المشهد الروائي الفلسطيني: قراءات” عنوان الكتاب الصادر حديثا للكاتب محمود شقير عن منشورات مكتبة كل شيء في حيف
يقع الكتاب في 326 صفحة من القطع المتوسط ويتناول فيه ثمانية وخمسين رواية لحوالي تسعة وأربعين روائياً وروائية ، فهناك روائيون تناول لهم أكثر من عمل مثل باسم الخندقجي وإبراهيم نصرالله وجميل السلحوت ، ويضم الكتاب تمهيداً وشهادة لمؤلفه عن تجربته الروائية ومداخلتين عن ” المخيم في الرواية ” و ” تجليات المكان والذاكرة في الرواية الفلسطينية ” ومقالة قصيرة عنوانها ” نحن والرواية البوليسية ” بالإضافة إلى رسائل وملاحظات كان كتبها في روايات قرأها مخطوطة وأبدى فيها رأيه . الكتاب المتناولة أعمالهم فلسطينيون يقيم قسم منهم في فلسطين وقسم آخر في خارجها ، وهو بذلك لا يدرس رواية الداخل أو رواية المنفى وحسب .
لا يدعي الكاتب أنه غطى في قراءاته ” كل المشهد الروائي الفلسطيني ” الذي قد يكتمل بما كتبه نقاد آخرون ، وكان في كتاب سابق له صدر عن دار نور في ألمانيا في العام 2017 نشر قراءات سابقة لم يعد نشرها في كتابه الجديد.
تتفاوت القراءات في حجمها ، فبعضها يقع في سطور عدة في حين أن بعضها الآخر يقع في صفحات ، ويعود السبب إلى المكان الذي نشر قراءاته فيه: الصحيفة أو المجلة أو الفيس بوك ، وكان يراعي رغبة القراء في الإقبال على النصوص المختصرة . ولكنه تعاطى مع الروايات بالتقدير نفسه وبالاحترام ذاته ” بغض النظر عن السطور التي خصصها لكل كتاب ” .
في الشهادة ” أنا والرواية ” يكتب عن علاقته بالفن الروائي منذ ستينيات القرن العشرين إلى الآن ، وفي كتابته ” عن المخيم في الرواية ” يكتب لمحات سريعة جدا عابرة جدا عن المخيم دون اعتماد منهجية معينة ؛ تعاقبية مثلا أو علاقة الروائي بالمخيم . ولا يختلف الأمر فيما كتبه تحت عنوان ” تجليات المكان والذاكرة … ” . ويخيل إلى أنه حين أعد الورقة للمشاركة في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية المنعقد في رام الله في العام 2017 ، أعدها متكئا على الذاكرة ؛ ذاكرته في قراءة روايات في فترات سابقة على مدار ثلاثين أربعين عاما . طبعا علينا الا ننسى أن كتابه ليس كتابا أكاديميا منهجيا . إنه كما ورد في صفحة الغلاف ” قراءات ” لا أكثر ، وهي قراءات انطباعية تتكئ على خبرته كاتبا قصصيا قارئا للرواية ، وسرعان ما يتوصل المرء إلى هذا ، فما كتبه كله يخلو من التنظير النقدي ولا يعتمد على كتب أركان الرواية القديمة والجديدة منها .
اليوم أعدت قراءة الصفحات الستين الأولى من الكتاب وأما بقيته فكنت قرأته في مكان نشره الأول.
شكرا للمحامي الحيفاوي حسن عبادي الذي وفر لي نسخة من الكتاب وشكرا للكاتب محمود شقير أيضا .
هناك عدة ملاحظات أود أن أبديها وهي :
الملاحظة الأولى:
لا أعرف سبب تكرار بعض الفقرات فيما كتب تحت عنوان ” عن المخيم في الرواية “
الفقرة الثانية في صفحة 23 تتكرر في صفحة 24 ، والفقرة الرابعة تتكرر في صفحة 25 . أيعود الأمر إلى المنتجة ؟
( الفقرة الأولى عن رواية غريب عسقلاني ” ليالي الأشهر القمرية ” والفقرة الثانية عن رواية صافي اسماعيل صافي ” الباطن ” .
الملاحظة الثانية :
تخص روايات الكاتب عزام أبو السعود ” وكتب عزام أبو السعود رباعية روائية هي ” صبري ، حمام العين ، الستيفادور ، وسبيريترما ” ( صفحة 42 ) . ما أعرفه هو أن أبو السعود أصدر أولا ثلاثية صبري وحمام العين وسوق العطارين ، وسوق العطارين كلها عن القدس ( لم أقرأ له الستيفادور و سبيريترما فلم أحصل عليهما بعد ) .
