جيسيكا ستايتس مورا
ترجمة محمود الصباغ
تبنت أحزاب يسارية أرجنتينية متعددة التضامن السياسي مع الحركة الوطنية الفلسطينية كأداةً رمزية ذات طابع احتجاجي، للتعبير عن مواقفها الإيديولوجية وإعادة تحديد تموضعها السياسي. ويمكن قراءة “مسألة فلسطين” والعلاقة بين الشتات الفلسطيني وإسرائيل، في ضوء الأدبيات السياسية اليسارية، بوصفهما مرآةً ما طرأ على موقفه من تحولات إزاء الإمبريالية والحرب الباردة والنيوليبرالية والإقصاء الاجتماعي.
وسوف، هنا، نبحث في طبيعة تفاعلات اليسار الأرجنتيني مع منظمة التحرير الفلسطينية وجامعة الدول العربية ومنظومة الدول العربية والحركة الصهيونية، وفي تصوراته عنها التي تشكلت عبر وسائط مختلفة، لنكشف عن دوافع تحفيز حملات التضامن عبر الحدود القومية دعماً لفلسطين. كما سنري كيف لعبت التعبئة التضامنية تلك بين بلدان الجنوب العالمي دوراً استراتيجياً في نشوء “اليسار الجديد” في الأرجنتين.
في العام 2003، اعتمدت مجموعة صغيرة من الناشطين في الأرجنتين الكوفية رمزاً لهُويتهم الجماعية، فميزوا أنفسهم عن سائر المجموعات المشاركة في المسيرات المناهضة للعولمة. ويمثل هذا الوشاح المربّع، ذو اللونين الأبيض والأسود، جزءً من الزي الفلسطيني التقليدي في الشرق الأوسط، ورمزاً للقضية الوطنية الفلسطينية، وللمقاومة الراديكالية للفئات المهمّشة في الأرجنتين ومناطق كثيرة من العالم على السواء (1).
وأعلن المتظاهرون، في شوارع بوينس آيرس، تضامنهم مع نضال الفلسطينيين، الذين وصفوهم بعبارة “فلسطينيونا” (nuestros Palestinos)ورأوا في هذا النضال امتداداً لنضالهم المشترك ضد الاضطهاد وقوى الإمبريالية العالمية، بقدر ما رأوا فيه تعبيراً عن مظالمهم الداخلية. ومنذ الاحتجاج على قيام دولة إسرائيل في العام 1947، وصولاً إلى مظاهرات التضامن الراهنة [2014-المترجم] مع قوافل السفن المتجهة إلى غزة، ظل النشاط التضامني العابر للحدود والمؤيد لفلسطين جزءً أصيلاً من سياسة اليسار الأرجنتيني.
تتناول هذه المقالة تاريخ مشاعر وحدة المصير مع الشعب الفلسطيني في الأرجنتين، وتتخذه مثالاً على التعبئة السياسية التي امتدت عبر تخوم الجنوب العالمي المتخيّلة (2).
لطالما ارتبطت أشكال التضامن هذه ارتباطاً وثيقاً بصياغة المواقف الإيديولوجية لليسار الأرجنتيني؛ من الجمعيات المدنية المناهضة للفاشية، مروراً بتنظيم العمال وفق مبادئ النقابية الأناركية (3) وصولاً إلى شبكات المثقفين النافذة والنشاط الإعلامي الاحتجاجي المناهض للسائد (4).
ورغم اتساع الأدبيات المتعلقة بالنشاط السياسي العابر للحدود، لم تحظَ الروابط بين بلدان الجنوب العالمي إلا باهتمام محدود، ونادراً ما تناولت الدراسات التضامن السياسي من منظور التاريخ الثقافي (5). وللكشف عن تلك المسارات التي سلكتها سياسات التعاطف هذه، سوف نعتمد منظوراً ثقافياً، سواء في مجال الرموز والدلالات أو في اللقاءات الإنسانية التي أفضت إلى بناء الشبكات. كما سنتناول-إلى جانب رصد هذه اللقاءات والتبادلات- ما نسميه “التنقيب عن المتخيَّل”(fiction-finding) كمقابل لمفهوم تقصي الحقائق(fact-finding) (6) فتكشف المتخيّلات السياسية التي جرى استحضارها وتوظيفها في خدمة المسؤولية السياسية التي تتجاوز حدود الدولة. وتتتبع المقالة التصورات التي تكوّنت عبر الوسائط المختلفة عن “مسألة فلسطين”، في سياق اللقاءات المتقطعة والمتباينة لليسار الأرجنتيني مع جامعة الدول العربية ومنظمة الدول العربية وحركة عدم الانحياز، من الحرب الباردة إلى النظام النيوليبرالي.
كما تستند هذه الدراسة إلى ما أحرزته دراستان حديثتان من تقدم نظري في بحث الشبكات الدولية التي نسجتها منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كشفت كل منهما عن جوانب أساسية من الكيفية التي ارتبط بها “اليسار العالمي” بالقضية الفلسطينية، وتتساءل عن مدى خصوصية الحالة الأرجنتينية، عند النظر إليها في إطار هذا المشهد العالمي ومقارنتها به.
يرى بول تشامبرلين، في دراسته الرائدة الهجوم العالمي (The Global Offensive)، أن منظمة التحرير الفلسطينية سعت إلى كسب التأييد عبر نقل دلالات النضال السياسي وتعميمها، بما أتاح لها بناء تحالفات استراتيجية في أنحاء العالم الثالث. ويرى أن السلطة الفلسطينية تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية عن انتشار حملات التضامن مع فلسطين في أنحاء العالم، في مواجهة التحالف الإسرائيلي-الأميركي بوصفه خصماً استعمارياً جديداً ذا نفوذ هائل (7).
أما الدراسة الثانية، فهي لديفيد لويد ولورا بوليدو، وقد تناولا فيها الروابط بين الشيكانيين (Chicanos) والفلسطينيين، وخلصا إلى أن التضامن يستند إلى “تجارب متباينة من الاضطهاد والنضال في مواجهة أنظمة الهيمنة ذات النزعة التعميمية، كالإمبريالية والرأسمالية”(8).
ويرى الباحثان أن الوطنية الفلسطينية (9) أتاحت لأناس يعيشون بعيداً عن فلسطين العثور فيها على نضال لم يُحسم بعد ضد الفصل العنصري، تتصدره قضايا كثيراً ما يجري تغييبها في سجالات أخرى، ومنها قضايا الشعب الشيكاني والمجتمعات الأصلية في المناطق الحدودية بالولايات المتحدة. ويلفتان إلى أن النضال الفلسطيني يكشف عن معنى المواطنة غير المتكافئة، وما يترتب عليها من حرمان من حقوق الملكية والتنقل والإقامة. وتفضي هذه القيود إلى نشوء طبقة عاملة محرومة من الحقوق ومهمّشة (10). وفي الأرجنتين، كما في بلدان أخرى، يحتل التضامن مكانة محورية في ممارسة اليسار السياسية، فهو “ضرورة لا غنى عنها لنشاط الحركات الاجتماعية والسياسية الراديكالية”(11).
خلال الحرب الباردة، سعى اليسار الأرجنتيني إلى إعادة صياغة هُويته، بما يجعلها قابلة للحياة من الناحية السياسية في مواجهة أزماته الداخلية والقمع الآتي من الخارج. وقد وجد هذا اليسار سبيله إلى إعادة النظر في تاريخه الخاص مع الفكر المناهض للإمبريالية وإعادة تحديد موقعه منه، من خلال وضع التجارب السياسية المحلية في سياق نضالات “التحرر الوطني”. واستعان اليسار الجديد الناشئ بوسائل التمثيل اليومية وممارسات إنتاج المعاني السياسية، لموائمة خطابه مع التحولات المتقلبة وغير المستقرة في الاقتصاد السياسي للحرب الباردة، ومع تنوع الممارسات اليسارية.
ونستطيع القول هنا، أن هذه المقالة تذهب إلى تبني فكرة أن الصور التي رسمها اليسار للقضية الفلسطينية أتاحت مجالاً لإسقاط الاستراتيجيات السياسية على منظومة القيم والتفكير الأخلاقي وطرائق تمثيل الذات.
اليسار الأرجنتيني الراديكالي وموقفه من منظمة التحرير الفلسطينية
اجتمع، في العام 1941، مهاجرون عرب من أمريكا الشمالية والجنوبية في بوينس آيرس، لمناقشة الاستعمار الأوروبي في أوطانهم، ونشروا إعلاناً يدين إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (12). وعندما أعلنت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة بشأن فلسطين، في العام 1947، التقسيم الرسمي لأراضي الانتداب البريطاني السابق إلى دولتين منفصلتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، كانت الدولة الأرجنتينية قد رسّخت موقفها السياسي القائم على الحياد تجاه الطرفين المعنيين (13).
ويُعزى هذا الموقف، جزئياً، إلى رفض الأرجنتين الانصياع لإملاءات دول الحلفاء في أعقاب الحرب العالمية الثانية (14)، فضلاً عن أن البلاد، بحكم تاريخها الطويل في استقبال المهاجرين العرب واليهود، احتفظت بروابط سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة مع أطراف متنافسة في الشرق الأوسط (15). وفي العام 1948، طُرحت الأرجنتين حتى بوصفها ملجأً محتملاً للفلسطينيين الذين شرّدهم قيام دولة إسرائيل، مثلما سبق أن طُرحت ملجأً محتملاً لليهود الفارين من الاضطهاد في أوروبا قبل ذلك بعقود (16).
عقب التقسيم، بدأت تظهر في الأرجنتين أولى حملات التضامن مع فلسطين، ارتبط معظمها بالجمعيات المدنية التابعة للجاليات السورية واللبنانية الكبيرة في مدينة بوينس آيرس (17).
ظل نشاط أبناء الشتات الفلسطيني في الأرجنتين محدوداً، رغم بعض المحطات التي حظيت باهتمام علني واسع، وبقي بعيداً في الغالب عن النبرة المناهضة للإمبريالية التي اتسم بها خطاب اليسار السياسي. ومع احتدام التنافس بين الدول العربية في مطلع الخمسينيات، أخذ كثير من اليساريين في الأرجنتين، ولا سيما الشيوعيين والاشتراكيين وأوساط اليسار الراديكالي الآخذة في الاتساع، ينظرون بتشكك أكبر إلى نيات إدارة بيرون حيال المنطقة، ويتجهون إلى أبناء الشتات الفلسطيني بحثاً عن إجابات. وفي الوقت الذي حاولت فيه مصر والعراق “استحضار كيانات فلسطينية خاصة بكل منهما”(18)، استغل الاتحاد السوفياتي الصراع العربي الإسرائيلي للتفاوض على إقامة علاقات جديدة مع الدول العربية (19)، الأمر الذي دفع كثيراً من اليساريين إلى التريث والتساؤل عن دلالات الصراع في ضوء العلاقات الجيوستراتيجية الأوسع والمشاريع الإمبريالية الكامنة وراءه.
خلال هذه المرحلة، ساور اليسار الأرجنتيني الراديكالي شك عميق في ادعاءات مناهضة الإمبريالية التي أطلقها عدد من أبرز الشخصيات في الحركات الثورية بالعالم الثالث، ومن بينهم دعاة القومية العربية الوحدوية الذين امتلكوا نفوذاً واسعاً في المنطقة. فمنذ العام 1959، دأبت صحيفة “بالابرا أوبريرا” Palabra Obrera، الناطقة باسم “العمال الثوريين” التروتسكيين في الأرجنتين، والتي صارت لاحقاً لسان حال حزب العمال (Partido Obrero PO)، على تأكيد موالاة كاسترو للإمبريالية، وكثيراً ما انتقدت نزوعه القومي ومبادراته نحو العمل الأممي. كما وضع حزب العمال كل من ناصر ونهرو وكارديناس وبيرون وكاسترو في سلة واحدة، واصفاً إياهم جميعاً بأنهم “بونابرتيون”(20)، ورأى أن هؤلاء القادة الثوريين لم يفعلوا سوى نقل السلطة من قطاع من البرجوازية إلى قطاع آخر (21).
