انتحار الحداثة المادية: قراءة في خطاب”العصر الحجري ” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب

أولا: المرتكز الأيديولوجي: “البربرية الرقمية”
اللحظة الأكثر حرجا في تاريخ “العقل البشري”، “الصدام ليس صدام حضارات، بل هو صدام بين الإنسان والأداة.
الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الأول من نيسان / إبريل 2026، والوعيد بـ “الأسابيع الثلاثة” لا يمثل قوة عسكرية، بقدر ما هو محاولة بائسة من العقل الأداتي لخلق حالة من “الصدمة والترويع ” النفسي. ويعكس عجزا كاملا عن فهم التاريخ و”إرادة الشعوب”.
فهو خطاب لا يرى في الدول والمجتمعات إلا “أرقاما” و”أهدافا” قابلة للمحو. وهو مؤشر على تآكل الوظيفة المعيارية لليبرالية الغربية، وانتقالها من خطاب كوني للحقوق إلى ممارسة انتقائية للاستثناء. كما تجسد ذلك تاريخيا في الحروب الوقائية وسياسات العقوبات الجماعية خارج الأطر الأممية.
ويتقاطع ذلك مع تصور كارل شميت لسيادة القرار بوصفها قدرة على تعليق القانون.
تحول النظام النيوليبرالي المهيمن إلى “فاشية تقنية”، بوصفها نمطا من السيطرة يوظف التكنولوجيا لإخضاع المجتمعات وإدارة العنف على نحو ممنهج.
ويتجلى هذا النمط ميدانيا في الحروب المعاصرة ولا سيما في فلسطين ولبنان وإيران، حيث يوظف التفوق التقني في تدمير واسع النطاق مفرغ من أي أفق أخلاقي.
هذا الخطاب هو التجسيد للعقل الأداتي الذي يرى الأرض “مادة” قابلة للمحو. ولا يرى “الإنسان” المقيم عليها. ويتكرر في الحروب الاستئصالية من فيتنام إلى فلسطين ولبنان والعراق وإيران، حيث يتم اختزال المجتمعات إلى أهداف عسكرية قابلة للمحو. ويختزل الوجود البشري في “بنية تحتية” (كهرباء، ماء، نفط، إنترنت). متجاهلا أن الحضارة هي “إرادة ومعنى”.
لا يعني ذلك ان الغرب كتلة واحدة، بل بنية صراعية.
ثانيا: مأزق الحداثة المادية: من “أنوار العقل” إلى “ظلمات الأداة
وصل نظام الحداثة الغربي المادي إلى ذروة تناقضه الوجودي. فقد بدأت الحضارة المادية الغربية بوعود “تحرير الإنسان”، وانتهت بتحويله إلى “ترس” في ماكينة، أو “رقم” في خوارزمية، أو “هدف” في إحداثية عسكرية.
1.2 الانسداد الحضاري: يكمن في أن هذه المنظومة لم يعد لديها ما تقدمه للبشرية سوى “البربرية الرقمية “.
تهديد التحالف الدولي الصهيوني المهيمن، بشقيه المسيحي واليهودي، بعد السابع من تشرين الأول 2023، بإعادة فلسطين ولبنان واليمن والعراق إلى العصر الحجري، وتكرار الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية لذات التهديد لإيران، لرفضهم الخضوع لجبروته. هو اعتراف بأن العقل الأداتي قد فقد قدرته على “الإقناع الحضاري” أو “الجذب الأخلاقي”. ولم يتبقّ له إلا “اللغة البدائية” للآلة: القتل الجماعي، الهدم، المحو.
2.2 العنصرية الهيكلية:
حضارة الحداثة الغربية ليست مادية فقط، بل هي عنصرية في بنيتها. فهي لا ترى “الإنسانية” إلا في الجنس الأبيض، وفيما يخدم التفوق المادي فقط. أما باقي البشر فهم مجرد “عقبات بيولوجية” أمام تدفق المادة.
ومن هنا، يأتي تسويغ سياسات الولايات المتحدة باختطاف رئيس فنزويلا في 3/1/2026، والاستهداف المباشر للسيادة الوطنية ولحقوق الشعب الفنزويلي. وتصريحات الرئيس ترامب المتكررة بضم كندا، ونشر صور على وسائل التواصل الاجتماعي لخريطة تُظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا مغطّاة بالعلم الأميركي. والسعي للاستحواذ على قناة بنما وخليج المكسيك، وتهديد كوبا، لفرض سيطرة النخبة النيوليبرالية الأمريكية الصهيونية على العالم. وتسويق الإبادة في فلسطين ولبنان وإيران كضرورة تقنية.
