الحليب رمزًا للاستبداد: كيف تحوّل أول غذاء للبشر إلى أداة دعائية؟

يعتبر الحليب أحد أقدم الرموز الإنسانية وأكثرها شيوعًا، ممثلًا الغذاء والأمومة والبراءة والنقاء والحياة بحد ذاتها. فنظرًا لكونه أول الأغذية التي يستهلكها أغلب البشر، يثير الحليب الشعور بالراحة والارتكاز والثقة. إلا أن هذا الشراب الذي يبدو طبيعيًا قد تكرر ظهوره عبر التاريخ الحديث في أماكن غير متوقعة: الدعاية الفاشية والنظرية الاستعمارية العنصرية والثقافة التفوقية البيضاء على الإنترنت والعديد من الأفلام التي تصور السلطة الاستبدادية.

إلا أن هذا لا يعود لكون الحليب سياسيًا بطبيعته، بل لأن الحركات الاستبدادية السلطوية قد استحوذت على الرموز المرتبطة بالنقاء والصحة والانضباط والحماية بانتظام لتقديم ذواتها كحماة للمجتمع، ليصبح الحليب بذلك أحد الأمثلة الخالدة على هذه الظاهرة.

تعود الروابط لما قبل القرن العشرين بكثير. فقد رمز الاستحمام بالحليب عبر أوروبا والشرق الأوسط إلى الرقي الارستقراطي والجمال والوضع النخبوي. وقد ساهمت الأساطير التي اقترنت بشخصيات مثل كليوباترا في تأسيس الحليب كتعبير مجازي عن الكمال الجسدي والنقاء المتحضر. ولطالما مثلت البشرة الشاحبة بحد ذاتها الثروة والامتياز لكونها توحي بالحرية والتحرر من الأعمال اليدوية. مع أن هذه الارتباطات كانت غالبًا اجتماعية أكثر منها عنصرية إلا أنها خلقت لغة رمزية ستتلهف على تبنيها الأيديولوجيات السياسية لاحقًا.

خلال القرن التاسع عشر، حول المفكرون الاستعماريون الحليب تدريجيًا من مجرد طعام بسيط إلى دليل على التفوق الحضاري المفترض. ذلك أن العديد من سكان شمال أوروبا قد طوروا مستويات مرتفعة من قدرة البالغين على تحمل اللاكتوز عبر قرون من تربية الأبقار الحلوب، مما دفع بالمنظرين العنصريين إلى مقارنة «الأعراق التي تشرب الحليب» مع المجتمعات التي يعتمد غذاؤها بشكل أساسي على الأرز والذرة والقمح أو الحبوب. وسرعان ما حُرِّفت الفروقات الغذائية إلى مزاعم تتعلق بالذكاء والقوة والرجولة والشخصية القومية.

جادل الأطباء والكتاب الغربيون بأن استهلاك مشتقات الألبان يولّد سكانًا أكثر حيوية، في حين صُورت الثقافات التي لا تعتمد على الألبان بأنها أضعف وأقل تطورًا. وقد روجت شخصيات مثل عالم الأعصاب الأمريكي ج. ليونارد كورنينج والطبيب الإنجليزي وودز هاتشينسون هذه الأفكار صراحةً، مساهمين في تحويل الغذاء إلى أيديولوجية عنصرية. وبحلول بدايات القرن العشرين، أصبح هنالك قادة سياسيون بارزون يرددون خطابات مشابهة، حيث اشتهر هيربرت هوفر الذي سيسصبح رئيسًا للولايات المتحدة فيما بعد، بربطه استهلاك مشتقات الألبان «بفحولة الأعراق البيضاء»، موضحًا إلى أي عمق قد تغلغلت هذه الفرضيات في الخطاب الشعبي السائد.

وهكذا، باتت هذه الأفكار تربة خصبة للحركات السلطوية الاستبدادية.

نجد مثلًا أن الأنظمة الفاشية نادرًا ما طرحت نفسها على أنها مجرد أنظمة سلطوية، بل على العكس من ذلك، صورت نفسها كحامية للجسد القومي وواعدة بالنظام والانضباط والصحة والتجدد الأخلاقي. فأصبحت اللياقة البدنية والانضباط الجسدي ومفاهيم الطهارة والنقاء قيمًا سياسية مركزية. وقد انسجم الحليب بشكل طبيعي داخل هذا الإطار الرمزي، من حيث أنه مثل غذاء متكاملًا وليس مجرد متعة وترف.

صقلت ألمانيا النازية صورة أدولف هتلر كقائد زاهد ورافض للكحول والتدخين والإسراف والشطط، مجسدًا في المقابل الانضباط والتضحية بالذات. ولم يكن مهمًا ما إذا كانت تفاصيل هذه الصورة تعكس الواقع بقدر جدواها السياسية. وهكذا أصبحت شخصية هتلر العامة التي تم بناؤها بتأنٍ مثالًا للأمة الألمانية النقية. وعلى غرار ذلك، احتفت إيطاليا الفاشية في ظل موسوليني بالحليب كجزء من رؤيتها للنهضة القومية، حتى أنها أنتجت اللانيتال، وهو قماش مصنّع من بروتين الحليب، كرمز للابتكار الصناعي والاكتفاء الذاتي الاقتصادي.