وفي المقابل، أيّد الحزب الاستيلاء على الأراضي، ودعا إلى “النقابية الفلاحية”(22) (syndicalismo campesino)، وأرسل، على سبيل المثال، ناشطين إلى بيرو للمساعدة في عمليات الاستيلاء على الأراضي الزراعية في منطقة كوسكو Cuzco، كما دافع عن المقاومة الفلسطينية، مؤكداً استقلال نضالها عن مشروعات القومية العربية الوحدوية وغيرها من مشروعات القومية اليسارية التي رأت في تحرير فلسطين جزءً من مشروعها السياسي الأوسع (23). وعندما تحالف حزب العمال عام1963 مع الجبهة الثورية الشعبية الهندوأميركية (Frente Revolucionario Indoamericano Popular)، ثم انضم لاحقاً إلى قوى أخرى لتأسيس حزب العمال الثوري (Partido Revolucionario de los Trabajadores PRT)، أسهم موقفه الإيديولوجي في صياغة توجهات أبرز تنظيم للنضال اليساري المسلح في الأرجنتين.
تعامل حزب العمال الثوري مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى حد بعيد، عبر حركة فتح، التنظيم الذي اضطلع بمشروع ياسر عرفات القومي القائم على تعبئة الفلسطينيين في الشتات. تأسست الحركة في العام 1958 في الكويت وقطر، وهما دولتان مهمّشتان في الشرق الأوسط العربي. وبحلول العام 1962، كانت فتح قد أصدرت نشرتها الإعلامية الخاصة فلسطيننا (Our Palestine)، وافتتحت مكتباً دولياً لها في الجزائر، عاصمة العالم ما بعد الكولونيالي التي نالت “حريتها”. وفي كانون الثاني 1964، أفضى تصاعد النزعة القومية بين الفلسطينيين في الشتات، لا سيما في مخيمات اللاجئين، خلال القمة العربية الأولى في القاهرة، إلى إنشاء “كيان وشخصية” فلسطينيين (24).
حلّت منظمة التحرير الفلسطينية محل اللجنة العربية العليا، التي كانت تتولى قيادة النضال الفلسطيني منذ الحرب العربية الإسرائيلية 1947–1948، وكان من المفترض، من الناحية النظرية، أن تحتفظ للفلسطينيين بقدر أكبر من الاستقلالية. ورغم إحكام جامعة الدول العربية إشرافها على الكيان الفلسطيني الجديد، فقد أتاح ذلك حضوراً أوضح للاجئين الفلسطينيين في قلب الصراع. وكانت الصين الماوية أول دولة تعترف دبلوماسياً بمنظمة التحرير الفلسطينية، وقدّمت لها الدعم العسكري والإعلامي (25). أما التنظيمات اليسارية الأرجنتينية، مثل ما تبقى من حزب العمال (PO) والتيار الجديد الذي مثّله حزب العمال الثوري (PRT)، فلم تعلن تأييدها الكامل للمنظمة إلا بعد تمايزها الواضح عن جامعة الدول العربية وإثبات استقلال قرارها.
وقد مثل هذا الانقسام الصيني السوفياتي في الأرجنتين، خطاً فاصلاً مهماً بين قطاعات اليسار كسبيل للتعبير عن تحولات مواقفها الإيديولوجية.
انتقدت بعض فصائل اليسار جهل الاتحاد السوفياتي بما يجري في عالم ما بعد الاستعمار، أي في بلدان العالم الثالث، فيما ساورت فصائل أخرى شكوك بشأن إصرار الصين على تولّي موقع القيادة في حركات العالم الثالث، خلال اجتماعي باندونغ والقاهرة اللذين مهّدا لقيام حركة عدم الانحياز (26). وفي هذا الإطار الأوسع لسياسات اليسار خلال الحرب الباردة، شاع أن نضال منظمة التحرير الفلسطينية يدور في جوهره حول مقاومة الإمبريالية السوفياتية في الشرق الأوسط، فيما ذهب تفسير آخر إلى وجود نزعة ماوية داخل القومية العربية الوحدوية. واتضحت الأمور إلى حد ما مع صدور الميثاق الوطني الفلسطيني في العام 1964، الذي عُدّل لاحقاً سنة 1968، وأيّد التحرر الوطني بالكفاح المسلح، وأعلن عدم شرعية التقسيم، ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
كانت حركة فتح، بقيادة ياسر عرفات، قبل انضمامها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، تدعو إلى خوض حرب عصابات guerrilla طويلة الأمد ضد إسرائيل. وأعلنت بوضوح أن غايتها هي جعل الصراع فلسطينياً، وفصل مسألة فلسطين عن التجاذب الإقليمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وفي تلك المرحلة المبكرة، أدرك قادة يساريون في أميركا اللاتينية، مثل ماريو سانتوتشو، مؤسس حزب العمال الثوري (PRT)، أهمية الاستراتيجية العرفاتية؛ ورأوا فيه ممثلاً موثوقاً للقضية، يستند إلى رصيد نضالي اكتسبه من تأسيس حركة طلابية وقيادة نقابة عمالية عابرة للحدود في أوساط الفلسطينيين في الشتات (27). وإلى جانب ذلك، رأى كثير من أعضاء حزب العمال الثوري (PRT) وغيرهم من اليساريين في حركته رفضاً للانخراط في الصراع الإمبريالي الذي طبع الحرب الباردة. وهكذا بات حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم القضية الأساسية التي تبنّاها الشيوعيون الأرجنتينيون، ومن بينهم عدد من التنظيمات الشيوعية المسلحة، ولا سيما بعدما أخذ الحزب الشيوعي الأرجنتيني نفسه يشعر بتباعد متزايد عن اليساريين الغيفاريين الذين تعاظم تقاربهم مع “الموقف الثالث” لحركة عدم الانحياز (28).
وفي عام 1964، افتتحت جامعة الدول العربية مكتباً إعلامياً في بوينس آيرس، وشرعت في إصدار سلسلة منتظمة من الكتيبات والكتب والمجلات التعريفية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما أتاح لليساريين الأرجنتينيين الاطلاع على أوضاع الشرق الأوسط وسياساته من مصادر أكثر وفرة (29). وعندما انضمت فتح أخيراً إلى منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968، وسرعان ما أحكمت سيطرتها على المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية للمنظمة، التقت أخيراً تطلعات مثالية كانت متعارضة من قبل حول قضية واحدة (30)؛ فقد اقترنت الدعوة إلى تقرير المصير والتحرر الوطني بالحركة الطلابية والعمالية، وهما المجالان اللذان استند إليهما عرفات في بناء تنظيمه، وحقّق من خلالهما نجاحاً سياسياً واسعاً في أوساط الفلسطينيين في الشتات.
في عام 1969، انتُخب عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين أخذت الدوريات الشيوعية والاشتراكية اليسارية في الأرجنتين تتناول الأوضاع السياسية للفلسطينيين بصورة متكررة.
وبحلول العام 1973، بدأت حركة تضامن عابرة للأحزاب تتبلور. وفي هذه المرحلة، انحاز المثقفون وقادة اليسار، على الأقل من الناحية الإيديولوجية، إلى منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات، وإلى ما أعلنته من أهداف تتعلق بحق تقرير المصير وحق العودة (31). كما استحضر كثير من المثقفين ذوي الميول اليسارية، في كتاباتهم، تاريخ الأرجنتين نفسها مع الهجرة العربية، واحتفوا به (32). وشارك كتّاب وفنانون يساريون، لا سيما الصحفيون وصنّاع الأفلام، مع نظرائهم في فلسطين وبلدان الشرق الأوسط، في أنشطة ثقافية تضامنية عابرة للأقاليم، ودافعوا عن منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها تعبيراً أصيلاً عن المقاومة اليسارية لقوى الحرب الباردة.
اليسار البيروني والصهيونية في الأرجنتين
في الوقت الذي انشغل فيه الاشتراكيون والشيوعيون الأرجنتينيون والجماعات الأكثر راديكالية بالتوفيق بين مُثلهم المناهضة للإمبريالية والأبعاد العابرة للحدود للصراع الدائر خلال الحرب الباردة، كانت للبيرونية اليسارية انشغالات أخرى. فقد حاول بيرون نفسه انتهاج سياسة خارجية متوازنة في تعامله مع الشرق الأوسط، في حين أولت البيرونية الرسمية اهتماماً أكبر لمسألة رأس المال الدولي ومزايا النزعة القومية. وأثار ذلك الشكوك، ولا سيما داخل أوساط الجالية اليهودية الأرجنتينية، في أن بيرون كان معادياً للسامية.
وبعد أكثر من عقد على نفي بيرون عام 1955، أعادت المقاومة البيرونية إحياء خطابه المناهض للإمبريالية، وقدّمت البيرونية في صيغة جديدة بوصفها مصدراً أصيلاً لمقاومة العنف الاستعماري. وشرعت مجلة ميليتانسيا Militancia، الناطقة باسم حركة المونتونيروس البيرونيةPeronist Montonero، في نشر تقارير متكررة عن الأوضاع الفلسطينية، وندّدت بالصهيونية بوصفها شكلاً من أشكال الاستعمار، مع استمرارها في انتقاد القومية العربية الوحدوية وعدّها مشروعاً غير قابل للتحقق.
واختلفت تغطية صحفيي ميليتانسيا عن تغطية المجلات الإخبارية الأخرى، إذ أولوا اهتماماً متكرراً بوضع القضية الفلسطينية في سياق مشروع إمبريالي رأسمالي أقدم، بدأ في ظل الحكم العثماني، ثم امتد خلال الانتداب البريطاني، وصولاً إلى صراعات القوى المتنافسة في الحرب الباردة. كما تناولت تقاريرهم علاقة الولايات المتحدة بشركات النفط في الشرق الأوسط، وربطت نضال التحرر الوطني بالسجالات المحلية الدائرة حول الاستثمار الأجنبي والمصالح النفطية والنيوكولونيالية (33).
في كانون الثاني 1974، بدأت مجلة ميليتانسيا عرض كتابات عن ظاهرة أطلقت عليها اسم “الإمبريالية الفرعية”(34) (subimperialism)، وانتقدت النزعات التوسعية لدى البرازيل وبلدان أخرى في أميركا اللاتينية، ظلت منخرطة في نزاعات على الأراضي والموارد والحدود. واجتمع عدد من المثقفين والتنظيمات السياسية المنتمية إلى اليسار الأرجنتيني، بمن فيهم اليسار البيروني، تحت راية “الجبهة المناهضة للإمبريالية ومن أجل الاشتراكية” (Frente Anti-Imperialista y por el Socialismo)، للاحتجاج على استمرار الاستعمار في الداخل والخارج (35). وفي وقت لاحق من العام نفسه، غدت قضية منظمة التحرير الفلسطينية تُطرح تحت اسم “الثورة الفلسطينية”، بوصفها حرباً تخوضها ضد الإمبريالية العربية، التي كانت، بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، مسؤولة عن أزمة النفط التي هددت استقلال بلدان عدم الانحياز (36). وبخطاب مماثل، بدأت جماعات طلابية، تحالفت بعضها مع البيرونية، تصدر دعوات إلى التحرك والتضامن في مواجهة حرب فيتنام (37).
