استهلال
لا يمكن أن تعود فلسطين حرةً إلى أصحابها ما لم يُواجَه المشروع الذي أفضى إلى قيام إسرائيل، سواء في تجسيده السياسي والعسكري، أو في منظومة الأفكار والسرديات التي تمنحه الشرعية وتعيد إنتاجه. ومن هنا تبرز ضرورة تحرير الوعي اليهودي من الهيمنة التي فرضتها الصهيونية على قطاعات واسعة منه، مستندةً إلى ثالوث متزمت يتألف من الهولوكوست، ودولة إسرائيل، والإرث التلمودي. فقد جرى توظيف هذه العناصر في بناء سردية تمنح اليهود، باسم تاريخ من الاضطهاد والوعود الدينية والحق الحصري في الأرض، موقعاً استثنائياً يتيح تبرير إخضاع الآخرين وحرمانهم من حقوقهم.
إن الدعوة إلى إعادة تشكيل الهوية اليهودية بعيداً عن المسار الصهيوني طموحة، ولا يمكن اختزالها في مطلب سياسي آني؛ فهي تستدعي تحوّلاً فكرياً وأخلاقياً واسعاً، على غرار ما استدعته مواجهة النازية والفاشية من تمييز بين مقاومة الإيديولوجيا العنصرية وبين تحميل الشعوب بأسرها مسؤولية جرائم الأنظمة التي حكمتها. لكن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي عنيد، يتجلى اليوم في التحالف بين الأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة والصهاينة في إسرائيل. فهذا التحالف لا يستند إلى المصالح السياسية وحدها، بل تغذيه تصورات لاهوتية تمنح المشروع الإسرائيلي معنى يتجاوز حدود الدولة الحديثة، وتربطه بتحقيق نبوءات دينية وقيام “مملكة الرب”. وهكذا يُعاد تقديم الصراع في فلسطين ضمن سردية لاهوتية تحجب جذوره التاريخية والاستعمارية، وتمنح سياسات السيطرة والتوسع غطاءً دينياً. وفي هذا السياق، تتجدد بعض أنماط العلاقة التاريخية بين المسيحية الغربية والإسلام، بما تحمله من إرث صراعي ومن تصورات تُستدعى لتفسير الحاضر وتوجيهه.
من هنا تأتي ضرورة التشديد على الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني، في فكره ومؤسساته وممارساته، وفي تجسيده المادي المتمثل في دولة إسرائيل. ولا يكفي هنا وصف سياسات بعينها بأنها استعمارية؛ إذ ينبغي تفنيد التصورات التي تنكر الأساس الاستعماري للمشروع برمته، أو تحاول تحييده عبر الدعوة إلى “تفهم” الجانب الإنساني للاستيطان في فلسطين. فمثل هذه الدعوات، حين تفصل تجربة المستوطنين عن عملية اقتلاع الفلسطينيين وانتزاع أرضهم وفرض السيطرة عليهم، قد تحوّل الاهتمام بالإنسان إلى وسيلة لحجب البنية الاستعمارية التي تحدد علاقات القوة ونتائجها. والمقصود هنا الاستعمار بمعناه العام، بما ينطوي عليه من استيلاء على الأرض وإحلال جماعة سكانية محل أخرى، ومن إنتاج سرديات تاريخية ودينية تبرر ذلك وتمنحه شرعية مزعومة.
تبحث المقالة في الدوافع “الإيمانية” التي تجعل كثيراً من المسيحيين الغربيين يتعاطفون مع قصة إسرءيل القديمة كما تعرضها نصوص العهد القديم. فهذه القصة لا تُقرأ دائماً بوصفها رواية دينية تنتمي إلى ماضٍ بعيد؛ إذ يمكن أن تتحول، في سياقات سياسية معاصرة، إلى نموذج يُحتذى به أو مرجعية تمنح التوسع والاستيلاء على الأرض وإخضاع سكانها معنى دينياً. ومن منظور الاستعمار الاستيطاني، تكتسب هذه السردية أهمية خاصة لأنها تتيح بحث الكيفية التي يُصوَّر بها مجتمع قديم، في بعض نصوصه وممارساته كما يعيد الباحث قراءتها، بوصفه نموذجاً لاستعمار استيطاني يُستدعى إرثه في الحاضر. وكما يقول المؤلف؛ تتناول المقالة إسرءيل القديمة من منظور الاستعمار الاستيطاني، وتبحث في مدى صلاحية هذا المنظور لفهم نشأتها وقراءة الوثائق التوراتية المتصلة بتاريخها المبكر. وتبدأ ببيان أهمية دراسة إسرءيل القديمة في سياق البحث في الاستعمار الاستيطاني، ثم تستعرض المناهج المتباينة التي اعتمدها الباحثون في إعادة بناء تاريخها. وبعد ذلك، تناقش الأدلة التي قد تسوّغ قراءة الوثائق الإسرءيلية وتاريخ إسرءيل المبكر بوصفهما مرتبطين بظاهرة الاستعمار الاستيطاني. وتختتم ببحث إمكانات تصفية الاستعمار في التعامل مع السردية التوراتية، انطلاقاً من فرضية أن نشأة إسرءيل القديمة قد تكون، في حدها الأدنى، ذات طبيعة استعمارية استيطانية.
…………………
بيكا بتكانين
ترجمة: محمود الصباغ
تركت قصة إسرءيل القديمة الكتابية أثراً بالغاً في العالم، فهي تبدأ، كما تصفها أسفار العهد القديم (من التكوين إلى الملوك الثاني) ، من خلق العالم، ثم تنتقل إلى دعوة إبراهيم بوصفه سلفاً لإسرائيل القديمة، ومن ثم تصوّر ذريته المباشرة فتروي أخبارهم بوصفهم هاجروا إلى مصر[1]. فتعرضوا هناك، مع طول إقامتهم، إلى التمييز على يد المصريين الذين استعبدوهم، إلى أن أتاهم الخلاص على يد موسى الذي تلقى نداءً من يهوه، ففروا من مصر بمساعده، وهو الذي أرسل الكوارث الطبيعية على المصريين كإشارة على وجوب السماح لهم بالرحيل.
يقطع الإسرءيليون، بعد خروجهم من مصر، عهداً مع إلههم يهوه عند جبل سيناء، ويفشل الجيل الأول في دخول الأرض، لكن الجيل الثاني ينجح في ذلك، فيفتح الأرض بقيادة يشوع، فيستقرون فيها. وما يلي ذلك من تاريخ إسرءيل إن هو إلا تقلبات أحوال الجماعة الإسرءيلية، بدءً من توحيدها ضمن مملكة واحدة على داود وابنه سليمان، ثم انقسامها إلى مملكتين: إسرءيل في الشمال ويهوذا في الجنوب اللتان سرعان ما تسقطان بدورهما في أيدي قوى خارجية؛ فاحتلت آشور المملكة الشمالية في القرن الثامن ق.م، ثم غزت الإمبراطورية البابلية المملكة الجنوبية في مطلع القرن السادس ق.م. وبعد سبي دام نحو سبعين عاماً، سُمح لليهود بالعودة من بابل، وتروي أسفار عزرا ونحميا بعض الأحداث المتصلة بالعائدين في المرحلة التي أعقبت السبي.
غدت هذه القصة رواية تأسيسية للجماعات اليهودية التي نشأت بعد السبي، وحملت إرث إسرءيل السابقة له، إلى جانب مجموعة من النصوص الأخرى التي لم يكن الاهتمام بالتاريخ محورَها الأساسي. وفي القرن الأول الميلادي، انبثقت من اليهودية القديمة جماعة دينية جديدة. وتروي نصوص العهد الجديد بدايات هذه الجماعة، التي عُرفت بالمسيحية، كما تضم مجموعة من النصوص التوجيهية الموجّهة إلى الجماعات المسيحية الأولى.
احتفظت قصة إسرءيل القديمة بمكانتها بوصفها رواية تأسيسية للجماعات المسيحية الناشئة. وأعادت المسيحية تأويلها ووسّعت نطاق دلالتها، بحيث باتت تتناول صراحةً جميع الأمم والشعوب. وكانت المسيحية في بداياتها ظاهرة اجتماعية غير مألوفة في الإمبراطورية الرومانية، التي ظل انتشارها محصوراً فيها إلى حد بعيد. ثم اضطهدتها الإمبراطورية، وصنّفتها ديانة غير مشروعة. ومع ذلك، واصلت انتشارها، حتى بلغت من النفوذ في القرن الثالث الميلادي حداً دفع السلطة الإمبراطورية أولاً إلى استيعابها والاعتراف بها ديانةً مقبولة، ثم إلى فرضها ديانةً حصرية في الإمبراطورية.
بعد سقوط روما، بقيت المسيحية ديانة أوروبا، وظل انتشارها محصوراً إلى حد بعيد في القارة. لكن انطلاق عصر الاستكشافات الأوروبية والتوسع الاستعماري، منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، عرّض العالم بأسره، عملياً، لديانة الأوروبيين. ورغم أن حركة التنوير والعلمنة أضعفتا نفوذ المسيحية في أوروبا، ولا سيما خلال القرنين الأخيرين، فما زالت المسيحية، ومعها قصة إسرءيل القديمة التي تقف وراءها، تؤثر في جوانب عدة لا يمكن تجاهلها. ثم إن آثار التنوير لم تتوزع بالتساوي خارج الغرب، حيث لا تزال المسيحية توسّع نطاق انتشارها في مناطق كثيرة.
من سمات الروايات التأسيسية تماهي الأجيال المتعاقبة التي تتلقاها، معها، وإعادة روايتها وإحياء أحداثها وتكييفها مع أحوالها[2]. ورغم اكتساب نصوص العهد القديم صفة النصوص القانونية المعتمدة، واستقرار صيغتها إلى حد بعيد بحلول نهاية القرون الميلادية الأولى، ظلت منذ ذلك الحين موضوعاً لتأويلات لا حصر لها، صاغها لاهوتيون وعلمانيون سعوا إلى فهم معانيها وربطها بأوضاعهم، واتخاذها دليلاً يهتدون به في حياتهم، أفراداً وجماعات.
ومن ثم، فالإقرار بقداسة النصوص التأسيسية لليهودية والمسيحية يعني، في الغالب، منح الروايات المتصلة بها، بصيغها المختلفة التي أعادت الأجيال اللاحقة تكييفها، سلطةً مرجعية. ويسهل عندئذ النظر إلى هذه الروايات كنماذج يُحتذى بها في السلوك القويم، وهذا هو النهج الذي اتبعه عموماً اليهود والمسيحيون الملتزمون بدينهم.
لكن سرعان ما اتضح، أن هذه النصوص تتضمن مواد يصعب اتخاذها نماذج للسلوك القويم. فعلى سبيل المثال، تكشف المزامير التي تُعرف باسم “مزامير اللعن”*عن كتّاب يتضرعون إلى الرب لينتقم من أعدائهم. وقد وضع من أدركوا الإشكالات الأخلاقية المترتبة على هذه المزامير، مع حرصهم على صون مكانتها المرجعية، تأويلات معقدة لتبريرها أو تفسيرها. أما المواد التي أثارت إشكالات من هذا القبيل، فقد آثر البعض تجاوزها والإعراض عنها، وما زالوا يفعلون ذلك حتى اليوم[3].
ومع ذلك، لم يرَ كثير من قراء العهد القديم ومفسريه، ولا يزال كثيرون منهم لا يرون، أي إشكال في بعض النصوص، مع أن النظر إليها من منظور لاحق يكشف بوضوح أن الإشكال قائم بالفعل. والأسوأ من ذلك أنهم (القراء والمفسرون) سعوا إلى إعادة وضع تلك النصوص في سياقات جديدة، بما يخدم أجنداتهم السياسية.
ولعل أكثر هذه النصوص إشكالاً ما يتصل بالغزو والإبادة الجماعية. فقد تتماثل أمة أو جماعة بشرية، أو أفراد منها، مع الأمة الإسرءيلية وصراعاتها ضد أمة أو جماعة أخرى تقف في طريقها، سواء أكانت هي نفسها مهددة أم كانت تسعى إلى الغزو، كما حدث في عصر الحروب الأوروبية والتوسع الاستعماري. وعلى هذا القياس، إذا كان الإسرءيليون قد دافعوا عن أنفسهم، جاز للأمم اليهودية أو المسيحية اللاحقة أن ترى نفسها في الموقف ذاته؛ وإذا كان الإسرءيليون قد غزوا غيرهم، جاز لمن جاء بعدهم أن يحذو حذوهم. وهكذا استُخدمت نصوص مختارة من العهد القديم[4] لتبرير العبودية[5]، والحروب الصليبية، والغزو والاستعمار[6].
في المقابل، تحمل نصوص العهد الجديد، على الأرجح، دلالات سياسية أيضاً، لكنها تعكس نشأة المسيحية بوصفها ديانة أضفت على مفهوم إسرءيل طابعاً روحياً إلى حد بعيد، ولم تربط نفسها، في بداياتها، بالسلطة السياسية. وبعبارة أخرى، يصعب استخلاص تصور من العهد الجديد، في سياقه الأصلي، يشمل المجتمع بأسره ويقوم على الغزو الجغرافي المادي وإخضاع الأراضي والشعوب للهيمنة، إلا إذا رأينا في بعض جوانب سفر الرؤيا، الذي يثير بدوره معضلات تأويلية عميقة، دعوةً إلى العنف الذي يُحدثه الرب أو نبوءةً به. فسفر الرؤيا مصوغ في هيئة سلسلة من الرؤى التي تعود إلى القرن الأول الميلادي.
وهكذا، يتماهى كثير من المسيحيين مع قصة إسرءيل القديمة، من دون الأخذ في الحسبان، في جوهر الأمر، التحول الذي طرأ ظاهرياً على دور هذه القصة في العهد الجديد.
ورغم أن مشكلات من قبيل تأييد المجتمع للعبودية والاستعمار الصريح باتت اليوم إلى حد بعيد من مخلفات الماضي، فما زالت قضايا أخرى، مثل الاستعمار الجديد، تحتفظ براهنيتها. وفي هذا السياق، يكشف موقع الولايات المتحدة بوصفها القوة العالمية الأولى في الوقت الراهن، إلى جانب وجود قاعدة مسيحية واسعة تؤيد موقفاً سياسياً بعينه أو تقبل به، عن استمرار الأهمية الكبيرة لإرث الكتاب المقدس وتأثيره في العالم المعاصر.