ثالثا: اللحظة الحرجة: الصدام بين “الإنسان” و”الأداة”
ما نشهده اليوم ليس “صدام حضارات” كما روج “صمويل هنتنغتون”، بل هو صدام ” الوجود البشري” ضد “طغيان العقل الأداتي”.
الإنسان: يمثل الفطرة، المعنى، الروح، والقدرة على الصمود خلف حدود “الممكن المادي”.
والعقل الأداتي: يقدس الوسيلة على حساب الغاية، ويرى في المادة والتكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي، المسيرات، الرقابة الرقمية) إلها جديدا يمنحه حق تقرير مصير الشعوب.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الصدام لا يجري بين كتل حضارية صماء، بل يتخلله انقسام داخلي عميق داخل المجتمعات الغربية ذاتها، بين منطق أداتي مهيمن وتيارات إنسانية نقدية متنامية تسعى لمقاومته.
رابعا: المأزق الاستراتيجي: “عجز الحسم المادي
1.4 جوهر الصراع: الصدام يحدث لأن “الأداة” تحاول ابتلاع “صانعها” (الإنسان). وعندما رفض الإنسان في منطقتنا وفي شوارع العالم الانصياع لـ “خوارزمية الرعب” بوصفها آلية نفسية – تقنية لإنتاج الخضوع عبر الصدمة المكثفة، جن جنونها. فكان وعيد “العصر الحجري” هو التعبير الأخير عن يأس “الأداة” من تطويع “الروح”.
2.4 الوعيد بالمدار الزمني (3 أسابيع) هو “هروب للأمام”.
بعد فشل “الآلة” في حسم المعارك الصغرى في فلسطين ولبنان عبر حرب الإبادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي. يحاول التحالف الأمريكي الصهيوني المهيمن استعادة “هيبة الردع”، عبر التهديد بالإبادة الشاملة للشعوب الأصيلة في المنطقة الرافضة للامتثال.
لكن المفارقة تكمن في أن التهديد بـ “العصر الحجري” هو اعتراف رسمي بأن “الأسلحة الذكية” فشلت، ولم يتبقَ للآلة إلا “التدمير الأعمى”. هذا يثبت أن “خوارزمية الرعب” قد كُسرت فعليا في الميدان.
خامساً: بين وهم الآلة ويقين الفطرة: قراءة في موازين القوة
يكشف خطاب “العصر الحجري” عن هوة سحيقة بين منطقين:
منطق العقل الأداتي الذي يقود التحالف الأمريكي – “الإسرائيلي”، ويرتكز على “وهم الزمن القصير”، مفترضا أن ثلاثة أسابيع من الجحيم التقني كافية لإخضاع الشعوب وانتزاع صك الاستسلام.
وفي المقابل، تبرز قراءة الوعي الإنساني المستندة إلى “يقين الفطرة”، والتي ترى أن الزمن في جوهره “حضاري” وليس “تقنيا”. حيث الصمود الميداني للشعوب يمتلك قدرة فائقة على تفكيك فاعلية الآلة، وتحويل “الحرب الخاطفة” إلى استنزاف أخلاقي ومادي للمهاجم.
وعلى صعيد مفهوم القوة، تراهن سردية ترامب ونتنياهو على “تدمير المادة” عبر استهداف المنشآت الحيوية وشبكات الكهرباء والمصانع والمساكن والمستشفيات لشل الحياة المدنية، ظنا أن تجريد الإنسان من رفاهيته المادية والتقنية سيحطمه نفسيا.
لكن الوعي الشعبي اليوم، المسلح بتجارب الصمود في قطاع غزة وسائر فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران، يستمد قوته من “المعنى”، والقدرة الاستثنائية على إعادة انتاج الحياة والابتكار والعيش تحت الأنقاض، محولين الدمار المادي إلى صمود ووقود لصلابة وطنية وإنسانية لا تكسرها الخوارزميات.
أما في استشراف المستقبل، فيحاول العقل الأداتي فرض صورة لعالم محكوم بـ “القطب الواحد المتوحش” الذي يحكم بالنار والابتزاز الرقمي.