وفي العام 1974، أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني قرار الأمم المتحدة رقم 242، الذي نصّ على إقامة “سلطة وطنية” في أي أرض يجري تحريرها. وكثّفت منظمة التحرير الفلسطينية حملتها لنيل الاعتراف السياسي، وسافر عرفات بنفسه إلى أكثر من مئة دولة للترويج للمنظمة بوصفها “الممثل الشرعي الوحيد” للشعب الفلسطيني. وجاءت محطة حاسمة عام 1975، حين أصبحت المنظمة عضواً رسمياً في حركة عدم الانحياز، قبل عام من انضمامها عضواً كامل العضوية إلى جامعة الدول العربية، وفي العام نفسه صوّتت البرازيل رسمياً تأييداً لقرار آخر للأمم المتحدة ينص على أن “الصهيونية عنصرية”(38).
وخلال السنوات الممتدة من 1975 إلى 1979، أخذ حضور بلدان أميركا اللاتينية داخل حركة عدم الانحياز يزداد قوة، مع تنامي أهمية أهداف الحركة لدى بعض أعضائها، لا سيما فيدل كاسترو في كوبا. وفي المؤتمر السادس لحركة عدم الانحياز، الذي عُقد في هافانا عام 1979، أُعلن أن الأهداف الأساسية للحركة هي “القضاء على الاستعمار والاستعمار الجديد والفصل العنصري والعنصرية، بما فيها الصهيونية”. وهكذا تقدمت “مسألة فلسطين” إلى صدارة الاهتمام لدى قطاعات واسعة من اليسار، بوصفها جزءً من الحركة الأممية internacionalismo والتضامن بين بلدان العالم الثالث (39).
أما المنظمات الصهيونية في بوينس آيرس، فقد واجهت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والاتهامات بتواطئها مع مشروع إمبريالي في الشرق الأوسط، من خلال طرح رواياتها الخاصة للصراع. واستهدفت مجلة Etgar Desafío، التي أصدرها القسم الأميركي اللاتيني من حركة بيتار (Departamento Latinoamericano del Betar)، اليهود الصهاينة في الأرجنتين، مع توسيع خطابها ليصل إلى جمهور أوسع، ولا سيما الشباب الذين قد يتعاطفون مع القضية المناهضة للصهيونية أو ينخرطون فيها. وتُعد أعداد هذه الدورية مصدراً غنياً لدراسة السجال السياسي الموجّه إلى الشباب اليهودي ذوي الميول اليسارية، وخصوصاً أولئك الذين كانت لهم صلات بالحزب الشيوعي. وتكشف هذه الأعداد عن تعقيد المحاولات التي بذلتها جماعة واحدة على الأقل لفهم الدلالة السياسية والثقافية لهذا الصراع، ليس في سياق نضالات العالم الثالث فحسب، وإنما أيضاً في ضوء مسألة معاداة السامية.
في دراستها اللافتة لنشاط الشباب اليهود المناهض للصهيونية، تصف بياتريس غورفيتز هذه الظاهرة بأنها “لعبة مرايا”، أي عملية تشكّل للهُوية حفّزتها سرديات كبرى زعزعت المسلّمات السائدة meta-narratives خلال الحرب الباردة (40).
وفي إحدى المواد التي نشرتها مجلة Etgar Desafío، تروي آدا لوتشاتو، مراسلة صحيفة معاريف الإسرائيلية المعروفة في إيطاليا، تجربة عائلات غادرت الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل هرباً من الاضطهاد الديني. وكانت لوتشاتو قد سافرت مؤخراً إلى موسكو لإجراء مقابلات مع ممثلين عن حركة التحرير القومي اليهودية في الاتحاد السوفياتي National Jewish Liberation Movement in the USSR، ووصفتهم بأنهم “العائلة المناضلة في موسكو”(41) (la “familia” combatiente de Moscú). وبهذه الطريقة، قدّمت لوتشاتو الصهيونية للقراء الشباب بوصفها رداً على عداء الإمبراطورية السوفياتية ومعاداة السامية، لا بوصفها شكلاً من أشكال الإمبريالية.
وتضع المجلة هذا النقاش إلى جانب قصتين أخريين تعيدان تصوير فلسطين، في آن واحد، بوصفها أداة في يد العدوان العربي في الشرق الأوسط، وضحية لوعي يساري زائف. وتؤكد القصة الثانية هذه الفكرة عبر مقابلة مع أحد المارة، يصف فيها نفسه بأنه “شيوعي دولتي” إسرائيلي-فلسطيني، ويزعم أن الشائعات عن وجود شرطة سرية في الاتحاد السوفياتي كاذبة، وأن يهوداً مرتشين هم من يروّجون لها. وتتخلل هذا التصوير للوعي السياسي الفلسطيني عبارات من قبيل: “ستكون البلدان العربية في حال أفضل لو كانت روسيا هي التي تحكمها”، و”ساعدت روسيا تشيكوسلوفاكيا على تجنب التحول إلى بلد إمبريالي”، و”العرب يؤمنون بروسيا والصين”. وهي عبارات تخاطب قارئاً متمرساً في الخطاب اليساري، سرعان ما يدرك أنها تكشف عن جهل أصحابها (42).
وتكشف مساعي مجلةEtgar Desafío إلى تفكيك التعقيدات الإيديولوجية التي أحاطت بصعود اليسار، أمام قرائها اليهود، عن مدى جدية الصراع الذي خاضته جماعات من هذا القبيل لكسب عقول الشباب الأرجنتيني وقلوبهم، وهم الفئة الاجتماعية الأسرع اندفاعاً نحو التطرف السياسي في تلك المرحلة. وتوجّه هذه المواد خطابها إلى شباب مسيّس يواجهون إشكالية انخراطهم في قضية إمبريالية، عبر وضعهم في مواجهة عدو إمبريالي أشد تهديداً. وقد استُمد كثير من مواد المجلة مباشرة من محاضرات وندوات نظمتها جماعات تتبنى توجهات مماثلة، وتناولت “الانشغالات الفكرية inquietudes intelectuales (…) في الميادين الإيديولوجية والسياسية والوجودية” en el campo ideolo´gico, politico y existencial لدى جماعة ترتبط بصلات عميقة بالحزبين الشيوعي والاشتراكي الأرجنتينيين (43).
وما جمع الصهيونيين واليسار البيروني هو سعي كل منهما إلى العثور على موطئ قدم له عند أطراف المشهد السياسي اليساري في الأرجنتين، الذي كان يتجه بسرعة نحو التطرف، وإيجاد مكان للصهيونية أو للقومية، من دون التنصل من صعوبة المراجعة الإيديولوجية ومقتضياتها.
معاداة السامية واليسار المؤيد لمنظمة التحرير الفلسطينية
كان لدى الصهاينة في بوينس آيرس ما يدعوهم إلى الارتياب في اليسار الذي أخذ يتجه نحو التطرف، إذ انتشرت شائعات تتحدث عن تورط جماعات يسارية في أعمال عنف معادية للسامية. ولعل أشهر هذه الحالات وأكثرها إثارة للجدل قضية “حركة تاكوارا القومية” (Movimiento Nacionalista Tacuara)، وهي جماعة اتُّهمت بتلقي دعم مالي مباشر من جامعة الدول العربية.
في عام 1964، تولّى حسين تريكي، المعروف بتعاطفه النشط مع النازية وتعاونه معها خلال الحرب العالمية الثانية، منصب مندوب جامعة الدول العربية في أميركا الجنوبية، واتخذ من بوينس آيرس مقراً لنشاطه (44). وارتبط اسمه علناً بحركة تاكوارا، وبعناصر من الشرطة الاتحادية اشتُبه في ضلوعها في هجمات معادية للسامية (45). وفي ذات العام، عمّم الجيش الأرجنتيني وثيقة استراتيجية نادرة، حصلت عليها لاحقاً المنظمة الصهيونية المركزية، فحدّدت عشرة “تيارات” مختلفة من التطرف السياسي رأت فيها تهديداً للدولة القومية. وصُنّف اثنان منها معاديان للسامية، وكلاهما مرتبط بجماعات قومية متطرفة. أما أحد التيارات اليسارية، الذي أُدرج تحت اسم “الناصرية” (Nasserismo)، فوُصف بأنه “شديد العداء للصهيونية” violentamente antisionista. وعرّفت الوثيقة الناصرية بأنها “نزعة نحو الديمقراطية الشعبية على غرار نظام ناصر في الجمهورية العربية المتحدة، ترتبط بالقومية العربية الوحدوية”. كما سمّت حسين تريكي بوصفه أحد الممولين المعروفين لحركة تاكوارا وجماعة “أوتورونكوس” (Uturuncos)، وهي مجموعة مسلحة مرتبطة بالبيرونية، ظهرت في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1955 (46)
وخلال المرحلة التي نشط فيها تريكي في أميركا الجنوبية، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعمل على توثيق صلاتها بعدد من حركات العمل السري المسلح، سعياً إلى تعزيز صورتها الثورية. وشملت هذه الحركات “ديف-غينج” (Dev-Genç) في تركيا (47) والجبهة الوطنية الإيرانية والجيش الأحمر الياباني، والفهود السود، والجبهة الوطنية لتحرير إريتريا، والجيش الجمهوري الإيرلندي، وتنظيم اليسار المغربي السري، وحركة “فرولينا” Frolinat في تشاد، وحركة التوباماروس في أوروغوايUruguayan Tupamaros، فضلاً عن الحزب الوطني الديمقراطي NPD (النازي الجديد) في ألمانيا الغربية، وجماعات فاشية جديدة في إيطاليا (48). وبحلول عام 1972، قطعت كوبا علاقاتها بإسرائيل، وسلّمت سفارتها في هافانا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وأخذت تدعم عرفات علناً في المحافل العامة، كما دعت مقاتلين من المنظمة إلى الجزيرة لتدريبهم على أساليب العمل الثوري (49). ومع اتساع التأييد لمنظمة التحرير الفلسطينية في أوساط اليسار الأكثر راديكالية في أميركا اللاتينية، أخذت الجماعات الأكثر اعتدالاً والمناهضة للعسكرة تنظر بقدر متزايد من الشك إلى الصلات بين التضامن مع فلسطين من جهة، والعنف ومعاداة السامية من جهة أخرى.
كانت حركة تاكوارا، ذات الصلات الوثيقة بالشبيبة البيرونية (Juventud Peronista)، تتبنى توجهات إيديولوجية ماركسية وناصرية، وكثيراً ما اتهمتها الصحافة الشعبية بمناصرة معاداة السامية بشدة. وكان جو باكستر، الأمين العام للحركة، من دعاة القومية العربية الوحدوية والمعادين للصهيونية، هدفاً متكرراً للمنظمات الصهيونية واليمينية الساعية إلى تشويه صورة اليسار والنيل منه. وعلى الرغم من تأكيد باكستر علناً أنه معادٍ للصهيونية وليس معادياً للسامية، فقد حمّلته الشرطة الاتحادية مراراً مسؤولية أعمال العنف المعادية للسامية، رغم غياب الأدلة التي تدينه، أو اختفاء تلك الأدلة (50).
وفي نهاية المطاف، أسهم باكستر، مع ماريو سانتوتشو، في تأسيس “الجيش الثوري الشعبي” (Ejército Revolucionario Popular – ERP)، بعدما أمضى عامين في الصين وفيتنام، بين 1965 و1966، مقاتلاً إلى جانب جبهة التحرير الوطني، ثم عاد إلى الأرجنتين حاملاً أوسمة تقديرية من الفيتكونغ. وكان قد التقى سانتوتشو في باريس، خلال المؤتمر الرابع للأممية التروتسكية IV Trotskyist Internationalوبحلول عام 1970، كان الاثنان يقودان أحد أكثر التنظيمات اليسارية المسلحة نشاطاً في الأرجنتين، وهو الجيش الثوري الشعبي– حزب العمال الثوري (ERP-PRT) وفي عام 1972، ساعد باكستر في اختطاف المدير العام لشركة السيارات الإيطالية “فيات”، أوبرْدان سالوسترو. لكنه غادر الأرجنتين سراً إلى تشيلي عام 1973، بعدما ساورته الشكوك إزاء عفو هيكتور كامبورا عن عناصر الجيش الثوري الشعبي وعودة البيرونية (51).
