تمهيد
يتتبع هذا المقال الأبعاد الاجتماعية والسياسية والخطابية السائدة التي تُغلف النقاش الدائر حول علم الآثار الكتابي في إسرائيل اليوم؛ وسأحاول الكشف عن مدى صعوبة، بل ربما استحالة، التفرقة بين البحث الأكاديمي، والتأويل النظري من جهة، وبين الهُويات والانحيازات السياسية والاجتماعية من جهة أخرى. ويبدي علماء الآثار الصهاينة-على العموم- ميلاً أقل للتشكيك تجاه الرواية الكتابية، مقارنة بنظرائهم الفلسطينيين، أو المؤيدين للرؤية الفلسطينية من تيار التقليليين، أو حتى الباحثين المحسوبين على تيار ما بعد الصهيونية.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أخذت مدرسة بحثية من جامعة تل أبيب تبلور وتروج لنموذج يعرف بالتحقيب المُنخفض ينسف فكرة وجود مملكة متحدة في عهد الملكين اليهوذيين داود وسليمان. ورغم النجاح الواسع الذي حققه هذا الطرح الجديد، إلا أن تياراً محافظاً- يتصدره باحثون من الجامعة العبرية في القدس-يتصدى له محاولاً حماية وتحديث النموذج القديم المعروف بالتحقيب العالي.
وتتركز أشرس الصدامات الأثرية اليوم حول موقعين: مدينة داود و المدينة القديمة المكتشفة في خربة قِيَافَة. ويحلل هذا المقال الصراع المحتدم بن هاتين المدرستين حول حقيقة مملكتي إسرءيل ويهوذا، متتبعاً تجلياته في المقالات، والكتب، والمحاضرات، والمقابلات، وصولاً إلى النقاشات العاصفة في أروقة الإعلام الإسرائيلي.
1.الصهيونية وعلم الآثار الكتابي
سأبدأ باستعراض سريع لتطور علم الآثار الكتابي، ولن نفهم هذا التطور إلا بوضعه في سياقه الأوسع: الإيمان اليهودي-المسيحي، وتشكّل الهُوية الصهيونية.
مثّلت الدراسات الكتابية، وتحديداً ما تبلور في كتاب يوليوس فلهاوزن “مقدمة في تاريخ إسرائيل القديمة”Prolegomena to the History of Ancient Israel (نُشر عام 1878). تهديداً مباشراً للتقاليد اليهودية-المسيحية، وللاعتقاد الراسخ بأن النبي موسى هو كاتب أسفار التوراة الخمسة. صاغ فلهاوزن ما عُرف بـ “الفرضية الوثائقية”، التي ترى في الأسفار الخمسة مزيجاً من أربعة مصادر مختلفة تعود لحقب زمنية متباينة. وانبرى الحاخام ديفيد تسفي هوفمان للرد على فلهاوزن في محاولة بارزة للدفاع عن الأصل الإلهي للتوراة والكتاب المقدس (Hoffmann, 1902).
لم يكتف البحث الأكاديمي الحديث، بوصفه أداة نقدية منذ بدايته، بتفكيك جذور الهوية اليهودية-المسيحية، فتحول إلى مرآة تعكس القيم الشخصية، والاجتماعية، والثقافية للباحثين أنفسهم. وقد تأثر فلهاوزن، على نحو واضح، بخلفيته البروتستانتية؛ فهو أستاذ لاهوت استقال عام 1882 لشعوره بعدم قدرته على إعداد قساوسة المستقبل. وعكست أعماله روح الرومانسية والمثالية الألمانية التي سادت القرن التاسع عشر.
نظر فلهاوزن إلى الديانة اليهودية-التي تبلورت على يد المؤسسة الكهنوتية زمن الهيكل الثاني- بوصفها منظومة عقائدية جامدة تخنقها الطقوس، كما رأى فيها تراجعاً وانحطاطاً عن الدين والدولة (المملكة) الإسرءيلية واليهوذية التي اعتبرها أكثر فطرية وطبيعية. وحاول إثبات أن اليهودية، كما تجسدت في التشريع الكهنوتي، تعزل نفسها أولاً عن الحياة اليومية، ثم تبتلع هذه الحياة لتجعل من الطقوس شأنها الوحيد (Wellhausen, 2013 [1878]: 81). وما زال الجدل مشتعلاً حتى اليوم: هل كان نهج فلهاوزن معادياً للدين أم مناصراً للمسيحية؟ معادياً لليهود أم معادياً للسامية؟ وإلى أي حد كان عمله مجرد صدى للرومانسية والمثالية الألمانية؟ (Kratz, 2009).
