زياد خداش غارق “بالضحك ” :
أذكر أنني التقيت بالقاص زياد خداش في بداية تسعينيات القرن العشرين . كان يومها بصحبة القاص سامي الكيلاني وكانا معا يكتبان في جريدة أصدرتها حركة ” فدا ” وعمل فيها الروائي أحمد رفيق عوض ، وإن لم تخني الذاكرة فقد أصدرا معا مجلة أدبية لعل عنوانها ” الغربال ” ، ومنذ ذلك اللقاء تصادقنا وصرنا نلتقي بين فترة وفترة ، وكلما زرت رام الله اتصلت به وغالبا ما زرنا معا الشاعر أحمد دحبور – رحمه الله – والقاص أكرم هنية – أمد الله في عمره .
وعلى الرغم من صداقتنا المديدة حتى اليوم إلا أنني لم أكتب عنه قاصا أو أديبا ، فهو يكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ويهتم بجماليات النص الأدبي ويعبر في الوقت نفسه عن حياته كما يعيشها ، وهو لا يميل إلى الأدب الملتزم ببعديه الاجتماعي والسياسي ، وهذا عموما بدأ يطغى على كتابات كتاب كثر من جيل ( أوسلو ) وما بعد أوسلو – استثني كتاب التيارات السياسية والكتاب الملتزمين بقضايا اجتماعية يعبرون عنها في نصوصهم .
الأمر يبدو لافتا . صداقة أدبية بين كاتب وناقد يختلفان أدبيا أكثر مما يلتقيان . هذا صحيح .
أحيانا أتساءل عن السبب . أيعود إلى أن جنس القصة القصيرة بدأ يذوي أم إلى أنني أميل في نقدي إلى النصوص التي يعالج فيها كتابها قضايا سياسية واجتماعية ؟
أيا كان الأمر فإن عدم الكتابة عن زياد قاصا لم يفسد للود قضية ، كما أن ما كتبه عني مرة من أنني ناقد لا يلتفت إلى البعد الجمالي لم يترك أثرا سلبيا على علاقتنا .
إنها الذائقة .
حاولت مؤخرا أن أقرأ ” الغارقون بالضحك ” الصادرة عن مكتبة كل شيء في حيفا في العام 2019.
توقفت أمام المقدمة ” التي يمكن الاستغناء عنها ” وهي مقدمة عن ” سيرته الذاتية التي لم تحدث ” .
يقص زياد عن حياته ما لم يعشه . يتخيل حياته كيف يمكن أن تكون حدثت لو لم تقم دولة إسرائيل . إنها سيرته الذاتية التي لم تحدث ولكن كان يمكن أن تكون حدثت ، فلو قابلنا بين أنا السارد وبين حياة زياد للاحظنا اختلافات شاسعة ، ولكن أيضا لو قارنا بين الأحداث التاريخية في النص والأحداث التاريخية على أرض الواقع للاحظنا تطابقا وصدقا في السرد ، بخلاف ما قصه عن حياته الشخصية .
هل يمكن أن يقرأ ما كتب تحت العنوان ” سيرتي الذاتية التي لم تحدث ” بمعزل عن سيرة حياة الكاتب زياد خداش ؟
لو حدث وقمنا بذلك فماذا سيبقى من القصة التي تتكيء على الخيال والواقع معا ؟
ولكن ماذا لو قرأ قاريء النص قراءة نصية ؟
هل سيتوصل إلى ما توصل إليه قاريء يربط بين النص وكاتبه ؟
قصص زياد خداش القصيرة ، وقبلها قصص محمود شقير القصيرة والقصيرة جدا ، قصص تعتمد المفارقة والخيال ومزج الواقعي بالمتخيل ، ويخرج المرء بعد قراءتها بانطباع عام عنها ، أما إذا أراد أن يرسم صورة لمؤلفها أو للواقع الاجتماعي من خلالها فقد لا يخرج بطائل . إنها أشبه بقصائد شعرية لا تصلح إلا نادرا لأن يطبق عليها منهج اجتماعي إيديولوجي أو حتى منهج نفسي يدرس سيرة الأديب من خلال نصوصه .
