إذا منحوا الفرصة أم ببساطة لم ينتبه أحد. ساروا في بطن أحد الأودية، وعبروا وادي الملح وتوجهوا نحو أم الفحم”.
عثر على بعض كبار السن وبعض النساء والأطفال في محيط القرى الثلاث ونقلتهم القوات اليهودية إلى الخطوط العراقية. كما عثر على ما يقرب من أربعين جثة في موقعين، خلف مسجد إجزم وقرب مدرسة عين غزال. كان واضحاً أنه لم يكن هناك وقت كاف لدفن الموتى وكانت الجثث مغطاة بطبقة رقيقة من التراب [60].
قدمت الدول العربية شكوى إلى هيئة مراقبة الهدنة المركزية التابعة للأمم المتحدة بخصوص الانتهاك الإسرائيلي للهدنة. حققت لجنة تابعة للأمم المتحدة في القضية ووجدت الغالبية العظمى من اللاجئين في منطقة جنين، في آب 1948. نسمع من هذا التقرير أنه في حالة إجزم، تم الإبلاغ عن مقتل اثنين وثلاثين شخصاً، وفقدان خمسة وعشرين، وتم تحديد مكان 4153 شخصاً [61]. نقل الجيش الإسرائيلي القرويين الذين لجأوا إلى دالية الكرمل إلى الخطوط العربية في ست حافلات في 17 آب 1948، بعد إجبارهم ليوقعوا على وثيقة تفيد بأنهم يذهبون بمحض إرادتهم [62]. أولئك الذين تهربوا من النقل الأول تم “تجميعهم” ووضعهم بالقرب من الحدود في 23 آب [63] ومرة أخرى، في عملية سميت “الأنشوطة” [ميفتساه كيشير מבצע קשר– المترجم ] في 6 تشرين الأول [64].
تشهد المراسلات بين “حارس أملاك الغائبين” (الجهة التي أنشأتها الدولة اليهودية للإشراف على الأراضي والممتلكات الفلسطينية) والجيش بأن الجنود الأفراد وكذلك وحدات الجيش المنظمة كانوا أول من نهب الممتلكات العربية. على سبيل المثال، استولت وحدة ألكسندروني على جرار زراعي بعد ساعات قليلة فقط من دخول الجيش القرى الثلاث [65]. لاحقاً، تجمع جيران يهود من المنطقة لـ”جمع” ما يمكنهم. وصف تقرير لجيش الدفاع الإسرائيلي ما يلي: “… في قريتي إجزم وعين غزال شوهد يهود قادمون بعربات من عتليت والمناطق المجاورة ينهبون ممتلكات العرب” [66].[حارس أملاك الغائبين (Custodian of Absentee Property): منصب وجهاز قانوني استحدثته إسرائيل في العام 1950 (بناءً على أنظمة طوارئ تعود للعام 1948) للسيطرة على أملاك اللاجئين الفلسطينيين، ومنعهم من استعادتها قانونياً حتى لو كانوا موجودين داخل إسرائيل (الحاضرون الغائبون).-المترجم]
في خريف العام 1948، سُمح لعدد قليل من العائلات “الجزماوية” بالعودة من دالية الكرمل والعيش في إجزم. لكنهم مُنعوا من العودة إلى منازلهم، فاستقروا في منازل “جزماوية” أخرى، وكان على معظمهم العمل في مزرعة شريف، التي كانت لا تزال نشطة في “الماقورة” [67]. كتب وزير شؤون الأقليات الإسرائيلي، بيخور شتريت، وهو صديق شخصي لشريف [68]، رسالة إلى الجنرال أفنير، رئيس الحكم العسكري (هممشال هتسفاعي)، تأييداً لحماية هذه العائلات والسماح لها بالبقاء في إجزم [69].
تشهد هذه الرسالة، مثل رسائل أخرى موجودة في هذا الملف، على المواقف المتباينة بين الوزير من جهة، وضابط الجيش المحلي المسؤول من جهة أخرى [70].[بيخور شتريت (1895–1967). ولد في طبريا لعائلة يهودية مغربية. أتقن العربية بطلاقة وعمل في الشرطة وقضاء الانتداب البريطاني. عُين وزيراً للشرطة ووزيراً لشؤون الأقليات في الحكومة الإسرائيلية المؤقتة. بسبب خلفيته، كان “الوجه المقبول” للمفاوضات مع العرب، لكن الوثائق تظهر محدودية سلطته أمام القادة العسكريين الذين نفذوا التطهير العرقي.-المترجم]
“تشاركت” العائلات الجزماوية التي بقيت في القرية مع جنود ومهاجرين يهود جدد من تشيكوسلوفاكيا. وصف أبو نعيم كيف قرر الجيش في ربيع العام 1949 طرد العائلات العربية من منازل القرية:
(حديث بالعبرية): ذات صباح طوق الجيش حينا المتفرق. قالوا-“عليكم الانتقال إلى خربتكم [الماقورة]. ليس لديكم ما تبحثون عنه هنا”. قلنا للجنود [الذين كانوا يعرفونهم شخصياً]-“… ما هذا؟”. قالوا-“نحن آسفون، نحن نتبع الأوامر فقط. نعلم أننا أكلنا معكم وجلسنا معكم”… لم تكن الأحوال كما هي اليوم، عندما يقول ضابط شيئاً يضج العالم بأسره. أعطى الأمر بالخروج.