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، نزل علماء الآثار المسيحيون إلى الميدان يحملون الكتاب المقدس في يد، والمعول في اليد الأخرى. منطلقين من قناعة لا تقبل الشك بقدسية النصوص. وكان هدفهم إثبات الرواية الكتابية بالمكتشفات المادية، وتأويل هذه المكتشفات بما يوافق النص. وقد طالت فلهاوزن اتهامات بتبني الفلسفة الهيغلية، وهو ما عبر عنه صراحة عالم الآثار المرموق ويليام أولبرايت (وهو ابن مبشرين إنجيليين). فقد وجد أولبرايت في علم الآثار أداة علمية قاطعة تُثبت الدقة والموثوقية التاريخية للنصوص الكتابية، وجاهر، بمزيد من الثقة، أن المكتشفات الأثرية أحالت نظرية فلهاوزن إلى مجرد مفارقة تاريخية عفا عليها الزمن (Albright 1968: 1-2).
أما عالم الآثار والكاهن الدومينيكاني الفرنسي رولان دوفو، فلخص أجندة علماء الآثار المسيحيين بمنتهى الوضوح القاطع: “إن لم يستند إيمان إسرءيل التاريخي، بطريقة ما، إلى التاريخ الفعلي، فهو إيمان باطل لا أستطيع قبوله” (Vaux, 1965: 16).
برز في هذا المشهد المؤرخ اليهودي هاينريش غريتز ليصب تاريخ اليهود في قالب قومي. ففي منتصف القرن التاسع عشر، نشر كتابه “تاريخ اليهود من أقدم العصور إلى الحاضر” History of the Jews from the Oldest Times to the Present. ومثّل هذا أول محاولة جادة لصياغة سردية تاريخية كبرى تسعى لانتشال اليهود من خانة الجماعة الدينية الصرفة، لتقدمهم- ولو جزئياً- أمة قومية حديثة. وتضمن هذا المشروع الطموح قراءة حديثة للكتاب المقدس، تتعامل معه كمصدر تاريخي موثوق بعد تجريده من المعجزات والعناصر الخارقة.
وحين نشر فلهاوزن كتابه، هاجمه غريتز بشراسة، متهماً إياه بأنه “يصب حقده على الأنف اليهودي بدءً من إبراهيم وموسى وصولاً إلى عزرا”. وانصب نقد غريتز على زعم فلهاوزن بأن جزءً كبيراً من أسفار التوراة لم يُكتب إلا بعد العودة من السبي البابلي؛ فقد أدرك غريتز أن هذا الزعم ينسف مصداقية الوثيقة التأسيسية التي تروي قصة نشأة الأمة اليهودية وتخلّد ماضيها البطولي. وسرعان ما تحول كتاب غريتز إلى ما يشبه الكتاب المدرسي القومي لمنظمة أحباء صهيون Hovevei Zion، التي شكّل أعضاؤها النواة الأولى للحركة الصهيونية. وتأثر به قادة المستوطنين في فلسطين، ومفكرو اليهود البارزون من أمثال موسى هس، أحد مؤسسي الصهيونية.
وسار سيمون دوبناو على خطى غريتز، ليُمهد الطريق للمقاربة الصهيونية التي جمعت بين نقيضين: الترويج للعلمانية ورفض الإيمان الأرثوذكسي من جهة، واستغلال الدين كإطار ثقافي قومي يجمع شتات اليهود من جهة أخرى. وفي ظل هذا التوجه، أُعيد تفسير القصص الكتابية على أنها سجل لأحداث وعمليات تاريخية حقيقية، حتى وإن صيغ الكثير منها بقالب رمزي ومجازي (Sand, 2009: 78-109).