وثمة تعقيد آخر في هذا السياق، يتمثل في نشوء الصهيونية، وانتقال اليهود إلى فلسطين، وإقامة الدولة اليهودية فيها في منتصف القرن العشرين. فرغم بدايتها كحركة علمانية حركة علمانية في المقام الأول ورغم أن كثيراً من يهود اليوم علمانيون، فقد استندت الصهيونية أيضاً، إلى حد بعيد، إلى الوعود الكتابية بعودة الشعب اليهودي إلى أرض أسلافه بعد انقطاع دام نحو ألفي عام. وتحظى هذه الحركة بدعم قطاعات معينة من المسيحية الإنجيلية الغربية، لا سيما في الولايات المتحدة، وإن استند تأييد هؤلاء المسيحيين، أفراداً وجماعات، إلى مبررات تختلف بعض الشيء عن مبررات الصهيونية نفسها.
وتستند هذه العملية المتواصلة من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المعاصر إلى الاستعمار الاستيطاني[7]. ومن ثم، يجعل ارتباط هذه العملية تحديداً، بما تنطوي عليه من عنف ملازم للاستعمار الاستيطاني، بالكتاب المقدس وقصته عن إسرءيل القديمة، مواصلة تحليل النصوص التوراتية وتأويلاتها أمراً بالغ الأهمية. وتقتضي معالجة الإشكالات المرتبطة بالنصوص الكتابية وإرثها تفكيك البعد الاستعماري في الكتاب المقدس. وقد أُنجز الكثير في هذا المجال بوجوه مختلفة[8]. لكن جانباً من هذا العمل ما زال يحتاج إلى مزيد من البحث، ويتعلق بالعلاقة بين إسرءيل القديمة والكتاب المقدس من جهة، والاستعمار الاستيطاني من جهة أخرى. فقد ثبت أن جماعات مختلفة استخدمت النصوص الكتابية لتأييد العنف والاستعمار الاستيطاني، غير أننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من التحليل لفهم الأسباب التي جعلت هذه النصوص قابلة إلى هذا الحد لمثل هذا الاستخدام.
سأجادل هنا باستخدام بعض هذه النصوص لتأييد الاستعمار الاستيطاني لأنها هي ذاتها نتاج له. وبصورة أدق، سأبيّن أن المواد الواردة في الأسفار الممتدة من سفر التكوين إلى سفر يشوع تتحدد بمنطق استعماري استيطاني، وتعكس تحولاً اجتماعياً شهدته كنعان القديمة في أواخر الألفية الثانية ق.م، وأفضى إلى نشوء إسرءيل القديمة.
ونظراً إلى أن تاريخ إسرءيل القديمة موضع خلاف أصلاً، وإلى الصعوبات التي تعترض تفكيك الاستعمار في السياقات الاستعمارية الاستيطانية، فمن المرجح أن تثير هذه الأطروحة جدلاً في حد ذاتها. لذلك، سأبدأ باستعراض المناهج الرئيسة التي اتبعها المفسرون والباحثون في دراسة تاريخ إسرءيل القديمة. يلي ذلك قسم يبحث في الكيفية التي تكشف بها الأسفار من التكوين إلى يشوع عن إيديولوجيا استعمارية استيطانية. وبعد تقديم ما يثبت، على الأقل، رجحان احتمال الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل القديمة ونصوصها، سأنتقل إلى بحث سبل تفكيك البعد الاستعماري في هذه المواد الكتابية.
وسأجادل بأن محاولات تفكيك الاستعمار الراهنة، بصرف النظر عن الموقف المتخذ من الناحية التاريخية إزاء النصوص الكتابية، تعود في نهاية المطاف إلى التنصل من الطابع الاستعماري الاستيطاني للكيان السياسي الإسرءيلي القديم، أو إلى إنكار هذا الطابع فعلياً، ولو جزئياً، أو إنكار إمكان اتصافه به. وقد عُدّت هذه المسائل في حد ذاتها إشكالية في الجهود الرامية إلى تفكيك الاستعمار الاستيطاني في العالم المعاصر[9]. وفي هذا الصدد، يمكننا طرح سؤال إضافي: ما الذي يمكن الحلول محل هذا التنصل والإنكار الفعلي؟
سأختتم المقالة ببعض المقترحات الممكنة للإجابة عن هذا السؤال.
الجدل حول إسرءيل القديمة
يثير تاريخ إسرءيل جدالاً وخلافاً حاداً بين الباحثين، يعود بجذوره إلى عصر التنوير وإلى النقد الكتابي الحديث، الذي ترجع بداياته إلى القرن الثامن عشر. وكان الطبيب الفرنسي جان أستروك أول من ميّز، في القرن الثامن عشر، بين مصادر مختلفة في سفر التكوين[10]. وعلى مدى القرن التالي ونحو ذلك، قُسّمت أسفار العهد القديم الخمسة الأولى إلى أربعة مصادر: المصدر J، وهو مصدر سردي يستخدم اسم يهوه Jahweh؛ والمصدر E، وهو مصدر سردي يستخدم اسم إلوهيمElohim؛ والمصدر D التثنوي، أي ينتمي إلى سفر التثنية Deuteronomy ؛ والمصدر الكهنوتي P، الذي يضم الشرائع الكهنوتية والروايات المرتبطة بها[11]. ومن المهم أن هذه المصادر عُدّت نتاجاً لعصور مختلفة، حتى وإن ظل الباحثون يختلفون حول حدود كل مصدر وتاريخه الدقيق.
اقترح الباحث الألماني يوليوس فلهاوزن إطاراً جديداً رأى فيه أن المصدرين J وE يعودان إلى القرنين التاسع والثامن ق.م، وأن سفر التثنية يعود إلى القرن السابع ق.م، في حين يرجع المصدر الكهنوتي إلى المرحلة التي أعقبت السبي، أي القرنين الخامس والرابع ق.م[12]. وذهب فلهاوزن أيضاً إلى أن ديانة إسرءيل تطورت، وفقاً لما تكشف عنه هذه المصادر، من البساطة إلى التعقيد، ومن التدين الحر إلى الخضوع للشعائر والطقوس.
اعتمد غالبية الباحثين في العهد القديم لاحقاً الإطار الذي وضعه فلهاوزن، حتى صار الالتزام به، بحلول القرن العشرين، شرطاً عملياً للانتماء إلى الأوساط الأكاديمية المتخصصة في دراسات العهد القديم. ومع ذلك، خضع هذا النموذج لتعديلات عدة؛ منها النقد الشكلي الذي ارتبط بباحثين مثل غونكل وفون راد، ورأى هذا النموذج المعدل أن وراء المصادر المدونة تقاليد شفوية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، تعرضت الآراء المتعلقة بمدى هذه المصادر وتواريخها للنقد، وطُرحت نظريات متعددة ومختلفة[13]. وحاول بعض الباحثين التخلي، كلياً أو جزئياً، عن منهج نقد المصادر برمته، ودافعوا عن وحدة العهد القديم الأدبية[14].
أما في القرن الحادي والعشرين، فيبدو أن أحد الاتجاهات المؤثرة في مناهج نقد مصادر العهد القديم يتجه إلى تصور يقوم على وجود طبقات تحريرية أُضيفت تباعاً إلى صيغة أو صيغ مبكرة من العمل، حتى بلغ صورته النهائية. وربما كانت تلك الصيغة المبكرة تتألف من روافد نصية منفصلة، تطور كل منها في البداية بصورة مستقلة عن الآخر[15].
أما الأسفار التاريخية، من سفر يشوع إلى سفر الملوك الثاني، فقد عُدّت في البداية مشتملة على مصادر الأسفار الموسوية الخمسة. وفي ذات الوقت، رأى فلهاوزن وغيره أن الأسفار الممتدة من سفر التكوين إلى سفر يشوع تكوّن ما يُعرف باسم “الأسفار الستة” Hexateuch [16]. لكن مارتن نوث طرح في أربعينيات القرن العشرين نظريته الشهيرة عن “التاريخ التثنوي”، ومفادها أن مؤرخاً واحداً كتب، خلال السبي البابلي في القرن السادس ق.م، الأسفار الممتدة من سفر التثنية إلى سفر الملوك الثاني، مستنداً إلى المصادر التي كانت متاحة له[17]. ثم أُدرج هذا التاريخ التثنوي، في مرحلة لاحقة أعقبت السبي، ضمن الأسفار الممتدة من سفر التكوين إلى سفر العدد، لتنشأ رواية متصلة تبدأ بخلق العالم وتنتهي بالسبي البابلي[18]. وقد حظيت نظرية نوث بقبول واسع، لكنها خضعت للتعديل، ثم أخذت تواجه اعتراضات متزايدة في أواخر القرن العشرين، حتى باتت اليوم موضع خلاف بين الباحثين. وعوضاً عنها، عاد عدد منهم، في جوهر الأمر، إلى تصور “الأسفار الستة”[19].
يكشف هذا العرض لتاريخ النظريات النقدية الأدبية المتعلقة بالأسفار الموسوية والأسفار التاريخية، على أقل تقدير، عن صعوبة الوصول إلى استنتاجات حاسمة بشأن أصول هذه النصوص وطريقة تأليفها اعتماداً على النقد الأدبي وحده. فلا بد من الاستناد إلى معايير إضافية، وقد وفّر علم الآثار بعض هذه المعايير[20].
ترجع بدايات تطور علم الآثار المرتبط بالكتاب المقدس إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر[21]. ففي البداية، انطلقت أعمال التنقيب الأثري في “الأرض المقدسة” إلى حد بعيد من اهتمامات الباحثين بنصوص العهد القديم؛ إذ سعوا إلى إلقاء الضوء على أسفاره مستعينين بالاكتشافات الأثرية، والتحقق من صحة ما ترويه من وقائع. لكن علم الآثار أخذ، مع مرور الزمن، يستقل بوصفه تخصصاً قائماً بذاته. أما ما كان يُسمّى سابقاً “علم الآثار الكتابي أو التوراتي”، فكثيراً ما يُعرف اليوم باسم “علم آثار سوريا وفلسطين”، وهو تخصص مستقل يتمتع بقدر كبير من الاستقلال عن الدراسات الكتابية[22].
ومع ذلك، ما زال التفاعل بين علم الآثار والدراسات الكتابية وثيقاً. فكثير من الباحثين الكتابيين يسعون إلى فهم نصوصه في ضوء الاكتشافات الأثرية ذات الصلة، كما يحاول عدد من علماء الآثار صراحةً توضيح ما يستطيع تخصصهم الإسهام به في فهم الكتاب المقدس[23].
ارتبط علم الآثار، على نحو خاص، بتاريخ إسرءيل المبكر عموماً. فمع تراكم المكتشفات المادية من فلسطين القديمة بكميات كبيرة، بدأت تبرز إشكالات تتعلق بكيفية التوفيق بينها وبين الرواية الكتابية. ومع أن الأحداث التي تبدأ من عصر القضاة وما بعده عُدّت عموماً انعكاساً لتاريخ فعلي، أخذت الشكوك تحيط بالأحداث الأقدم منذ مطلع القرن العشرين. وهكذا، صار سفر يشوع الحد الفاصل تقريباً بين ما عُدّ تاريخاً وما أخذ يتحول، كلما رجعنا إلى الأزمنة الأقدم، إلى رواية أقرب إلى الخيال ضمن السرد الكتابي[24]. وفي هذا السياق، نشأ جدل حول أصول إسرءيل في مراحلها المبكرة.
دافع أنصار “نظرية الغزو”، وفي مقدمتهم ويليام أولبرايت وتلميذه جون برايت خلال النصف الأول من القرن العشرين، عن صدقية الرواية الكتابية في خطوطها العامة. ومع ذلك، خفّضوا تاريخ الغزو إلى القرن الثالث عشر ق.م، بدلاً من القرن الخامس عشر ق.م الذي يوحي به التسلسل الزمني الكتابي. لكن هذه النظرية هُجرت بسبب صعوبة التوفيق بين الرواية الكتابية والمعطيات الأثرية، ولا سيما المكتشفات المتعلقة بمواقع مثل عاي (سفر يوشع 7 – 8) وأريحا (يوشع 2، 6) وجبعون (يوشع 9) وعراد (يوشع 12 : 14 ، والعدد 21 : 1-3)
ومع التخلي عموماً عن نظرية الغزو، ظهرت نظريتان أخريان لتفسير عملية توطن الإسرءيليين. اقترحت الأولى، المعروفة باسم “نظرية التسلل السلمي”، التي ارتبطت خصوصاً بألبريشت ألت ومارتن نوث، أن الإسرءيليين كانوا جماعات بدوية هاجرت إلى الأرض من خارجها. والمهم في هذا التصور أن الهجرة جرت سلمياً، ولم تنطوِ على غزو.
أما النظرية الثانية، المعروفة باسم “نظرية ثورة الفلاحين”، فقد دافع عنها جورج مندنهال ونورمان غوتوالد. ووفقاً لها، كان الإسرءيليون كنعانيين ثاروا على النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم، وانسحبوا إلى المرتفعات [الهضاب الوسطى الفلسطينية. المترجم] ليؤسسوا مجتمعاً جديداً.
كشفت الدراسات اللاحقة عن مشكلات في جميع هذه النظريات. ومع أن نظرية ثورة الفلاحين رُفضت، بقيت فكرة أن الإسرءيليين الأوائل نشؤوا من السكان الأصليين للمنطقة. وبعبارة أخرى، تميل الدراسات المعاصرة إلى اعتبار إسرءيل تطوراً نشأ من داخل كنعان[25]. ومع ذلك، يذهب فاوست، مثلاً، في دراسة أثرية حديثة أعدّها بعناية، إلى أن عدداً كبيراً من الإسرءيليين الأوائل، أو نسبة مهمة منهم على الأقل، قدموا من خارج المنطقة. ويتيح هذا الاحتمال إدراج جماعة نجحت في الفرار من مصر ضمن تلك المجموعات، حتى وإن كان فاوست لا يتبنى نظرية الغزو[26].
إلى جانب هذه الاتجاهات العامة، شكك بعض الباحثين الأكثر راديكالية، في الآونة الأخيرة، في صدقية الروايات الكتابية حتى المتعلقة بعصر القضاة وما تلاه. ويرى أكثر هؤلاء الباحثين تشدداً أن إسرءيل الكتابية ليست سوى بناء صاغه الباحثون في العصر الفارسي[27]. ووفقاً لهذا الرأي، لا تتيح الوثائق الكتابية معرفة الكثير عن إسرءيل السابقة للسبي البابلي، بما في ذلك الحقبة التي تصوّرها رواية العهد القديم عصرَ المملكة الموحدة في عهد داود وسليمان. وفي المقابل، دافع باحثون آخرون عن تاريخية المواد الكتابية منذ زمن إبراهيم، حتى وإن عدّوا الإصحاحات من الأول إلى الحادي عشر من سفر التكوين “تاريخاً أولياً”Protohistory، لا تتضح صلته بأحداث تاريخية فعلية[28].