إفرات: ولم يكن لديكم من تلجؤون إليه في هذا الأمر؟
أبو نعيم: لا أحد نلجأ إليه. لم نكن نعرف حتى أن هناك شرطة. لم نكن نعرف كيف نصل إلى الشرطة. العالم كان دولة مغلقة-لا أحد يعرف ما يحدث في محيطه.
بقيت بضع عائلات “جزماوية” في الجوار، في خربة الماقورة ومحيطها، وبقي بعضها حتى السبعينيات، عندما أُجبروا في النهاية على المغادرة. الوحيد الذي بقي بعد السبعينيات في الماقورة كان أبو مازن (علي اليونس الماضي) الذي خاض سنوات من الدعاوى القضائية المتعلقة بملكية أرضه.
توفي قبل بضع سنوات ولا تزال أرملته وأطفاله الصغار يعيشون في الماقورة، حيث تمنعهم الدولة من ترميم منزلهم المتهالك ولا يزالون منخرطين في المحاكم.
انتهى المطاف بالغالبية العظمى من اللاجئين بعيداً عن القرية-في العراق (الذي نقلهم إليه الوصي العراقي بعد وقت قصير من وصولهم إلى جنين كلاجئين في صيف العام 1948)، وسوريا والأردن والضفة الغربية.
ملاحظات ختامية
مع تكشف قصة إجزم- عمل سعيد المدني الانتقامي، الأسرى المخطوفون والمتبادلون، المساعدة العراقية المحدودة، سقوط القرية وتشتت سكانها-غالباً ما تكمل الروايات الشفوية للقرويين ووثائق الجيش بعضها البعض وتتقاطع أحياناً. على عكس فيلم “راشومون” لكيروساوا، لا تتباعد شهادات الشهود على نحو كبير. علماً أن وثائق الجيش كُتبت بعد وقت قصير من الأحداث (في غضون ساعات أو أيام قليلة)، للاستخدام الداخلي (عادة ما تُصنف على أنها “سرية”)، ربما كان من المتوقع أن تحمل القليل نسبياً من بصمات التدخل وإعادة البناء للتمثيلات الرسمية للدولة.
الأكثر إرباكاً هو أن روايات القرويين ليست مبتكرة للغاية. يجب الانتباه أنها روايات ذاتية وأنها سجلات لمرحلة درامية (وصادمة) وقد تركت الأحداث بصمتها على الذين عاشوها. علاوة على ذلك، أعيد فحص العديد من هذه الحوادث على نحو متكرر بعد وقوعها، ونوقشت في إطار العائلة، وتداولها مجتمع القرية المشتت. وفي ذات الوقت، تتباعد المصادر الشفوية والتوصيفات السردية المكتوبة في “روحها”. تفتقر وثائق الجيش إلى وصف أشخاص مميزين وخصائصهم، لا سيما أولئك الذين ينتمون إلى “العدو”. وهذا ليس بسبب أن من كتب هذه الوثائق يعبرون عن شعور قومي يهودي ولكن أيضاً بسبي طبيعة واحتياجات التوثيق العسكري. في المقابل، يدور السرد الشفوي حول أشخاص معينين. هناك رجال لا يُنسون مثل سائق الحافلة سعيد المدني أو الرجل الذي قُتل في حافلة المدني، توفيق المراد. هؤلاء الرجال، عبر سنوات من تداول القصة، أصبحوا رموزاً للمجتمع المشتت.