إن ” سيرتي الذاتية التي لم تحدث ” ، ومثلها قصة ” رجال غرباء ” تقوم على تخيل وعلى قلب الحقائق مثلا ، علما بأن الثانية تبدو واضحة للفلسطيني إذ سرعان ما يكتشف المفارقة فيها ؛ المفارقة القائمة على أن أصحاب الأرض الفلسطينيين صاروا غرباء وصارت الرواية الصهيونية هي الرواية الصحيحة .
ولكن ماذا لو قرأ المطبعون العرب هذه القصة اليوم ؟ من المؤكد أنهم سيأخذون بالرواية الصهيونية وسينظرون إلينا على أننا معتدون وإرهابيون .
ربما سيمنحون زياد خداش جائزة أدبية رفيعة . هل ارشح القصة لجائزة خليجية مكانها دولة الإمارات أو مملكة البحرين ، أو المملكة العربية السعودية أو الكويت لاحقا ؟
إن قراءة نص أدبي واحد في زمنين مختلفين ومن قارئين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين .
****
– وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري :
وأنا أقرأ قصة ” أنف ليلى مراد ” من مجموعته القصصية ” أنف ليلى مراد ” ( زياد خداش ) تذكرت قصيدة الشاعر الجاهلي المنخل اليشكري التي مطلعها :
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
ومنها :
وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري .
منصور شاب من حيفا يجلس في مقهى الانشراح وحين يرى أحلام قادمة تجلب الحلبة لأبيها النادل يعجب بها ، بأحلام وبالحلبة أيضا التي شم رائحتها .
ما سبب إعجاب منصور بأحلام ؟ ما الذي لفت نظره فيها ؟
يشبه أنف أحلام أنف ليلى مراد ومنصور معجب بأنف ليلى ، وأحلام تحضر الحلبة معها ومنصور يحب الحلبة ، ولهذا قرر أن يتزوج منها فيتم له ذلك في غضون أسبوعين ويربح من هذا الزواج ، فأبو أحلام يقنع صاحب المنتزه بإيجاد عمل لمنصور .
كان حلم منصور النادل أن يحضر الحفل الذي ستحييه أم كلثوم في المنتزه / المقهى ويختار صاحب المقهى منصورا ليقدم الضيافة لأم كلثوم ، وحين يقدم الضيافة لها يدعوها لزيارته وزوجته في بيته فتلبي الدعوة وتأكل الحلبة اللذيذة التي تتقن زوجته صنعها .
عندما تسأل أم كلثوم عن رأيها في حيفا وناسها وحفلها هناك تأتي على زيارتها بيت النادل وزوجته وتسميه رشاد وتسمي زوجته ليلى . يستغرب منصور الأمر ولكنه سرعان ما يخاطب زوجته بليلى وسرعان ما تخاطبه هي برشاد . لقد أنساهما حب أم كلثوم اسميهما وقبلا بالاسم الذي ذكرتهما فيه .
” ضرب الحبيب زبيب ” يقول المثل وهناك مثل نابلسي سمعته في مقهى البرلمان ونسيته أنسب من المثل الذي ذكرته . من يذكره ؟
منصور أحب أحلام لأن أنفها يشبه أنف ليلى مراد ولأنه يحب الحلبة ، ولكن المغزى في القصة ليس هنا . إنه – أي المغزى – هو ما تقوله روح المجموعة القصصية كلها ، وهو ما آمل أن أوضحه في مقال الأحد القادم لدفاتر الأيام 16 تشرين الأول 2022 .
المثل النابلسي ” الحبيب زلط زلط والعدو واقف عالغلط “
****
– ” أنف ليلى مراد ” وقصة ” حديث متقطع لآلة كاتبة ” ل زياد خداش :
عندما نشر زياد خداش قصته ” حديث متقطع لآلة كاتبة ! ” في جريدة الأيام الفلسطينية ( 12 / 4 / 2022 ) وأعدت نشرها في صفحتي في يوم نشرها ، أثارت قدرا لا بأس به من الجدل شارك فيه الروائية Afaf Khalaf والشاعر طلعت قديح .
