محمود درويش: لا شيء يعجبني

ما الذي يعجب أهل قطاع غزة وما الذي لا يعجبهم؟
يبدو أن لسان حالهم صار سطر محمود درويش “لا شيء يعجبني”.
في الحرب، استحضر عديدون منهم نماذج من أشعار الشاعر أو كتبوا متأثرين بها. وكنت في “هوامش من وحي ما يجري في غزة” كتبت عن حضور أشعاره في الحرب “صدى للصدى” (٢٤/ ١/ ٢٠٢٥) و”مطار أثينا وقطاع غزة” (١٠/ ٨/ ٢٠٢٥)” و”تل الزعتر وبيروت وغزة: ثلاث قصائد لمحمود درويش” (٣١/ ٨/ ٢٠٢٥). والآن أثير السؤال:
ماذا لو تتبعنا حضور سطره قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها؟
هل سنكتب مثل ما كتبه عباد يحيى في “رام الله الشقراء” تحت عنوان “في استغلال الغياب” (صفحة ٤٠)، وما كتبه لا يغيب عن ذهن قارئ الرواية ممن يلاحظون الكثرة المفرطة في استحضار أشعار درويش “أم سنكرر: الحالة تستحضر ما ينطبق عليها؟”.
في بداية الشهر، كتبت يوميات “غزة في كتابات أبنائها”، والتفت إلى ما كتبه عبد الكريم عاشور في ٨/ ١/ ٢٠٢٦ تحت عنوان “لا شيء يعجبني”.
لقد كتب، إنه منذ ستين عاما وهو جار البحر “لم أفارقه، ولم يفارقني. إلى حد أن بيتي الأخير، الذي دُمر، كانت نوافذه تفتح مباشرةً على شاطئه”، وحين اضطر للنزوح إلى جنوب قطاع غزة، حرص أن يسكن قريبًا من البحر. وعندما عاد من الجنوب إلى ما تبقى من مدينة غزة، قال: “سأبحث عن قهوة أو كافتيريا مطلة على البحر، أذهب إليها كعادتي اليومية، بعد أن دُمرت كل المقاهي والمطاعم التي أحببتها”.
ذهب إلى كافتيريا قريبة من مخيم الشاطئ. فبدت من الخارج مكانًا مناسبًا. ولكن ما إن دخل وجلس على مقعد يواجه البحر، حتى جاءه شاب متجهم ليبلغه أن المكان مخصص للعائلات فقط، ويُمنع على “الأفراد أمثاله” الجلوس، إلا بصحبة فتاة… كي يصبح عائلة! مع أن عمره تجاوز السبعين عامًا، فاضطر للمغادرة، خصوصًا أن المكان المخصص “للأفراد” كان مكتظًا بصبية وشباب صغار.
غادر لأن هذا المكان لا يعجبه. بعدها ذهب إلى أطلال مطعم حيفا القديم، المكان الأقرب إلى قلبه، والمحمل بذكرياتٍ جميلة. وجلس على حجرٍ يستعيد ما كان، لكنه استفاق فجأة على رائحة كريهة؛ يبدو أنها من مياه المجاري التي تتسرب بهدوء من وادي غزة المحاذي للبحر، لتغمر المكان. والأدهى من ذلك، مشهد صيادي الشباك الفقراء، وهم يصطادون أسماكًا ملوّثة قرب مصب المجاري. فغادر المكان، عائدًا إلى شقّته البائسة التي لا تعجبه هي الأخرى؛
لقد استأجرها اضطرارًا في حي النصر المدمّر، متحمّلًا جشع أصحاب الشقق الذين يفرضون الإيجار الذي يشاؤون.
“لا شيء يعجبني… ويبدو أنني لم أعد أُعجب أحدًا”.
في 20/ 1/ 2026 أرسل إلي أكرم الصوراني ما كان كتبه في ٢٠/ ٢/ ٢٠١٩ “لا شيءَ يُعْجبُني..”.
“يقول مسافرٌ في الباص.. لا شيءَ يُعْجبُني/ لا العرق ولا رائحة الغرق ولا الانتظار ولا الزحمة على حاجز قلنديا وصالة أبو يوسف النجار. أُريد أن أبكي./ يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المعبر وابْكِ وحدك ما استطعت.
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا شيءَ يُعْجبُني. لا الحسوكه بعد منتصف الليل ولا ابني الذي لم يشرب الحليب ولا اللعبة التي لم يلعبها، أعْجَبَهُ الموت ونامَ في الثلاجة ولم يُوَدِّعْني./ يقول الجامعيُّ: ولا أَنا لا شيءَ يعجبني. لا شهادة التخرج ولا شحادة الرصيف./ يقول الرصيف: ولا أنا لا شيء يعجبني لا الشارع ولا مطب اليمين ولا مطب اليسار ولا رمزون السرايا ولا إشارة (قف) ولا إشارة الأيديولوجيا ولا طخ الشعارات ولا الجنازات ولا طخ المسيرات وضخ الذل وضخ المجاري./ أَجِد الهُوِيَّةَ وحدها لا زالت تعجبني في طابور الكوبونه. هل أنا حقاً أَنا أم محض طحين وسمنه وعلبة سردين؟/ ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني. أقبض على الناس ولا أقبض قوتي.. شَبَح الراتب يُحاصِرُني./ يقولُ السائقُ العصبيُّ: يلعن أبو الشيكل. يقول الركاب: يلعن أبوه…/ يصرخون: نريدُ ما بَعْدَ الموت.. فانطلق واخبط رأسنا بالحائط!
أمَّا أنا فأقول: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني. لا الحياة تعجبني ولا الموت يعجبني ولكني تعبتُ من الأمل.. فانزلونا تحت الأرض واحكموا المقبرة”.
مع الاعتذار من محمود درويش.
ذكرني ما سبق بما كتبته في ١٨/ ١١/ ٢٠١٢ عن حرب غزة “حالات: حالة حصار، لا شيء يعجبني”، وافتتحته بالآتي:
“وأنت تعدّ لكتابة مقال تتكئ فيه إلى رؤى/ كوابيس/ منامات تبدأ الحرب. تتذكر ديوان محمود درويش “حالة حصار” (2002) وأسطره: “كتبت عن الحبّ عشرين سطراً/ فخيل لي/ أن هذا الحصار تراجع عشرين متراً”. وأنهيته بـ”لا رغبة في الكتابة، “لا شيء يعجبني”. هل تعبت من الكتابة أم تعبت من السفر أم تعبت من الحصار، “لا شيء يعجبني”.
عندما قرأ الشاعر حسن جلنبو موجزا لما سأكتب عنه، علق أنه كتب في ٢٠٢١ قصيدة تحاكي قصيدة درويش ونشرها في ديوانه “وشهد شاهد من أهله”.

المصدر

https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/422912/%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%AF%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%B4-%D9%84%D8%A7-%D8%B4%D9%8A%D8%A1-%D9%8A%D8%B9%D8%AC%D8%A8%D9%86%D9%8A?fbclid=IwY2xjawPjkQhleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEel8FdWaVx6QZh6rmiJpsZ3N5hymK6rYGzYZBvRgBDrShkMtS72aP-yPd59cs_aem_w9y0sYJUztD3Ho2mW1YdoA

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

محمد الماغوط وفن (الساتير) واليسار

قراءة في نص من كتاب ” سأخون وطني” ولد الكاتب السوري محمد الماغوط في السلمية …