في قصص أخرى، لكل عائلة بطلها الخاص، كما هو الحال عندما يتحدث أبو نعيم عن عمه مرشد الذي حرس الأسرى اليهود أو عندما يتذكر أبو داود ابن عم أبيه، عبد الله زيدان، الذي رفض خيار الاستسلام. على عكس وثائق الجيش، تتميز الروايات الشفوية بالقدرة على ضخ الحياة والعمق والمنطق الداخلي للقصة. في الواقع، قد يستمر منطق بعض الأحداث الفوضوية في التكشف لفترة طويلة بعد حدوثها. [راشومون (Rashomon): فيلم ياباني شهير من إخراج أكيرا كوروساوا ، بالأبيض والأسود عُرض في العام 1950. تدور أحداثه في العام 750 ميلادية (زمن الحرب الأهلية في اليابان حيث عمت الفوضى والمجاعة) حول جريمة قتل ر جل من الساموراي يعثر عليه أحد الحطابين، ثم تقبض الشرطة فيما بعد على قاطع طريق مشهور يدعى تاجومارو (Tajōmaru) فيستدعى الشهود لسماع اقوالهم، وهم : قاطع الطريق الذي يدعي أنه قتل الساموراي في مبارزة شريفة. والزوجة التي تدعي أنها قتلت زوجها في لحظة يأس وجنون. والساموراي القتيل (يتحدث عبر وسيط روحاني) ويدعي أنه انتحر حفاظاً على شرفه. وأخيراً الحطاب الشاهد الذي راقب الواقعة خلسة، والذي يكشف في النهاية زيف ادعاءات “البطولة” والشرف في الروايات السابقة، مقدماً الرواية الأكثر واقعية وبشاعة. يخرج الحطاب من قاعة المحكمة و يلتجأ إلى أحد المباني القديمة المهجورة وهناك يلتقي بأحد الرهبان البوذيين وبرجل آخر عابر سبيل، ويدور بين الثلاثة حديث حول المحاكمة، فيعترف الحطاب، في نهاية الحديث، أنه أدلى بشهادة كاذبة أمام المحكمة، ثم يقص عليهم القصة الحقيقيّة. عبقرية لحظات الاعتراف تلك أنها تظهر كما لو أن كل رواية “صادقة” من منظور صاحبها، مما يجعل الحقيقة الموضوعية ضائعة ومستحيلة الإدراك (وهو ما بات يُعرف في العلوم الاجتماعية بـ “تأثير راشومون”). تستحضر الكاتبة هذا الفيلم هنا للمفارقة؛ إذ تشير إلى أن روايات النكبة في إجزم (سواء من الأرشيف العسكري الإسرائيلي أو الذاكرة الشفوية الفلسطينية) لا تعاني من “تأثير راشومون”، بل هي متطابقة ومتكاملة إلى حد كبير، وليست متناقضة.-المترجم]
تكتسب الروايات الشفوية مزيداً من الحيوية بتسمية الأماكن، وتضمين الحوارات (وإن كانت مُعادة البناء، وبالتالي ليست وفية تماماً للأصل)، وكشف العواطف والدوافع التي حركت الناس. في المناقشة المتعلقة بإجلاء نساء وأطفال الطيرة، نتعرف على التأثير العاطفي المدمر على الرجال عندما تُركوا دون عائلاتهم.
لم تكن الظروف الاستراتيجية وحدها، مثل سقوط حيفا، هي التي حددت نتيجة الحرب. بل كان أيضاً التفسير الذاتي للقرويين لمعنى مثل هذه الأحداث. تضرر دافع المقاتلين عندما تغير النسيج الاجتماعي للقرية. بالنظر إلى الماضي، يُنظر إلى تفكك القرية، الذي اشتد خلال أشهر القتال المتقطع، على أنه عامل أسهم في سقوطها.
لم يكن الإخفاق العراقي في القدوم للنجدة عندما كان القرويون يائسين بالفعل أقل تدميراً. تؤكد القصة المحلية التي تظهر الفجوة بين الخطاب السياسي العربي والظروف العملية الفعلية. بينما كانت الدول العربية صريحة بخصوص نواياها القتالية، كان تدخلها في الممارسة العملية، على الأقل في منطقة الكرمل، محدوداً للغاية. تظهر “فلسطين” ككيانين مختلفين-الكيان الرمزي الخطابي، كما يلوح في الموقف العربي العام، والأرض الفعلية التي كان القرويون يقاتلون من أجلها.
أختار أن أختتم بتأمل أبو نعيم حول الهروب المتسرع والقاتل من إجزم. يطمس سرده التقسيم بين الشخصي والمحلي والوطني، حيث يجسد جوهر المأساة الفلسطينية:
“كان الشعور سيئاً، لكننا خدعنا أنفسنا، ظناً منا أننا سنعود الأسبوع المقبل. لم نشعر بالسوء كما كان ينبغي لأننا اعتقدنا أننا سنعود في غضون أسبوع أو أسبوعين. ماذا حدث؟ تخيل الناس أن هذا كان مؤقتاً، كما لو كان نتيجة مطر أو فيضان. سنتحرك لمدة أسبوع ثم سينتهي الفيضان [71]. كان هذا هو الشعور الذي أدى إلى هذه النكبة”.
الهوامش
1.هذه الورقة جزء من دراسة أكبر بعنوان Narratives of Exile: Palestinian refugee reflections on three villages, Tirat Haifa, Ijzim and ‘Ain Hawd.”روايات المنفى: تأملات اللاجئين الفلسطينيين من قرى طيرة حيفا، إجزم، وعين حوض”. شمل العمل الميداني، الذي أُجري بين عامي 1996 و1998، بحثاً أرشيفياً ومقابلات مع لاجئين فلسطينيين يقيمون في الأردن وإسرائيل والضفة الغربية، ويظهرون بأسماء مستعارة. أود أن أشكر بول دريش، وسامر القرنشاوي، وبيني موريس، وجاي وينتر لتعليقاتهم المفيدة على هذه الورقة عندما كانت لا تزال في شكل فصل من رسالة دكتوراه. ومؤخراً، قدمت ساهرة درباس، ولاري ليرنر، وإيمانويل سيفان نصائحهم القيمة. يتبع النقحرة (الترجمة الصوتية) اللهجة الفلسطينية المحكية. على سبيل المثال، تُكتب التاء المربوطة كـ “eh” (كما في كلمة محرمة “mahrameh”) على شكل “هِ”. الكلمات المأخوذة من نصوص مكتوبة (على عكس السرد الشفوي) تُكتب صوتياً حسب العربية الفصحى. الأسماء التي ظهرت كثيراً باللغة الإنكليزية تُركت كما هي بالإنكليزية. ستظهر أسماء المؤلفين العرب الذين نشروا بالإنكليزية دون علامات التشكيل العربية. في العبرية، تُرجمت الحروف الساكنة صوتياً ولكن لم يتم التمييز بين حروف العلة الطويلة والقصيرة (نظراً لاختلاف تهجئة حروف العلة العبرية).