ويمكننا، إجمالاً، تقسيم الباحثين في هذا المجال إلى ثلاثة تيارات: التيار السائدmainstream، والتيار التقليلي minimalist ، والتيار الأصولي المحافظ maximalist[29] وليس مستغرباً، والحال هذه، حيرة القارئ غير المتخصص أحياناً أمام كثرة الاحتمالات المطروحة، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان الجدل المتعلق بالتحليل النقدي الأدبي للنصوص الكتابية ذاتها. فتأريخ الوثائق الكتابية المعنية ومنحها قيمة تاريخية استناداً إلى التحليل الأدبي يسيران، في خطوطهما العامة، وفق التوجه الذي يتبناه كل تيار في تفسير تاريخ إسرءيل**.
وفيما يلي، سأوضح كيف يمكن الاستعانة بالمناهج النظرية المتعلقة بالغزو والاستعمار الاستيطاني لإضاءة النصوص الكتابية ذات الصلة من زاوية جديدة، ولإلقاء بعض الضوء على مدى معقولية ما ترويه تاريخياً. وستقودنا هذه الاعتبارات بعد ذلك إلى مناقشة الكيفية التي يجدر بنا أن نقرأ بها تلك النصوص اليوم.
إسرءيل القديمة بوصفها مجتمعاً استعمارياً استيطانياً
لم تُنجز، حتى الآن، دراسات تقارن بين المواد الكتابية والاستعمار الاستيطاني. ويُعزى ذلك، إلى حد بعيد، إلى حداثة كثير من التطورات في دراسة الاستعمار الاستيطاني؛ فهذا الحقل البحثي ما زال، من نواحٍ عدة، في بداياته، وإن كان قد أثمر بالفعل نتائج مهمة[30]. وقد أُنجز بعض العمل الذي يقارن المواد الكتابية بنظريات الغزو ودراسات الإبادة الجماعية في سياق العالم القديم، لكن هذه الجهود ظلت محدودة إجمالاً[31]. وربما يعود ذلك، جزئياً، إلى تراجع المصداقية التي مُنحت للنصوص الكتابية في النقاشات الأكاديمية خلال السنوات الأخيرة. وقد يرجع أيضاً إلى الإشكالات الأخلاقية التي تثيرها هذه النصوص في سياقاتنا المعاصرة. وقد أشار عدد من الكتّاب بوضوح إلى هذه الإشكالات[32]. لكنهم لم يفحصوا، في العادة، النصوص القديمة بكاملها ضمن سياقها التاريخي، أو تعاملوا مع ذلك السياق كما لو أنه يختلف اختلافاً كبيراً عما تصوّره النصوص[33].
وهكذا، قد تنشأ فجوة بين القراءات التي يمكن وصفها بأنها “قديمة” وتلك التي يمكن وصفها بأنها “حديثة”. فالقارئ المعاصر الذي يلحظ بوضوح جوانب إشكالية في النصوص الكتابية يُطلب منه، بمعنى من المعاني، افتراض أن هذه الجوانب ظهرت على نحو “عرضي”، من الناحية العملية، وأنها لم تكن مقصودة في الأصل. وقد صيغت نظريات معقدة لتفسير الكيفية التي يُفترض أن يكون ذلك قد حدث بها[34]. وأرجّح أن لهذه المسألة صلة بمفهومي “التنصّل” وإنكار التاريخ، وهما مفهومان يرتبطان بدورهما بالاستعمار الاستيطاني عموماً[35]. وسأبحث فيهما في القسم التالي. أما هنا، فسأطرح فكرة مفادها أن قراءة هذه النصوص اليوم على هذا النحو أمر يسير لأنها نتاج مجتمع استعماري استيطاني، هو مجتمع قديم في هذه الحالة، ولأنها تعكس الإطار الإيديولوجي للاستعمار الاستيطاني، الذي يقترن مساره عادة بالعنف والإبادة الجماعية.
تشير الوثائق الكتابية إلى أن الإسرءيليين القدماء جاؤوا من خارج الأرض التي استقروا فيها[36]. فالرواية الكتابية تذكر أن إبراهيم، سلف إسرءيل، هاجر إلى أرض كنعان من بلاد ما بين النهرين، لكن ذريته هاجرت بعد ذلك إلى مصر لتحتمي من المجاعة. وانتهى الأمر بالإسرءيليين عبيداً في مصر، قبل أن يتحرروا ويغادروها بقيادة موسى. ثم اجتازوا البرية حتى بلغوا تخوم أرض كنعان، حيث مات موسى، فآلت إلى خليفته يشوع مهمة قيادة الإسرءيليين إلى أرض كنعان لغزوها والاستقرار فيها. ومن الوهلة الأولى، تبدو هذه الرواية شبيهة بما نعرفه عن الاستعمار الاستيطاني. فمع أن نظريات الاستعمار كثيراً ما تشترط وجود حاضرة أو دولة أم [متروبول] تدعم المشروع الاستعماري[37]، فإن وجود مثل هذا المركز ليس شرطاً لازماً بالضرورة في حالة الاستعمار الاستيطاني.
ويشير فيراتشيني إلى أن “المستوطنين يرون أنفسهم مؤسسين لأنظمة سياسية، ويفسرون جهودهم الجماعية أيضاً انطلاقاً من ادعاء سيادي أصيل يصحبهم في انتقالهم، ويستقل في نهاية المطاف عن الحاضرة الاستعمارية، إن لم يستقل عنها منذ البداية”[38].
فضلاً عن ذلك، فإن وجود جماعات سامية في مصر خلال الألفية الثانية ق.م حقيقة معترف بها[39]، ومن الممكن، من الناحية النظرية على الأقل، أن تكون بعض الهجرات إلى كنعان قد ضمّت جماعات تعدّ نفسها سامية، عادت من مصر خارج إطار الهجرة الرئيسة المفترضة التي ترويها أسفار الخروج إلى العدد، والتي صيغت في قالب سردي ذي طابع نمطي[40]. وعلى أي حال، كان التكاثر داخل الجماعة الاستيطانية كفيلاً، بعد مرور مدة من الزمن، بدفع التحول الاستعماري الاستيطاني إلى الأمام.
ربما انضمت إلى الإسرءيليين، أثناء عملية التوطن، جماعات أخرى غير تلك القادمة من مصر[41]، سواء أكانت من السكان الأصليين أم وافدة من خارج الأرض. ثم أُدمج هؤلاء في الجماعة الاستيطانية[42]، بوصفهم، في البداية، آخرين من السكان الأصليين أو وافدين من الخارج. ومن بين هؤلاء كالب [بن يفنة] القنزي (يشوع 14: 6)، ورحاب (يشوع 2،6)، والجبعونيين (يشوع9)، وبعض الأشخاص المذكورين في أخبار الأيام الأول 20:4–8 وصموئيل الأول27:8 [43].
ومن اللافت أن هذا الإدماج، في جميع هذه الحالات، يستند إلى تعاون بين الطرف الآخر، سواء أكان من السكان الأصليين أم وافداً من الخارج، والكيان السياسي الإسرءيلي. ومع ذلك، لا يتضح تماماً ما إذا كان هؤلاء الأشخاص قد عُدّوا أعضاء كاملي الحقوق في ذلك الكيان، ولا إلى أي مدى تمتعوا بهذه العضوية. ومن الأمثلة على ذلك الجبعونيون، الذين انتهى بهم الأمر إلى العمل خدماً للهيكل في وضع يقارب الاستعباد(يشوع 9: 22-27) [44].
وتشير الوثائق الكتابية، في ذات الوقت، إلى أساليب أكثر قسوة لإدماج الآخرين في الجماعة الاستيطانية. فمنها الإدماج عن طريق القتل[45]، كما في سفر التثنية، الإصحاح السابع، ومنها الإدماج عن طريق الإزاحة الجسدية، كما في سفر الخروج(23: 20-30) [46]. ويمكن أيضاً تصنيف تصوير السكان الأصليين بوصفهم منحطين، كما في سفر التثنية 7، ضمن أشكال الإدماج السردي[47]. ويندرج في هذا السياق كذلك الاحتجاج بإقامة أسلاف إسرءيل في الأرض في زمن سابق، باعتباره شكلاً آخر من أشكال الإدماج السردي[48].
من اللافت أيضاً أن بعض الأمم السبع الواردة في القائمة المتكررة في النصوص الكتابية، مثل القائمة في سفر التثنية 7 وسفر يشوع 9:1–2، ربما كانت ذات أصول أجنبية[49]. وإذا صح ذلك، فقد يكون تصويرها على نحو ينكر انتماءها الأصلي إلى الأرض شكلاً من أشكال الإدماج السردي[50].
وتتضمن المواد التشريعية في الأسفار الموسوية الخمسة أحكاماً تنظم وضع الغريب*** في مواضع عدة، كما في سفر اللاويين 17–25 وسفر التثنية 14:1–21 ويمكن فهم مفهوم الغريب بسهولة بوصفه إطاراً لتنظيم وضع الوافدين من خارج الجماعة. من المثير للاهتمام أن حكماً خاصاً في التثنية 23:1–7 ينص على إمكان إدماج الأدومي والمصري في جماعة إسرءيل في الجيل الثالث، في حين يقضي بأن يظل العموني أو الموآبي إلى الأبد آخرَ محتقراً[51].
وبعبارة أخرى، تكشف الوثائق الكتابية عن وجود تقسيم ثلاثي يميز بين الجماعة الاستيطانية، والسكان الأصليين، والوافدين من الخارج، كما تشير إلى وقوع عمليات متعددة لإدماج أفراد من الفئتين الأخيرتين في الجماعة الاستيطانية خلال المراحل المبكرة من تاريخ إسرءيل****.
ومن اللافت أيضاً أن نهجاً أقرب إلى الأساليب الاستعمارية التقليدية في التعامل مع السكان الأصليين يبدو حاضراً في ما تنسبه الرواية الكتابية إلى الملك سليمان في مرحلة لاحقة (سفر الملوك الأول 9: 20-21). ومع ذلك، يمكن النظر إلى هذه الحالة أيضاً بوصفها شكلاً من أشكال الإدماج، وإن كان إدماجاً في طبقة من “العبيد”[52]. وتصور الوثائق الكتابية، حتى في مرحلة التوطن المبكر، زمناً ذهبياً من السلام والازدهار(يوشع 21: 43-45) [53]
تشير الأمثلة السابقة إلى إمكان قراءة النصوص الكتابية المتعلقة بإسرءيل في مراحلها المبكرة من منظور الاستعمار الاستيطاني. غير أن ثمة أسباباً تدعو إلى النظر إلى الأسفار الممتدة من سفر التكوين إلى سفر يشوع، على نطاق أوسع، بوصفها رواية متكاملة تشرعن حيازة إسرءيل للأرض وتضع الأسس لإقامة مجتمع جديد فيها.
يستعرض ديفيد داي[54] مساراً عاماً يتكرر عادة عندما يستولي مجتمع، يسميه “المجتمع الإحلالي”supplanting society، على أرض مجتمع آخر. ويمكن ربط هذا المسار بنظريات الاستعمار الاستيطاني وما تطرحه من اعتبارات[55].
ويرى أن عملية الإحلال التي ينفذها مجتمع ما تمر بثلاث مراحل. أولاً، “عليه إثبات حق قانوني، أو حق بحكم القانون، في الأرض”[56]. ثم “ينتقل المجتمع الإحلالي إلى المرحلة التالية، فيطالب بملكية فعلية، أو ملكية بحكم الواقع، للإقليم الذي يريد أن يجعله ملكاً له”[57]. ويقول داي إن مثل هذا الادعاء “يترسَّخ عادةً باستكشاف أقاصي الإقليم، وإطلاق الأسماء على معالمه الجغرافية وغيرها، وتحصين حدوده، وحراثة تربته، واستغلال موارده، والأهم من ذلك كله، إسكان الأراضي التي غزاها”[58]. وأخيراً، “تتمثل الخطوة الأخيرة في هذه العملية، وهي الأصعب مراساً، في ترسيخ ادعاء بالحق الأخلاقي في امتلاك الإقليم”[59]. ولكي ينجح هذا المسعى، “ينبغي تفوق هذا الادعاء على ما يمكن لأي مجتمع آخر، بمن فيه السكان السابقون، المطالبة به من حقوق”[60].
يبدو، للوهلة الأولى على الأقل، أن هذا المسار ينطبق على إسرءيل القديمة كما تصوّرها الوثائق الكتابية. ويمكننا، في خطوط عامة سنعود إلى تفصيلها أدناه، الربط بين وعود الآباء الأوائل من جهة، ومراحل العملية الثلاث من جهة أخرى: فوعود الآباء تمنح المجتمع الإسرءيلي أساساً للمطالبة القانونية بالأرض؛ والغزو والتوطن يحققان المطالبة بالحيازة الفعلية؛ أما المطالبة بالحق الأخلاقي، فتستند إلى اعتماد عبادة يهوه لإيديولوجيا حصرية، وإقامة مجتمع جديد تحكمه منظومة خاصة من الشرائع، كما في سفر التثنية وتشريع القداسة في سفر اللاويين[61]، فضلاً عن وضع ممارسات السكان السابقين في مقابل هذه المنظومة، كما في سفر التثنية 7.
ويمضي داي إلى تحديد عمليات نموذجية تصاحب هذه المراحل الثلاث، مشيراً إلى أن هذه العمليات كثيراً ما تتداخل، مثلما تتداخل المراحل الرئيسة ذاتها[62]. وتشمل هذه العمليات تثبيت المطالبة القانونية بالأرض، ورسم خرائط الإقليم، وإعلان الحق فيه عبر إطلاق الأسماء على معالمه، وإحلال المجتمع الجديد محل من يجري تصويرهم كمتوحشين، والاحتجاج بحق الغزو، والدفاع عن الإقليم المفتوح، والاستناد إلى قصص التأسيس، وحراثة الأرض، واللجوء إلى الإبادة الجماعية عند الاقتضاء، وإسكان الأرض. ويمكننا أن نضيف مرحلة أخيرة هي تنظيم المجتمع الإحلالي، لتناول بعض المسائل المتصلة بادعاء الحق الأخلاقي في امتلاك الإقليم.
وسأوضح هذه الجوانب فيما يلي، مع إدخال تعديلات طفيفة، لأن بعض العناصر تتداخل جزئياً في السياق الذي نبحثه هنا[63].