وفي هذا السياق التوظيفي؛ جُسدت قصة إبراهيم، على سبيل المثال، لتبرير انفصال العبرانيين عن بقية الساميين الرحل، بينما وُظفت قصص إسحاق ويعقوب لتأكيد انفصال شعب إسرءيل عن سائر الشعوب العبرانية. وقد دأب دوبناو، ومن تلاه من المؤرخين الصهاينة، على محاولة التوفيق القسري بين النص الكتابي والأدلة الأثرية والدراسات الحديثة كمرويات الخروج من مصر وغزو كنعان، ومقاربتها مع الأدلة التاريخية المحايدة التي تؤكد هيمنة مصر المطلقة على كنعان إبان الحقبة التي يُفترض وقوع تلك الأحداث فيها.
اعتبر دافيد بن غوريون، زعيم الحركة الصهيونية وأول رئيس وزراء لإسرائيل، أن الكتاب المقدس هو الوثيقة التأسيسية للأمة اليهودية في [أرض إسرائيل]. وشكل هذا الكتاب ركيزة أساسية في صياغة الروح القومية! على يد بن غوريون، والمؤسسة الإسرائيلية ذات الطابع العلماني المبهم.
رأى بن غوريون في الكتاب المقدس جسراً يربط إسرائيل القديمة بالدولة الجديدة مباشرة، متجاوزاً حقبة الشتات والتقاليد الدينية الأرثوذكسية. وعبر عن ذلك بقوله: “…ما حققناه في هذه الأرض هو ‘قفزة فوق التاريخ اليهودي’. إنها قفزة في الزمان والمكان معاً. لقد حققنا كلتيهما هنا”. وأوضح أن الحياة في الدولة اليهودية الجديدة تنفصل عن حيوات كراكوف أو وارسو، لتؤسس بداية جديدة تتصل مباشرة بالماضي البعيد لزمن يشوع وداود وسلالة الحشمونيين (Ben-Gurion, 1957). [أورد المؤلف الترجمات من العبرية، رغم أنه يشير لاستخدامه الترجمات الإنجليزية المتداولة في المواقع الإخبارية (كلياً أو جزئياً) في العديد من استشهاداته.-المترجم]
استمر المؤرخون وعلماء الآثار الصهاينة في البناء الإيديولوجي لفكرة الأمة اليهودية قبل تأسيس الدولة عام 1948 وبعده. وكان المؤرخ بن صهيون دينور من الجامعة العبرية في القدس أحد أبرز المفكرين الذين أسهموا في هذه العملية. جرد دينور في أعماله الكتاب المقدس من اللاهوت بشكل شبه كامل، واستخدمه لصياغة بيان قومي-تاريخي، دعمه ببعض الوثائق المكتشفة في الحفريات الأثرية في الشرق الأدنى. كان دينور عضواً في الكنيست الأول، وتولى منصب وزير التربية والتعليم عام 1951. وخلال الخمسينيات، شارك وغيره من المفكرين-مثل عالم الآثار الكتابي البارز بنيامين مزار، والباحث يحزقيل كوفمان، إلى جانب سياسيين كبار- في حلقة الكتاب المقدس التي كانت تُعقد في منزل بن غوريون.
بالنسبة لبن غوريون ودينور والمؤسسة بأكملها، مثل الكتاب أداة حيوية لصهر مجتمع المهاجرين في شعب واحد، وربط الجيل الشاب بالأرض. وأصبح جزءً عضوياً من الخطاب السياسي؛ فعندما احتل الجيش الإسرائيلي شبه جزيرة سيناء في حرب 1956، خاطب بن غوريون القوات قائلاً: “بوسعنا الآن أن ننشد من جديد أغنية موسى وأبناء إسرائيل القديمة… وبفضل الزخم الهائل لجميع فرق الجيش الإسرائيلي، مددتم يدكم للملك سليمان…”.