2.”جيش الدفاع الإسرائيلي” هو الاسم الرسمي للجيش-تسفا ههغناه ليسرائيل.
3.أجريت الاستجوابات مع الرجال بعد سقوط القرية. لم يعد الجيش الإسرائيلي بحاجة لتفاصيل عن القرية، بل رغب بشكل أساسي في إثبات ادعاءات معينة للجنة الأمم المتحدة التي كانت تحقق في ظروف سقوط إجزم. وبسبب المصطلحات المستخدمة في تقارير التحقيق هذه (مثل “عصابات” لمقاتلي القرية و”شرطة” لقوات الجيش الإسرائيلي)، أشك في أن بعض التقارير كتبها الإسرائيليون وأُجبر القرويون على التوقيع عليها. ومن هنا، تعد هذه التقارير مصدراً تاريخياً مشكوكاً فيه ولكن يمكنها إلقاء الضوء على البناء الأولي للرواية التاريخية الإسرائيلية. انظر، على سبيل المثال، أرشيف دولة إسرائيل، ملفات وزارة الخارجية 2427/1. Israel State Archive, 2427/ 1 Foreign Ministry files
4.حول عائلة الماضي انظر: مناع 1986؛ الباش 1998؛ يزبك 1998. Manna’ 1986; Al-Bash 1998; Yazbak 1998
5.تستند البيانات إلى إحصاء بعنوان “إحصاءات القرى” أجراه الانتداب البريطاني في 1 نيسان 1945. وثيقة من أرشيف الجيش الإسرائيلي (IDFA (2168/1950 ، file 57)، بتاريخ 17 أيلول 1948، تستند إلى آخر إحصاءات رسمية بريطانية من كانون الأول 1946، تذكر أن عدد سكان إجزم بلغ 3,140 نسمة. الوثيقة عبارة عن مذكرة ملحقة برسالة إلى وزير الخارجية بخصوص القرى الثلاث. انظر أيضاً Khalidi 1992.
6.انظر Stern 1980: 52. يُعرض التقسيم بين مختلف شرائح السكان في هذا الأطلس على النحو التالي: في عام 1922، وفقاً لإحصاء بريطاني، كان هناك 9,377 مسلماً، 8,863 مسيحياً، 6,230 يهودياً و164 “آخرون”. تقديرات عام 1944 هي 35,900 مسلم، 26,600 مسيحي، 66,000 يهودي و300 “آخرون”. وبما أن السكان مقسمون حسب الدين، فليس من الواضح ما هي نسبة المسيحيين العرب، على الرغم من أنها كانت بوضوح الأغلبية العظمى.
7.كتب Morris (1991: 150-154) عن الظروف القاسية في عكا بعد وصول اللاجئين من حيفا وتفشي وباء التيفوئيد. بعد هجوم استمر يومين، استسلمت عكا للقوات اليهودية في 18 أيار.
8.هذه الأرقام مأخوذة من “إحصاءات القرى” للانتداب المذكورة أعلاه لعام 1945. ربما كان عدد السكان أعلى قليلاً بحلول عام 1948.
9.انظرSlutsky 1965 (the Hagana history book), 1965: 1363± 4; Toldot Milhemet Haqomemiyut (The History of the War of Independence), 1959: 253; Lorch 1961: 277- 279.
10.انظر http://www.birzeit.edu/crdps/tier@vil.html#1948. كانت الهاغاناه الذراع العسكري اليهودي الرئيسي خلال حقبة ما قبل الدولة.