الملاحظة الثالثة :
تخص الروائي أحمد حرب . كان شقير قرأ الرواية مخطوطة وأبدى في صفحة 299 ملاحظات حولها وحول عنوانها ” يسير ” واقترح على حرب أن يغير العنوان ففعل وصار عنوانها ” الصعود إلى المئذنة ” وفي صفحة ٤٦ يذكر الرواية ، وهو يكتب عن المكان والذاكرة في الرواية الفلسطينية ،؛ ويورد عنوانها الجديد ، ما يعني أن حرب أخذ بالاقتراح . وهذه معلومة جديدة .
الملاحظة الرابعة :
تبدو في كتابته عن رواية أحمد رفيق عوض ” العذراء والقرية ” واشارته إلى الجيوش العربية بخاصة الجيش العراقي :
في صفحة 225 نقرأ :
كذلك يتعاطى الكاتب مع هزيمة عام 1967 بالطريقة ذاتها وعبر حوارات لا تخلو من السخرية ، حيث تتم الهزيمة في مثل سرعة البرق ، ويدخل اليهود يعبد على الأقدام في حين لم يكن هناك جيش ، وفي حين ما زال الناس يعتقدون بوهم قدوم الجيش العراقي للمشاركة في الحرب ، وفي ذلك ايحاء بموقف الجيش العراقي المعروف ” ماكو أوامر ” أيام النكبة الأولى ” .
وللأمانة فإن الجيش العراقي في النكبة الأولى هو من حرر مدينة جنين بعد احتلال العصابات الصهيونية لها ، وكل من عاش في حينه يشهد له بذلك .
الملاحظة الخامسة ؛
تكمن في أن الكاتب كان يكثر من إصدار أحكام قيمة تخص نتاجات بعينها من ذلك ما كتبه عن روايات باسم الخندقجي ورواية إبراهيم نصرالله ” طفولتي حتى الآن ” . ( صفحة 112 و 207 و 213 وغيرها كثير ) .
الملاحظة السادسة :
“غياب غزة”
أعترف بأنني منذ العام 1993 تقريبا لم أتابع المشهد الروائي في قطاع غزة ، على الرغم من بروز أسماء روائية عديدة .
عندما أصدر غريب عسقلاني / إبراهيم الزنط في العام 1979 روايته الأولى ” الطوق ” كتبت عنها ، وعندما أصدر محمد أيوب في العام 1990 تقريبا روايته ” الكف تلاطم المخرز ” كتبت أيضا عنها . وكتبت أكثر عن القصة القصيرة هناك ، فهي الفن الذي ازدهر أكثر من الرواية ، بل ومن الشعر .
بدأت الرواية في قطاع غزة تكثر كتابتها منذ العام 1993 ، ولقد انصرف إليها أكثر كتاب القصة القصيرة إلا ما ندر ، وللأسف فقد انقطعت عن متابعة ما يصدر هناك ، حتى قرأت عاطف أبوسيف فكتبت عن خمس روايات من رواياته العشرة ، وربما أكون من خلال تناولي لرواياته غطيت جزءا من المشهد الروائي الفلسطيني في الداخل وفي الخارج ، واشك في أن ناقدا واحدا يمكن أن يغطي المشهد الروائي الفلسطيني كله .
عندما أمعنت النظر في عنوان كتاب الكاتب محمود شقير نظرت في الفهرست ، وتمنيت لو كان العنوان ” في المشهد الروائي الفلسطيني ” ، ذلك أن أسماء روائية عديدة لها إسهاماتها لم يؤت عليها ولم يكتب عن رواية واحدة من رواياتها .
لم يكتب عن سحر خليفة أو رشاد أبو شاور أو محمد الأسعد أو … ولم يكتب عن أي كاتب من كتاب قطاع غزة إلا عاطف أبوسيف الذي خصت روايته ” الحاجة كريستينا ” بصفحة واحدة .
روائيون كثيرون يتشوقون للحصول على نسخة من الكتاب ، ولكنهم ما إن ينظروا في الفهرست حتى يشعروا بالإحباط ويصابوا بخيبة الأمل .
ولعل ما يقلل من إمكانية مهاجمة الكاتب أنه أضاف إلى العنوان الرئيس مفردة ” قراءات ” .
الكتاب كما كتبت من قبل ليس دراسة أكاديمية منهجية ، ولم يعتمد خطة تتكئ على الاختيار ومبرراته – أي الاختيار .
سألني الكاتب محمد زحايكة إن كانت الكتابة النقدية يجب أن تقتصر على النقاد ، فأجبته : لا . إنني أتمنى أن يكتب الروائيون عن نتاجات بعضهم ، فهذا يثري المشهد الروائي ، وأغلب الظن أن محمود شقير رمى حجرا في بئر الرواية ، وأغلب الظن أن الروائيين سيدلون بدلوهم مبدين آراءهم في الكتاب .رأي في عالم أدب الأسرى الروائي
الملاحظة السابعة :
” من متابعاتي لما أنتجه باسم خندقجي من روايات ، وبما أنتجه غيره من الأسرى من قصص وروايات ، فقد لاحظت ان قلة من هؤلاء الأسرى هم الذين تعرضوا للكتابة عن المعاناة داخل السجون (وليد دقة/ حسام كناعنة / سائد سلامة ) … …فيما تطرق أسرى آخرون للكتابة عن ظواهر مجتمعية ووطنية تقع خارج أسوار السجون ..( حسام شاهين / عصمت منصور / وطبعا باسم ) ( صفحة 193 ) .