إلا أن هذه الغطرسة المادية التي يمثلها ترامب ونتنياهو أدت إلى نتيجة عكسية تماما، حيث دفعت الشعوب على امتداد العالم نحو صياغة عالم “متعدد الأقطاب القيمية”، عالم يرفض الهيمنة المطلقة، ويبحث عن سيادة إنسانية تضع كرامة البشر فوق جبروت القوة والتكنولوجيا الاستعمارية.
سادسا: تآكل المؤسسات التقليدية وتسييس شامل للآلة الأمنية وتحولها إلى “ميليشيا رقمية
في نظام الحداثة الغربي النيوليبرالي المهيمن، لم يعد هناك “فصل سلطات” أو “نظام دولي” فعلي. فما يسمى بالدستور و”القانون الدولي” يتحول في لحظة الهيمنة إلى أداة انتقائية، وهو ما ينسجم مع أطروحات كارل شميت حول سيادة الاستثناء، حيث تتجلى السلطة الحقيقية في القدرة على تعليق القانون لا تطبيقه.
عندما تسيطر النخب المتطرفة (الصهيونية المسيحية واليهودية) على السلطة التنفيذية وغالبية السلطة التشريعية والقضائية، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”. فإنها تحول “الأمن” من “عقد اجتماعي” إلى “عقيدة استئصالية”.
هذا الانسداد يعني أن النظام بدأ يأكل نفسه من الداخل، فالأجهزة التي صُنعت لحماية “المواطن” بدأت تطارده لأنه تجرأ على التمرد والمساءلة.
سابعا: لحظة التحول الدولي: انكشاف قناع حضارة الحداثة الغربية المادية العنصرية
تعيش الشعوب الغربية منذ السابع من تشرين الأول أكتوبر3202 انكشاف وهم حضارة الحداثة الغربية المادية العنصرية.
بدأت تظهر داخل المجتمعات الغربية ذاتها تيارات معارضة فاعلة – حركات طلابية، احتجاجات شعبية، وأصوات أكاديمية وإعلامية- ناقدة للهيمنة العسكرية والتقنية. تكشف هشاشة الهيمنة النيوليبرالية، وتفضح فشل العقل الأداتي في فرض إرادته حتى على مجتمعه الأصلي.
وتنامى الوعي الشعبي بأن الآلة التي تمارس الإبادة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران، هي نفسها التي تكمم أفواه طلاب الجامعات الأمريكية والغربية، وتقطع المخصصات الحكومية عن الجامعات التي ترفض الامتثال.
وهي ذاتها التي تجند القوات الفيدرالية الأمريكية لملاحقة المهاجرين اللاتينيين، وتفصل الأطفال عن أسرهم. وترسلها إلى الولايات غير الموالية لإخضاعها، وتهدد سكان نيويورك بقطع التمويل الفيدرالي إذا انتخبت زهران ممداني.
وهي نفسها التي تتوعد حلفاءها في أوروبا وآسيا وأستراليا بالمحاسبة لرفضهم الانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران. وتهدد بالانسحاب من حلف الناتو لعدم امتثال أعضائه لخوض حرب لم يستشاروا بها وتضر بمصالحهم الحيوية.
وتوجه الإهانة لحلفائها الإقليميين لعدم تجندهم في الحرب والدفاع عن القواعد العسكرية الأمريكية، التي تم تسويق إنشائها وتمويلها من موارد الشعوب بذريعة الدفاع عنهم. فتبين عندما تعرضوا للخطر بسببها، أن وظيفتها تقتصر على حماية الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإحلالي الوظيفي فقط.
وأدركت غالبية الشعوب والدول أن العقل الأداتي ذاته هو الذي يعطل مجلس الأمن الدولي، المكلف بحماية الأمن والسلم الدوليين. ويفرض العقوبات على مؤسسات العدالة الدولية (محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية).
ثامنا: تباشير ولادة وعي سيادي بشري
1.8 الوعي الشعبي الواعد: “انبعاث السيادة من رحم الألم”
تجسد”الانسداد الحضاري” لنظام الحداثة الغربي المادي في انتهاجه حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتواصلة للعام الثالث على التوالي في فلسطين، والمنقولة بالبث الحي وتشهد كافة شعوب العالم على امتداد الكرة الأرضية تداعياتها الإنسانية الكارثية. وامتدادها إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، ما فتح ثغرة آخذة في الاتساع لولادة “وعي سيادي بشري”.