لفتت عفاف خلف انتباهنا إلى مسلسل ” Chicago typewriter ” وملخصه أن ثلاثة من الكتاب عاصروا الثورة الكورية إبان احتلال اليابان لكوريا ” وتجسدوا في العصر الحديث .. واحد منهم يو آه يدعى إلى نيويورك لتوقيع كتابه ويرى في دار النشر التي دعته آلة كاتبة بأحرف كورية ويقوم بطلبها من صاحب الدار الذي يرفض . بعد مغادرة الكاتب إلى كوريا تصدر الآلة أصواتا فيرسلها إلى الكاتب الذي كان يمر بأزمة الكتاب ” الصمت ” وتبدأ الآلة بالكتابة عنه ، أو الأصح رواية قصته مع الآلة بالكتابة عنه ، أو الأصح رواية قصته مع أصدقائه إبان الثورة وعن المقاومة الكورية فترة الثلاثينيات للمحتل الياباني ” .
هل تأثر زياد خداش بالمسلسل ، فثمة تشابه بين قصته والمسلسل ؟
عندما كتب غسان كنفاني روايته ” ما تبقى لكم ” 1966 تأثر برواية ( وليم فوكنر ) ” الصخب والعنف ” وأقر غسان بذلك ولم ينكر إعجابه برواية ( فوكنر ) .
يقال إن بعض روايات إبراهيم نصرالله ماخوذة فكرتها عن أفلام سينمائية عالمية ، وإبراهيم متابع جيد للسينما .
الكتابة كتابة على الكتابة وغالبا ما يكون الأديب نتاج قراءاته ومشاهداته وتجربته .
لمن يرغب في متابعة الجدل الذي دار حول القصة يمكن العودة إلى صفحتي ويقرأ ما نشرته في 12 / 4 / 2022 .
طبعا القصة تحتاج إلى إعادة نظر في زمن نشرها المدرج أسفل القصة وهو 8 / 7 / 1973 ، فجريدة فلسطين صدرت في يافا بين 1911 و 1948 وواصلت الصدور في القدس في العام 1950 حتى العام 1967 إذ صارت تصدر باسم جديد هو الدستور وفي عمان .
****
– زياد خداش.. يستحضر فلسطين قبل 1948 :
قبل سنوات كتبت عن حضور فلسطين في النثر الفلسطيني قبل العام 1948 ولاحظت ندرة الكتابة عن المكان فيها قياسا إلى اهتمام الكتاب اليهود القادم أكثرهم من أوروبا به – أي المكان .
المقالة التي نشرتها لاقت اهتمام الاستشراق الإسرائيلي فترجمها إلى العبرية ( يوفال أبراهام ) كما لو أنه اكتشف فيها ما يحقق المقولة الصهيونية ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” ، علما بأنني أوضحت سبب قلة الالتفات إلى المكان في النثر الفلسطيني ولم أعزه إلى خلو فلسطين من الفلسطينيين .
زياد خداش في ” أنف ليلى مراد ” (2022) يكتب عن يافا وحيفا واهتمام سكانهما بالفن واستقبالهم للفنانين المصريين الكبار : أم كلثوم وتحية كاريوكا وآخرين ، فهل نجح ؟
ما لم يكتبه زياد هو أن عمي المرحوم محمد الأسطة غنى في يافا مع محمد عبد الوهاب ولقب عمي ب ” بلبل فلسطين ” وقد تصور عمي مع محمد عبد الوهاب وظلت جدتي بعد النكبة تحتفظ بصورة ابنها في غرفة وكالة الغوث التي بنتها لها الوكالة عوضا عن بيتها في حي النزهة في يافا .
تزوج عمي من مصرية وأنجبا ولدا وفي 1948 ذهبت إلى مصر لتعيش مع أهلها ، وجن عمي ومات في عمان في مقهى ولم يحضر أي من إخوته جنازته ، وفي رواية أسامة العيسة ” مجانين بيت لحم ” إشارة إليه .
غالبا ما أشرت من قبل إلى هذه الحادثة .
إن جننت أنا فلا تقولوا مجنون بالوراثة ، إذ إن المسؤول هو المقاطعة والفصائل واخوتي وتخلف شعبنا الفضولي .
سامحونا والله المستعان به وعلى رأي القذافي ” طز في أميركا ” واضيف : وطز فينا وفي إسرائيل والأنظمة العربية زيادة على البيعة .