شجعت المؤسسة الحاكمة الرسمية الحفريات الأثرية، رغم تأكيد بن غوريون أنه في حال وجود تعارض بين الكتاب المقدس ومصدر خارجي، فإن الأولوية تُعطى للرواية الكتابية: “من وجهة نظر علمية بحتة، أنا حر في قبول شهادة الكتاب المقدس، حتى لو عارضها مصدر خارجي، بشرط ألا تتضمن الشهادة تناقضات داخلية، وألا تكون معيبة بشكل واضح” (Sand, 2009: 105-115; see also: Silberman and Small (eds), 1997; Abu El-Haj, 2002).
تداخل علم الآثار مع السياسة على نحو وثيق. وانعكست الرواية الكتابية لغزو يشوع لكنعان، والمملكة العظيمة لداود وسليمان، في الروح القومية الحديثة. وتبنى علماء الآثار الصهاينة-الذين ساروا على خطى أولبرايت والعلماء المسيحيين- منهج “الكتاب المقدس في يد، والمعول في اليد الأخرى”. واستندت رؤيتهم إلى تأريخ قومي صاغه المفكرون اليهود المذكورون أعلاه، وكان هدفهم تعزيز هذه الرؤية. وفي الواقع، كانوا ركناً أساسياً من النخبة الحاكمة. فتجاوز يغائيل يادين، تلميذ أولبرايت، ونجل الباحث إليعيزر ليبا سوكنيك مؤسس قسم الآثار في الجامعة العبرية قبعته الأكاديمية كعالم آثار، ليتقلد منصب رئيس العمليات العسكرية في حرب 1948، ثم يصبح ثاني رئيس أركان للجيش الإسرائيلي، وينتهي به المطاف وزيراً في الحكومة.
فسّر يادين المكتشفات في حفريات حاصور ومجدو خلال الستينيات، إلى جانب مكتشفات جَزَرَ، على أنها تأكيد لحركة البناء العظيمة التي قام بها الملك سليمان كما هي في النص الكتابي الذي وثق ذكرها كجزء من المدن التي أسسها سليمان (سفر الملوك الأول 9:15). وهكذا، بدت البوابات والقصور والمدن المكتشفة وكأنها تنتمي لمملكة سليمان العظيمة في القرن العاشر ق.م (Yadin, 1975).
أما بنيامين مزار، الذي صاغ مع يادين النموذج الصهيوني لعلم الآثار، فقد ترأس الجامعة العبرية، وريطته مصاهرة مع الرئيس الثاني لإسرائيل يتسحاق بن تسفي، إلى جانب علاقاته المتينة مع بن غوريون. وبصفته وجهاً بارزاً من وجوه النخبة الصهيونية، لم يكن التزامه بالرواية الكتابية موضع شك. وحاول، في أعماله، التوفيق بين علم الآثار والوصف الذي يعتبره البعض توصيفات مضطربة في النص الكتابي أو مفارقة تاريخية anachronistic لعصر الآباء. فقد ذُكر الفلستيون والآراميون في قصص الآباء، رغم ظهورهم بعد مئات السنين من الزمن المفترض أن الآباء عاشوا فيه. وكان الحل الذي طرحه هو المجادلة بأن هذه القصص تصف بدقة الحقبة التي سبقت عصر الملوك (Mazar, 1974).
أما موشيه دايان، صاحب الكاريزما الأقوى بين القادة في إسرائيل، فقد كان رابع رئيس أركان للجيش، ووزير للدفاع، ووزير للخارجية. وبصفته عالم آثار هاوٍ (كان دايان لص آثار)، نشر كتاب “العيش مع الكتاب المقدس” Living with the Bible، دمج فيه بين إسرائيل القديمة والحديثة (Dayan, 1978).
كما أسس يوحنان أهاروني، أحد مساعدي يادين، معهد الآثار في جامعة تل أبيب. وافترق أهاروني ويادين لاحقاً وأصبحا خصمين. فبينما دعم يادين الرأي القائل بأن الإسرءيليين سيطروا على كنعان عبر غزو عسكري كما وُصف في سفر يشوع، رأى أهاروني (1957) أن السيطرة تمت عبر عملية توطن تدريجية كما في سفر القضاة.