يمكن النظر إلى رحلات إبراهيم في أرض كنعان وبنائه المذابح فيها، كما في سفر التكوين 12، بوصفها وسيلة لإرساء مطالبة قانونية بالأرض. ومن اللافت أن شكيم هي الموقع الذي يرد فيه ذكر أول مذبح في الرواية. ثم يُؤمر الإسرءيليون، في سفر التثنية 27، ببناء مذبح على جبل عيبال، ويذكر سفر يشوع 8:30–35 أن البناء والمراسم المصاحبة له، التي يحددها سفر التثنية 27:9–26، قد أُنجزت بالفعل. وتعيد هذه المراسم، التي ترتبط بالغزو وإحلال مجتمع جديد محل المجتمع السابق، وصل الأحداث بوعود الآباء في سفر التكوين. كما تؤكد الترابط بين سفر التكوين وسفر التثنية وسفر يشوع، بل بين الأسفار الموسوية الخمسة وسفر يشوع بوصفها وحدة سردية أوسع.
أما رسم خرائط الأرض، فيمكننا أن نلحظ ملامحه في تجوال إبراهيم عبر كنعان، كما يرويه سفر التكوين (12:6–9)، لا سيما أن يهوه يأمره أيضاً بالسير في الأرض واستطلاعها (13:17). ويمكن فهم هذه الرحلات بوصفها جزءً من عملية “معرفة الأرض”، ومن ثم ترسيخ المطالبة بها، وإن كانت هذه العملية لا تزال في طورها الأول ضمن سفر التكوين. لكن الأمر يصبح أكثر وضوحاً وصراحة في سفري العدد ويشوع. فوفقاً لسفر العدد 13:1، يأمر يهوه موسى بإرسال رجال لاستطلاع أرض كنعان[64]. وينفذ الرجال المهمة، ثم يعودون بوصف للأرض. وفي ضوء ما تقدم، يمكن فهم هذا الاستطلاع بوصفه خطوة في مسار المطالبة بالإقليم، على نحو يشبه السلوك البشري المعتاد في مثل هذه العمليات[65].
ثم يروي سفر يشوع نجاح الغزو. ويصف (18:3–10 )عملية رسم خرائط للأرض في سياق تقسيمها بين أسباط إسرءيل. وتندرج هذه العملية ضمن الإصحاحات 13–21 من السفر، التي تتناول، في مجملها، توزيع الأراضي على الأسباط. ومن المحتمل أن تكون هذه التوزيعات تصورات تخطيطية لمشروع لم يتحقق بالكامل في الواقع[66]. ومثل هذا التصور قد يكون ظهر في أي مرحلة من تاريخ إسرءيل، لكن المقارنة بأمثلة الغزو في تاريخ العالم ترجّح ملاءمته بوجه خاص لمرحلة إسرءيل المبكرة، حين لم تكن هذه الأراضي قد خضعت بعد لسيطرة الإسرءيليين، أو لم تكن سيطرتهم عليها قد اكتملت، مع أنهم كانوا يطمحون إلى إخضاعها لهم. ويعزز هذا الاحتمال الإشارة في سفر يشوع 13–21، ولا سيما الإصحاحات 13:1–7، إلى جانب نصوص كتابية أخرى، مثل القضاة 1، والشواهد الأثرية، إلى أن توطن الإسرءيليين وإحكام سيطرتهم بدء في المرتفعات الوسطى والشرقية والشمالية، ثم امتدوا منها إلى مناطق أخرى، قبل أن تشمل مناطق التلال المنخفضة في مراحل لاحقة من تاريخ إسرءيل(راجع أيضاً سفر القضاة1).
فيما يتعلق بإثبات المطالبة بالأرض عبر إطلاق الأسماء، يبدو أن الوثائق الكتابية تذكر بعض الحالات التي غيّر فيها الإسرءيليون أسماء مواقع، لكن هذه الحالات قليلة نسبياً. ومن أمثلتها: الجلجال (يشوع 14:15)، وتلّ القلف(يشوع 5: 2-3)، وادي عخور (يشوع 7:26)، حبرون (يشوع 14:15؛ 15:13؛ القضاة 1:10 )، دبير (يشوع 15:15)، أورشليم (القضاة 19:10)، بيت إيل (القضاة 1:23)، دان (يشوع 9:47؛ القضاة 18:29)، حووث يائير(العدد 32:31) ونوبة (العدد 32:42). من اللافت أن الإسرءيليين يُؤمرون، في المجال الديني الصريح، بمحو حتى أسماء آلهة السكان السابقين (تثنية 12: 3). وفي المقابل، ينبغي تثبيت اسم يهوه في الأرض، ولا سيما في “المكان الذي يختاره” (تثنية 12: 4-31).
أما قصص التأسيس، فيوضح الكتاب المقدس، ولا سيما سفر التكوين، أن الأرض وُعد بها الآباء. ويمتد هذا الموضوع، بصور مختلفة، عبر الأسفار الممتدة من التكوين إلى يشوع (انظر على سبيل المثال الخروج 3: 16- 17؛ 4: 5؛ التثنية 1: 8؛ 6:10؛ 9: 5؛ 29:13؛ 30:20؛ قارن على سبيل المثال العدد 13: 2؛ يشوع 1: 2، 12). وتوفر قصة الخروج والتحرر قصة تأسيس قوية أخرى، فيما تضيف أحكام الشريعة التي أُعلنت في سيناء(سفر الخروج)، وفي البرية(سفري اللاويين والعدد)، وعند تخوم الأرض الموعودة(سفر التثنية)، خيوطاً أخرى إلى مجموعة قصص التأسيس. وتسهم الأنساب، ولا سيما ما يرد منها في سفر التكوين 10، في تحديد موقع إسرءيل بين الأمم، ضمن سياق الخلق والأرض التي باتت إسرءيل تشغلها. أما قصص الآباء، فتحدد علاقات إسرءيل بجيرانها الأقربين،(على سبيل المثال، الأدوميين، سفر التكوين 26-27، 32 -33). وفيما يتعلق بإحلال الجماعة الجديدة محل من تصفهم الرواية بالمتوحشين، وبالمقتضى الإبادي، فإن فكرة دونية السكان تقوم جذورها بالفعل في سفر التكوين 9:25، حيث تحلّ اللعنة بكنعان.
وكما ناقشنا آنفاً، تشير نصوص مثل التثنية 7 إلى وجوب استئصال سكان كنعان. ويتوافق هذا الإحلال السكاني الذي يندرج ضمن الاستعمار الاستيطاني مع مقتضى الإبادة الجماعية.
وتفيد الوثائق التوراتية أيضاً بأن الإسرءيليين يستحقون أراضي بحكم الغزو، كما في حالة الملك سيحون[68]، أو حتى بمجرد وطء أقدامهم لها، على ما يبدو[69]. وتوفر المعارك القديمة نفسها أساساً لتسويغ مطالبة يعقوب بالأرض، وفقاً للتكوين 48:22. أما حراثة الأرض وإسكانها، فيمكننا أن نرى كيف ينسجم ما سُمّي بالانفجار السكاني[70] في المرتفعات خلال مرحلة إسرءيل المبكرة تماماً مع التوسع انطلاقاً منها في القرون التالية. وبوجه عام، قد تمر عمليات الاستعمار الاستيطاني بمراحل من التعايش الذي يبدو سلمياً، ثم تتوسع لاحقاً، وقد يشمل هذا التوسع مزيداً من القتال، كما قد يتخذ شكل إحلال سكاني عبر استيعاب الشعوب الأصلية أو محاولة استيعابها[71].
ومن حيث مدى توافق هذه الصورة مع الوثائق الكتابية، تشير رواية الإسرءيليين في سفر يشوع، وإن أمكن قراءتها بوصفها تشدد على الحرب والغزو الخاطف، إلى استمرار عملية توطن استغرقت وقتاً طويلاً. وعلى العكس من ذلك، تؤكد رواية سفر القضاة الطابع التدريجي للتوطن والتعايش، من دون نفي العنف أيضاً، كما في سفر القضاة 1. أما تحصين الإقليم، فيبدو أن الأسفار الممتدة من التكوين إلى سفر يشوع لا تذكر التحصينات وأعمال التحصين إلا نادراً عند تناول إسرءيل في مراحلها المبكرة. غير أن سفر العدد 32 يشير إلى أن الإسرءيليين حصّنوا مدناً في شرقي الأردن وامتلكوا مدناً محصّنة هناك. كما يوحي سفر التثنية 3:5 بوجود مدن محصّنة كثيرة، إلى جانب “قرى كثيرة” غير محصّنة في شرقي الأردن. وينسجم ذلك أيضاً مع العدد الكبير من التجمعات غير المحصّنة في مرتفعات غربي الأردن خلال العصر الحديدي الأول IA
ويبدو أن الإسرءيليين استولوا على المدن المحصّنة حيثما وُجدت وحيثما استطاعوا إخضاعها(راجع يوشع 10:20؛ 14:12؛ صموئيل الأول 6: 8، 20: 6، 15).وتصف الروايات داود وسليمان وملوكاً لاحقين بالاستيلاء على مدن محصّنة أو بتحصين مواقعهم(مثلاً صموئيل الثاني 5: 6-10؛ الملوك الأول 9:15؛ و12: 25).
وأخيراً، يمكن النظر إلى المواد التشريعية في الأسفار الممتدة من التكوين إلى يشوع بوصفها مخططاً للمجتمع الإسرءيلي الجديد، حتى إن لم يكن واضحاً إلى أي مدى كان هذا المخطط تصوراً نظرياً، لا بناءً عملياً[72]. ويمكننا هنا الاستشهاد بقول وولف، الذي يلخّص أيضاً ما تقدم من مناقشتنا: “للاستعمار الاستيطاني، كما لاحظنا، جانبان رئيسان: إزالة المجتمع الأصلي، وإحلال مؤسسات المستوطنين محله، وهو ما يصاحب الإزالة. وينطوي هذا الجانب الثاني، الإيجابي، على إقامة الهيمنة المدنية وإضفاء الشرعية عليها”[73]. ويضيف: “تعكس استراتيجيات الإقصاء جميعها مركزية الأرض؛ فهي ليست مجرد عنصر من عناصر المجتمع الاستيطاني، وإنما شرطه الأساسي لوجوده”[74].
ولا شك أن مركزية الأرض تنطبق كذلك على الجانب الإيجابي من هذه العملية، أو جوانبها.
وخلاصة القول إن استراتيجية الإسرءيليين القدماء العامة والرسالة التي تنقلها الأسفار الممتدة من التكوين إلى يشوع تتوافقان بدرجة كبيرة، استناداً إلى الاعتبارات السابقة، مع تحوّل استعماري استيطاني شهدته كنعان القديمة في أواخر الألف الثاني ق.م[75]. ويمكن أيضاً النظر إلى الصورة العامة التي تقدمها المعطيات الأثرية بوصفها داعمة لهذا الاستنتاج. كما يمكننا إضافة أن غياب الوضوح المباشر بشأن بعض التفاصيل الأثرية المحددة لا ينفي هذا الاحتمال. فحتى لو تبيّن، مثلاً، أن غزو عاي، وهو حدث يصعب على نحو خاص التحقق منه أثرياً، لم يقع أصلاً[76]، فلن يستبعد ذلك وقوع معارك في مواقع أخرى؛ إذ يُتوقع حدوث مثل هذه المعارك بصورة طبيعية في سياقات الاستعمار الاستيطاني[77]. وبعبارة أخرى، لا يلزم التطابق التام بين النص واللقى الأثرية للاستدلال على الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل في مراحلها المبكرة.
وختاماً لهذا القسم، يمكن القول إن النصوص الكتابية توحي بأن إسرءيل القديمة لم تكن المكان الوحيد في ذلك العصر، على الأقل بالمعنى العام، الذي شهد تحوّلاً استعمارياً استيطانياً. حيث يشير سفر التثنية 2: 20-23 (راجع أيضا عاموس 9: 7) إلى أن بني عمون (العمونيين) حلّوا محل الرفائيين/الزمزميين، وأن الأدوميين قضوا على الحوريين، وأن الكفتوريين قضوا على العويين[78].
ولا يبدو أن الأدلة المتاحة عن العمليتين الأوليين كثيرة، لكن الكفتوريين يُعرَّفون عموماً بالفلستيين، المعروفين بقدومهم من خارج بلاد الشام إلى منطقتها الجنوبية الغربية[79]. وعلى الرغم من الدراسات المستفيضة، لا تزال تفاصيل كثيرة عنهم مجهولة[80]، لكن من المعقول افتراض إمكان تطبيق مفهوم الاستعمار الاستيطاني على تجربتهم أيضاً[81]. ومهما يكن من أمر، يبدو أن بعض هذه الظواهر على الأقل ينسجم مع مرحلة انهيار “النظام العالمي” المتوسطي في العصر البرونزي المتأخر[82]، كما نعلم، في جميع الأحوال، من تاريخ العالم أن تحركات الشعوب والغزوات والتوطنات شهدتها عصور مختلفة[83].
نزع الطابع الاستعماري عن إسرءيل القديمة وإرثها
أظهرت الاعتبارات السابقة أسباباً وجيهة للاشتباه في أن الاستعمار الاستيطاني طبع التاريخ المبكر لإسرءيل القديمة. ويتوافق هذا الاستنتاج مع قراءة عامة للمعطيات الأثرية، ومع الوثائق الإسرءيلية التي تروي تاريخها المبكر، أو على الأقل مع الاتجاه العام لهذه الوثائق، ومع نظرية الاستعمار الاستيطاني في ضوء ما نعرفه من تاريخ العالم[84]. ولهذا الفهم تداعيات عدة على الدراسات الكتابية وعلى كيفية قراءة النصوص اليوم.
أما في ما يتعلق بالدراسات الكتابية وتفسير تاريخ إسرءيل القديمة، فإن هذه النتائج تتفق إلى حد بعيد مع القراءات الأصولية المحافظة للأدلة النصية المتعلقة بتاريخ إسرءيل في مراحلها المبكرة[85].وهي بذلك تخالف التفسيرات السائدة و التقليلية ولهذا، قد تواجه معارضة من أنصار هذين الاتجاهين. وكما تُظهر دراسات سوسيولوجيا العلم[86]، فإن أنماطاً معينة من التفسير، ما إن تترسخ، تميل إلى الاستقرار والتجذّر، ويصعب تغييرها، وغالباً لا تتبدل إلا مع تعاقب الأجيال. وقد يرتبط ذلك بدعم الأحزاب السياسية وبالجمود الثقافي[87].