( أدرجت هذا الصباح مقالي ” للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتا وفيه كتبت عن ترجمة مقالي إلى العبرية )
***
– تحية كاريوكا ” بفكر في اللي ناسيني وبنسى اللي فاكرني “
من قصص ” أنف ليلى مراد ” قصة عنوانها ” حين اقتحمت غرفة تحية كاريوكا ” التي تجري في حيفا قبل العام 1948 .
تزور تحية كاريوكا حيفا لتعرض فيلمها ” طاقية الإخفاء ” وكان بصحبتها الممثل بشارة واكيم والمطرب محمد الكحلاوي . يحب بشارة تحية كاريوكا حبا جنونيا وهي تحترمه ولكنها تهيم بمحمد الذي يغار منه بشارة غيرة شديدة .
بشارة يكتب يومياته وتحية كاريوكا تكتب أيضا يومياتها ، وعامل الفندق ينتهز فرصة غيابها عن غرفتها فيدخل إليها ويقرأ يومياتها ويعرف عن هيامها بالكحلاوي .
” بفكر في اللي نسيني وبنسى اللي فاكرنا ” يغني محمد عبد الوهاب وتقلده أيضا نجاة الصغيرة .
القلب وما يهوى وأما المثقب العبدي الشاعر الجاهلي فقال :
أفاطم قبل بينك متعيني
ومنعك ما سألت بأن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات
تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي
خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني
كذلك اجتوي من يجتويني
ولمن ظعن تطالع من ضبيب … إلخ
والجاهلية تطل برأسها والحرب النووية القادمة لا سمح الله ستجعل منا صابونا أسود لمخلوقات جديدة .
***
– الكلب سمور والكلبة ليكا :
” الكلب سمور ” عنوان قصة قصيرة للقاص توفيق فياض Tawfik Fayad ظهرت في مجموعته ” الشارع الأصفر “(1968) صور فيها كاتبها حياة الفلسطينيين ومعاناتهم ، إثر نكبة 1948 ، في بعدهم عن الديار . يرفض الكلب سمور الذي يملكه بوقاسم الحياة في المنفى ، فيقرر العودة إلى قريته في فلسطين ليموت فيها ، فالموت في الوطن أفضل ألف مرة من حياة اللجوء والشتات والإقامة في الخيام عالة على صدقات الأمم المتحدة .
أما الكلبة ليكا في قصة زياد خداش ” ظل عجيب لياسمينة في حيفا ” فهي كلبة الشاعر اللبناني / الفلسطيني وديع البستاني الذي توفي في العام 1954 ، ويعود بنا زياد خداش كاتبها ،( نشرها في مجموعة ” أنف ليلى مراد ” الصادرة حديثا عن منشورات الأهلية 2022 ) إلى حيفا وشط بحرها وبيت وديع البستاني هناك .
وديع البستاني أشهر من نار على علم ، إذ يعرفه قراء الشعر الفلسطيني المكتوب قبل العام 1948 ، فهو صاحب ديوان ” الفلسطينيات ” ؛ الديوان الذي دافع فيه عن عروبة فلسطين . هل يمكن نسيان بيته الشعري الذي يفتخر فيه بعروبته :
” أجل عيسوي ! اسألوا الأمس والغدا
ولكن عروبي يحب محمدا ” .
عندما هجر الصهيونيون عرب حيفا في 1948 آثر الشاعر البقاء فيها في بيته الذي بناه ، وظل فيه حتى العام ١٩٥٣ إذ لم يقو على البقاء في حيفا التي صارت مدينة مختلفة فلم يعد سكانها عربا كما ألفهم . ببساطة صارت حيفا مدينة يهودية ، وهنا خضع الشاعر إلى ضغوطات أسرته التي آثرت العودة إلى لبنان حيث قرية الدبية .
يتخيل زياد خداش الآتي :
ربت ليلى ابنة الشاعر وديع كلبة واعتنت بها ، بالإضافة إلى أنها زرعت في بيتها شجرة ياسمين ، وعندما هاجرت الأسرة في ١٩٤٨ وبقي وديع وزوجته روز بقيت ليكا معهما ترعى شجرة الياسمين كما أوصتها ليلى ، وإذ قررت روز الهجرة واستجاب لها وديع فقد اصطحبا معهما ليكا ، ولكن ما إن وصلت السيارة رأس الناقورة وهمت العائلة بقطع الحدود حتى تراجعت ليكا وقررت العودة إلى ظل شجرة الياسمين لتحرسها عملا بوصية ليلى .