11.وثائق عام 1948 في أرشيف الجيش الإسرائيلي (IDFA) بموجب قانون الأرشيف الإسرائيلي، كان من المفترض نظرياً أن تظل مغلقة لمدة خمسين عاماً، أي حتى عام 1998. ومع ذلك، رفعت لجنة خاصة السرية عن بعض هذه الوثائق في وقت سابق، في ضوء الاهتمام المتزايد “الذي ولدته احتفالات الذكرى الخمسين للدولة”، كما يكتب أمين الأرشيف، يورام مايوريك (www.research.co.il). وبما أن الوثائق لا تُفتح تلقائياً بل لا تزال تخضع لعملية “تصفية” وبسبب بطء عمل الرقباء، فإن الغالبية العظمى منها لا تزال غير متاحة للجمهور. إجراء الوصول الحالي هو أن يتوجه الباحث إلى الأرشيف ويسرد اهتماماته. يختار أمين الأرشيف الملفات ذات الصلة وينقلها إلى رقيب يقوم بتصفيتها. ثم يتم تحميلها على جهاز كمبيوتر. يستغرق الأمر أشهراً حتى يتمكن الباحث من الوصول إلى الوثائق. عندما يتم حذف وثيقة من ملف، يتم إدراج نموذج يشير إلى مخططها العام (من كتب لمن، ومتى، وطبيعة المراسلات) في مكانها. في بعض الوثائق، يتم حجب جمل أو كلمات محددة فقط. يمكننا التكهن من السياق أن الأرشيف لا يزال يرغب في إخفاء أسماء الأشخاص أو الأفعال مثل طرد المدنيين.
12.نشر موشيه كرمئيل (1949) مذكراته عن حرب 1948. ذُكر احتلال إجزم في كتابه؛ السياسة المعبر عنها في الوثيقة التالية لم تُذكر.
13.أرشيف الجيش الإسرائيلي 244/1951 ملف 67 بتاريخ أيار 1948. علق بيني موريس بأن “تطهير” قد يشير إلى قوات الجيش فقط، أي القوات العسكرية
14.في العديد من القرى، بقي كبار السن وبعض النساء والأطفال أثناء الاحتلال. في حالة الطيرة، على سبيل المثال، بعد سقوط القرية، أُخذ الرجال الأسرى للاستجواب في السجن ونقلت القوات اليهودية بقية السكان إلى الحدود مع الأردن.
15.عند الاقتباس من المقابلات، أشرنا إلى الحديث إن كان بالعبرية أو بالعربية أو بالإنكليزية.
16.كان أبو أشرف أحد القلائل الذين استخدموا الأسماء اليهودية الجديدة عند الحديث عن الأماكن خلال حرب 1948.
17.كان توفيق العارف أحد مخاتير القرية.
18.ذكر “عوض” و”عبد الرازق”، اللذان يقيمان الآن في مخيم إربد للاجئين، توفيق المراد أيضاً عند وصف معلمي مدرسة إجزم: عوض: “كان هناك أربعة إلى خمسة معلمين. كان بينهم توفيق المراد”. عبد الرازق [الذي يجلس بجانبه، يضيف]: “توفيق الماضي”.
19.عندما قال “مكتب” (desk) كان جميل يشير إلى المقعد الذي أمامه.
20.هآرتس (صحيفة يهودية)، 3 شباط 1948، ص 4.
21.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949، ملف 152 بتاريخ 4 تموز 1948.
22.أرشيف الجيش الإسرائيلي 244/1951 ملف 67، 6 تموز 1948 [مرسل إلى الضابط المسؤول عن حيفا من ضابط استخبارات المدينة]. نسخة أقصر في 922/1975 ملف 1176 بتاريخ 7 تموز 1948.
23.كما هو الحال مع أبو أشرف، يستخدم أبو نعيم الأسماء العبرية للموقع. كلاهما يعيشان في إسرائيل منذ عام 1948.
24.دالية، الاسم المختصر لدالية الكرمل، القرية الدرزية الواقعة على بعد بضعة كيلومترات شرق إجزم.
25.أرشيف الجيش الإسرائيلي 4663/1949 ملف 46. الرسالة مؤرخة في 6 تموز. وثيقة الجيش التي تقتبسها مؤرخة في 10 تموز.
26.أرشيف الجيش الإسرائيلي 6400/1949 ملف 66 بتاريخ 12 تموز/يوليو 1948.
27.من بين الملاحظات كانت هناك رسالة أخرى من كوبرشتوك إلى سالومون وقائمة بأسماء الأسرى العرب المحتجزين لدى اليهود.
28.يشير كوبرشتوك على الأرجح إلى شريف.
29.ربما توصل كوبرشتوك إلى هذا الاستنتاج بعد محادثته مع شفيق. لاحظ أنه في وقت سابق ذكر شفيق أن كوبرشتوك أراد الهرب وأنه حذره من أن ذلك خطير.
30.أرشيف دولة إسرائيل 931/6/P.
31.أرشيف الجيش الإسرائيلي 6400/1949 ملف 66.
32.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949 ملف 137. أخبرني أفراد من عائلة إتكيس أنه بعد وقت قصير من قيام دولة إسرائيل، غادر إتكيس وزوجته إلى الولايات المتحدة (حيث كان قد أمضى بضع سنوات قبل وصوله إلى فلسطين).
33.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949، ملف 152، 14 آذار 1948 [تقرير استخباراتي من حيرام إلى تينيه]. مُسجل أيضاً في مكان آخر 5942/1949، ملف 23.
34.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949، ملف 23، 16 آذار 1948 [تقرير استخباراتي من حيرام إلى تينيه].
35.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949 ملف 152.