ومن هنا بدأت المنافسة بين أقسام الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب. فوفقاً لنيل سيلبرمان، عكست اختلافات الرأي بين يادين وأهاروني رؤاهما حول إسرائيل الحديثة. فبالنسبة للجنرال يادين، توافقت رواية الغزو مع حرب 1948 وتأسيس إسرائيل. بينما فضّل أهاروني، الذي انتمى لحركة الكيبوتس (الجناح اليساري للصهيونية العمالية)، الروح الصهيونية المرتبطة بالاستيطان (Silberman, 1993; Abu El-Haj, 2002: 99-105). ورغم هذا الشقاق المنهجي، توحد يادين وأهاروني خلف غاية واحدة: حماية الرواية الكتابية التي تُمثل حجر الزاوية للروح القومية. وجسد كلاهما، بهذا الاصطفاف، جيلاً كاملاً من علماء الآثار.
- الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومخاطر التيار التقليلي الكتابي
طبعت النزعة الحدّية كلاً من علم الآثار المسيحي والصهيوني في مراحلهما الأولى؛ إذ اقرت هذه النزعة بالرواية الكتابية كما هي مرجعاً تاريخياً أساسياً وموثوقاًً، وفرضت تطويع سائر الأدلة الأثرية لتنسجم مع هذا السرد. لكن هذا الطرح واجه تحدياً شرساً مع بزوغ نموذج معرفي جديد في أوروبا، قاده باحثون كنابيون عُرفوا بالتقليليين الكتابيين. وُجهوا سهام نقدهم نحو باحثين كتابيين مرموقين من أمثال ألبرشت ألت ومارتن نوث. ولن نفهم صعود المدرسة التقليلية الكتابية بمعزل عن الحاضنة الفكرية والسياسية التي أفرزتها؛ فقد ظهرت في أواخر الستينيات متأثرةً بتيار لاهوت التحرير الذي يرفض اعتبار الكتاب المقدس نصاً استثنائياً يُشرعن الاستعمار والإمبريالية، وبالحركات الفكرية والسياسية الراديكالية التي اجتاحت الأوساط الأكاديمية آنذاك.
وتصدر مشهد هذا التيار النقدي باحثون بارزون، أمثال: نيلز بيتر لِمْكَة (1988;2008:316-317) وتوماس طومسون (1992,1999) من جامعة كوبنهاغن، إلى جانب فيليب ديفيز (1992) وكيث وايتلام (1996) من جامعة شيفيلد. وقد جاهر هؤلاء بشكوكهم العميقة حول موثوقية السردية الكتابية، وشنوا هجوماً لاذعاً على الارتهان الإيديولوجي للباحثين وعلماء الآثار تجاه العقيدة اليهودية-المسيحية والهُوية الصهيونية. وتفصل المدرسة التقليلية فصلاً قاطعاً بين إسرءيل الأسطورية كما ترسمها نصوص الكتاب وبين إسرءيل التاريخية.
ويجادلون بانعدام أي سند تاريخي للسردية الكتابية قبل زمن تدمير الهيكل الأول والسبي البابلي (القرن السادس ق.م)، بل يذهبون أبعد من ذلك، مُرجعين هذه النصوص إلى العصر الفارسي (القرنين الخامس والرابع ق.م) أو حتى العصر الهلنستي (القرنين الثالث والثاني ق.م).
أحدث هجومهم على التحيزات اليهودية-المسيحية والصهيونية ضجة في الأوساط الأكاديمية لعلم الآثار والدراسات الكتابية؛ وسرعان ما وُجهت إليهم تهم معاداة السامية، وتبني أجندات معادية لإسرائيل.
فزعم توماس طومسون أنه تعرض للاضطهاد، وفصل من عمله عقب نشر أطروحته عام 1976. ويسرد في مقالتين له تفاصيل معاناته حتى انضمامه لجامعة كوبنهاغن عام 1993 بدعم من زميله لِمْكَه. ويذكر مثالاً؛ حين مُنح درجة أستاذ زائر لمدة عام من المدرسة الكتابية École Biblique في القدس عام 1985، كيف قوبل هذا باستياء واسع؛ فبادرت سارة يافيت من الجامعة العبرية إلى اتهامه صراحة باللاسامية..