وأثارت شخصيات مثل باكستر تردداً لدى كثيرين في أوساط اليسار إزاء تأييد منظمة التحرير الفلسطينية، خشية أن يكون هذا التضامن انعكاساً لنزعة معادية للصهيونية تنطوي على معاداة السامية.
شبكات التضامن وفكر العالم الثالث
شهد العام 1973 مزيداً من التصدع والانقسامات بين اليسار التقليدي واليسار الراديكالي في الأرجنتين. فقد رأت بعض الأحزاب أن لا موقف ثالث بين المضطهِدين وحركات الكفاح المسلح، فيما سعت أحزاب أخرى إلى إيجاد موقف وسط (52). ومن خارج الأرجنتين، بدت رغبة الثوار الكوبيين في إقامة محور مناهض للإمبريالية يضم بلدان “التريكونت”(53) (Tricont) تدبيراً منطقياً لمقاومة تصاعد عنف الدولة والهجمات التي شنّتها قوى مدعومة من الولايات المتحدة على اليسار الأرجنتيني. ونتيجة لذلك، سعت جماعات عدة إلى الاستفادة من شبكات التضامن العابرة للأقاليم، والعمل على إنشائها، مستلهمةً النموذج الثوري الكوبي، وجاعلةً كاسترو محوراً لها. وكانت كوبا قد أعلنت، منذ العام 1964، استعدادها للتضامن مع حركة فتح إذا خاضت كفاحاً مسلحاً مستقلاً عن سلطات الدول العربية (54). وبدأت التقارير عن تدريب مقاتلين من منظمة التحرير الفلسطينية في كوبا تتداول منذ العام 1969 (55) ثم تواترت بعد ذلك بوقت قصير أنباء عن تدريب مقاتلين من أميركا اللاتينية في قواعد المنظمة بالأردن ولبنان وغزة.
وفي مختلف أوساط اليسار، سعى الناشطون بنشاط إلى إقامة اتصالات مباشرة وروابط مع منظمة التحرير الفلسطينية. ففي عام 1973، سافر المخرج السينمائي السياسي اليساري خورخي جيانوني، العضو في الجيش الثوري الشعبي (ERP)، إلى الجزائر لتمثيل الأرجنتين في حركة السينما الثالثة، بعدما أخرج وأنتج فيلماً روائياً طويلاً بعنوان فلسطين، فيتنام أخرى Palestina, otro Vietnam 1971))، قدّم فيه قضية منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها جزءً من معركة أوسع يخوضها العالم الثالث ضد الاستعمار. وعاد جيانوني إلى بوينس آيرس وأسّس في جامعتها مركزاً لدراسة العالم الثالث والشرق الأوسط، قيل إنه أسهم في نشر المعلومات المتعلقة بالقضية وتداولها بين أطراف متعددة، أكاديمية وغيرها. وفي عام 1977، وجّه ياسر عرفات تحية إلى “المقاومة الشعبية الأرجنتينية، بقيادة حركة مونتونيروس البيرونية Movimiento Peronista Montonero، في نضالها من أجل تحقيق برنامجها للسلام والتحرر”(56). وفي تلك المرحلة تقريباً، التقى ماريو فيرمينيتش وفاكا نارفاخا، وهما من أبرز قادة حركة مونتونيروس، ياسر عرفات، وحصلا على وعد من حركة فتح بتقديم الدعم لهما، مقابل إعلانهما تأييدهما الصريح لحق تقرير المصير (57).
نسجت منظمة التحرير الفلسطينية، طوال هذه المرحلة، شبكات اتصال وتضامن محكمة مع حلفاء محتملين في أنحاء أميركا اللاتينية. وسيراً على خطى كوبا، كان من أوائل القرارات التي اتخذها الساندينيون، بعد وصولهم إلى السلطة في نيكاراغوا، قطع العلاقات مع إسرائيل وتسليم السفارة إلى عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان ما لا يقل عن مئتي مقاتل سانديني قد تلقوا تدريبهم في معسكرات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الأردن ولبنان. كما شجّع كاسترو إقامة علاقات بين الطرفين، ومرّر أموالاً إلى جبهة التحرير الوطنية الساندينية (Frente Sandinista de Liberación Nacional – FSLN) عبر منظمة التحرير الفلسطينية، منذ أواخر ستينيات القرن العشرين على أقل تقدير (58). وقدّمت منظمة التحرير الفلسطينية دعماً نشطاً لحركات حرب العصابات المناهضة للحكومات في الأرجنتين وأوروغواي وبيرو، رغم أن حكومات هذه البلدان كانت تؤيد المنظمة رسمياً في المحافل العامة، كالأمم المتحدة ومؤتمر العالم الثالث (59).
وخلال هذه المرحلة التي شهدت نشاطاً مكثفاً في بناء الشبكات، أصدرت حركة مونتونيروس دورية بعنوان إلـ ديسكاميسادو (El Descamisado)، وثّقت فيها نضال الحركة ضد النظام العسكري، ثم مشاركتها في المرحلة الثالثة من رئاسة بيرون. واشتمل معظم أعدادها على أبواب مطوّلة عن مناهضة الإمبريالية، خُصّصت فيها مواد لحرب فيتنام وفلسطين ونضالات المنطقة، مثل الحرب في بوليفيا أو تجربة الاشتراكية في ظل حكم أليندي في تشيلي. ومن أبرز ما تفرّدت به المجلة رواية مصوّرة متسلسلة كتبها هيكتور خيرمان أوسترويلد، ورسمها ليوبولدو دورانـيونا، حملت عنوان “أميركا اللاتينية والإمبريالية” (Latinoamérica y el imperialismo) قدّمت صورة أخرى لصراع اليسار الأرجنتيني مع إرثه المتمثل في التواطؤ مع المشاريع الإمبريالية، لكن هذه المرة من منظور بيروني.
وكان أوسترويلد، بعد أن اكتسب حضوراً بين أوساط اليسار من خلال شريط مصوّر سابق، الخيار الطبيعي للمجلة البيرونية الجديدة إل ديسكاميسادو (60). وخاض مشروعاً طموحاً لفهم الإمبريالية على نحو أكثر تعقيداً، متتبعاً مسارها من الغزو الإسباني إلى نضالات الفئات المهمّشة في الأرجنتين الحديثة. وأعاد النظر في التاريخ الوطني الأرجنتيني، متناولاً شخصيات مثل روساس بوصفها منخرطة بعمق في طموحات إمبريالية. وخصّص أوسترويلد عدداً لكل واحد من موضوعات التاريخ الأرجنتيني التالية: “الزنجي” و “الحدود” و “المجندات” (Soldaderas)، متناولاً في كل منها، على التوالي، استعمار الدولة الأرجنتينية للأرجنتينيين من أصول أفريقية، وللسكان الأصليين، وللنساء. وانضم أوسترهيلد إلى صفوف مونتونيروس عام 1973، برفقة بناته الثلاث، واضطر الأربعة إلى العمل السري بعد تولّي إيزابيل بيرون الرئاسة في العام التالي. وفي عام 1978، اختُطف أوسترويلد وبناته الثلاث، ثم قُتلوا جميعاً؛ وكانت اثنتان من بناته حاملاً وقت اختطافهما (61). وقد دفعت أسرة أوسترويلد الثمن الأقصى لأنها اتهمت الدولة الأرجنتينية بطموحات إمبريالية.
شائعات السياسة الخارجية من عهد إدارة بيرون الثالثة إلى الحكم العسكري
في العام 1972، كانت الكويت المورد الرئيس للنفط إلى الأرجنتين. وبعد مفاوضات دقيقة مع القيادة العسكرية الأرجنتينية، أصبحت السعودية، بحلول عام 1973، تؤمّن نصف احتياجات البلاد النفطية. وعندما تولّى بيرون الرئاسة للمرة الثالثة، أعاد ترتيب سوق النفط الأرجنتينية، إذ رأى أن الكويت والسعودية ترتبطان بمصالح الولايات المتحدة ارتباطاً وثيقاً.
وبحلول العام 1974، كان قد وقّع اتفاقات تجعل ليبيا المورد الرئيس للنفط إلى الأرجنتين. وأفضت الضغوط المصرية على الأرجنتين إلى إعلان بيرون، على مضض، تأييده لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي المقابل، كوفئت الأرجنتين على دعمها قرار الأمم المتحدة 242 بزيادة الاستثمارات الأجنبية القادمة من بلدان جامعة الدول العربية، إذ ارتفعت قيمتها السنوية من 24 مليون دولار إلى 215 مليون دولار بحلول العام 1975 وترددت في العام 1974 شائعات عن حصول الأرجنتين على قرض بقيمة 2.3 مليار دولار من مصادر عربية، عبر حساب مصرفي في سويسرا. لكن العلاقات ساءت في عهد إيزابيل، بعدما امتنعت الأرجنتين عن إدانة إسرائيل بوصفها دولة عنصرية خلال اجتماع حركة عدم الانحياز في ليما عام 1975، ثم أقدمت على شراء صاروخ إسرائيلي مضاد للسفن (62).
وترددت أيضاً شائعات عن أن خوسيه لوبيز ريغا، وزير الرعاية الاجتماعية الأرجنتيني والمؤسس السري للتحالف الأرجنتيني المناهض للشيوعية، وهو تنظيم شبه عسكري، تولّى بنفسه إدارة العلاقة مع معمر القذافي، ووقّع ثلاث اتفاقات كانت المفاوضات بشأنها قد بدأت في عهد بيرون. نصّ الأول منها على تبادل المنتجات الزراعية والصناعية مقابل ثلاثة ملايين طن من النفط بسعر ثابت، وتضمّن تعهداً أرجنتينياً بتقديم مساعدات زراعية إلى ليبيا، وبناء مصفاة للنفط ومصنع لتعبئة الغاز فيها. أما الاتفاق الثاني، فنصّ على استقدام علماء ليبيين إلى الأرجنتين لتدريبهم على التنقيب عن اليورانيوم وإنتاج المواد النووية. وأخيراً، تعهّد الطرفان، بموجب اتفاق ثقافي، بأن تتولى الأرجنتين توزيع نشرات وكالة الأنباء العربية الثورية في أميركا اللاتينية، فيما تتولى ليبيا توزيع نشرات وكالة الأنباء الوطنية الأرجنتينية “تيلام” (Télam)، في أنحاء الشرق الأوسط (63). ولا يُعرف ما إذا كان قد نُفّذ أي من هذه البنود بعد فرض الحكم العسكري عام 1976
وفي جميع الأحوال، لم يتخذ النظام العسكري موقفاً ملتبساً في المشهد السياسي والاقتصادي للحرب الباردة.