سمور و ليكا كلبان وفيان ، ومرة نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية مقالا في جزأين عنوانه ” كلاب في الذاكرة ” . هل ستخلد ليكا التي اخترعها زياد في الذاكرة ؟
أعتقد أن مجموعة زياد خداش الجديدة الوارد عنوانها أعلاه تستحق الوقوف عندها .
وتحية للكلب سمور والكلبة ليكا
***
– زياد خداش وأدب المقاومة
قبل فترة كتب القاص زياد خداش مقالة عما أكتبه من نقد ، وأشك في أنه تابع ما أكتب متابعة دارس ، وذهب إلى أنني حين أكتب أستبعد الخوض في الجانب الجمالي ، ولهذا اختار لمقالته في العربي الجديد عنوانا لافتا هو ( الجمال متجاهلا ).
ماشي الحال . أنا أدرجت ما كتبه على صفحتي ، وقراته غير مرة ، ولم أعقب .
مؤخرا زارني القاص في نابلس ، ونحن غالبا ما نلتقي ، على الرغم من اختلاف ذائقتنا الأدبية ، وقررت أن أعيره كتابا ، ليقرأه ، كنت قرأته قبل 35 عاما ،و هو نموذج لأدب المقاومة ضد النازية .
الكتاب هو لـ” أنا زيغرز” الأديبة الألمانية ، وكان ذكرني به د.عبده عبود دارس الأدب المقارن ومدرسه في جامعة دمشق ، إذ أتى على ذكر بعض أعمال الكاتبة ( زيغرز ) في صفحة الأدب العالمي المقارن .
زارني زياد فقلت أعيره مجموعة قصصية للكاتبة عنوانها ” المخربون ” وهي تضم قصصا من أدب المقاومة الألماني ضد النازية ، فيقرأ زياد نماذج من القصة القصيرة المقاومة والتقليدية ، ولعله يكتب أو يجرب الكتابة المختلفة عما يكتب .
أخذ مني زياد الكتاب وسألني :
– ان شاء الله هذا أدب مقاومة ( صححني زياد وقال انه قال لي ايديولوجيا )، فأكدت له الأمر ، وسرعان ما أعاد الكتاب وقال لي :
– لا.لا.لا أنا لا أقرأ هذا اللون من الأدب .
زياد خداش ومجموعة من أدباء رام الله ما عاد أدب المقاومة يثيرهم ، ولا عادوا يهتمون به ، وليسوا على استعداد لقراءته . ويتهمون من يكتبه بأنه يعيش في الماضي السحيق .
نسيت أن رام الله وفلسطين تحررتا منذ أصدر بلفور وعده في العام 1917 قبل الميلاد ، ونسيت أيضا أنني أعيش في الدنمرك ، في غيتو ( كوبنهاجن ) .
زياد خداش ومجموعة من أدباء رام الله ينظرون بعين الغضب والسخط لمن يكتب أدب مقاومة ، بل بعين مغلقة ، ربما لأنهم لا يرون مستوطنة ( بيت ايل ) التي لا تجثم قرب مخيم الجلزون الذي ولد فيه زياد ، فهي أيضا ما زالت مقامة في ( الغيتو ) في ( وارسو ) . أي والله !
ماذا أفعل إذا كنت أنا كاتبا أو ناقدا يعيش في السماء لا في أرض رام الله المحررة .
كنت كل صباح ألقي نظرة على مستوطنة ( ايلون موريه ) المقابلة لبيتي ، ثم أقيمت بيوت من طوابق عديدة فحررت الحي الذي أقيم فيه ، أو حررتني من رؤية المستوطنة ، ويبدو أن هذا لم يكن كافيا لأتحرر من متابعة أدب المقاومة . لا بد من العيش في رام الله ، وبعيدا عن مستوطنة ( بيت ايل ) ،
ومع ما سبق ،فإنني سأستقبل زياد خداش إن زارني في نابلس ، وسأظل استبعد الجمال – ههههههه – أخذا بأسطر محمود درويش في ” حالة حصار ” 2002 :
” الشهيد يعلمني :لا جمالي
خارج حريتي ” .