ومن شأن الإقرار بالطابع الاستعماري الاستيطاني، أو بإمكان اتسام إسرءيل المبكرة بهذا الطابع على أقل تقدير، أن يعزز القول إن الوثائق الكتابية أكثر موثوقية مما يُعتقد في كثير من الأحيان. كما أن ذلك يوحي، في ما يخص التاريخ الذي يمكن إعادة بنائه، بأن هذه الوثائق، أو مصادرها على الأقل، أقرب إلى الأحداث الفعلية مما تسمح به، مثلاً، نظريات النقد الأدبي الراهنة التي سادت منذ القرن التاسع عشر[88]. ولذلك، قد يظل تفسير الأدلة من منظور الاستعمار الاستيطاني، في المرحلة الأولى على الأقل، رأياً أقلوياً محدوداً بين الاتجاهات التفسيرية السائدة لدى الباحثين الكتابيين.
ومع ذلك، يواجه تقبّل هذا التفسير صعوبة كبيرة لدى أصحاب القراءات الأصولية أيضاً. فهؤلاء، وإن لم يقتصروا بالضرورة على ذلك، ينتمون عادةً إلى مسيحيين أو يهود يمارسون شعائرهم الدينية، ويرتبطون وجدانياً بادعاءات النصوص المتعلقة بالإرادة الإلهية وبفعل الرب في التاريخ. ويمكن القول إنهم يتعاملون مع موثوقية النصوص بوصفها أمراً مقدساً لا يجوز المساس به. وقد يكون الاعتراف بالطابع الاستعماري الاستيطاني لهذه النصوص[89] وبالطابع العنيف للتاريخ المرتبط بالإسرءيليين القدماء صادماً لهم، حتى وإن لم تكن هذه المسألة الوحيدة في أسفار العهد القديم التي تثير إشكالات من هذا النوع، كما أشرنا سابقاً.
هنا نصل إلى مفهوم “التنصّل”disavowal ، وهو مفهوم شائع في سياقات الاستعمار الاستيطاني[90]. فكما تجد دول الاستعمار الاستيطاني المعاصرة، ولا سيما الولايات المتحدة وأستراليا وإسرائيل، صعوبة بالغة في الاعتراف بأسسها الاستعمارية الاستيطانية وباستمرار هذا الطابع فيها، قد يبدو الاعتراف بالطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل القديمة ولنصوصها التأسيسية، لدى هذا النوع من المسيحيين واليهود، مساساً بجوهر فهمهم لأنفسهم، وإن كانت التنافرات dissonances النفسية المرتبطة بذلك تختلف بلا شك في جوانب منها. ومن هذه الجوانب أن الوضع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل القديمة قد انقضى منذ زمن بعيد بوصفه واقعاً سياسياً قائماً، وأن النصوص القديمة لا تؤدي اليوم إلا دور قصة تأسيسية ذات تأثير بالغ.
وفي حقيقة الأمر، يجري تجاهل ما تقوله النصوص ذات الصلة عند قراءة الكتاب المقدس[91]. لكن ثمة بدائل أخرى في الخطاب المسيحي، وربما تحظى بقبول لدى اللاهوتيين أكثر مما تحظى به لدى عامة المسيحيين. وتقوم هذه البدائل أساساً على فصل السياق القديم عن السياق الحاضر، الأمر الذي يجعل النصوص أكثر قبولاً[92]. غير أن هذه المقاربات تبدو، للوهلة الأولى على الأقل، متناقضة مع التسليم بادعاءات النصوص.
أما أصحاب الاتجاه التفسيري السائد، فكثيرون منهم متدينون أيضاً. لكنهم يرون أن الوثائق الإسرءيلية القديمة التي تروي الغزو لا تصف واقعاً تاريخياً فعلياً، وإنما اكتسبت، بطريقة ما، وربما عبر وسائل أسطورية، طابعاً يمجّد العنف[93]. ووفقاً لهذا التصور، لا يلزم التعامل مع النصوص بوصفها سجلاً تاريخياً؛ يكفي التأكد من أنها لا تُستخدم لتسويغ العنف في الحاضر. وهكذا يجري تهذيب النصوص وتطويعها. لكن هذه المقاربة تبدو في نهاية المطاف إنكاراً للطابع العنيف للنصوص ولتاريخ إسرءيل القديمة، وللطابع الاستعماري الاستيطاني لهذا التاريخ على وجه الخصوص. وهي تشبه الأساليب التي تلجأ إليها دول الاستعمار الاستيطاني المعاصرة لإنكار طبيعتها الاستعمارية الاستيطانية، بطرق أكثر مباشرة وفاعلية[94]. فوفقاً لهذه القراءة، لم يحدث في الواقع أي شيء “سيئ”؛ إنما تكمن المشكلة، بطريقة ما، في النصوص وحدها، وربما لم يكن ذلك إلا مصادفة.
ويشبه هذا ما تسميه نظرية الاستعمار الاستيطاني “الذاكرة الحاجبة”[95] screen memory*****، ويعلّق فيراتشيني على ذلك في سياق الاستعمار الاستيطاني قائلاً: “إن الروايات التي تركز على مفاهيم التوطن السلمي، مثل صورة الهنود الأصليين الذين اختفوا في الولايات المتحدة، والأسطورة الكندية التي تصوّر التعامل معهم بأنه خالٍ في جوهره من العنف، وتصوير أستراليا بوصفها القارة “الهادئة”، تشبه في كثير من الأحيان شكلاً آخر من أشكال الذاكرة عند فرويد، هو الذاكرة الحاجبة: إعادة بناء غير دقيقة تحجب ما حدث فعلاً”[96].
ويمكن، في السياق ذاته، إضافة صورة الكنعاني الذي يختفي من نصوص العهد القديم ومن القراءات التي تتناولها. وتندرج نظريات الهجرة السلمية ونشأة الإسرءيليين من السكان الأصليين ضمن هذه الفئة. أما النظرية الثانية، فتقدم صيغة أكثر جذرية لإنكار الطابع الاستعماري الاستيطاني: فإذا لم يكن للإسرءيليين أصل خارجي، فمن الواضح أنه لا يمكن الحديث عن استعمار استيطاني. وكل ما يكون قد حدث، وفقاً لهذا التصور، هو توسع سلمي لسكان موجودين أصلاً نحو المرتفعات، وتحول المجتمع بفعل إيديولوجيا جديدة تتمحور حول عبادة يهوه، ثم نشوء أسطورة قومية عن الغزو، بطريقة ما.
تتسم هذه القراءة الأخيرة بوجه خاص بما يُسمّى القراءات التقليليةminimalist للكتاب المقدس، وإن لم تقتصر عليها. وينطلق بعضها من موقف سياسي، فعنوان كتاب كيث وايتلام “اختراع إسرءيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني” يكشف بحد ذاته عن أجندة سياسية معاصرة كامنة وراءه[97]. وفي هذه الحالة، يتمثل الهدف في إنهاء الاستعمار في الكتاب المقدس، بغية تسليط الضوء على محنة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وهذه، في حد ذاتها، قضية ملحّة بالنظر إلى الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل الحديثة[98]. وحصل مواجهة الادعاءات الصهيونية، عملياً، بطرح رواية بديلة لتاريخ الشعوب، غايتها نزع الشرعية عن الروايات الصهيونية. غير أن مشكلة هذه الرواية أو الروايات أنها تنطوي، مع ذلك، على شكل من أشكال التنصّل وإنكار الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل القديمة[99].
تُظهر الاعتبارات السابقة تنوع المقاربات التي اتُّبعت في التعامل مع النصوص الكتابية ذات الطابع الاستعماري الاستيطاني. وإذا كانت دراسات هذا النمط من الاستعمار تطرح سؤال كيفية إنهائه في المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية وفي الروايات التي تسوّغ وجودها، فيمكننا طرح السؤال ذاته بشأن الكتاب المقدس. ومرة أخرى، على الرغم من إنجاز أعمال ممتازة حول نزع الطابع الاستعماري في الكتاب المقدس[100]، فإن المواقف من التاريخ المبكر لإسرءيل لا تزال تعتمد، في الغالب، على التنصّل بدلاً من الاعتراف الكامل بالطابع الإشكالي لهذا التاريخ ووثائقه. ويمكن فهم ذلك في ضوء ما ناقشناه أعلاه. فالقراءات الأصولية المحافظة لا ترغب عموماً في تناول الطابع العنيف للنصوص أصلاً، بينما تنتهي القراءات السائدة والتقليلية، عملياً، إلى إنكار الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرءيل في مراحلها المبكرة.
واستحضاراً أيضاً لما ذكرناه في القسم التمهيدي، يبدو أن الطريق إلى نزع هذا الطابع الاستعماري نزعاً كاملاً يبدأ بالاعتراف بالماضي على حقيقته. وينبغي للمسيحيين واليهود، وللناس عموماً، الإقرار بالطابع الاستعماري الاستيطاني للنصوص، وما ينطوي عليه هذا الطابع من عنف أصيل. ويمكن للمنظور السوسيولوجي إلى المجتمع الإسرءيلي المساعدة في ذلك. فقد كان مجتمعاً قديماً، شأنه شأن سائر المجتمعات. وكما تنشأ مجتمعات بفعل الغزو والاستعمار الاستيطاني، يمكن للمجتمع الإسرءيلي أن ينشأ بذات الطريقة. وكما تدافع المجتمعات عن أقاليمها، وتخوض الحروب، وتشهد تحولات اجتماعية وسياسية، يمكن للمجتمع الإسرءيلي فعل ذلك أيضاً. وكما قد يقع مجتمع تحت الغزو، ويُنفى بعض أفراده على الأقل، وينتشرون في بلدان الشتات، ولعل هذا ممكن الحدوث للمجتمع الإسرءيلي كذلك. وكما تنتج المجتمعات أدباً يعبر عن وجهات نظر متباينة، أنتج المجتمع الإسرءيلي القديم أدباً من هذا النوع، ظهرت فيه جوانب الإنسان المضيئة والمظلمة على السواء.
وكان من السمات المهمة في هذه العملية أن إطاراً دينياً بعينه أسهم إسهاماً أساسياً في تشكيل المجتمع الإسرءيلي. ومع ذلك، لم يكن هذا الأمر فريداً من نوعه، إذ نظرت المجتمعات القديمة المعاصرة له جميعها إلى الدين بوصفه عاملاً شاملاً وحيوياً في تنظيم حياتها. وفي هذا السياق، يمكن القول إن عبادة يهوهYahwism كانت مهمة للمجتمع الإسرءيلي، لكن بذور التوحيد كانت موجودة بالفعل في مصر القديمة في الألف الثاني ق.م، في عهد إخناتون على الأقل.
أما ما يميز إسرءيل القديمة، فهو تاريخ تلقي وثائقها والأثر الذي تركته في العالم. فقد نجت هذه الوثائق من دمار السبي البابلي، ومن الدمار الذي أحدثه الرومان عام 70 ميلادية، ومن نحو ألفي عام من شتات الشعب اليهودي[101]. كذلك أدت هذه الوثائق دور مجموعة من النصوص التأسيسية لحركة جديدة نشأت داخل اليهودية القديمة، ثم تحولت إلى ديانة مستقلة حظيت، مع الوقت، بتأييد شعبي داخل الإمبراطورية الرومانية التي حاولت، في البداية، قمع هذه الديانة، لكنها احتوتها في النهاية، ثم سرعان ما جعلتها الديانة الوحيدة المقبولة داخلها في القرن الرابع الميلادي. ومع هذا التحول، ارتبط مصير الديانة الجديدة، أي المسيحية، من نواحٍ عديدة، بسياسة الإمبراطورية وبإرثها. وبفعل صعود الإسلام وحركات سياسية أخرى على امتداد القرون، انحصر هذا الإرث إلى حد بعيد في أوروبا. لكن مع انطلاق الاستكشافات الأوروبية وبدء التوسع الاستعماري الأوروبي، انتشرت هذه الديانة مع الغزاة، سواء بصورة ضمنية أو صريحة، داخل البنى والمشروعات الاستعمارية الجديدة[102].
بالنسبة إلى كثير من المستعمِرين، سار التبشير بالمسيحية والغزو جنباً إلى جنب، ورأى كثيرون منهم في تقليد الغزو الإسرءيلي نموذجاً يمكن الاحتكام إليه، سواء أكان استحضارهم له صريحاً أم ضمنياً. ومن المرجح أن دوافع الغزو كانت تشمل أيضاً عوامل لا تتصل بالدين مباشرة. لكن كيف يمكن، في النهاية، الفصل بين هذين المجالين في عالم مسيحي كانت فيه البنى الدينية متشابكة بإحكام مع مؤسسات الدولة؟
ومع تصفية الاستعمار، أخذ الاعتراف بالدور التدميري الذي أدّاه الدين المسيحي في حق الشعوب الأصلية يتزايد. ولا شك في أن حركة التنوير وصعود النقد الكتابي أسهما في تخفيف القبضة الدينية التي كثيراً ما اتسمت بالتسلط على المجتمعات الأوروبية. ولعل إخضاع الدين للنقد ساعد أيضاً على الحد من دوره القمعي في المجتمعات غير الأوروبية، ومن ثم أسهم، أو كان من الممكن أن يسهم، في تصفية الاستعمار******. لكن المفارقة أن النقد الكتابي، بإنكاره الطابع التاريخي للعنف الاستعماري الاستيطاني الذي طبع إسرءيل في مراحلها المبكرة، لم يساعد حتى الآن على إدراك الأبعاد الكاملة للإشكاليات التي تنطوي عليها الوثائق الكتابية. فما زال التنصّل وإنكار تاريخية الأحداث يمثلان مشكلة قائمة.
وفي هذا السياق، وعلى الرغم من تصفية الاستعمار الغربي الصريح، لا تزال أشكال الاستعمار الجديد، التي يتخذ فيها البعد المالي بلا شك أهمية أكبر، سائدة. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة، بوصفها اليوم أقوى دولة في العالم، تضمن استمرار إرث الاستعمار الاستيطاني في التاريخ العالمي، بفعل اجتماع أساسين استعماريين استيطانيين، يمكن القول إنهما مزدوجان، في تراثها الديني المهيمن، من جهة، وفي الغزو الفعلي لقارة أمريكا الشمالية وتوطينها، من جهة أخرى.
وفضلاً عن ذلك، تدعم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مجتمعاً آخر يقوم على أساس استعماري استيطاني مزدوج. وكثيراً ما يستند الصهاينة، وإن لم يكن ذلك حصراً، إلى مطالبة تاريخية لتسويغ سيطرتهم على أرض إسرائيل[103]. ولإنهاء الاستعمار في هذه المطالبة، ينبغي الاعتراف بالطبيعة الإشكالية للاستعمار الاستيطاني في بُعديه. ويشمل هذا الاعتراف تيار الصهيونية المسيحية، المنتشر دولياً والحاضر بقوة خاصة في الولايات المتحدة. فأتباع هذا التيار يأملون بإخلاص في تحقق ملكوت الرب على الأرض، لكنهم لا يستطيعون، أو لا يريدون، أن يروا أن هذه الصيغة المحددة من التوقع والدعم تنطوي على تجاهل احتياجات جماعة أو جماعات من البشر لا يختلفون عنهم. والأسوأ من ذلك أنها تنطوي على دعم العنف والإبادة الجماعية أو القبول بهما.