أصبحت قضية الفلسطينيين، خلال السنوات الممتدة من عام 1976 إلى “الانتقال إلى الديمقراطية” عام 1983، شأناً يرتبط أكثر بحسابات الاستراتيجية الكبرى. وكما أوضح ديفيد شاينين في دراسة أخرى، وضعت حرب المالوين Malvinas الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في بؤرة الاهتمام داخل دوائر السياسة الخارجية الأرجنتينية، بوصفه ساحة من ساحات المواجهة في الحرب الباردة، وميداناً لاختبار قدرات “القوى العظمى”(64)
وفي هذه المرحلة الجديدة، أخذت التحالفات “القديمة” مع فلسطين، التي تمحورت حول عرفات وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، تتوارى تدريجياً. كما تراجع في الوقت عينه، اهتمام بيرون باستمالة الدول العربية، والخوف من النفوذ السوفياتي في المنطقة، والشكوك المحيطة بتدفق عائدات النفط إلى الاقتصاد الأرجنتيني. وشهدت السنوات الأخيرة من الحرب الباردة تصاعد التجارب النيوليبرالية في ظل حكومات مدنية، وواصلت هذه الحكومات سياسات الأنظمة العسكرية رغم عودة الديمقراطية. وإلى جانب ذلك، رأت قطاعات واسعة في الإخفاقات الاقتصادية للاتحاد السوفياتي دليلاً حاسماً على هزيمة اليسار العالمي.
وفي السادس من تموز 1984، وقّعت مجموعة من المنظمات في أميركا الجنوبية والوسطى ومنطقة الكاريبي إعلاناً في ساو باولو، دعت فيه إلى “حشد الجهود لتحرير فلسطين، عبر تنظيم تجمعات أبناء الشتات في أميركا اللاتينية”(65) وبعد عام واحد فقط، شرع معهد دراسات فلسطين، ذو النفوذ الواسع، في إصدار ترجمة إسبانية لمجلته، بهيئة تحرير من أميركا اللاتينية، ومقرّها بوينس آيرس.
ويبدو أن هذين الحدثين مرّا من دون أن يلفتا اهتماماً يُذكر لدى النظام الديمقراطي الانتقالي برئاسة راؤول ألفونسين، الذي انصرف اهتمامه إلى ترسيخ شرعية عودة الأرجنتين إلى الحكم المدني، وضمان حماية حقوق الإنسان.
صياغة سياسة رمزية في خضم الأزمة المالية
في العام 1985، أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية، بعيداً عن الأضواء، مكتباً في مدينة روزاريو، ثم افتتحت فيها نادياً اجتماعياً. وبدأت بحلول العام 1989 التخطيط لإقامة سفارة لفلسطين في وسط بوينس آيرس، وتمكنت أخيراً عام 1996 من الحصول على مبنى من الدولة الأرجنتينية لمزاولة أنشطتها فيه. كما تأسس في الاثناء كل من اتحاد المؤسسات الأرجنتينية الفلسطينية (Federación de Entidades Argentino Palestinas – Federpal)، والجمعية الأرجنتينية للتضامن مع فلسطين (Asociación Argentina de Solidaridad con Palestina – Aarsopal)، وشرعا يحظيان بمزيد من الدعم والاعتراف من جانب القيادات السياسية في مختلف تيارات اليسار.
وعادت فلسطين عام 1987 إلى صدارة الاهتمام العالمي بوصفها قضية تحظى بتأييد واسع، مع اندلاع الانتفاضة. ومنذ ذلك الحين، غدت فلسطين رمزاً عالمياً للمقاومة في مواجهة “النظام العالمي الجديد” الآخذ في التشكل. ومع مطلع التسعينيات، أصبحت المظاهرات المناهضة لإسرائيل مألوفة في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، وكثيراً ما ارتبطت بالحركات الاجتماعية الجديدة والأحزاب السياسية اليسارية. أما في الأرجنتين، فقد أُدرج هذا النضال، رغم امتداده العالمي، ضمن إطار أكثر تعقيداً من الدلالات والمعاني.
لكن موجة الاهتمام بالصراع أخذت تخبو في النصف الثاني من التسعينيات، بعدما جعلت الهجمات التي استهدفت السفارة الإسرائيلية ومركزاً للجالية اليهودية في بوينس آيرس الصراع يبدو فجأةً أمراً وافداً من الخارج ومصدراً للتهديد (66). ولم يعد اليساريون الأرجنتينيون إلى تبنّي القضية الفلسطينية إلا بعد إخفاق محاكمات عدة للمتهمين بتنفيذ تلك الهجمات، لكنهم تناولوها هذه المرة بوصفها قضية ضحايا النيوليبرالية، لا قضية ضحايا الحرب الباردة. وفي الأول من تموز 2001، اجتمع أكثر من خمسمئة شخص في اللقاء العام للناشطين في القطب الاجتماعي بالعاصمة ومقاطعة بوينس آيرس (Plenario de Militantes del Polo Social de la Capital y la Provincia de Buenos Aires)، لمناقشة إقامة “القطب الاجتماعي” بوصفه تحالفاً سياسياً يخوض الانتخابات المقبلة. وقد شارك في الاجتماع ناشطون يمثلون حركة المتقاعدين، ومطابخ الطعام الجماعية، والمجموعات الطلابية الجامعية، والمراكز الثقافية، ولجان الأحياء، وجماعات حقوق الإنسان، وعدداً من الجمعيات المدنية. وحضر أيضاً ممثلون عن “بيت الذاكرة” (Casa de la Memoria)، واتحاد عمال الدولة، واتحاد الأرض والسكن، إلى جانب ممثلين عن الحزب الشيوعي الرسمي (PC-CE)، والحزب البيروني من أجل التحرير، ومجموعة المعونة الخاصة (GES)
وتمحورت الخيوط المشتركة في خطابات أعضاء هذه الجماعات حول مهاجمة النيوليبرالية، ورفض المنعمية (Menemismo) (67)، والدعوة إلى العودة إلى مبادئ الغيفارية. وقد مهّد هذا التجمع لقيام ائتلاف فضفاض، أخذ أعضاؤه ينزلون إلى الشوارع بعد بضعة أشهر، حين كشفت التدابير التي اتخذتها الدولة الأرجنتينية لإحكام قبضتها على النظام المالي، والمعروفة باسم “كورّاليتو” (corralito)، عن انهيار مالي كانت الأسر محدودة الدخل والطبقتان العاملة والوسطى أشد المتضررين منه. ودعا هذا الائتلاف إلى تجديد الالتزام بالتضامن، وإقامة تحالفات بين الشعوب المضطهدة في بلدان الجنوب العالمي. وأدرجت إحدى المنظمات المشاركة، وهي “باتريا ليبري” (Patria Libre)، النضال الفلسطيني ضد الاستعمار، إلى جانب مقاومة الإمبريالية الأميركية في العراق وأفغانستان وكولومبيا، ضمن مرحلة جديدة من التواطؤ بين النيوليبرالية والعدوان الأميركي (68).
كانت إحدى المطبوعات التي أطلقتها في حزيران من العام السابق حركة “الحركة نحو الاشتراكية” (Movimiento al Socialismo – MAS)، وهي المنظمة التي أسسها ناهويل مورينو عشية الانتقال إلى الديمقراطية، قد بدأت توظّف في منشوراتها صوراً توحي بوحدة قضيتها مع شعوب فلسطين. فحمل غلاف العدد الأول من مجلة الاشتراكية أم البربرية (Socialismo o barbarie) صورة شاب يغطي وجهه ورأسه، ويرشق الشرطة بالحجارة في مواجهة تجري في أحد الشوارع. وهي صور تكاد تطابق الصور التي تصدرت وسائل الإعلام الدولية في الانتفاضة )1987-1991).
وخُصّص العدد لاستراتيجيات المقاومة المالية لصندوق النقد الدولي، مع إبراز صلات الأرجنتين ببلدان العالم الثالث الأخرى في مواجهة رأس المال العالمي، والتركيز على المشاركة في المحافل العابرة للحدود، مثل اجتماع سياتل (69). وفي وقت لاحق من العام، خصصت المجلة تسع صفحات لمسألة فلسطين، تحت عنوان “الغضب العادل لشعب مغبون”، سعى كاتب المقال فيها إلى دحض صورة الفلسطيني بوصفه إرهابياً متعصباً، وانتقاد إخفاقات عملية السلام واتفاقات أوسلو.
وفي معرض تناوله للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وصف المقال الفلسطينيين بأنهم “السكان الأصليون” للمنطقة، وزعم أن المستوطنين الإسرائيليين، “حتى المدنيين منهم، يحق لهم حمل السلاح (…)، ورياضتهم المفضلة ليست كرة القدم، وإنما التدريب على إصابة الأهداف، مستخدمين الفلسطينيين أهدافاً للرماية”(70). واشتمل المقال على تسلسل زمني موجز للاستعمار، يبدأ بوعد بلفور عام 1917 وينتهي بحرب عام 1967 العربية الإسرائيلية. ووصف المرحلة الممتدة بين عامي 1947 و1949 بأنها “تطهير عرقي”(71). وألقى كتّاب المجلة بعض المسؤولية عن العقبات التي واجهها الشعب الفلسطيني على انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي أعقبه إفلاس روحي، بعد إفلاسه الفعلي (72).
وأكد المقال أن منظمة التحرير الفلسطينية تقدّم لليسار العالمي نموذجاً لدولة علمانية وديمقراطية وغير عنصرية، وأن على اليسار الأرجنتيني، لهذا السبب، اعتماد علم المنظمة رمزاً له (73). وفي نيسان 2002، قادت حركة “الحركة نحو الاشتراكية” مظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية، مرددةً هتاف “الفلسطينيون والأرجنتينيون: العدو واحد، والنضال واحد” Palestinos y argentinos los mismos enemigos, la misma lucha.
وبالتوازي مع “الحركة نحو الاشتراكية” (MAS)، خصّصت “الحركة الاشتراكية للعمال” (Movimiento Socialista de los Trabajadores – MST)، المتحالفة مع “اليسار المتحد” (Izquierda Unida)، نداءً للتضامن مع فلسطين في عدد مجلتها البديل الاشتراكي (Alternativa socialista) الصادر في 10 نيسان 2002 ووصف العدد إسرائيل بأنها “دولة إبادة جماعية” (un estado genocida)، واستعرض أحداثاً من عام 1948 إلى عام 1967، استند إليها في تدعيم اتهامه لإسرائيل ودول أوروبا الغربية بتبني مشاريع إمبريالية. وفي هذا العدد وأعداد أخرى، عقد الكتّاب مقارنات بين الأساليب التي تستخدمها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وتلك التي استخدمتها ألمانيا النازية (74).
كما هاجمت المجلة إسرائيل بسبب دعمها ديكتاتوريات أميركا اللاتينية في عهود سوموزا وبينوشيه وفيديلا، وبسبب علاقاتها الودية بجنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري (75)
وبجوار مقال عن المظاهرات التي شهدتها الرباط، تناولت مجلة اليسار المتحد مظاهرتها التي نظمتها في الخامس من نيسان 2002، مشيرةً إلى أن الجالية العربية الأرجنتينية كانت قد تظاهرت في المكان نفسه في اليوم السابق، ومتسائلةً عن سبب عدم خروج المجموعتين في مظاهرة مشتركة، ما دامت قضيتهما واحدة. ودعت مجلة الاشتراكية أم البربرية إلى مظاهرة أخرى في الخامس عشر من الشهر نفسه، تقودها «لجنة الأحياء المشتركة»، للمطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وفي بيان مطوّل، أدرج البرنامج السياسي لـ«اليسار المتحد» ضمن مطالبه الموجّهة إلى إسرائيل: إقامة دولة فلسطينية جديدة، وضمان حق عودة المهجّرين، وإعادة الممتلكات المصادرة، وإقامة ديمقراطية علمانية، ووضع حد للعنصرية (76)
أما “حركة كيبراشو الوطنية الثورية” (Movimiento Patriótico Revolucionario Quebracho)، ذات الصلات الوثيقة بهوغو تشافيز في فنزويلا، فمن المرجح أنها كانت أول جماعة تبدأ بارتداء الكوفية في المظاهرات العامة. وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين، شرعت الحركة في إصدار مجلة خاصة بها، بعنوان كيبراشو (Quebracho)، وأعلنت فيها تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم لحزب الله أيضاً. وفي العام 2001، ناهضت المجلة جميع أشكال الإمبريالية في الشرق الأوسط، ووصفت الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما “دولتان عنصريتان”، ونددت باستعمارهما للعالم العربي وبالعنف الذي تمارسانه ضده. وفي نداءٍ إلى التحرّك، حثّت أنصارها على الانضمام إلى “لجنة الدفاع ضد العدوان على الشعوب العربية” (Comité de Defensa Contra la Agresión a los Pueblos Árabes – CDCAPA)، وهي منظمة مستقلة عن أيّ ارتباط سياسي أو اجتماعي أو ديني رسمي.