*******
– هوامش بلبل فلسطين في بيت جدي : النكبة والجنون وزياد خداش
قرأت مجموعة ” أنف ليلى مراد ” ( الأهلية 2022 ) فتذكرت صورة عمي محمد في بيت جدي اللاجيء في غرفته في المخيم . في الصورة عمي محمد الذي غنى لمحمد عبد الوهاب في يافا وقد كتب أسفل الصورة ” بلبل فلسطين ” .
كان عمي متزوجا من عزيزة وهي امرأة من مصر وقد أنجبا طفلا وحيدا وعندما حدثت النكبة هاجرت مع ابنها إلى مصر ، ولجأ عمي إلى نابلس . واصل عمي الغناء لمحمد عبد الوهاب وقراءة القرآن وأصابه مس من جنون ومات في عمان دون أن نعرف عن موته إلا لاحقا ، فقد كان يقيم في مقاهي وسط المدينة – سقف السيل ، وغالبا ما كنت أزوره بين 1972 و 1976 وما بين 1980 1982 فأعطف عليه وأذكره بإخوته وأمه ولا نأتي على سيرة ابنه ، فلا هو يعرفه ولا أنا ، وعبثا حاول أخي ، حين سافر إلى مصر ، أن يتعرف إلى ابن عمه الذي سمع الناس صوته مرة في الإذاعة يسأل عن أبيه وأعمامه في فلسطين .
في القسم الثاني من قصص ” أنف ليلى مراد ” يكتب زياد خداش تحت عنوان ” مفقودات ” قصصا عما فقده الفلسطينيون من أشياء وأشخاص بسبب النكبة . ولطالما استعرت من إنعام كجه جي عنوان روايتها ” طشاري ” لأصف أحوال الفلسطينيين ونكباتهم المتتالية التي صورها أكثر من روائي فأكتب ” صرنا ، نحن الفلسطينيين ، طشاري ” ، ولطالما استعرت من إميل حبيبي يصف الفلسطينيين بعد النكبة مقولته ” تفرقنا أيدي عرب ” ، فلما قرأت روايتي سامية عيسى ” حليب التين ” ( 2011 ) و ” خلسة في كوبنهاجن ” ( 2014 ) قلت ” صرنا طشاري وأيدي عرب ودولا اسكندنافية أيضا ” .
يستحضر زياد خداش في قصصه الجديدة فلسطين قبل العام 1948 فيكتب عن يافا وحيفا والحياة الفنية فيهما وزيارة الفنانين المصريين لهما وإحياء حفلات فيهما وتفاعل أهل المدينتين معهم وفرحهم بهم ، كما يستحضر قصص وحكايات مناضلين ومناضلات فلسطينيات قاوموا الهجرات اليهودية ، فسجن منهم من سجن واستشهد منهم من استشهد وتشرد منهم من تشرد ، إذ يسهو الكاتب أحيانا عديدة فيتجاوز الزمن القصصي في القصص زمن نشرها في جريدة فلسطين التي كانت تصدر في يافا .
ليس زياد خداش أول كاتب فلسطيني يستحضر في نصوصه ما شهدته فلسطين من اهتمام بالفن قبل العام 1948 ، فقد قرأنا قصصا وروايات عديدة حضرت فيها يافا وحيفا قبل 1948 وأذكر هنا على سبيل المثال إميل حبيبي في ” اخطية ” وأكرم هنية في ” دروب جميلة ” وسهيل كيوان في ” بلد المنحوس ” ومؤخرا سعاد العامري في ” بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ” ، ويمكن عد ما كتب في هذا تحت مصطلح ” أدب مقاوم ” لكن ليس من خلال التغني بالسلاح والفدائي وإنما من باب دحض الشعار الذي رفعته الصهيونية في أدبياتها ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” . أدب مقاوم لا ضجيج فيه ولا شعارات . أدب مقاوم هاديء يذكرنا بالقصة الفرنسية الطويلة ” صمت البحر ” التي نشرت باسم ( فيركور ) وعدت من عيون أدب المقاومة الفرنسية ، مع أنها لا تدعو إلى استخدام سلاح لطرد المحتل النازي .