وفي مراجعة نقدية لكتابه نُشرت في صحيفة جيروزاليم بوست أواخر العام 1999، زعم عالم الآثار الإسرائيلي البارز ماغن بروشي: “أخبرني صديق مشترك أن طومسون أسرّ له بإيمانه الراسخ بصحة ‘بروتوكولات حكماء صهيون'”. وفي مؤتمر عُقد في تشرين الثاني من ذات العام، لم يتردد عالم الآثار الأمريكي ويليام ديفر في وصم عمل طومسون بأنه معادٍ لإسرائيل، ومعادٍ للكتاب، وعدمي بامتياز (Thompson 2011; 2001).
طالت اتهامات ديفر الباحث كيث وايتلام أيضاً، معتبراً أن أعماله تلامس “حدود معاداة السامية” بسبب تعميماته القاسية التي ساقها ضد الباحثين الإسرائيليين واليهود والمسيحيين. فقد اتهم وايتلام، على سبيل المثال، حقل الدراسات الكتابية بالتورط في عملية “استيلاء” إيديولوجي، توازي تماماً الاستيلاء السياسي الصهيوني على الأرض وطرد سكانها الفلسطينيين. ويرى ديفر أن إطلاق وايتلام لمثل هذه العبارات يرسخ وهم وجود مؤامرة يهودية (Dever, 2003; Whitelam, 1996: 46).
كما لخّص غاري ريندسبيرغ من جامعة كورنيل طبيعة التهم السياسية الموجهة ضد التقليليين بقوله: “للإجابة عن سؤالي الثاني: من هم هؤلاء المُراجعون والعدميون؟ وما هي دوافعهم؟ تحضرنا أسماء الرباعي الأشهر: توماس طومسون، فيليب ديفيز، نيلز لِمْكَة، وكيث وايتلام. يتحرك بعضهم- كما أوضحتُ سابقاً- بأفكار الماركسية والسياسات اليسارية. وبعضهم مسيحيون إنجيليون سابقون، باتوا يرون في عقيدتهم القديمة مكمن كل شر. وينتمي آخرون إلى تيار الثقافة المضادة counterculture، بوصفهم بقايا حركات التمرد في الستينيات والسبعينيات، والتي تتغذى على النقد والرفض الشخصي لكل أشكال السلطة” (Rendsburg, 1999).
ولا يصح، بطبيعة الحال، وسم هؤلاء الباحثين بـ “معاداة السامية” كما يزعم خصومهم. لكن نقدهم ورفضهم للأصولية الحدية الكتابية وعلم الآثار الصهيوني يتشابك تشابكاً عضوياً مع انتقادهم للروح الصهيونية، وانحيازهم الواضح للسردية الفلسطينية. وهنا تسقط دعاوى الحياد والنقاء المطلق من كل الأطراف؛ فالافتراضات النظرية والبحثية لا تعيش في فراغ، بل تنبع من صميم الآراء السياسية والاجتماعية والهُويات الثقافية.
تتجلى الأجندة الداعمة للقضية الفلسطينية في رؤية توماس طومسون: “في أواخر فترة عملي بالمدرسة الكتابية في القدس، عُينت مديراً لمشروع ترعاه اليونسكو يُعنى بدراسة التسميات الطوبوغرافية الفلسطينية Toponomie Palestinienne؛ وهو مشروع يسعى لدمج أسماء الأماكن القديمة وتأصيلها ضمن الخريطة الجغرافية الفلسطينية المعاصرة. وجه هذا المشروع التاريخي والجغرافي في جوهره انتقاداً صريحاً لإسرائيل؛ لتعمدها طمس الأسماء المحلية وتهويد، أسماء الأماكن والتضاريس الفلسطينية، ما ألحق ضرراً فادحاً بالتراث الثقافي للمنطقة. وانتهى الأمر بسحب اليونسكو رعايتها للمشروع إثر توقف التمويل السعودي، حين لحقت بالمشروع تهمة اللاسامية” (Thompson, 2011).