واجتمعت هذه المنظمة في أيلول2001 بمدينة لابلاتا، بحضور شخصيات بارزة من الجالية العربية الأرجنتينية، من بينها السفير الفلسطيني سهيل هاني ظاهر عاقل، وهوراسيو منير حداد، ممثل اتحاد المؤسسات العربية الأميركية (American-Arab Entidades)، وخوان غابرييل لبكي، أمين سر الاتحاد العربي في بوينس آيرس (77). وكثيراً ما ظهرت في صور مجلة كيبراشو رجال يرتدون الكوفية ويرشقون الحجارة أو يستخدمون المقاليع في المظاهرات التي تشهدها الشوارع، في إحالة واضحة إلى المقاومة الشعبية التي غدت سمة مميزة للنضال الفلسطيني. وبحلول عام 2003، كانت الكوفية أكثر ما يرتديه المتظاهرون المنتمون إلى هذه الجماعات الثلاث.
وفي عام 2006، أدان قادة الجالية اليهودية، ممثلو مؤسستي DAIA وAMIA، ووزير الخارجية الإسرائيلي حركة كيبراشو، ووصفوا المنظمة بأنها تهديد للديمقراطية الأرجنتينية. ومنذ ذلك الحين، أخذت الحركة تزداد ابتعاداً عن سائر فصائل اليسار، بسبب تطرفها ودعوتها إلى إلغاء الملكية الخاصة (78)
وفي أوساط أقرب إلى التيار الوسطي في اليسار، تبنّت النشرة الطلابية لجامعة بوينس آيرس إن كلافي روخو (En clave rojo)، في أيلول 2001، قضية القومية الفلسطينية. وكان كتّابها، المتحالفون مع عمال المصانع المحتلة، والداعون إلى وحدة الحركة العمالية والحركة الطلابية، يرون أن الصراع في الشرق الأوسط يوفّر للبرجوازية الإمبريالية في الولايات المتحدة ذريعة لزيادة الإنفاق العسكري، ونشر دعاية مكافحة الإرهاب، بما يتيح لها قمع الطبقات العاملة داخل البلاد مباشرةً.
وربط كتّاب الافتتاحية المجهولون بين الحروب الدائرة في العراق وأفغانستان، والتحركات السياسية التي يقودها عرفات، وانتفاضة في باكستان. ورأوا أن الحرب على الإرهاب الدولي، التي اتخذتها السياسة الخارجية لبوش شعاراً محورياً، تفصل الجماهير في البلدان “شبه المستعمرة” عن نضال العمال في الدول الإمبريالية، على نحو زائف (79).
ولعل واحدة من أبرز الإشارات الرمزية التي قدّمها اليسار الأرجنتيني تأييداً للقضية الفلسطينية جاءت في تشرين الثاني 2004، حين ألقى هومبرتو توميني، الأمين العام لمنظمة “باتريا ليبري”، خطاباً انتخابياً من منصة غطّتها الكوفية. وكانت المنظمة قد تأسست عام 1987 في قرطبة، وحظيت بتأييد واسع في أوساط العمال (80). وكان توميني مقاتلاً سابقاً في الجيش الثوري الشعبي (ERP)، وناقداً عنيداً للنيوليبرالية. وقد استغل تدهور الحالة الصحية لعرفات كي يتخذ من الكوفية الفلسطينية رمزاً للنضال ضد “الفاشية والنيوليبرالية والتقدمية المعتدلة”، وهي نزعات نسبها إلى شخصيات من أمثال نيستور كيرشنر، رئيس الأرجنتين آنذاك، وإليسا كاريو، إحدى منافساته الدائمات في بناء التحالفات السياسية.
ودعا توميني حركة “باريوس دي بي” (Movimiento Barrios de Pie)، وحركة “التعليم الشعبي” (Movimiento de Educación Popular)، وشبكة “النساء المتضامنات” (Red de Mujeres Solidarias)، ومنظمة “فينسيريموس” (Venceremos)، وسائر حلفائه، إلى مقاومة الانزلاق إلى معسكرات سياسية متناحرة، والالتزام بالخط الإيديولوجي لتشي غيفارا وإيفيتا والجنرال سان مارتين، في النضال ضد الظلم وحشد القوى من أجل التغيير (81). وقبل ذلك ببضعة أشهر، نشرت لا فيرداد أوبريرا (La Verdad Obrera)، لسان حال حزب العمال الاشتراكيين، نقداً لاذعاً لزيارة أرييل شارون إلى الأرجنتين، يبدو أن توميني استعار منه بعض النقاط التي أوردها في خطابه (82)
وبالنسبة إلى توميني، كانت فلسطين صلة رمزية بالنضال المناهض للإمبريالية، يتردد صداها بين الأحزاب اليسارية والحركات الاجتماعية، وعبر الأجيال أيضاً.
الخاتمة
تكشف استمرارية توظيف اليسار الأرجنتيني “مسألة فلسطين” عن روابط جغرافية وتاريخية غير متوقعة بين الحرب الباردة والنظام النيوليبرالي. فقد كانت فلسطين، بوصفها دالّة رمزية، موضع خلاف أحياناً، لكنها غدت في معظم الأحيان رمزاً مشتركاً بين اليساريين الأرجنتينيين، استعانوا به لتحديد مواقعهم داخل المشهد الوطني وفي مواجهة واقع العلاقات الدولية.
وشغلت القضية الفلسطينية حيزاً رمزياً مهماً في الربط بين مطالب تاريخية متباينة لليسار السياسي ومناهضة الإمبريالية، وفي تبديد ما قد ينطوي عليه الموقف المحلي من تواطؤ مع حرمان الفئات المهمّشة والفقيرة من حقوق المواطنة الكاملة. وكثيراً ما كانت الصور والأنساق السردية التي صيغت لحشد التضامن تعبيراً عن تأملات نقدية في الواقع السياسي الأرجنتيني، وعن تحوّل أولويات اليسار. ورغم الخطاب الذي قدّم الدعوة إلى التحرك بوصفها تعبيراً عن التضامن مع القضية الفلسطينية، فقد طغت عليها في أحيان كثيرة انشغالات مستمرة بعلاقة الأرجنتين نفسها بالاستعمار والإمبريالية، وبدرجة أقل قليلاً، بمخاطر النزعات القومية الإقصائية التي تحرم قطاعات واسعة من المواطنة ذات المعنى الفعلي. وهكذا أصبح الصراع بين القوميين الفلسطينيين وإسرائيل مرآةً لليسار، رأى فيها انعكاساً لنضاله الخاص، وأملاً في تجاوز التشرذم العميق الذي عانت منه أحزابه المحلية.
وكثيراً ما وفّرت حملات التضامن لليسار مورداً سياسياً يستمد منه الأمل، ولا سيما في مواجهة عدو عنيد وقوي، كالإمبريالية أو رأس المال العالمي.
يضيف تضامن الأرجنتينيين مع منظمة التحرير الفلسطينية بُعداً إلى فهم أكثر دقة للتضامن بين بلدان الجنوب، بوصفه مورداً من هذا القبيل وأداةً للمقاومة الثقافية الواسعة للإمبريالية والنيوليبرالية. ففي 31 أيار 2010، قاد اليسار الأرجنتيني التقليدي، ممثلاً بالحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي، حملة التأييد للأسطول التركي المتجه إلى غزة، في مواجهته مع القوات المسلحة الإسرائيلية، أملاً واضحاً في كسب تأييد الحركات الاجتماعية والائتلافات الكثيرة المتنافسة التي أخذت تتجمع حول اليسار الجديد الناشئ في الأرجنتين. وبوصفه رمزاً وحكايةً جرى تعميمهما للمقاومة المهمّشة في وجه الإمبريالية الجديدة، أتاح هذا الرمز إطاراً مفيداً لطرح رؤى متنافسة بشأن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه اليسار في الأرجنتين.
……….
العنوان الأصلي: The Question of Palestine in the Argentine Political Imaginary: Anti-Imperialist Thought from Cold War to Neoliberal Order
المصدر: Journal of Iberian and Latin American Research, 20:2, 183-197,
DOI: 10.1080/13260219.2014.939125
…….
ملاحظات
- Ted Swedenberg, ‘Bad Rep for a Neck Scarf?’, International Journal of Middle East Studies, 49:1, 2009, pp. 184–5.
- تودّ المؤلفة أن تتوجه بالشكر إلى أعضاء الجلسة والمشاركين من الحضور في اجتماع مجلس جبال روكي لدراسات أميركا اللاتينية، الذي عُقد في مدينة سولت ليك بولاية يوتا في آذار 2012، على ملاحظاتهم بشأن مسودة أولية لهذا البحث. كما تشكر رعنان راين، وكريستين هاتسكي، وستيفن هايلاند، ويانا ليبمان، وآشلي بلاك، وبيثاني ويد، والمحكّمين الخارجيين المجهولين، على مقترحاتهم القيّمة. وما كان لهذه المقالة أن ترى النور لولا الدعم الذي حصلت عليه المؤلفة من منحة مؤسسية للبحوث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي ممتنة لها بالغ الامتنان.
- النقابية الأناركية: تيار نقابي ارتبط بالحركة الأناركية، وانتشر في الأرجنتين منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما بين العمال المهاجرين. دعا أنصاره إلى تنظيم العمال في نقابات مستقلة، وإدارة شؤونهم بأنفسهم، واعتماد التضامن والإضراب والعمل المباشر وسائلَ لمقاومة الرأسمالية وسلطة الدولة. وكان من أبرز التنظيمات التي تبنّت هذا التوجه الاتحاد العمالي الإقليمي الأرجنتيني(Federación Obrera Regional Argentina – FORA)، الذي تأسس عام 1901، وأدى دوراً بارزاً في تاريخ الحركة العمالية الأرجنتينية. أما مصطلح “أناركية” (Anarchism)، فهو تعريب للمصطلح الأجنبي، ويشير إلى تيار فكري وسياسي يدعو إلى مجتمع قائم على الحرية والتنظيم الطوعي والتعاون بين الأفراد والجماعات، ويرفض أشكال السلطة القسرية والتدرج الهرمي المفروض، وفي مقدمتها سلطة الدولة. وقد آثرنا تعريب المصطلح بدلاً من ترجمته إلى “الفوضوية”، لأن هذه الكلمة تحمل في الاستعمال العربي دلالات سلبية توحي بالاضطراب وانعدام النظام، وهي دلالات لا تعبّر عن المقصود الفكري والسياسي للأناركية. فالأناركية، في تصور أنصارها، لا تدعو إلى الفوضى بمعنى غياب التنظيم، وإنما إلى نمط آخر من التنظيم الاجتماعي، يقوم على الاستقلال الذاتي والاتفاق الحر والتعاون، من دون إخضاع الأفراد لسلطة قسرية مركزية. المترجم
- Jorge Na´llim, ‘Del antifascismo al antiperonismo: Argentina Libre, Antinazi y el surgimiento del antiperonismo polı´tico e intelectual’, in Marcela Garcı´a Sebastiani (ed.), Fascismo y antifascismo: peronismo y antiperonismo, conflictos polı´ticos e ideolo´gicos en la Argentina (1930–1955), Madrid, Iberoamericana Vervuert, 2006; Mariano Plotkin and Ricardo Gonza´lez Leandri (eds), Localismo y globalizacio´n: apuntes para una historia de los intelectuales en Iberoame´rica, Madrid, Consejo Superior de Investigaciones Cientı´ficas, Instituto de Historia, 2000.