مجموعة زياد خداش الجديدة تقوم على تخيل الكاتب نفسه وقد عاش في فلسطين قبل العام 1948 وأخذ يكتب في صحافتها قصصه القصيرة وتحديدا في جريدة فلسطين التي صدرت بغير انتظام بين 1911 و 1048 ثم توقفت عن الصدور بسبب اللجوء في العام 1948 لتعاود الصدور من جديد في القدس بين 1950 و 1967 وتتوقف بسبب حرب حزيران فتصدر باسم جريدة الدستور .
يعيش زياد خداش مرتين ؛ قبل 1948 وبعد 1964 ويتفق أكرم هنية رئيس تحرير جريدة الأيام الفلسطينية التي صدرت في 1996 في رام الله مع عيسى العيسى مدير تحرير جريدة فلسطين على إعادة نشر قصص زياد القديمة في جريدة الأيام في العام 2022 ، وهكذا نقرأ القصص التي كتبها زياد في حياته الأولى ونقرأ القسم الثاني مما كتبه في حياته الثانية تحت عنوان ” مفقودات ” ومنها مثلا قصة ” فتى مخبول ” ، فأمجد فيها فقد عمه في 1948 ، إذ كان العم يعاني من ضعف في العقل . صارت مهنة أمجد التفكير الدائم بمصير عمه محمد حسين عايش ولذا يرسم صورته في حصة الرسم ويكتب تحت الصورة ” ربما سيعود عمي إلى بيتنا في المجدل حين نعود نحن إلى فلسطين ” .
يفتتح زياد مجموعته بقصة عنوانها ” حبيب السمك ” القسم الأول منها يصف لقاء تم بين أكرم هنية رئيس تحرير جريدة الأيام التي تأسست عام 1996 والأستاذ عيسى العيسى رئيس تحرير جريدة فلسطين التي تأسست عام 1911 ، والهدف من اللقاء كان ” التعرف على التجربة الإعلامية الفلسطينية المعاصرة والطلب من هنية إعادة نشر مقالات الكاتب زياد خداش التي كتبها في زمن حياته السابقة في اعداد جريدة فلسطين والتي تحتفل هذا الشهر بذكرى ميلادها الذي يتجاوز المائة عام 14 / 1 / 1911 ” .
يسعد زياد لاختياره أحد أول الكتاب الفلسطينيين الذين عاشوا في بدايات القرن العشرين ونشروا في تلك الجريدة الرائدة التي ” طالما دافعت عن فلسطين وفضحت الصهيونية ونقلت حيوية المجتمع الفلسطيني التواق للتغيير والإبداع والمقاومة ” .
يعيد زياد تحت عنوان القصة ” حبيب السمك ” إدراج القصة مع مقدمة تتضمن ما سبق ويفصل بين المقدمة والقصة بإشارات (***) ولا يكتب متى تم اللقاء بين رئيسي التحرير ، ما يوقع القاريء بإرباك ، وكنت أتمنى لو فصل بين المقدمة والقصة ووضع تاريخا للمقدمة يعود إلى القرن الحادي والعشرين ، وأن ينشر القصة بعنوانها في صفحة مستقلة .
يسرد القصة بضمير المتكلم معلم رياضة في المدرسة الدستورية الليلية التي أسسها المربي خليل السكاكيني مع شركاء آخرين له عام ١٩٠٩ ، وتصف لنا يافا في 1911 ؛ تصف لنا بحرها وميناءها وصيد السمك فيها وفشل المعلم في ممارسة الصيد فالسمك ” أكل الطعم وشخ على الصنارة ” و … وتأتي بقية القصص لتفصل الصورة في مدينتي يافا وحيفا وما ألم بسكانهما في العام 1948 .