ومن شأن طرح رواية بديلة، تنظر مثلاً إلى مستقبل إسرائيل من منظور غير سياسي في جوهره[104]، الإقرار بهذه المشكلات، وإتاحة السبل، في نطاق أوسع، لبناء مجتمعات ونظام عالمي يقومان على حقوق الجميع، لا على مصالح جماعة بعينها تمتلك القوة، كما هو الحال بوضوح في الاستعمار الاستيطاني.
وهناك حاجة إلى نقد استجابة القراء للكتاب المقدس، على نحو يعترف بالجوانب الإشكالية في هذه المجموعة من النصوص[105]، وإلى ربط ذلك بفهم تاريخي لتطور الديانتين المسيحية واليهودية على امتداد الألفي سنة الماضية.
ولعل هذا يعني، بالنسبة إلى المسيحيين، العودة إلى صيغة من المسيحية تستلهم القرون الأولى من وجودها، حين لم يكن الدين مرتبطاً بمؤسسات السلطة ولا بمعتقدات التفوق على الآخرين[106]. أما بالنسبة إلى اليهود، فينبغي أن يعني التخلي عن الرغبة في تكرار عملية عنيفة وإيديولوجيا عنيفة سبق أن أسهمتا في تشكيلهم شعباً يحمل إرثهما حتى اليوم، أو عن القبول بتكرارهما. وينبغي أن يكون هذا الموقف أكثر إلحاحاً في سياق ما بعد المحرقة.
ملاحظات ختامية
حاولتُ في هذا البحث تناول بعض المعضلات التفسيرية التي تطرحها المواد الكتابية، في ضوء تاريخ الدراسات والمواقف الأكاديمية الراهنة. وذهبتُ إلى أن فهم إسرءيل في مراحلها المبكرة بوصفها مجتمعاً استعمارياً استيطانياً، وأن الوثائق التي تروي تاريخها تعكس هذا الواقع، يتيح تفسيراً بسيطاً ومباشراً في جوهره للأدلة المتاحة. كما أن هذا التفسير ينسجم إلى حد بعيد مع الكيفية التي استُخدمت بها النصوص، في مراحل لاحقة من تاريخ العالم، لتسويغ العنف والاستعمار الاستيطاني. وأشرتُ أيضاً إلى أن هذا التفسير قد يثير جدلاً، لأن تبنّيه يمسّ تفسيرات راسخة وتصورات تتبناها جماعات أكاديمية وسياسية ودينية، لكل منها مصالحها واعتباراتها.
ومع ذلك، أعتقد بحيوية إدخال هذا التفسير في صلب التحليل والنقاش لفهم تاريخ البشرية على نحو أفضل، ولإنهاء الاستعمار في الكتاب المقدس، وما يترتب على ذلك من مراجعة لرؤى الجماعات التي لا تزال تستلهم هذه النصوص، أو تعدّها مرجعاً يحتكم إليه في حياتها وممارساتها، وما قد يترتب على ذلك من أفعال. فنحن نعيش اليوم، في سياق أوسع، في عالم تعددي يعترف بتنوع الآراء والتيارات المجتمعية، على الأقل ظاهرياً في البلدان الغربية، وتُتخذ القرارات عموماً بوسائل ديمقراطية.
ومع ذلك، تكشف التحليلات ما بعد الكولونيالية أن الرغبة البشرية في التحكم بحياة الآخرين لا تزال قائمة، سواء في السياسة أو في الأوساط الأكاديمية أو على المستوى الفردي. وحتى في النظام الديمقراطي، لا يمكن اعتبار الحل مُرضياً إذا أيدت الأغلبية حلاً عنيفاً لمشكلة ما، أو حلاً جائراً عموماً؛ وهذا احتمال وارد بسهولة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأشخاص يُنظر إليهم على أنهم لا ينتمون إلى الجماعة السياسية[107].
وانطلاقاً من ذلك، ينبغي أن تقود دراسة الاستعمار الاستيطاني أيضاً إلى العمل النضالي، وأن يشمل هذا العمل أصحاب الالتزام الديني أو المنتمين إلى تراث ديني. وبهذا المعنى، يمكن القول بقدرة دراسة الاستعمار الاستيطاني على الإسهام إسهاماً مثمراً في تطور البشرية، بما في ذلك في المجال الديني. وفي الوقت ذاته، يُرجّح أن يكون الإقرار بتاريخ الدين وبالإرث الذي خلّفه، وإعادة تفسيرهما، أكثر فائدة من إنكار هذا التاريخ والتنصّل من ذلك الإرث.
وفي هذا الإطار، وكذلك في نطاق أوسع، تكتسب دراسة الدين أهمية سياسية، شأنها شأن نتائج هذه الدراسة وتطبيقاتها، لأن الدين ظاهرة بشرية لا يزال لها أثر في جميع مجالات الحياة الإنسانية.
………………
العنوان الأصلي : Ancient Israel and settler colonialism
الكاتب: Pekka Pitkänen
الناشر: University of Gloucestershire: Settler Colonial Studies, 4 (1). pp. 64-81. ISSN 2201-473X
تاريخ النشر :8\7\2013
الرابط: http://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/2201473X.2013.812944
………………….
هوامش المترجم
*مزامير اللعن imprecatory psalms تسمية تُطلق على المزامير التي يدعو فيها صاحب المزمور الرب إلى إنزال العقاب بأعدائه والانتقام منهم، وقد تتضمن تمنيات بهلاكهم أو حلول المصائب بهم وبأسرهم. ومن أمثلتها المزمور 109، والمزمور 137: 8–9. وتجمع هذه المزامير أحياناً بين الشكوى من الظلم وطلب العدل الإلهي، وبين الدعاء بالانتقام من المعتدين؛ لذلك تتباين تفسيراتها الدينية، بين من يقرأها تعبيراً عن التماس العدالة الإلهية ومن يراها تعبيراً عن لغة انتقامية نشأت في سياق صراعات تاريخية.
**تشير هذه التسميات إلى اتجاهات في الجدل الأكاديمي حول مدى إمكان الاعتماد على الروايات الكتابية في إعادة بناء التاريخ القديم. ويُقصد بالتيار السائد (mainstream) الاتجاه الأوسع انتشاراً بين الباحثين، من دون أن يعني ذلك اتفاقهم على تقدير واحد للقيمة التاريخية للنصوص. أما التيار التقليلي (minimalist)، فقد برز بوضوح في أواخر القرن العشرين، ولا سيما في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، وشكّك في القيمة التاريخية لكثير من الروايات الكتابية، خصوصاً ما يتصل بالمراحل المبكرة من تاريخ إسرءيل، مطالباً بإخضاعها للنقد التاريخي ومقارنتها بالأدلة المستقلة. وفي المقابل، يميل التيار الأصولي المحافظ (maximalist) إلى منح الروايات الكتابية وزناً تاريخياً كبيراً، وقبول قدر واسع مما ترويه في إعادة بناء ذلك التاريخ. وقد احتدم الجدل بين التقليليين والأصوليين المحافظين في تسعينيات القرن العشرين، وأثار أسئلة جوهرية حول العلاقة بين النص الكتابي والأدلة الأركيولوجية وكتابة تاريخ إسرءيل القديمة. وهذه التسميات وصفية، ولا تعني أن الباحثين المنتمين إلى كل اتجاه يتبنون جميعاً المواقف ذاتها.
*** الغريب (بالعبرية: גר)مصطلح كتابي يُطلق على الوافد الذي يقيم بين جماعة لا ينتمي إليها أصلاً. وتتناول النصوص التشريعية في العهد القديم حقوقه وواجباته، وتأمر بحمايته وحسن معاملته (الخروج 22:21؛ اللاويين 19:33–34؛ التثنية 10:18–19). اكتسب المصطلح دلالات فقهية أكثر تحديداً في التراث التلمودي والحاخامي، حيث تميّز بين الغريب المقيم الذي لا يعتنق اليهودية، والدخيل في الجماعة عن طريق اعتناقها. ويختلف عن مصطلح נכרי، الذي يدل على الأجنبي أو الغريب الذي يبقى خارج الجماعة، وعن مصطلح אזרח، الذي يدل على المنتمي أصلاً إلى الجماعة أو من أهل البلاد.
****يكشف هذا الحكم عن تفاوت في نظرة النص التوراتي إلى الجماعات المجاورة؛ فبينما يجيز إدماج الأدومي والمصري في جماعة إسرءيل ابتداءً من الجيل الثالث، يُبقي العموني والموآبي خارجها إلى الأبد، ويضعهما بذلك في منزلة “الآخر المحتقَر” abject other. ويثير هذا التمييز سؤالاً عن الأساس الذي استند إليه النص في التفريق بين هذه الجماعات، وعن العوامل التاريخية والدينية والسياسية التي أسهمت في رسم حدود الانتماء إلى جماعة إسرءيل.
***** الذاكرة الحاجبة مصطلح في التحليل النفسي صاغه سيغموند فرويد في مقالته “الذكريات الحاجبة Über Deckerinnerungen)، المنشورة عام 1899. نشأ المفهوم من ملاحظته أن الإنسان قد يتذكر تفاصيل عابرة من طفولته، لكنه لا يستحضر أحداثاً أخرى أكثر أهمية وتأثيراً. وفسّر فرويد ذلك بأن بعض الذكريات الظاهرة تحلّ محل ذكريات أخرى يتعذّر استحضارها مباشرة بفعل مقاومة نفسية؛ فهي تحتفظ بصلتها بتلك الذكريات، لكنها تحجبها عن الوعي. واستعار فيراتشيني المفهوم لتفسير كيف تحجب الروايات التي تصوّر التوطن الاستعماري على أنه سلمي ما رافقه من عنف واقتلاع وإقصاء. انظر المؤلفات شبة الكاملة لسيغموند فرويد-المجلد الثاني \الفصل الرابع : ذكريات الطفولة والذكريات الحاجبة ص 47-58 .ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة. بيروت 1980
******تصفية الاستعمار، اخترنا هذا التعبير، نظراً لشيوعه في الأدبيات العرببة السياسة عند الإشارة إلى التحولات التاريخية والفكرية التي رافقت تفكك الإمبراطوريات الاستعمارية، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي يشير غالباً إلى مراجعة المعارف والتصورات والممارسات التي خلّفها الاستعمار واستمرار أثرها بعد زوال السيطرة الاستعمارية المباشرة. وقد اكتسبت هذه العملية بعداً دولياً مع دور الأمم المتحدة في دعم حق الشعوب المستعمَرة في تقرير مصيرها، وتُوّج ذلك بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة عام 1960. وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى تنامي النقد لدور المسيحية في غزو الشعوب الأصلية وإخضاعها. علماً أن هذا النقد جرى التمهيد له في مراحل سابقة مثل حركة التنوير وصعود النقد الكتابي. ويختلف هذا المعنى عن «نزع الطابع الاستعماري» decolonisation المستخدم في البحث
……………………
هوامش المؤلف
1.ترد لهذه القصة رواية موازية في سفري أخبار الأيام. غير أن الرواية فيهما لا تبدأ بالخلق، وإنما ببدايات الملكية الإسرءيلية.
- 2. انظر مثلاً: Richard Waswo, From Virgil to Vietnam: The Founding Legend of Western Civilization (Hanover and London: Wesleyan University Press, 1997).
3.انظر مثلاً: Eryl Davies, The Immoral Bible: Approaches to Biblical Ethics (London: T&T Clark, 2010)؛ Robert P. Carroll, Wolf in the Sheepfold: The Bible as Problematic for Theology, الطبعة الثانية (London: SCM Press, 1997).
- سأستخدم هنا مصطلح “العهد القديم” Old Testament، ويمكن لمن يفضّلون مصطلح “الكتاب المقدس العبري” Hebrew Bible أن يستبدلوا به هذا المصطلح عند قراءة النص.
- 5. ينبغي أن نضع في الحسبان أن التشريعات الإسرءيلية القديمة كانت تجيز العبودية صراحةً(انظر مثلاً: الخروج 21: 2-11 ، 20-27 ؛ اللاويين21: 42-46 ؛ تثنية 15: 12-18)، وأن بولس، في العهد الجديد، كتب في سياق المجتمع اليوناني الروماني من دون أن يسعى، على الأقل بصورة مباشرة، إلى ما يخالف ذلك (تيموثاوس الأولى 6:1–2؛ رسالة فليمون).
- 6. نظر مثلاً: Waswo, Founding Legend؛ John Docker, The Origins of Violence: Religion, History and Genocide (London: Pluto Press, 2008)، ولا سيما الصفحات 113–129؛ Michael Prior, Bible and Colonialism: A Moral Critique (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1997).
- 7. انظر مثلاً Lorenzo Veracini, Israel and Settler Society (London: Pluto Press, 2006).
- 8. انظر بوجه خاص Mark G. Brett, Decolonizing God: The Bible in the Tides of Empire (Sheffield: Phoenix Press, 2008).
- للاطلاع على هذه الإشكالية. Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010),104-108
- انظر مثلاً Gordon J. Wenham, Exploring the Old Testament Vol 1: The Pentateuch (London: SPCK, 2003), 162-163
- انقسم المصدر الكهنوتي (P) نفسه إلى قسمين: المصدر الكهنوتي بالمعنى الدقيق (P proper)، ومصدر القداسة (H)، الذي يُعرف باسم “مدونة القداسة”، ويشمل، في خطوطه العامة، الإصحاحات 17–26 من سفر اللاويين.
- 12. انظر أيضاً:Julius Wellhausen, Prolegomena zur Geschichte Israel, sechste Ausgabe. (Berlin: Druck und Verlag Georg Reimer, 1905). First published 1878, English translation Prolegomena to the History of Israel (Edinburgh: A. & C. Black, 1885). English translation also available at http://www.gutenberg.org/etext/4732; Cf. e.g. Gordon J. Wenham, ‘Pondering the Pentateuch: The Search for a New Paradigm’, in D.W. Baker and B.T. Arnold, ed., The Face of Old Testament Studies: A Survey of Contemporary Approaches (Grand Rapids, Michigan: Baker Books), pp. 116-144 and idem, ‘Pentateuchal Studies Today’, Themelios 22.1 (October 1996): 3-13, also available at http://www.biblicalstudies.org.uk/article_pentateuch_wenham.html.