36.ناقش تشارلز تريب ما ورد أعلاه في ورقة تتعلق بالتورط العراقي في فلسطين عام 1948. قُدمت الورقة في مركز دراسات الشرق الأوسط، أكسفورد، 4 كانون الأول 1998. لا تزال هناك مقولة شعبية بين الفلسطينيين بخصوص هذا النقص العراقي في الأوامر: “بين أكو وماكو، الفلسطينيون انتاكوا” (بين وجود [الأوامر] وعدم وجودها، ضاع الفلسطينيون). أشكر أفراهام سيلا، الذي لفت انتباهي إلى هذه المقولة. جادل الجنرال الجبوري، الذي قاد القوات العراقية في فلسطين عام 1948، بأن الاتهامات المتعلقة بنقص الأوامر لا أساس لها من الصحة. وأضاف أنهم نتيجة المنافسة داخل جامعة الدول العربية وبين جيوش عربية مختلفة. يصف نافذ نزال (1978) نفس النقص في الأوامر العراقية في منطقة الجليل.
37.أرشيف الجيش الإسرائيلي 2506/1949 ملف 85. المراسلات باللغة الإنجليزية.
38.أرشيف الجيش الإسرائيلي 6400/1949 ملف 66 بتاريخ 4 تموز 1948 – “… يتلقى أهالي إجزم أسلحة صغيرة من طولكرم، عبر مسارات في الجبال تمر بأم الجمال بالقرب من زخرون”. أرشيف الجيش الإسرائيلي 6400/1949 ملف 66 – “… لا يوجد جيش أجنبي في إجزم… كل ليلة يتم نقل الإمدادات الغذائية والذخيرة والأسلحة والمعدات من المثلث إلى القرية”.
39.”مشمار هعيمق” هو كيبوتس يهودي جنوب شرق حيفا.
40.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949 ملف 152 بتاريخ 4 تموز 1948. الإشارة بخصوص العلاقات مع أم الزينات محيرة لأن أم الزينات احتلت في 15 أيار.
41.يشير مترجم الجيش إلى أنه لا يستطيع تحديد كلمة “mundel”. في اللهجة الفلسطينية المحكية، غالباً ما تُستخدم كلمة (munadilin)”مناضلين”، بمعنى مقاتلين، بطريقة ساخرة. أشكر عصام أبو ريا على هذه المعلومة.
42.هذا المقطع مترجم من الترجمة العبرية المحفوظة في أرشيف الجيش الإسرائيلي. الكلمة المستخدمة لـ “مكشوف” بالعبرية كانت “nitgalenu” (انكشفنا). أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3.
43.فرض “يغآل”، الذي كان سياسياً وعضواً في البرلمان سابقاً ومتورطاً مع السكان العرب في إسرائيل، نظرته اليمينية للعالم على روايته للحرب. في عام 1948 كان ضابطاً في الجيش مسؤولاً عن وحدة نصبت كمائن في الحقول شمال شرق الطنطورة لمنع وصول أي مساعدة أثناء المعركة. قال لي إنه على حد علمه، قُتل أكثر من سبعين شخصاً. قال أحد الناجين من الطنطورة والذي يعيش في قرية قريبة إنه سجل أسماء القتلى ووصلت القائمة إلى 95 شخصاً. المعلومات التي لدي ليست كافية للتأكد مما حدث في الطنطورة.
44.كتب تيدي كاتس من كيبوتس ماغال رسالة الماجستير الخاصة به (المقدمة لجامعة حيفا) حول احتلال الطنطورة وأم الزينات. وصل وصفه لمذبحة الطنطورة إلى صحيفة معاريف العبرية اليومية، وقرر قدامى المحاربين في لواء ألكسندروني مقاضاته. وقع الجانبان اتفاقاً قبل المحاكمة يقوم فيه كاتز بالتراجع علناً عن نتائجه. أدى هذا إلى إلغاء المحاكمة.
45.ذكر “يسري” من عين حوض الطنطورة عند محاولته شرح قرار مغادرة قريته: “كان هناك بعض الناس الذين قالوا لا لخيار الاستسلام-‘لا نريد البقاء هنا’. كانت هناك أسباب أخرى أيضاً، خاصة مذبحة الطنطورة التي شهدوها والتي قُتل فيها مائة شخص. لذلك خاف الناس أن يأتوا [اليهود] ويذبحوهم”.
46.ضمت القوة المهاجمة وحدة من ألكسندروني (على الأرجح تعني كتيبة)؛ مدفعي هاون عيار ثلاثة بوصات، عشرة رجال وضابط؛ مدفعي رشاش “بيزة”، عشرة رجال وضابط؛ قوة طبية؛ ثلاثة أجهزة اتصالات؛ أربعين رجلاً من كرملي أُحضروا من دورة قادة؛ ثلاثين رجلاً من الحامية. بينما كانت القوات الميدانية (هيل ساديه) متنقلة وتعيش في معسكرات، كانت قوات الحامية (هيل مشمار) تتكون في الغالب من رجال أكبر سناً، فوق سن 35، يبقون في منازلهم ويتم تعبئتهم للمهام المحلية. لذلك، كان بعض المقاتلين من كلا الجانبين يعرفون بعضهم البعض. انظر أرشيف الجيش الإسرائيلي 6400/49، ملف 66، و2506/1949، ملف 85.