ولا يُخفي فيليب ديفيز، بدوره، أجندته الداعمة للفلسطينيين في رده العنيف على ديفر وآخرين: “تكمن خطورة البحوث الكتابية في تحولها إلى دراسات “صهيونية” تُسهم فعلياً في محو الهُوية الفلسطينية؛ وكأن أكثر من ألف عام من الوجود الإسلامي على هذه الأرض لا يساوي شيئاً. إن تركيزها المهووس على حقبة تاريخية قصيرة من الماضي السحيق، إنما يؤسس لنوع من استعمار الماضي بأثر رجعي. وستكون النتيجة الحتمية لهذا النهج تصوير الفلسطينيين المعاصرين مجرد متسللين إلى أراضٍ يملكها أخرون أو غرباء مقيمين في تلك الأراضي. لا أسوق هذا الكلام كاتهام ضد أحد، بل أراه نتيجة حتمية لهوسنا المرضي بالكتاب المقدس. ويصبح هذا الأمر مضاعفاً حين نتعمد تجاهله أو إنكاره” (Davies, 2002).
وتبرز هذه النزعة أيضاً في إنتاج كيث وايتلام، وتحديداً في عنوان كتابه: “اختراع إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني” (The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History, 1996). ويستعير وايتلام أدوات إدوارد سعيد النقدية ليجادل بأن الخطاب الكتابي ليس سوى “ترس في آلة معقدة من العمل الأكاديمي، الذي صنفه سعيد كـخطاب استشراقي، جُنّدت لتجاهل تفاصيل تاريخ فلسطين القديمة وإسكاته في الدراسات الكتابية؛ لأن الاهتمام انحصر-ببساطة- في إسرءيل القديمة التي عدت منبع أصيل وجذر رئيس للحضارة الغربية”.
يحدد وايتلام لمشروعه هدفاً معلناً لإثبات أن: “التاريخ الفلسطيني القديم هو حقل مستقل بذاته، ويجب تحريره من قبضة الدراسات الكتابية”، أي تخليصه من هيمنة قراءات الكتاب العبري ومن الرؤى والتأويلات اليهودية-المسيحية. لا يُخفي وايتلام سخطه من ازدواجية المعايير؛ حيث يُسبغ على الخطاب السائد ثوب الموضوعية والحياد، في حين يُوصم الخطاب التنقيحي النقدي بالتسيس والأدلجة.
ولم يسلم علماء الآثار الكتابيون- حتى النقديون منهم، مثل إسرائيل فينكلشتين- من انتقادات وايتلام ورفاقه. فيُتهمون بالانحياز الأعمى واللهاث وراء “اقتفاء أثر كيان قومي [إسرءيل] خلال المرحلة الانتقالية بين العصرين البرونزي المتأخر والحديدي”. هوس يُفضي حتماً إلى تهميش وعزل المجتمعات الكنعانية، وإهمالها لأنها لا تخدم فهم وتأكيد التوطن الإسرءيلي (Whitelam, 1996: 1-18).
وإذن، يشكل علم الآثار الكتابي ساحة حرب سرديات مشتعلة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وتلعب الهُويتان (الصهيونية-الإسرائيلية، والعربية-الفلسطينية) دوراً محورياً في صياغة توقعات الباحثين، وفرضياتهم، وتحيزهم النظري، وتوجيه بوصلة تأويل البيانات وقراءة المادة الأثرية والنقش.
ومن البديهي انحياز الصوت الفلسطيني للنزعة التقليلية في الدراسات الكتابية. ويتبدى هذا في كتاب المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة: “الكتاب المقدس والصهيونية: التقاليد المخترعة وعلم الآثار وما بعد الكولونيالية في فلسطين وإسرائيل” (The Bible and Zionism: Invented Traditions, Archaeology and Post-Colonialism in Palestine-Israel, 2007). ومصالحة هو أستاذ في الدين والسياسة، ينتمي لفلسطينيي الداخل الذين يشكلون قرابة 20% من سكان إسرائيل. ويبرز الكتاب كنقيض راديكالي للرؤية الصهيونية، ليُمثل بياناً فلسطينياً مشبعاً بأفكار إدوارد سعيد، والمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه ،الناشط اليساري وأحد المؤرخين الجدد الذين فككوا الرواية الصهيونية. ويتخذ مصالحة من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إطاراً منهجياً لتشريح مقاربته للكتاب المقدس.