- 13. انظر مثلا:Wenham, Pentateuchal Studies Today
14.انظر:R.N. Whybray, The Making of the Pentateuch: A Methodological Study. JSOTSS 53 (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1987); Robert Alter, The Art of Biblical Narrative (New York: Basic Books, 1981).
- انظر على سبيل المثال، الجدول الموجز في: Eckart Otto, Deuteronomium 1,1-4,43, HTKAT (Freiburg im Breisgau: Verlag Herder, 2012), 256; Erich Zenger and Christian Frevel, Einleitung in das Alte Testament, 8th edn (Stuttgart: Kohlhammer), 67-231. ومن المفيد أن نشير هنا، عرضاً، إلى إحدى مشكلات النقد التوراتي، ولا سيما نقد أسفار التوراة الخمسة: إذ يتناول عدد كبير من الباحثين مجموعة محدودة من النصوص على امتداد نحو قرنين من الزمن حتى يومنا هذا. ومع أن النصوص تختلف في ما بينها (انظر على سبيل المثال: Emanuel Tov, Textual Criticism of the Hebrew Bible, 3rd edn, Revised and Expanded [Minneapolis: Fortress Press, 2012] ) و يمكن اقتراح تعديلات على التصورات الأولية استناداً إلى دراسات تجريبية مقارنة للوثائق القديمة في الشرق الأدنى (انظر بوجه خاص: Jeffrey Tigay, The Evolution of the Gilgamesh Epic [Wauconda, Ill: Bolchazy-Carducci Publishers, 2002, a reprint of 1982 edition published by Philadelphia: University of Pennsylvania Press]; David M. Carr, The Formation of the Hebrew Bible: A New Reconstruction, [New York: OUP, 2011]) ، والمواد الكتابية ذاتها تشير إلى اعتماد مؤلفيها على مصادر سابقة (انظر على سبيل المثال يوشع 10: 12-13؛ والملوك الأول 11:41) ، لكن الأدلة النصية الكتابية وأدلة الشرق الأدنى لا توفر ، من الناحية التجريبية، دعماً فعلياً لمعظم نظريات نقد المصادر والتحرير. ويمكن القول إننا نواجه مشكلة هنا تشبه، من بعض الوجوه، المشكلة التي تعاني منها نظرية الأوتار الحديثة في الفيزياء (انظر: Lee Smolin, The Trouble With Physics: The Rise of String Theory, The Fall of a Science, and What Comes Next [Boston: Houghton Mifflin, 2006]; cf. Barton Zwiebach, A First Course in String Theory, 2nd edn [Cambridge: CUP, 2009], 3-12) فثمة حاجة ماسة لإنتاج نظريات جديدة من أجل النهوض بالمجال ودفعه للأمام، لكن يمكن بناء عديد من النظريات تتوافق مع الأدلة التجريبية الحالية. وفي الدراسات الكتابية، يمكن على الأرجح إنتاج عدد لا نهائي، أو على الأقل عدد كبير، من الصيغ النظرية المختلفة عبر تعديل نظريات نقد المصادر والتحرير. كما أن إعداد بحث أكاديمي أو كتاب أو أطروحة جديدة يصبح أمراً يسيراً نسبياً عند اقتراح صيغة جديدة من هذه الصيغ. لكن، كما هي الحال مع نظرية الأوتار المعاصرة، يتعذر التحقق من النظريات الناتجة بمقارنتها بالأدلة التجريبية؛ بل يمكن إنتاج مزيد من النظريات إذا شملنا تلك التي لا تتوافق تماماً مع الأدلة. وهكذا يصبح إيمان الجماعة الأكاديمية، أو أحد تياراتها الفرعية، بملاءمة المنهج المتبع القوة الأساسية التي تدفع إلى مواصلة البحث ضمن الإطار النظري المعتمد. ويميل مؤيدو نظرية الأوتار إلى الاعتراف صراحةً في البداية بمشكلة التحقق التجريبي،( انظر Zwiebach, A First Course in String Theory, 9-11 بينما لا يميل علماء الكتاب المقدس إلى ذات الاعتقاد [مع مراعاة ما يقتضيه اختلاف الحال] ، إلا في استثناءات نادرة نسبياً). وهنا تبرز معضلة الدراسات التوراتية: إذا أُوقفت بعض الأنواع من النظريات، فما الذي سيفعله الأكاديميون؟ وهي معضلة تشبه السؤال الذي قد يُطرح في الفيزياء: ماذا سيفعل الفيزيائيون إذا توقفوا عن متابعة نظريات الأوتار؟ (راجع مفهوم كوين عن باراديم البحث، انظر: Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions [Chicago: The University of Chicago Press, 1962; 50th anniversary edn/4th edn 2012], esp. 23-51.). وبعيداً عن هذا التشبيه، وبما يتصل بصورة أوثق بما سنناقشه أدناه، فإن هذه الممارسات في نقد المصادر والتحرير التوراتي تظل، من نواحٍ عدة، شديدة التخصص ومحدودة الأثر في سياق المجتمع الأوسع راجع: (cf. the comments in David M. Carr, Writing on the Tablet of the Heart: Origins of Scripture and Literature [Oxford: OUP, 2005], 293-295). ومع ذلك، فإنها، حتى إن أسهمت في ذلك من دون قصد في كثير من الأحيان، تساعد على ترسيخ التصور السائد عموماً لتاريخ إسرءيل، وهو تصور تترتب عليه آثار في ما يتعلق بإنهاء الاستعمار في الكتاب المقدس، كما سنناقش لاحقاً.
- انظر: Wellhausen, Die Composition des Hexateuchs und der historischen Bücher des Alten Testaments, 3rd edn (Berlin: Georg Reimer, 1899; 1st edn 1876/77); Gerhard von Rad, ‘The Form-Critical Problem of the Hexateuch’, in idem., The Problem of the Hexateuch and other Essays (Edinburgh and London: Oliver Boyd, 1965; German original in BWANT 4th series, vol XXVI, 1938),1-78.
17, انظر: Martin Noth, The Deuteronomistic History, 2nd edn, JSOTSS 15 (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1991; German original: Überlieferungsgeschichtliche Studien I, Halle: M. Niemeyer, 1943).
- كما سبقت الإشارة، تقدّم أسفار أخبار الأيام رواية موازية، بوجه عام، للأحداث الممتدة من بدايات الملكية إلى السبي، وهي بدورها موضوع مستقل للدراسة. وتشير هذه الأسفار بوضوح إلى أنها كُتبت في مرحلة ما بعد السبي، مع أنها تزعم الاعتماد على مصادر تعود إلى زمن أسبق.
- انظر, مثلاً: E.g. Otto, Deuteronomium 1,1-4,43; Carr, The Formation of the Hebrew Bible, and this author.
- يسند القسم التالي إلى: Pitkänen, Joshua, AOTC 6 (Leicester: IVP, 2010).
- انظر، مثلاً: P.R.S. Moorey, A Century of Biblical Archaeology (Cambridge: Lutterworth Press, 1991).
- ومن المهم أيضاً ملاحظة أن الشواهد النصية التي تكشف عنها التنقيبات الأركيولوجية ذات أهمية للدراسات الكتابية. فهذه الشواهد، المكتشفة في البلدان المحيطة بإسرءيل القديمة، تكشف عن اشتراك تلك البلدان وإسرءيل القديمة في عدد من السمات الثقافية، وعن حدوث تفاعلات مباشرة أحياناً بين شعوبها. ومن ثم، يمكن الاستعانة بهذه النصوص، وأحياناً باللقى غير النصية، لفهم عادات الإسرءيليين القدماء في ضوء المقارنة مع المجتمعات المحيطة بهم. وفي هذا الجانب، تفرّع علم الآثار إلى اختصاصات تُعنى بدراسة الشرق الأدنى القديم، مثل علم الآشوريات وعلم المصريات وعلم الحثّيات وغيرها. وقد غدت هذه الاختصاصات اليوم حقولاً علمية مستقلة في جوهرها، وإن كانت متقاربة ومترابطة من حيث موضوعاتها.
- 23. انظر على سبيل المثال: Amihai Mazar, Archaeology and the Land of the Bible 10000-586 BCE, The Anchor Bible Library (New York: Doubleday, 1992); Thomas E. Levy, ed., Historical Biblical Archaeology and the Future: The New Pragmatism (London: Equinox, 2010).
- 24. انظر:. J. Maxwell Miller and John H. Hayes, History of Ancient Israel and Judah, 2nd revised edn (London: SCM Press, 2006) للاطلاع على تفسير لتاريخ إسرءيل ككل من هذا المنظور.
- 25. انظر: William G. Dever, Who Were the Early Israelites and Where Did They Come from? (Grand Rapids: Eerdmans, 2003).
- 26. انظر: Avraham Faust, Faust, Israel’s Ethnogenesis: Settlement, Interaction, Expansion and Resistance (London: Equinox, 2006), esp. 170-187.
- 27. انظر مثلاً: Niels Peter Lemche, The Israelites in History and Tradition (London: SPCK / Louisville, Kentucky: Westminster John Knox Press, 1998); Thomas L. Thompson, Early History of the Israelite People: From the Written and Archaeological Sources (Leiden: E.J. Brill, 1992); Philip R. Davies, In Search of ‘Ancient Israel’, JSOTSS 148 (Sheffield: JSOT Press, 1992); Mario Liverani, Israel’s History and the History of Israel (London, Equinox, 2005; Italian original 2003).
- 28. انظر: Wenham, Genesis 1-15, Word Biblical Commentary (Waco, Tx: Word Books, 1987); idem.,Genesis 16-50, Word Biblical Commentary (Waco, TX.: Word Books, 1994); Kenneth Kitchen, On the Reliability of the Old Testament (Grand Rapids, Mi: Eerdmans, 2003); Iain Provan, V. Philips Long and Tremper Longman, A Biblical History of Israel (Louisville: Westminster John Knox Press, 2003).
29 . لا شك في وجود اختلافات بين الباحثين الأفراد، حتى داخل التقليد التفسيري الواحد. ويمكننا القول إن عدد الآراء يساوي عدد الأكاديميين؛ وهو وصف يبدو ملائماً للعلوم الإنسانية عموماً.
- 30. انظر:Veracini, Settler Colonialism, 1-15 للاطلاع على ملخص للأبحاث السابقة.
- 31. يعد كتاب بيتكانن عن يوشع مثال حديث على هذا النوع من الدراسات: Pitkänen, Joshua
32.انظر: Waswo, Founding Legend; Docker, Origins of Violence; Carroll, Wolf in the Sheepfold; Regina M. Schwartz, The Curse of Cain: The Violent Legacy of Monotheism (Chicago: University of Chicago Press, 1997); Davies, Immoral Bible.
- 33. انظر أدناه لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع
- 34. انظر:Douglas S. Earl, Reading Joshua as Christian Scripture. Doctoral thesis, Durham University, 2008, available at Durham E-Theses Online: http://etheses.dur.ac.uk/2267/. Also published in slightly revised form as Reading Joshua as Christian Scripture, Journal of Theological Interpretation Supplement 2, (Winona Lake, Ind.: Eisenbrauns, 2010) ويقدّم الكتاب بناءً تفصيلياً لمنشأ “أسطوري” للمفاهيم ذات الصلة في سفر يشوع.
- 35. انظر :Veracini , Settler Colonialism, 102-108.
- 36. يرى فيراتشيني أن الشعوب التي تعود أصولها إلى خارج الأراضي التي تحتلها تميل إلى النظر إلى وجودها من منظور تاريخي، في حين تنظر الشعوب الأصلية إلى وجودها من منظور وجودي (تواصل شخصي، 2013).
- 37. لاحظ التعريفات الواردة في كتاب يورغن أوسترامل، Jürgen Osterhammel، Colonialism: A Theoretical Overview (Princeton, N.J.,Markus Wiener, 2005; original German edition 1995 by C.H. Beck, Munich; translated by Shelley Frisch, with a foreword by R.L. Tignor and an updated bibliography). . يعرّف أوسترامل المستعمرة بأنها “تنظيم سياسي جديد ينشأ بفعل الغزو، سواء أكان غزواً عسكرياً و/أو استعماراً بالتوطن، لكنه يُبنى على أوضاع سابقة للاستعمار. ويظل حكامها الغرباء معتمدين اعتماداً مستمراً على “وطن أم” أو مركز إمبراطوري بعيد جغرافياً، يطالب بحقوق حصرية في حيازة المستعمرة”(ص 10) ويعرّف الاستعمار بأنه “علاقة هيمنة بين أغلبية من السكان الأصليين (أو المستقدمين قسراً) وأقلية من الغزاة الأجانب. وتتخذ السلطات الاستعمارية القرارات الأساسية التي تؤثر في حياة السكان الخاضعين للاستعمار، وتنفذها سعياً إلى تحقيق مصالح غالباً ما تحددها حاضرة بعيدة. ويرفض المستعمرون تقديم تنازلات ثقافية للسكان الذين يستعمرونهم، إذ يؤمنون بتفوقهم وبأن لهم تفويضاً مقدّراً لحكم الآخرين” (ص 16-17).
- 38. انظر: Veracini, Settler Colonialism, 53
39.انظر: Kitchen, On the Reliability, 318-319, 333-334.
- تجدر الإشارة إلى عدم وجود أدلة مباشرة على حدوث خروج جماعي كما يرويه سفر الخروج؛ وما زالت المسألة موضع خلاف حاد. وللاطلاع على الدراسات التي تؤيد تاريخية الرواية، انظر خصوصاًesp. James K. Hoffmeier، Israel in Egypt: The Evidence for the Authenticity of the Exodus Tradition Oxford: Oxford University Press، 1997)؛ idem.، Ancient Israel in Sinai: The Evidence for the Authenticity of the Wilderness Traditions (Oxford: Oxford University Press، 2005؛ أما الدراسات التي تعارض ذلك، فانظر، مثلاً Liverani, Israel’s History, 277-282 .
- 41. تجدر الإشارة أيضاً إلى “اللفيف” (عيرِف راف) الذي خرج من مصر مع الإسرءيليين، بحسب سفر الخروج 12:38.