- Leela Ghandi, Affective Communities: Anti-colonial Thought, Fin-de-Sie`cle Radicalism, and the Politics of Friendship, Durham, Duke UP, 2006; Tomas Olesen, International Zapatismo: The Construction of Solidarity in the Age of Globalization, London, Zed Books, 2005; Saskia Sassen, Territory, Authority, Rights, Princeton, Princeton UP, 2006; Sally J. Scholz, Political Solidarity, University Park, Pennsylvania State UP, 2008.
- تستخدم آنا باتريشيا رودريغيز هذا المفهوم في كتابها Dividing the Isthmus, Austin, University of Texas Press, 2009, p 11. [ تقابل المؤلفة بين فهوم التنقيب عن المتخيل وتقصّي الحقائق، في إحالة إلى منظور تاريخي ثقافي يهتم بالكشف عن الصور والتصورات والسرديات التي ينتجها الفاعلون السياسيون عن القضايا والأحداث، وبالمعاني التي يسبغونها عليها ويوظفونها في بناء مواقفهم وتحديد مواقعهم السياسية. ولا يُقصد بالمتخيَّل هنا اختلاق الوقائع أو تحريفها، وإنما ما يتكوّن في الوعي السياسي من تصورات ورموز وحكايات تتجاوز حدود التجربة المباشرة. وفي سياق هذه الدراسة، تتتبع المؤلفة الكيفية التي استحضر بها اليسار الأرجنتيني القضية الفلسطينية، وأسقط عليها تصوّراته عن الاستعمار والإمبريالية والتحرر، حتى صارت فلسطين مرجعاً رمزياً لفهم نضالاته المحلية وصياغة تضامنه العابر للحدود. المترجم]
- Paul Chamberlin, The Global Offensive, London, Oxford UP, 2012
- David Lloyd and Laura Pulido, ‘In the Long Shadow of the Settler: On Israeli and U.S.Colonialisms’, American Quarterly, 62:4, 2010, p. 792.
- الوطنية الفلسطينية: يقابل هذا التعبير في النص الإنجليزي مصطلح Palestinian nationalism. وقد آثرنا ترجمة nationalism هنا بـ”الوطنية”، مع اعتماد “القومية” في تعبير “القومية العربية” (Arab nationalism) ويرتبط هذا الاختيار بتمييز استقر في جانب من الاصطلاح السياسي العربي بين الوطنية، التي تحيل إلى الانتماء إلى وطن محدد وما يتصل به من هُوية ومطالب سياسية، والقومية، التي تحيل في السياق العربي، على وجه الخصوص، إلى مشروع الوحدة بين أبناء أمة تتجاوز حدود الأوطان القائمة. وقد اكتسب هذا التمييز دلالته التاريخية مع تفكك المجال العربي إلى دول، وصعود الفكر القومي العربي ومشروعات الوحدة السياسية. أما الوطنية الفلسطينية، فتحيل هنا إلى الوعي بالانتماء إلى فلسطين، وإلى المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية، وفي مقدمتها تقرير المصير والتحرر من السيطرة الاستعمارية. وهذا التفريق اصطلاحي وسياقي؛ فالكلمتان تتداخلان في استعمالات عربية متعددة، كما أن اللغات الأوروبية تستخدم nationalism في الدلالتين-المترجم.
- Lloyd and Pulido, ‘In the Long Shadow’, p. 800.
- David Featherstone, Solidarity: Hidden Histories and Geographies of Internationalism, London, Zed Books, 2012, p. 5
- Steven Hyland, ‘Margins of the Majar: Arabic-Speaking Immigrants in Argentina, 1880–1946’, Ph.D. Diss., Ohio State University, 2011
- للمزيد من النقاش حول موقف أميركا اللاتينية من مسألة فلسطين في الأمم المتحدة، انظر: Cecı´lia Baeza, ‘Ame´rica latina y la cuestio´n palestina (1947–2012)’, Araucaria, 14:28, 2011, pp. 111–31
- Raanan Rein, ‘Political Considerations and Personal Rivalries: Peronist Argentina and the Partition of Palestine’, Diplomacy and Statecraft, 8:2, 1997, pp. 125–47; Aaron Klieman, Israel’s Global Reach: Arms Sales as Diplomacy, Oxford, Pergamon-Brassey, 1985
- Ignacio Klich, ‘Arms for the Middle East and Argentina’s Efforts at a Balances Approach to the Arab World and Israel’, Diplomacy and Statecraft, 7:3, 1996, pp. 704–28; Ignacio Klich and Jefferey Lesser (eds), Arab and Jewish Immigrants in Latin America: Images and Reality, London, Cass, 1998; Christina Civantos, Between Argentines and Arabs: Argentine Orientalism, Arab Immigrants, and the Writing of History, New York, State University of New York Press, 2006
- Ignacio Klich, ‘The Chimera of Palestinian Resettlement in Argentina in the Early Aftermath of the First Arab Israeli War and Other Similarly Fantastic Notions’, The Americas, 53:1, 1996, pp. 15–43
- Adnan Musallam, ‘Palestinian Diaspora in Latin America: The Formative Stages, 19th Century to Early 20th Century’, Lecture, Bethlehem University, West Bank, 2006
- Avner Yaniv, P.L.O.: A Profile, Jerusalem, Israel Universities Study Group for Middle Eastern Affairs, Attali Print Office, 1974, p. 5
- Itamar Rabinovich, Waging Peace: Israel and the Arabs, 1948–2003, Princeton and Oxford, Princeton UP, 2004, p. 3
- يقصد حزب العمال، من منظور تروتسكي، أن مناهضة الإمبريالية والتحرر من الهيمنة الأجنبية، مهما بلغت أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لإحداث ثورة اجتماعية. فالثورة، وفق هذا التصور، تقتضي انتقال السلطة السياسية إلى الطبقة العاملة، وتمكينها من إدارة شؤون المجتمع، وتغيير علاقات الملكية والإنتاج التي تقوم عليها سلطة الطبقات المالكة. أما الإصلاحات التي تقودها أنظمة وطنية، كتأميم بعض الشركات أو إعادة توزيع الأراضي أو توسيع الخدمات الاجتماعية، فقد تغيّر موازين القوى بين قطاعات البرجوازية، من دون أن تنهي سيطرتها الاقتصادية والسياسية. ومن هنا وصف الحزب قادة مثل ناصر وبيرون وكاسترو بأنهم “بونابرتيون”، إذ رأى أنهم استندوا إلى الجماهير الشعبية في مواجهة قوى داخلية وخارجية، مع احتفاظهم بسلطة الدولة والقرار السياسي، من دون نقل السلطة إلى الطبقة العاملة. وهذا التوصيف يعبر عن قراءة الحزب الإيديولوجية لتلك التجارب، لا عن تصنيف تاريخي متفق عليه. والبونابرتيون (Bonapartists) مصطلح في التحليل الماركسي، اشتقه ماركس من تجربة لويس بونابرت في فرنسا، واستخدمه لوصف نمط من الحكم تتركز فيه السلطة بيد قائد تنفيذي قوي، يظهر بمظهر الحكم فوق الطبقات الاجتماعية وممثلاً للشعب بأسره، فيما يناور بين القوى والطبقات المتنافسة ويحافظ على النظام البرجوازي القائم. وقد استخدم حزب العمال الأرجنتيني المصطلح لوصف قادة مثل ناصر وبيرون وكاسترو، معتبراً أن مشروعاتهم الوطنية والإصلاحية لم تنقل السلطة إلى الطبقة العاملة، وإنما أعادت توزيع النفوذ بين قطاعات البرجوازية-المترجم.
- Osvaldo Coggiola, Historia del Trotskismo en Argentina y Ame´rica Latina, Buenos Aires, Ediciones Razo´n y Revolucio´n, 2006, p. 198
- النقابية الفلاحية (syndicalismo campesino): يقصد بها تنظيم الفلاحين في نقابات واتحادات تتولى الدفاع عن مصالحهم ومطالبهم، وتتيح لهم خوض نضال جماعي من أجل الأرض وتحسين شروط معيشتهم. وفي سياق الموقف الذي يصفه النص، ارتبط هذا التنظيم بتأييد الاستيلاء على الأراضي الزراعية، وبالسعي إلى تحويل الفلاحين إلى قوة منظمة قادرة على انتزاع حقوقها ومواجهة كبار ملاك الأراضي. ولا يقتصر المقصود هنا على إنشاء نقابات مهنية بالمعنى الضيق، وإنما يتصل بتعبئة الفلاحين وتنظيم نضالهم الاجتماعي والسياسي-المترجم.
- الإشارة هنا إلى المشروع السياسي للقومية العربية الوحدوية (Pan-Arabism) الذي دعا إلى توحيد البلدان العربية في كيان سياسي واحد، أو إقامة أشكال من الوحدة والتكامل بينها. وارتبط هذا المشروع في سياق القضية الفلسطينية خلال الخمسينيات والستينيات، بالدعوة إلى جعل تحرير فلسطين جزءً من مشروع الوحدة العربية، وبإسناد دور قيادي للأنظمة العربية في إدارة الصراع. وقد أخذت حركات فلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح، تؤكد في المقابل حق الفلسطينيين في قيادة نضالهم وتقرير مساره بصورة مستقلة عن حسابات الحكومات العربية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الانتماء العربي أو رفض التضامن مع الشعوب العربية. وعبّرت فتح عن هذا الاختلاف بشعار “تحرير فلسطين طريق الوحدة العربية”، في مقابل الشعار الذي جعل الوحدة العربية طريقاً لتحرير فلسطين-المترجم.
- لعل الكاتبة تحاول القول أن التوجهات القومية العربية الرسمية (التيار الناصري بالدرجة الأولى) كانت تسعى إلى احتواء المقاومة الفلسطينية وتوجيهها بما يتماشى مع أجندتها القومية الأوسع، وذلك ضمن إطار السعي لتحقيق الوحدة العربية ومواجهة الاستعمار [انظر الهامش السابق]فدفاع الحزب عن المقاومة الفلسطينية في وجه التيار العروبي إنما يعكس رفضاً لهذا الاحتواء ودعوة لعدم تقييد القرار المستقل للفلسطينيين ضمن أي أجندة قومية خارجية -المترجم].
- Yaniv, A Profile, pp. 41–2
- William R. Garner, ‘The Sino-Soviet Ideological Struggle in Latin America’ , Journal of Inter-American Studies, 10:2, 1968, pp. 244–55. See also Jorge Castan˜eda, Utopia Unarmed: The Latin American Left after the Cold War, New York and London, Vintage, 1993
- For more detailed analysis of the international political dimension of relations between Latin America and the Middle East, see Fehmy Saddy (ed.)، Arab-Latin American Relations, New Brunswick, NY, Transaction Books, 1983; Regina Sharif, ‘Latin America and the Arab-Israeli Conflict’ , Journal of Palestine Studies, 7:1, 1977, pp. 98–122
- Intelligence Report, Central Intelligence Agency, ‘The Sino-Soviet Split within Communist Movement in Latin America’ , ESAU XXVIII, TS No. 196753, 15 June, 1967, released 2007
- H.E. Ambassador Abdel Khalek Hassouna, Secretary General of the League of Arab States, A Short Guide to the League of Arab States, Cairo, Arab League Press and Information Department, 1965, pp. 34–5
- تقصد الكاتبة قبل انضمام فتح وغيرها من الفصائل الفلسطينية التي تبنت الكفاح المسلح إلى المنظمة-المترجم.