ترى ما مدى دقة هذا الحكم ؟
إنه حكم صدر عن اطلاع الكاتب على ما تيسر له من قصص وروايات قرأها ، وللتأكد من مدى صوابه يجدر قراءة نتاج الأسرى كله ووضعه في خانتين ؛ خانة ما كتبه أسرى لم يتناولوا فيه تجربة السجن ، وخانة ما كتبه أسرى تناولوا فيه عالم السجن وتجاربهم فيه .
شخصيا أرى أن تجربة باسم الخندقجي وحسام شاهين تكاد تكون استثناء ، فأغلب السجناء كتبوا عن تجاربهم في السجن وما عاشوه فيه .
حتى عصمت منصور الذي ورد اسمه في أنه كتب رواية عن عالم الأنفاق ، حتى عصمت كنب عن السجن ” سجن السجن ” .
كتب هشام عبد الرازق رواية ” الشمس في معتقل النقب ” تجري أحداثها كلها في السجن ، وكتب كميل أبو حنيش أكثر من رواية عن السجن وكتب وليد الهودلي أيضا الكثير عن عالم السجن وكتب وكتب ، وأظن أن تجربة باسم الخندقجي استثناء .
يمكن للمحامي حسن عبادي أن يبدي رأيه في الموضوع فهو قرأ الكثير من أعمال السجناء ، وكذلك الناقد فراس حاج محمد والدكتور حسن عبدالله .
ان العديد من الآراء التي أبداها صديقنا أبو خالد تحتاج إلى تمحيص ، وكما ذكرت فإن نقده نقد انطباعي وقراءاته قراءات أنجزت عن روايات قرأها تيسرت له ، لا قراءات شمولية تتابع كل ما صدر ، والقراءات الأخيرة هي مهمة الدارس الأكاديمي لا مهمة القارئ الانتقائي أو حتى القارئ النهم . ويخيل إلي أن غزارة الإنتاج الروائي في العقود الثلاثة الأخيرة لا تصعب مهمة القارئ الانتقائي وحسب ، بل تصعب حتى مهمة الدارس الأكاديمي نفسه .
الملاحظة الثامنة
الكاتب والمكان :
عندما كتب الروائي ربعي المدهون روايته ” مصائر ” كتب عن مدن عديدة منها عكا ولندن والقدس ، وكان زار المدينتين الفلسطينيتين غير مرة .
وعندما قرأ ناقد فلسطيني الرواية كتب عن أخطاء معرفية وقع فيها الروائي ، فلم يكن ملما بالقدس إلماما كافيا .
ولأنه شاع عن الناقد أنه يضخم الأخطاء ، فقد عرضت الرواية على مواطن مقدسي ليبدي رأيه فيكون الكلام الفصل ، فاكتشف أخطاء أخرى غير التي كتب عنها الناقد ، ولكنه اضطر ألا يعلنها ، فقد كانت الرواية حصلت على جائزة الرواية العربية / بوكر أو في طريقها للحصول عليها .
الروائي وليد الشرفا له رواية يأتي في صفحات منها على حيفا المدينة التي ربما يكون زارها زيارة عابرة .
عندما قرأ أبناء المدينة الرواية دونوا عليها ملاحظات ، فيما يخص حيفا ، تظهر أن الروائي لم يحط بالمدينة إحاطة تامة . كما لو أنهم ساروا على درب إميل حبيبي في تتبعه المكان في رواية غسان كنفاني ” عائد إلى حيفا ” ولكثرة كتابتي عن هذا الجانب صار الرأي شائعا .
الروائي محمود شقير في كتابه ” المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات ” يكتب صفحتين عن رواية ” وارث الشواهد ” يأتي فيهما على المكان فيها . يكتب شقير :
” …. معلنا انحياز بطل روايته إلى المكان الفلسطيني المنهوب ، حيث الوصف المتقن للأمكنة ولما فيها من تفاصيل تحفظها الذاكرة … “
علام اعتمد الكاتب حين أصدر هذا الرأي اليقيني ” الوصف المتقن للأمكنة .. ” .
في كتابه ” فن القصة ” يكتب محمد يوسف نجم عن البيئة في الرواية ، ويقدم للروائيين نصيحة هي أن يلتزموا في كتابتهم بالبيئة التي يعرفونها . لقد لاحظ نجم أن محمود تيمور كتب في إحدى قصصه عن لبنان ، ولم يكن زارها ، ومما كتبه أن فيها صحارى … .
Aljarmaq center Aljarmaq center