امتدت الرمزية لأبعد من مجرد الطعام، بحيث أصبحت جزءًا من جمالية تسلطية أوسع مثَّل فيها الجسم السليم أمة سليمة.

تساعد هذه الروابط التاريخية في شرح أسباب الظهور المتكرر للحليب في السينما الحديثة، كلما أراد صانع أفلام الإشارة إلى سلطة مقلقة. فقد تعمدت أفلام مثل «Inglorious Bastards»، وفيلم «Get Out»، وكذلك فيلم «V for Vendetta»، وضع الحليب إلى جانب الشخصيات التي تمارس السلطة المفرطة في الوقت الذي تقدم ذاتها على أنها هادئة ومتحضرة وأبوية، بحيث يولد التباين شعورًا بالقلق لكون الحليب يستدعي البراءة بالعادة وليس الخطر.

ربما ليس هنالك من مثال أوضح على هذه الرمزية أكثر من فيلم «V for Vendetta»، حيث تؤطر الحكومة الاستبدادية نفسها باستمرار كقوة حامية وحافظة للنظام في مواجهة الفوضى. فنجد أن الحليب يعزز وهم الإحسان وحسن النوايا هذا، من حيث أنه يوحي بالتغذية والأمان حتى وإن كان العنف مستمرًا في الخفاء. فيصبح المشروب اختزالًا لحكومة تدعي السلطة الأبوية على المجتمع.

عاودت هذه التقاليد الرمزية الظهور في القرن الحادي والعشرين في بيئة مختلفة كلية: أي ثقافة الإنترنت. احتضنت الجماعات المتعصبة للتفوق العرقي الأبيض الحليب كميم وفكرة على الإنترنت وذلك خلال صعود اليمين المتطرف البديل في منتصف العشرية الأولى من هذا القرن. وقد نشرت هذه الجماعات صورًا لأفرادها وهم يغبّون الحليب محتفلين بقدرتهم على احتمال اللاكتوز كدليل على التفوق العرقي الأوروبي المفترض. إلا أن ما بدا عبثيًا للعديد من المراقبين كان قد تجذر في الخرافات الاستعمارية الأقدم والتي ربطت استهلاك مشتقات الألبان بالبياض والتفوق البيولوجي. بيد أن الإنترنت لم يبتدع هذه الأفكار، وإنما أعاد تعليبها داخل الثقافة الرقمية.

لا يعني هذا أن شرب الحليب أو تعزيز نظام غذائي صحي هو أمر سياسي في جوهره، حيث ينتشر الجدل الحديث الجاري حول الحليب الخام غير المبستر والأغذية العضوية والمكونات المعالجة أو التغذية عبر طيف واسع من وجهات النظر والدوافع. وأغلب المناصرين للتجديد الغذائي لا تربطهم أي صلات بالسياسات المتطرفة.

إن الدرس المستقى يكمن في مكان آخر. لقد استلهمت الحركات المبنية على القومية والاستبدادية عبر التاريخ رموز النقاء والانضباط الجسدي والإحياء الوطني لكونها تمتلك تأثيرًا عاطفيًا هائلًا. فهي تَعِد بالعودة إلى الصحة والقوة والبراءة والنظام. وربما يشتمل الحليب بصورة طبيعية على هذه المثل أكثر من غيره من الأغذية اليومية.

في نهاية المطاف، الحليب ليس عنصريًا ولا فاشيًا، بل يبقى مصدرًا للغذاء وسبيلًا لمعيشة ملايين المزارعين ورمزًا للرعاية عبر عدد لا يحصى من الثقافات والديانات. إلا أن ظهوره المتكرر إلى جانب الحركات التسلطية يكشف شيئًا مهما حول الرمزية السياسية بحد ذاتها. ذلك أن الأيديولوجيات المتطرفة نادرًا ما تخترع رموزًا جديدة كليًا، بل تستحوذ على الرموز المعروفة التي تحمل روابط عاطفية إيجابية.

لم يَخلق الحليب الاستبداد، إنما اختارت الحركات السلطوية الحليب كأحد أشد الرموز فعالية لتصور ذاتها من خلاله، جيلًا بعد جيل، في صورة للنقاء والحماية والانضباط والاستقامة الأخلاقية. يذكرنا التاريخ بأن أبسط الأشياء قد يكتسب معنى سياسيًا غير طبيعي، ولا مستمدًا من ذاته، بل بسبب المرويات التي تختار المجتمعات سردها حوله.

عن ريما العيسى

شاهد أيضاً

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، وذاكرة لا تزال تعمل

هل تصدقون لو قلت لكم كلما رأيت الليدي ميريل ستريب أتذكر الهر فريدريك إنغلز بصورته …