47.الوثائق المتعلقة بالقصف الجوي يوم 12 تموز/يوليو هي: أرشيف الجيش الإسرائيلي 137 (38)/ 1951 ملف 178، وكذلك أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/ 1975 ملف 1182؛ والوثيقة المتعلقة بيوم 17 تموز هي أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/ 1975 ملف 1176؛ والوثيقة المتعلقة بيوم 19 تموز هي أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/ 1975 ملف 1032.
48.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3. الوحدات التي تشارك في هذا الهجوم، في 21 تموز، هي ست سرايا من الشرطة العسكرية منظمة كثلاث سرايا وسرية واحدة من قوة مساعدة منظمة كثلاث سرايا (أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/49، ملف 130).
49.أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/75، ملف 1044 – العملية النهائية-كتيبة واحدة (ألكسندروني رقم ثلاثة وثلاثين) (حوالي 900 جندي) (تم ذكر سريتين فقط من هذه الكتيبة في وصف المعركة)؛ سرية واحدة من الكتيبة واحد وعشرين (كرملي)؛ سرية واحدة من الكتيبة خمسة عشر (جولاني). الأسلحة المساندة-مدفعان عيار خمسة وستين مليمتراً؛ مدفعا هاون عيار مائة وعشرين مليمتراً (هاون ثقيل)؛ ست سيارات مصفحة من اللواءين السابع والثالث؛ قاذفات وطائرات مقاتلة.
50.أرشيف الجيش الإسرائيلي 137(38)/1951 ملف 178: “…، اقصف الجزء الجنوبي الغربي من قرية إجزم والمنطقة الواقعة بين القرية والجزء الشرقي الأقصى من الطريق إلى القرية. حمولة القنابل 1200 كغم قنابل حارقة. الوقت 0030-0130. أضئ منطقة الهدف بالمشاعل. اضرب الهدف أولاً بالقنابل الحارقة ثم اقصف الأهداف التي أصابتها القنابل الأولى بشكل منهجي”.
51.أرشيف الجيش الإسرائيلي 137(38)/1951 ملف 178.
52.أرشيف الجيش الإسرائيلي 137(38)/1951 ملف 178 بتاريخ 26 تموز1948-“اقصف نفس القبة الساعة 10:00 وابحث من ارتفاع منخفض…”.
53.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3.
54.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3. أعطى تقرير استخباراتي، جمعه جيش الدفاع الإسرائيلي بناءً على مصادر عربية، الوصف التالي لكيفية تطور الأمور في القرى الثلاث: “… بعد معركة ليل ونهار تقرر أن يغادر جميع الشبان المسلحين القرى ويشقوا طريقهم نحو عارة وعرعرة. عند الغسق، تم التخلي عن عين غزال وجبع. تجمع الناس في خربة قمبازة ومن هناك غادروا في قوافل، خمسين إلى مائة شخص في كل قافلة. تم تأمين كل قافلة” (أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/1975 ملف 1044).
55.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3 بتاريخ 27 تموز
56.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3.
57.أرشيف الجيش الإسرائيلي 922/1975 ملف 1044. وفقاً لهذه الوثيقة وصل ثمانمائة شخص إلى عارة بأمان.
58.يمكن التساؤل عما يعنيه القول “عاد الناس”. ربما يعني أن بعض الأشخاص الذين بقوا في الجوار (في الجبال أو في القرى الدرزية) حاولوا العودة إلى القرية وإنقاذ محاصيلهم وممتلكاتهم.
59.أرشيف دولة إسرائيل.
60.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3.
61.أرشيف الجيش الإسرائيلي 2168/1950 ملف 26. بالنسبة لعين غزال، تم الإبلاغ عن مقتل اثنين وعشرين، وفقدان ثلاثة وثلاثين، وتحديد مكان 2,464 شخصاً؛ أما في جبع فبلغ عد القتلى ثمانية والمفقودين خمسة، وتحديد مكان 1,494.
62.أرشيف الجيش الإسرائيلي (2) 716/1949 ملف 1.
63.كانوا تسعين شخصاً معظمهم من إجزم: تسعة وثلاثون طفلاً، أربعة وأربعون امرأة مسنة، وسبعة رجال مسنين. انظر أرشيف الجيش الإسرائيلي 244/1951 ملف 129.
64.أرشيف الجيش الإسرائيلي 7249/1949 ملف 82.
65.أرشيف الجيش الإسرائيلي 4663/1949 ملف 125. أيضاً 4663/1949 ملف 125 – في هذه الرسالة، يكتب نائب ضابط الأملاك العربية في حيفا إلى رئيس وحدة ألكسندروني مطالباً بإعادة الممتلكات المأخوذة من القرى الثلاث.