هل وفق الكاتب في قصصه ؟
ما من كاتب فلسطيني استرجع زمانا لم يكن شاهدا عليه أو مكانا لم يقم فيه ليكتب عنه إلا كان هناك خلط في كتابته سببه إسقاط زمن الكاتب على الزمن المسترجع أو عدم تشرب تفاصيل المكان ، وكان على زياد خداش الثاني أن يعلمنا أنه أجرى تعديلات وإضافات على القصص التي نشرها في حياته الأولى متأثرا بمعطيات زمن حياته الثانية بعد 1964 . لو فعل ذلك لكانت قصصه أكثر تماسكا وإقناعا .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
قراءات في قصص قصيرة :
– ” حكاية النساء الخطرات “
حكاية النساء الفلسطينيات الخطرات قبل العام 1948 :
من هن النساء الفلسطينيات الخطرات اللاتي كتب عنهن زياد خداش في حياته الأولى في فلسطين قبل العام 1948 ونشر قصته عنهن ، كما يقول التاريخ المثبت في نهاية القصة في صفحة( 84 ) :
” بتاريخ 7 / 9 / 1946 في جريدة فلسطين اليافاوية – حيفا ” ؟
– إنهن ساذج نصار زوجة نجيب نصار التي كانت تكتب في مجلة زوجها ” الكرمل ” وتتظاهر ضد الهجرات اليهودية وترعى الكاتبات الشابات وتفتح لهن أبواب مجلة زوجها ، ساذج التي رأى فيها الانتداب البريطاني ” المرأة الخطرة ، والمحرضة البارزة ” فسجنها .
من النساء الخطرات نمرة طنوس وحياة بلبيسي / بلابسي وكاتبات قصة قصيرة فلسطينيات عشن قبل النكبة وكان لهن قصص ” تم تجاهلها ودفنها مثل قصص زليخة شهابي ، اسمى طوبي ، نزهة النشاشيبي ، ماري شحادة ، وجيهة حسيني ، وحيدة خالدي ، فاطمة أبو السعود ، ميمنة القسام ، حلوة جقمان والعشرات من نسائنا “( 84) .
في القصة غير ساردة . كاتبة صحفية معجبة بساذج نصار التي سجنها الانتداب البريطاني عاما في بيت لحم ، وتنشر هذه الكاتبة باسم ” القارئة ” و ” الباحثة في الصحراء ” وهي ليست الصحفية الوحيدة فهناك صحفيات أخريات ألهمتهن ساذج نصار مثل ميليا وفاطمة وجميلة ، وكلهن يردن أن يصبحن مثل ساذج فيصدمن النسق ويخلخلن الأفكار .
ينشر زياد خداش قصته ” حكايا النساء الخطرات ” ويترك الصحفية ” القارئة / الباحثة في الصحراء ” تسرد بضمير الأنا ، نقرأ سردا بالضمير نفسه للبنى من قرية دير ياسين ، لبنى التي صارت ” أعيش الآن في مخيم الوحدات بالأردن ” لبنى التي تزوجت في الستينيات من والد ابنتي الوحيدة فايزة ” ، والدها الذي ” كان يعمل في مصنع اسطيفان وأولاده للمشروبات الروحية في حيفا ” واستشهد ” زوجي في هجوم من عصابات اليهود على المصنع ” وتبلغ لبنى من العمر الثمانين من العمر واشتغلت كمعلمة في مدرسة الوكالة في المخيم وقد استشهد نصف عائلتها في دير ياسين … .
الصحيح أنا بطلت ” أجمع ” و … وكل هذا حدث في القصة التي كتبها زياد خداش في حياته الأولى ونشرها ” بتاريخ 7 / 9 / 1946 في جريدة فلسطين اليافوية – حيفا ” .
يخيل إلي أن زياد خداش الثاني عندما أعاد نشر القصة في جريدة الأيام الفلسطينية في العام 2022 أجرى تعديلات كثيرة على قصة زياد خداش الأول ، فتجاوز الزمن القصصي زمن النشر الأول بأربعة عقود وربما أكثر ، ونسي أن يكتب لنا أنه أجرى تعديلات وإضافات على القصة التي تقمص روح كاتبها .
إما أن زياد على حق ، فأكون أنا قارئا رديئا لا ” يجمع ” أو أن زياد قصد أن يختبرنا حين نقرأ فيعرف أننا قراء جادون أو قراء من الدرجة العاشرة !!
Aljarmaq center Aljarmaq center