- Juan Abugattas, ‘The Perception of the Palestinian Question in Latin America’ , Journal of Palestine Studies, 11:3, Spring, 1982, pp. 117–28
- Estela Valverde, ‘The Question of “Argentinidad”: The Self-Image of Arab and Jewish Ancestry in Recent Argentine Literature’ , in Ignacio Klich and Jefferey Lesser (eds), Arab and Jewish Immigrants in Latin America: Images and Reality, London, Cass, 1998, pp. 189–203; Sergio Waisman, ‘A Thousand and One Nights in Argentina: Translation, Narrative and Politics in Borges, Puig, and Piglia’, Comparative Literature Studies, 40:4, 2003, pp. 351–71
- Militancia (Buenos Aires) , 1:29, 27 December 1973, pp. 12–17
- الإمبريالية الفرعية (Subimperialism) مفهوم صاغه المفكر الماركسي البرازيلي روي ماورو ماريني في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لوصف وضع بعض الدول الرأسمالية التابعة التي بلغت درجة من التصنيع والتراكم الاقتصادي تتيح لها ممارسة نفوذ توسعي على بلدان أضعف منها، مع بقائها مرتبطة بالمراكز الإمبريالية الكبرى وخاضعة لهيمنتها. وكانت البرازيل في ظل الحكم العسكري، منذ انقلاب عام 1964، المثال الأبرز الذي تناوله ماريني. وفي سياق المقالات التي نشرتها مجلة Militancia عام 1974، اتسع استخدام المصطلح ليشمل نقد النزعات التوسعية لدى البرازيل وبلدان أخرى في أميركا اللاتينية، وما صاحبها من تنافس على الأراضي والموارد ومناطق النفوذ، ميز ماريني بين الدول التي ظهرت لديها بعض السمات الاقتصادية للإمبريالية الفرعية، والدولة التي بلغت، في رأيه، مرتبة متقدمة منها. فقد رأى أن البرازيل وحدها حققت هذا النمط بوضوح في أميركا اللاتينية، مع إشارته إلى محاولات الأرجنتين ودول أخرى بلوغ موقع مماثل. لذلك لا ينبغي أن يُفهم استعمال المجلة للمصطلح على أنه حكم اقتصادي دقيق ومتساوٍ على جميع البلدان التي انتقدتها-المترجم.
- Militancia (Buenos Aires) , 2:33, 31 January 1974, pp. 42–3, 47
- Militancia (Buenos Aires) , 2:37, 14 March 1974, p. 30
- Movimiento Estudiantil, FUA, no date, NACLA papers, Princeton University, est. April 1968
- John and Janet Wallach Papers, Princeton University Firestone Library, MC 220, Box 1, fol. ‘Background of PLO and Occupied Territories.’ Historian Jeffrey Lesser has written extensively about the Brazil UN vote
- I. I. Kovalenko and R. A. Tuzmukhamedov, Non-Aligned Movement, Moscow, Progress Publishers, 1988 p. 59
- Beatrice Gurwitz, ‘From the New World to the Third World: Generation, Politics, and the
Making of Argentine Jewish Ethnicity, 1955–1983’, Ph.D. Diss., University of California, Berkeley, 2012
- Etgar Desafio (La Plata) , 2, July 1971
- Etgar Desafio (La Plata) , 2, July 1971, pp. 31–35
- Etgar Desafio (La Plata) , 4, July 1972, inside front cover
- حسين تريكي (1916–2012): ناشط سياسي تونسي وممثل سابق لجامعة الدول العربية في أميركا اللاتينية. انخرط في الحركة الوطنية التونسية المناهضة للاستعمار الفرنسي، وارتبط خلال الحرب العالمية الثانية بدوائر عربية مؤيدة لألمانيا النازية، وتعاون مع الحاج أمين الحسيني في نشاط دعائي موجّه إلى العالم العربي. وصل إلى الأرجنتين عام 1962 ممثلاً لجامعة الدول العربية، واتخذ من بوينس آيرس مقراً لنشاطه، حيث أصدر مجلة Nación Árabe (الأمة العربية)، وشنّ حملات دعائية ضد الصهيونية وإسرائيل. غير أن نشاطه ارتبط أيضاً بنشر ادعاءات معادية لليهود، وبصلات مع جماعات قومية يمينية متطرفة، من بينها حركة تاكوارا الأرجنتينية، التي اتُّهم بتمويلها. وفي عام 1964، اتخذت السلطات الأرجنتينية إجراءات لإبعاده عن البلاد، فغادرها إلى فنزويلا، حيث واصل نشاطه السياسي والدعائي. توفي في بوينس آيرس عام 2012-المترجم.
- Primera Plana (Buenos Aires) , 10 Marzo 1964, p. 6
- Leoplan (Buenos Aires) , 18:4, Central Zionist Archive, Jerusalem, Israel, p. 21
- اختصار لحركة الشباب الثوري Devrimci Gençlik وهي فصيل ماركسي لينيني تشكل في العام 1965-المترجم.
- Yaniv, A Profile, p 43
- Neil C. Livingstone and David Halevy, Inside the PLO: Covert Units, Secret Funds and the War against Israel and the United States, New York, William Morrow and Co., 1990, p. 141
- Daniel Gutman, Tacuara: historia de la primera guerrilla urbana argentina, Buenos Aires, Ediciones B Argentina, 2003, p. 126
- Gutman, Tacuara, p. 130
- Claudia Hilb and Daniel Lutzky, La nueva izquierda argentina: 1960–1980 (Polı´tica y violencia), Buenos Aires, Centro Editor de Ame´rica Latina, 1984, pp. 19, 24 and 43
53.التريكونت (Tricont) اختصار لمصطلح “القارات الثلاث” (Tricontinental)، ويشير إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ارتبط المصطلح بالمؤتمر التضامني الأول لشعوب هذه القارات، الذي انعقد في هافانا عام 1966، وجمع حركات التحرر الوطني والتنظيمات الثورية المناهضة للإمبريالية والاستعمار. وأسفر المؤتمر عن تأسيس منظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية (OSPAAAL)، بهدف تنسيق جهود التحرر وتعزيز التضامن بين حركات القارات الثلاث-المترجم.
- Chamberlin, The Global Offensive, p. 19
- Chamberlin, The Global Offensive, p. 64
- Princeton University collection of Latin American Political Ephemera, Dulles Library, Princeton, (hereafter LAPE), ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ Box 2, Folder 2, ‘Political Parties, Organizations and Movements’, Montoneros, El movimiento Peronista, 1977. p. 2
57.المرجع السابق - Hilb and Lutzky, La nueva izquierda argentina, pp. 156–7
- Hilb and Lutzky, La nueva izquierda argentina, p. 158
60.He´ctor Germa´n Oesterheld and Leopoldo Durn˜ona, Latinoame´rica y el Imperialismo: 450 an˜os de Guerra, recopilacio´n de la historieta aperecida entre 1973 y 1974 en el semanario ‘El Descamisado’, Buenos Aires: Doeyo y Viniegra Editores, 2004, p. i.
- Oesterheld, Latinoame´rica y el Imperialismo, p. ii
- Edward S. Milkenky, Argentina’s Foreign Policies, Westview Press, Boulder, Colorado, 1978, pp. 161–2
- Milenky, Argentina’s Foreign Policies, pp. 163–164
- David Sheinin, ‘Reading Kissinger’s Avatars: Cold War Pragmatism in Argentina’s Middle East Policy’, in Raanan Rein and Adriana Brodsky (eds), The New Jewish Argentina, Boston, Brill, 2012, pp. 263–92, p. 270
- Delegacio´n de los comunidades latino-americano-palestinas de America del Sur, Central y el
Caribe al Primer Congreso de comunidades palestinos en Sa˜o Paulo, ‘La Declaracio´n de San Pablo (Brasil)’, Estudios Palestinos, 1:1, July-Sept. 1984, pp. 154–79
- Carlos Escude´ and Beatriz Gurevich, ‘Transnational Terrorism, Corruption and Erosion of State Authority: The Case of the 1992 and 1994 Attacks in Argentina’, Estudios Interdisciplinarios de Ame´rica Latina, 4:2, 2003, pp. 127–48
- نسبة إلى سياسات الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم-المترجم.
- LAPE, ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ , Box 2, fol. 2 of ‘Political Parties, Organizations and Movements’ , ‘Documentos Apropoados IV Congreso Nacional de la Corriente Patria Libre’ 7 September 2003, p. 2
- LAPE, ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ , Box 2, fol. 2 of ‘Political Parties, Organizations and Movements’ , Socialismo o barbarie, 1.1 (June 2000). Cover
- LAPE, ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ , Box 2, fol. 2 of ‘Political Parties, Organizations and Movements’ , Roberto Ramı´rez, ‘La justa ira de un pueblo ultrajado’ , Socialismo o barbarie, 1:4, November 2000, pp. 37–45
- Ramı´rez, ‘La justa ira’ , p. 39
- المرجع السابق 42
73.المرجع السابق 44
- 62. See for example: LAPE, ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ Box 2, fol. 2 of ‘Political Parties, Organizations and Movements’ Miguel Lamas, ‘Israel: Un Estado Genocida’, Alternativa socialista, 327, 10 April 2002, p. 6; and Miguel Lamas ‘Escalada terrorista israelı´’, Alternativa socialista, 325, 13 March 2002, p. 11
- Bishara Bahbah, ‘Israel’s Military Relationship with Ecuador and Argentina’, Journal of Palestine Studies, 15:2, 1986, pp. 76–101; Bishara Bahbah and Linda Butler, Israel and Latin America: The Military Connection, New York, St. Martin’s Press, 1986; Benjamin Beit-Hallahmi, The Israeli Connection: Who Israel Arms and Why, London:, I.B. Tauris & Co, 1987; Milton Jamail and Margo Gutie´rrez, It’s No Secret: Israel’s Military Involvement in Central America, Belmont, MA, AAUG, 1986; Jan Pieterse, ‘State Terrorism on a Global Scale: The Role of Israel’, Crime and Social Justice, 21:22, 1984, pp. 58–80; Cheryl Rubernberg, ‘Israeli Foreign Policy in Central America’, Third World Quarterly, 8:3, 1986, pp. 896–915
- LAPE, ‘Politics in Argentina, 1943–2004, II’ Box 2, fol. 2 of ‘Political Parties, Organizations and Movements’ , Miguel Lamas, ‘Israel: Un Estado Genocida’ and ‘¡Fuera el eje´rcito Israelı´!’ , Alternativa socialista, 327, 10 April 2002, pp. 6–7
- Anonymous, ‘No a la agresio´n imperialista contra los pueblos a´rabes’ , Quebracho, 5:28, October 2001, pp. 14–15
- Pablo Abiad, ‘Esteche, el lı´der de Quebracho, fue procesado y sigue detenido’ , Cları´n, 21 April 2007, p. 1
- Cynthia y Sol, El clave rojo, September 2001, pp. 3–7
- Carlos Marcelo Sha¨ferstein, ‘Humberto Tumini,’ Periodismo de verdad, 27 July 2009,
http://www.periodismodeverdad.com.ar/2009/07/27/humberto-tumini-el-paradigma-de-unterrorista-que-se-desprendio-del-“kirchnerismo”-por-el-dr-carlos-marcelo-shaferstein/ تاريخ الوصول 13 أيلول 2013
- Humberto Tumini, ‘Gran Acto Popular, 17 an˜os de Patria Libre’ , En Marcha, 18:217,November 2004, pp. 1, 6
82.Claudia Cinatti, Abajo la massacre de Sharon’ , La Verdad Obrera, 29 May 2004, p. 11.
Aljarmaq center Aljarmaq center