66.أرشيف الجيش الإسرائيلي 5942/1949 ملف 3، بتاريخ 11 آب1948. في رسالة يكتبها شريف إلى شتريت، يرغب في منحه الإذن بإنقاذ ممتلكاته في المقورة “قبل أن تتعرض لأيدي السرقة والنهب” (أرشيف دولة إسرائيل، جيميل 302/86). في وقت سابق من نيسان 1948، تم تشكيل لجنة مكونة من ممثلين عن المستوطنات اليهودية للإشراف على التعامل مع الأملاك العربية (أرشيف الجيش الإسرائيلي 4663/1949 ملف 46). في نهاية آب صادروا بعض الممتلكات المنهوبة مثل أربعة خيول عُثر عليها مع أربعة أشخاص مختلفين في زخرون يعقوب (أرشيف الجيش الإسرائيلي 4663/1949 ملف 125).
67.بينما بقيت منازل إجزم سليمة، دُمرت معظم منازل جبع وعين غزال، التي كانت أقرب إلى الطريق العام، بشكل منهجي بعد فترة وجيزة من الاستيلاء عليها.
68.كان شريف صديقاً لبيخور شتريت لسنوات عديدة، منذ الوقت الذي عمل فيه شتريت مع قوة الشرطة البريطانية. عند إعلان الدولة، أصبح بيخور شتريت وزيراً لمكتب الأقليات، ولاحقاً وزيراً للشرطة.
69.أرشيف الدولة، جيميل 1319/66، 12 كانون الأول 1948.
70.أرشيف الدولة 1319/66 جيميل.
71.استخدم الشاعر الفلسطيني معين بسيسو نفس الصورة في قصيدة عن النكبة. كتب: “ولم يترك السيل غير الحبل والوتد من ذلك الشعب أو من ذلك البلد”. انظر المختارات التي جمعها عبد الرحمن الكيالي، 1975: 235.
…………..
المراجع
REFERENCES
Abu-Lughod, J. (1971) “The Demographic Transformation of Palestine”, In: Abu-Lughod, I., ed, The Transformation of Palestine (Northwestern University Press, Evanston), pp 139-163.
عبد الصمد الحاج يوسف أبو راشد(1993). طيرة الكرمل : الأرض والإنسان، إربد، طبعة المؤلف
أحمد مصطفى الباش (1998) طيرة حيفا: كرملية الجذور’ فلسطينية الانتماء، دار الشجرة للنشر والتوزيع، دمشق.
Carmel, M. (1949) Ma’arakhot ha Tsaphon (Battles of the North) (Hakibbutz Hame’ uhad, Ein Harod).
Halbwachs, M. (1980) The Collective Memory (Harper and Row, New York).
Hynes, G. (1999) In: Winter, J. and Sivan, E., eds, Personal Narratives and Commemoration, in War and Remembrance in the Twentieth Century (Cambridge University Press, Cambridge, UK).
صالح صائب الجبوري (1970)، محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية, دار الكتب، بيروت.
Khalidi, W. (ed.) (1992) In: All that Remains: The Palestinian villages occupied and depopulated by Israel in 1948 (Institute for Palestine Studies, Washington).
Lorch, N. (1961) The Edge of the Sword: Israel’s War of Independence 1947± 1949 (Putnam and Co., New York).
عادل مناع ( 1986)، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني 1880- 1918، مطبعة الدراسات العربية، القدس
Morris, B. (1987) The Birth of the Palestinian Refugee Problem 1947-1949 (Cambridge University Press, Cambridge, UK).
Morris, B. (1991) Leidata shel Be’ayat haPlitim haPhalestinim 1947- 1949, A revised Hebrew edition of The Birth of the Palestinian Refugee Problem 1947± 1949 (Am Oved, Tel-Aviv).
Nazzal, N. (1978) The Palestinian Exodus from Galilee 1948 (The Institute for Palestine Studies, Beirut).
Samuel, R., Thompson, P., eds (1990) The Myths We Live By (Routledge, London).
Slutsky, J. (ed.) (1965) Sefer Toldot HaHagana (The History of the Hagana) (Ma’arakhot Press, Tel Aviv).
Stern, Sh. (1980) “The British Mandate Period”, In: Sofer, A. and Kipnis, B., eds, Atlas Haifa vehaKarmel (Atlas of Haifa and the Carmel) (University of Haifa, Haifa).
Takkenberg, A. (1978) “The Status of Palestinian Refugees in International Law” PhD thesis, University of Nijmegen (Netherlands).
Thompson, P. (1978) The Voice of the Past: Oral history (Oxford University Press, Oxford).
Toldot Milh Ç emet Haqomemiyut (The History of the War of Independence), (1959)” Ma’arakhot Press, Tel Aviv: Compiled by the History Branch of the General Staff, Israel Defence Force.
Wachtel, N. (1986) “Memory and History: Introduction”, History and Anthropology 2( 1), 207-224.
Yazbak, M. (1998) Haifa in the Late Ottoman Period, 1864± 1914: A Muslim town in transition (Brill, Leiden).
Aljarmaq center Aljarmaq center