الفلسطيني «الهامشي» في حيفا – رياض بيدس

قبل أيام قررت أن أقرأ «الهامشي» لرياض بيدس، وأخذت أبحث عن مراجعات لها.
أنفقت ساعات أنظر في كتب نبيه القاسم أكثر من تابع إصدارات الكتاب في فلسطين، فلم يخطر ببالي أنه لم يكتب عنها.
نبيه ناقد مواظب تابع إصدارات أكثر الكتاب متابعة حثيثة وأصدر كتباً خاصة بسميح وإميل وسحر ومحمد علي طه، ومن لم يصدر عن نتاجه كتاباً، فقد ضم ما كتب عن نتاجه في الصحف والمجلات في كتاب.
أنفقت يومين، وعبثاً عثرت على مقال أو دراسة.
سألت الذكاء الاصطناعي الـ Gemini فلم يفدني، وهكذا قررت أن أسأل الناقد نفسه، فأجابني بأنه لم يكتب.
نظرت في كتب نقدية لمحمد صفوري ولرياض كامل، ولم أعثر، فعدت أسأل الـ Gemini عن الذين كتبوا عنها أو عن الكاتب، وعرفت أنه كتب عنه في كتب عامة وأن آمال رضوان وآخرين تناولوا أعماله في دراسات عامة.
لم يلفت Gemini انتباهي إلى كتابي محمود غنايم «المدار الصعب: رحلة القصة الفلسطينية في إسرائيل» (1995) ومنار مخول «سيسموغرافيا الهويات: الانعكاسات الأدبية لتطور الهوية الفلسطينية في إسرائيل ١٩٤٨ – ٢٠١٠» (2019) ولا إلى بعض دراسات أخرى مثل دراسة إحسان الديك في موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث/ الأدب المحلي/ الكتاب الثاني «الاغتراب والغرابة في قصص رياض بيدس».
تناول غنايم ومخول الهامشي، وركز الديك على قصص من مجموعة «حكاية الديك الفصيح» (2001).
ومع أنه كتب عن الاغتراب والغرابة لدى الكاتب، فلا أعرف لماذا لم يكتب عن «الهامشي» التي تعد مثالاً جيداً للموضوع.
كتب غنايم عن الشخصيات اليهودية، وهذا موضوع حاضر في القصة/ النوفيلا بشكل لافت، وصنفها مخول على أنها من روايات الحيرة، وقارئ ما ورد في كتابي الكاتبين لا يلحظ التفاتاً إلى الأسلوب أو البناء الفني، ولكنه سيلحظ اختلافاً بيناً، فبينما لم يذكر غنايم اسم الشخصية وظل يستخدم دال «الراوي»، وهو محق في هذا لأن الاسم لا يظهر إلا في نهاية الرواية، استخدم مخول اسم الشخصية التي لم يرد ذكرها إلا مرة واحدة في نهاية الرواية، والطريف أنه ظل يذكر اسمها سميح، مع أن الاسم هو سامح، وظل يخطئ في ذكره، كما أخطأ في اسم صديقة سامح نائلة فذكره لمياء.
رياض بيدس كاتب معروف ويشهد له ولفتت بعض قصصه انتباهي، بخاصة تلك التي يعبر فيها عن الواقع من خلال قناع تراثي مثل قصة «كتابة ديباجة رسالة لكافور» من مجموعته الأولى «الجوع والجبل» (1980)، وقصة «عنترة في حيفا» من مجموعة «حكاية الديك الفصيح» (2001).
ويخيل إلي أن أجواء قصة «عنترة في حيفا» لا تبتعد كثيراً عن أجواء «الهامشي» ويبدو أن الكاتب كتبهما من وحي تجربته هو في المدينة، فكلتا الشخصيتين، في القصة القصيرة وفي القصة الطويلة/ النوفيلا تعاني من الاغتراب في المكان ذاته، وكلتاهما تأتي على شخصية ليست من مواليد حيفا تفد إليها والمدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1948.
في «عنترة في حيفا» نقرأ عن حضور عنترة إلى حيفا حيث رآه السارد في وادي النسناس «وسألني عن أسماء الشوارع في حيفا، وما الذي تغير أو بقي منها على حاله منذ أربعة عقود» ولا يجيبه السارد ويطلب منه أن يستعين بدائرة أو مكتب استعلامات «فحيفا ليست قرية كما أني لست حيفاوياً».
ولم يكن السارد مرتاحاً فحياته مضببة بالخمول. كان عنترة الوحيد الذي يتكلم العربية مع صديقته.
سامح في «الهامشي» ليس أيضاً حيفاويا، ولم تكن حياته في المدينة مريحة، وغالباً ما كان يتكلم العبرية، فقسم ممن يعمل معهم أو يتعامل معهم يهود، وتكثر الشخصيات اليهودية في «الهامشي»، ما لفت إليه نظر محمود غنايم.
في حيفا تفضح العربي ملامحه، وفي كافتيريا الجامعة تختلط الأصوات: عبرية وعربية، وتكون الشخصية العربية برمة وقلقة وغير منضبطة وتكون له صديقة عربية هي نائلة يعيش معها دون زواج رسمي.
إن أزمته في حيفا تكمن في أنه عربي في مجتمع أكثره يهود، مع أنه يعمل معهم في المكتبة ويزورهم في بيوتهم، وهو هارب من مجتمع القرية المحافظ لأنه هناك في أزمة حيث لا يريد أن يعيش كما يطلب منه المجتمع.
أزمة في حيفا وأزمة في القرية ولهذا يفكر في السفر إلى باريس. إنه «الهامشي» حقاً.
ما أعرفه أن رياض بيدس سافر بعد كتابة الرواية إلى باريس، ومؤخراً عرفت أنه يقيم الآن في تل أبيب قرب يافا. هل في سامح الكثير من رياض؟
ربما تجدر قراءة أعماله اللاحقة.
كان إميل حبيبي في «اخطية» 1986 أول من كتب عن حيفا رواية مكان، وتأتي الهامشي لتكون العمل الأدبي الثاني، ولكن أمتع ما كتب عن حيفا هو ما كتبه سلمان ناطور في كتابه «ستون عاماً: رحلة الصحراء: ذاكرة – سفر على سفر- انتظار» 2018 تحت عنوان «نعود إلى حيفا ولا نعود» من صفحة 325 إلى صفحة 440، ولو كنت صاحب دار نشر لنشرت هذه الصفحات في كتاب خاص.

المصدر:https://al-ayyam.ps/ar/Article/422076/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4%D9%8A%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%8A%D9%81%D8%A7—%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D8%A8%D9%8A%D8%AF%D8%B3

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

محمود شقير والقصة القصيرة الفلسطينية

يعتبر محمود شقير واحدا من أبرز كتاب قصتنا القصيرة الذين اخلصوا لهذا الفن وكادوا يقصرون …