- 42. يعرّف فيراتشيني، في كتابه الاستعمار الاستيطاني، الترانسفير السكاني أساساً بأنه “تطهير” الكيان السياسي للمجتمع الاستيطاني من عناصر الاختلاف التي يحملها الآخرون، سواء أكانوا من السكان الأصليين أم من خارج الجماعة(ص 33). ويشير إلى أن “المجتمع الاستيطاني الناجح يدير عملية إفراغ منظّمة ومتدرجة لاقتصاد السكان من شرائح الآخرين، الأصليين والوافدين من الخارج، وقد فصل نفسه نهائياً عن الآخرين المنبوذين”(المرجع نفسه، ص 28؛ والمقصودون بالآخرين المنبوذين أولئك المستبعدون نهائياً من الكيان السياسي للمجتمع الاستيطاني ويفقدون صفتهم بوصفهم من السكان الأصليين أو من الوافدين من الخارج، ص 27-28). ثم يحدّد ستاً وعشرين صورة مختلفة للترانسفير (المرجع نفسه، ص 35-50)، وينبغي التنبه إلى أن القتل والترحيل وما شابههما لا تمثل سوى بعض صور الترانسفير الممكنة؛ فهناك استراتيجيات أخرى أكثر خفاءً، كالاستيعاب. ويشير أيضاً إلى أن الآخرين من السكان الأصليين، أي السكان الأصليين فعلاً للأرض التي يجري التوطن فيها، يُنظر إليهم عادةً بوصفهم تهديداً للجماعة الاستيطانية؛ إذ يشكّل استمرار وجودهم تهديداً وتحدياً لوجود هذه الجماعة ذاتها ولشرعيتها(المرجع نفسه، ص 24-26 ، 33-34)، أما الآخرون الوافدون من الخارج، ومنهم أناس من أراضٍ خارج نطاق الجماعة الاستيطانية قد ينضمون إليها، فيُنظر إليهم عموماً بوصفهم أشخاصاً يمكنهم التعاون مع الجماعة الاستيطانية (المرجع نفسه ، ص 26-27).
- 43. الحالتان الأخيرتان أشار إليهما جون ف. بروغ : Where Did the Name “Philistines” Come From? ورقة عمل قدمت للمعهد الأمريكي للدراسات الشرقية ASOR في اللقاء السنوي الذي عقد في مدينة أطلنطا، 2012، صفحة 5-6.
- 44. قارن هذه الحالات بالمخططات الواردة في فيراتشيني، Veracini, Settler Colonialism, 25-29 . وعلى أي حال، يبدو أن ضم هؤلاء السكان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يسميه فيراتشيني النقل بالاستيعابVeracini, Settler Colonialism, 37-39
- 45. انظر Necropolitical transfer in Veracini, Settler Colonialism, 35.
- 46. يصنفها فيراتشيني على أنها ترانسفير عرق انظر Veracini ، Settler Colonialism
- 47. انظر , Veracini, Settler Colonialism, 41 (Narrative transfer I).
- 48. يبدو أن هذه الحالة قريبة من النوع الرابع من النقل السردي لدى فيراتشيني Veracini, Settler Colonialism, 42-43 ، على الرغم من وجود اختلافات أيضاً.
- 49. انظر : Pitkänen, Joshua, 210-211 للحصول على ملخص
- 50. . يسمّي فيراتشيني هذه الحالة “النقل بالإزاحة المفاهيمية”Veracini, Settler Colonialism, 35-36
- 51. راجع Veracini, Settler Colonialism, 26-28. للاطلاع على هذه المفاهيم في سياق الاستعمار الاستيطاني. غير أن ثمة نقاشاً حول مدى وجوب فهم قوانين الشرق الأدنى القديم بوصفها نصوصاً نظرية أم قواعد عملية. فعلى سبيل المثال، لا توجد في الشرق الأدنى القديم، في الحقبة التقريبية المعنية، قضايا قضائية تحيل إلى المدونات القانونية، انظر مثلاً الصفحات1 – 90 ، وخاصة الصفحتين 18 و19 هنا Raymond Westbrook, ‘Introduction: The Character of Ancient Near Eastern Law’, in idem., ed. A History of Ancient Near Eastern Law (Leiden: E.J. Brill, 2003)
- 52. لكن هذه الحالة تبدو، في جوهرها، شبيهة بمعاملة الجبعونيين المشار إليها أعلاه، على الأقل من بعض الوجوه.
- 53. قارن Veracini, Settler Colonialism, 88-89
- 54. انظر: David Day, Conquest: How Societies Overwhelm Others (Oxford: OUP, 2008)
- 55. لا يتطابق المفهومان تماماً؛ إذ يمكن لمجتمع أن يحلّ محل مجتمع آخر عبر “الاستعمار الداخلي”، وهو ما قد يختلف عن الاستعمار الاستيطاني(Day 2008, p. 6).
- 56. انظر Day, Conquest, p. 7.
- 57. انظرDay, Conquest, p. 8.
- 58. المرجع السابق
- 59. المرجع السابق
- 60. المرجع السابق
- 61. تُعدّ مدونة القداسة عموماً وحدة مستقلة أسلوبياً داخل الأسفار الخمسة، وتتألف في معظمها من اللاويين 17–26.
- 62. انظر Day, Conquest, 7-9.
- 63. سأقسّم الموضوع إلى المحاور الآتية: تثبيت المطالبة القانونية؛ ورسم خرائط الأرض؛ والتسمية؛ وقصص التأسيس؛ وإحلال الجماعة محل «الهمج» وضرورة الإبادة الجماعية؛ والحق الناشئ عن الغزو؛ وحراثة الأرض وإسكانها؛ والدفاع عن الإقليم. وما يلي خلاصة لهذه المحاور؛ أما التفاصيل الكاملة فترد في دراسة بيتكانن Pitkänen, Pentateuch-Joshua: A Settler-Colonial Document of a Supplanting Society ، وهي دراسة معروضة على إحدى المجلات للنظر في نشرها.
- 64. يحمل الجذر العبري تور في الآية 13:1 أيضاً معنى “تجسّس”
- 65. راجعJ.A. Talbert, ed., Ancient Perspectives: Maps and their Place in Mesopotamia, Egypt, Greece and Rome (Chicago: University of Chicago Press, 2012).-
- 66. راجع مثلاً:Pitkänen, Joshua: 261-264, quoting G. Beckman, Hittite Diplomatic Texts, SBL Writings from the Ancient World 7, ed. Harry A. Hoffner, Jr (Atlanta: Scholars Press, 1996; 2nd edn, 1999), pp. 109-111, على سبيل المثال على أوصاف الحدود الحثية في سياق المعاهدات.
- 67. انظر Faust, Israel’s Ethnogenesis, esp. pp. 159-166, 221-226; Israel Finkelstein, The Archaeology of the Israelite Settlement (Jerusalem: Israel Exploration Society, 1988), pp. 324-330; Eero Junkkaala, Three Conquests of Canaan: A Comparative Study of Two Egyptian Military Campaigns and Joshua 10-12 in the Light of Recent Archaeological Evidence (Turku: Åbo Akademi University Press, 2006; النسخة ماحة للحميل بصيغة PDF هناhttps://oa.doria.fi/handle/10024/4162، ولا سيما ص 308–309.
- 68. انظر أيضاً Day, Conquest, pp. 96-97، حيث يتناول هزيمة الملك سيحون ويعقد مقارنة بينها وبين غزاة أميركا الإسبان في حقبة لاحقة.
- 69. انظر Day, Conquest, p. 96; see e.g., Joshua 1:3; 14:9.
- 70. انظرG. Dever, Who Were the Early Israelites and Where Did They Come From? , 98.
71-راجع , Carroll P. Kakel, The American West and the Nazi East: A Comparative and Interpretive Perspective (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2011). Cf. also e.g., David L. Preston, The Texture of Contact: European and Indian Settler Communities on the Frontiers of Iroquoia, 1667–1783 (Lincoln: University of Nebraska Press, 2009), 1-22.
- 72. قارن بما أوردناه أعلاه بشأن الطابع العملي لمواد الشرق الأدنى القديمة.
- 73. انظرPatrick Wolfe, ‘Structure and Event: Settler Colonialism, Time and the Question of Genocide’, in A.D. Moses, ed., Empire, Colony, Genocide: Conquest, Occupation and Subaltern Resistance in World History (Oxford/New York: Bergahn Books, 2008), 102-132 (130n71).
- 74. انظر Wolfe, ‘Structure and Event’, 103.
- 75. على أي حال، نعلم أن المجتمعات الكنعانية القديمة، كما تشهد عليها رسائل تل العمارنة العائدة إلى العصر البرونزي المتأخر، تحوّلت في القرون التالية إلى مجتمعات إسرءيلية، حتى إذا اعتمدنا مقاربة تقليلية لتاريخ إسرءيل.
- 76. للاطلاع على ما يتعلق بعاي وغيرها من المواقع ؟الإشكالية؟، انظر، مثلاً Pitkänen, Joshua ، ص 182–184 بشأن عاي تحديداً. ومن ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى وجود أدلة أركيولوجية واضحة على وقوع دمار في حاصور في تلك الحقبة (يوشع 11: 10-12 ؛ انظر على سبيل المثال Pitkänen, Joshua, 232 ).
- 77. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن يشوع 11:13 يفيد، مثلاً، بأن الإسرءيليين لم يحرقوا كثيراً من المدن التي أخضعوها؛ وإذا صح ذلك، فلن يكون العثور على أدلة أركيولوجية على الدمار في المواقع المعنية أمراً يسيراً، إن كان ممكناً أصلاً.
- 78. للاطلاع على أمثلة إضافية لبعض تحركات السكان في الشرق الأدنى القديم خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، استناداً إلى مصادر غير كتابية، انظرKitchen, On the Reliability, 254. ولعمل حديث مخصص للاستعمار عموماً في الشرق الأدنى القديم، انظرMaria Eugenia Aubet, Commerce and Colonization in the Ancient Near East (Cambridge: CUP, 2013; Spanish original 2007)
- 79. انظر خصوصاً Trude Dothan and Moshe Dothan, People of the Sea: The Search for the Philistines (New York: Macmillan, 1992); Assaf Yasur Landau, The Philistines and Aegean Migration at the End of the Late Bronze Age (Cambridge: CUP, 2010)
- 80. انظر، مثلاً: Yasur-Landau, The Philistines and Aegean Migration; Aren M. Maeir, L.A. Hitchcock and L.K. Horwitz, ‘On The Constitution and Transformation Of Philistine Identity’, OJA 32.1 (2013), 1–38.
- 81. انظر Pitkänen, ‘Ancient Israel and Philistia: Settler Colonialism and Ethnocultural Interaction’, دراسة معروضة على إحدى المجلات للنظر في نشرها.
- 82. حول هذا “النظام” وانهياره، انظر مثلاً:Itamar Singer, The Calm Before the Storm: Selected Writings of Itamar Singer on the End of the Late Bronze Age in Anatolia and the Levant, WAW Supplements 1 (Atlanta: SBL, 2011); Eric Cline, Sailing the Wine-Dark Sea: International Trade and the Late Bronze Age Aegean (Oakville, CT: David Brown Book Co, 2009).
- 83. انظر Day, Conquest.
- 84. وعلى وجه الخصوص، إذا أخذنا في الحسبان مبدأ عدم مضاعفة الكيانات القائل بتفضيل التفسير الأبسط، Occam’s razor، فإن قراءة الوثائق بوصفها مؤيدة للاستعمار الاستيطاني تنسجم تماماً مع فكرة أن الاستعمار الاستيطاني ذاه هو الذي أنتجها.
- 85. على سبيل المثال Kitchen, On the Reliability.
- 86. انظرKuhn, Structure; Paul K. Feyerabend, Against Method, 3rd edition (London: Verso, 1993; 4th edition in 2010).
- 87. راجع Kuhn, Structure; Feyerabend, Against Method.
- 88. لا يتسع المجال هنا للخوض في الجدل المتعلق بتأريخ الوثائق الكتابية. لكن للاطلاع على دراسة نقدية أدبية تتيح الاقتراب أكثر من الأحداث، انظر Pitkänen, Central Sanctuary and Centralization of Worship in Ancient Israel: from the Settlement to the Building of Solomon’s Temple, 2nd Gorgias Press Edition (Piscataway, N.J.: Gorgias Press; first edition 2003) . انظر أيضا الاعتبارات في Pitkänen, Joshua
- 89. على حد علمي، كنت أول من اقترح صراحةً، من منظور الاستعمار الاستيطاني نفسه، أن النصوص المعنية والتاريخ الذي تتناوله يتسمان بطابع استعماري استيطاني؛ غير أن المسائل التي نناقشها هنا سبق أن أُشير إلى معظمها، كلٌّ على حدة، في تفاصيلها المختلفة. وأقترح هنا أن النظر إلى هذه المسائل من منظور الاستعمار الاستيطاني يوضحها إلى حد بعيد، ويفتح المجال أمام نقاش أعمق بشأنها.
- 90. انظر Veracini, Settler Colonialism, 95-116.
- 91. راجع Davies, Immoral Bible, 63-100, 101-119.
- 92. انظرDavies, Immoral Bible, 3-100,
- يقدم إيرل خلاصة جيدة لهذه المقاربات Earl, Reading Joshua as Christian Scripture. See also Brett, Decolonizing God, esp. 62-93.
- 94. تُعدّ أسطورة الأرض الخالية أو “البِكر” أحد أوجه التشابه القوية في هذا السياق؛ انظر Veracini، Settler Colonialism، 83-88.
- 95. راجع Veracini, Settler Colonialism, 89-90
- 96. المرجع السابق
- 97. انظر Keith W. Whitelam, The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History (Abingdon/New York: Routledge, 1996).
- 98. انظرVeracini, Israel and Settler Society.
- 99. راجع Veracini, Settler Colonialism, 112-115.
- 100. انظر g. Brett, Decolonising God.
- 101. للاطلاع على بعض هذه المسائل انظرShlomo Sand, The Invention of the Jewish People (London: Verso, 2009); idem., The Invention of the Land of Israel (London: Verso, 2012).
- 102. انظر مثلاً: Marc Ferro, Colonization: A Global History (London: Routledge, 1997; Original French edn 1994).
- 103. انظر Avi Shlaim, The Iron Wall: Israel and the Arab World (London/New York: Penguin Books,2000); Sand, Invention of the Jewish People; idem., Invention of the Land of Israel; cf. Ilan Pappe, A History of Modern Palestine: One Land, Two Peoples. Cambridge: Cambridge University Press.
- 104. انظر مثلاً على المستوى الشعبيRobert G. Clouse, The Meaning of the Millennium: Four Views (Downers Grove, Ill: InterVarsity Press, 1977) وقارن John M. Court, Approaching the Apocalypse: A Short History of Christian Millenarianism (London: I.B. Tauris, 2008)
- 105. كما يقترح ديفيز في : Davies, Immoral Bible.
- 106. صحيح أن كثيراً من المنظمات التبشيرية الحديثة تبنّت بالفعل هذا النهج.
107- راجعMichael Mann, The Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing (Cambridge: CUP, 2005)
Aljarmaq center Aljarmaq center