2.8 الموقف النخبوي: “سقوط المنطقة الرمادية”
الشعوب اليوم تسبق نخبها المترددة بمسافات ضوئية. الوعي الواعد هو وعي “ميداني” اكتشف أن “التحرر من “الهيمنة” و”السيادة التقنية” ليست شعارات سياسية، بل طوق نجاة وفعل وجودي، لضمان عدم العودة للعصر الحجري الذي يتوعد به العقل الأداتي البشرية.
خطاب ترامب وضع “النخب المتأرجحة” أمام حائط مسدود. لم يعد هناك مجال لخطاب “الواقعية والمهادنة”، لأن الرئيس الأمريكي لا يعرض “صفقة سياسية” بل يخير الشعوب والدول بين الاستسلام الكامل، وبين المحو الوجودي.
3.8: المؤشر الواعد: فرز النخب والصعود الشعبي
يتبدى الآن تسارعا في “الفرز التاريخي”، نخب تسقط في حضن الشعوب خوفا على وجودها، ونخب ترتهن كليا للعقل الأداتي فتفقد شرعيتها للأبد. وبدأ نشوء شبكات تضامن عالمية داخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، ترى في التهديد بمحو فلسطين ولبنان وإيران تهديدا للضمير البشري ككل، ما يعزز فكرة “وحدة المصير الإنساني” ضد الماكينة المادية.
كما بدأت دول كانت تاريخيا حليفة للولايات المتحدة الأمريكية تبتعد عنها، وتعلن أن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ليست حربها، وبدأ بعضها يمنع استخدام القواعد العسكرية في بلاده لشن هجوم على إيران.
تاسعا: التحول من “رد الفعل” إلى “البناء”
خطاب ترامب الأخير قد يكون “القشة التي ستقصم ظهر البعير المادي”. فمن خلال تهديده لمن لا يمتثل من الشعوب والدول بإعاداتهم للعصر الحجري، دفع الشعوب قسرا نحو “المستقبل البديل”.
وعليه، فالمهمة العملية يجب أن تتركز الآن على “تحصين الوعي” عبر المسارات البديلة: النضالية، السياسية، الاقتصادية، التقنية، والمعلوماتية، لضمان أن تتحول صدمة التهديد الوجودي لى قوة دافعة لبناء مجتمعات الصمود المقاوم.
وتقتضي الترجمة العملية للوعي الشروع بتأسيس بنى موازية:
• اقتصاد تكافلي،
• أنظمة مالية بديلة،
• تقنيات تواصل لا مركزية،
• تحالفات تكاملية ترتكز على تكافؤ المصالح،
• منظومات قيمية تضع العدالة فوق الكفاءة المادية.
هذا ما يجب أن يستأثر باهتمام المفكرين والمثقفين والحقوقيين والناشطين في منطقتنا وعلى امتداد العالم. لضمان استدامة هذا الوعي السيادي.
عاشرا: بين انتحار الحداثة وانبعاث الإنسان
لم يعد خطاب “العصر الحجري” مجرد تهديد عابر، بل لحظة كاشفة لانهيار المعنى داخل منظومة الحداثة المادية حين تفقد قدرتها على الإقناع وتلجأ إلى العدم.
ما يجري اليوم ليس اختبارا لتفوق الآلة، بل امتحان لصلابة الإنسان ومعناه. فحين تتحول التكنولوجيا إلى أداة محو، يصبح التمسك بالروح والمعنى فعل مقاومة وجودية.
إن الرهان الحقيقي لم يعد على من يملك القدرة على التدمير، بل على من يمتلك القدرة على الاستمرار وإعادة البناء خارج منطق الهيمنة.
وفي هذا المفترق، لا يُعاد تشكيل العالم بقوة النار، بل بقدرة الشعوب على كسر منطق الخضوع وصياغة أفق إنساني جديد.
هنا تحديدا، يتحدد المصير: إما إنسان يعيد تعريف الحضارة بوصفها معنى وعدالة، أو آلة تُسرّع انتحار الحداثة نفسها.

عن غانية ملحيس

شاهد أيضاً

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: حوار مع البروفيسور آفي شلايم

إعداد: تيسير أبو عودة وشهد دعباس ترجمة محمود الصباغ ملخّص في ظلّ الإبادة الجماعية الجارية …