يُجادل مصالحة: إذا كانت النكبة الفلسطينية بمنزلة محرقة مصغرة، وإذا كان تشريد مئات الآلاف من السكان الأصليين- الذي جرى تبريره استناداً لوعود الكتاب المقدس لتأسيس دولة إسرائيل عام 1948- يُشكل بحد ذاته إحدى أشنع جرائم الحرب في القرن العشرين (Masalha, 2007: 1)؛ فمن المغري جداً تبني الاستنتاج التقليلي بانهيار تاريخية نصوص العهد القديم أمام مطرقة الأدلة الأثرية والعلمية الحديثة (Masalha, 2007: 10).
وهكذا، تتشابك المواجهة بين علم الآثار الصهيوني ونظيره الفلسطيني بشكل وثيق مع الصراع الأكبر بين الروايتين الوطنيتين. وفي هذا المضمار، يوضح الآثاري الفلسطيني هاني نور الدين (من جامعة القدس) لصحيفة نيويورك تايمز: “نحن في الوسط الأكاديمي الفلسطيني، نرى في علم الآثار الكتابي جهداً إسرائيلياً متعمداً لتطويع الأدلة التاريخية كي تتلاءم مع السياق الكتابي. إن الصلة التاريخية بين الأدلة المادية والمرويات الكتابية التي دُونت في عصور لاحقة تكاد تكون معدومة. وما يروج عن القرن العاشر ق.م ليس سوى ضرب من الخيال العلمي الأثري، أو نوع من التلفيق. ، عندما يتعلق الأمر بالقرن العاشر ق.م. إنهم يستميتون في ربط أي اكتشاف، مهما كان، بالرواية الكتابية. باختصار: لديهم زرّ، ويريدون تفصيل بدلة كاملة على مقاسه!” (Erlanger, 2005).
وفي مقابلة أخرى مع مجلة “ناشيونال جيوغرافيك”، يُفصح نور الدين عن فلسفته الفلسطينية للأرض والتاريخ بمقاربة ثقافية حية: “حين أرى النسوة الفلسطينيات يصنعن الفخار التقليدي بتقنيات تعود لأوائل العصر البرونزي، أو حين أشم رائحة خبز الطابون المخبوز اليوم بطريقة الألفيتين الرابعة والخامسة ق.م؛ أدرك أن هذا هو “الحمض النووي الثقافي”. قد لا نمتلك في فلسطين وثائق مكتوبة أو توثيقاً تاريخياً بالمعنى التقليدي، لكن ما [أراه وأشمه] هذا هو التاريخ الحقيقي ذاته ينبض بالحياة ويمشي على قدمين” (Draper, 2010).
ولا يقتصر الموقف الفلسطيني على نفي الروايتين الكتابية والصهيونية، بل يمتد إلى تأكيد أصالة الوجود الفلسطيني وربطه بالكنعانيين والسكان القدماء. ففي عام 1988، أعلن جلال قزوح، رئيس قسم الآثار في جامعة النجاح الوطنية، عن اكتشاف بقايا منازل تابعة لمدينة تل صوفر الكنعانية غربي نابلس. واعتبره دليلاً يثبت الاستمرارية المباشرة بين التاريخ الكنعاني والتاريخ الفلسطيني.
ولكن هذا الطرح قوبل بتحفظ من البعض. فعلق حامد سالم، أستاذ الآثار في جامعة بيرزيت، قائلاً: “ليس من الرصانة الأكاديمية في علم الآثار محاولة تتبع استمرارية شعب ما لـ 5000 عام للوراء”. وفسر حمدان طه، المدير العام لدائرة الآثار والتراث الثقافي الفلسطينية في رام الله، الدوافع الاجتماعية والسياسية خلف قراءة قزوح الأثرية: “إذا كان بعض الفلسطينيين يسعون لربط هُويتهم بالكنعانيين القدماء، فهذا يندرج-باعتقادي- ضمن ‘علم آثار انعكاسي لاشعوري’؛ أي مجرد رد فعل مباشر وعكسي على طريقة ممارسة إسرائيل لعلم الآثار” (Eltahawy and Klein, 1998; Wallace, 2013).
وفي خطوة نحو مأسسة هذا التوجه، أسس عالم الآثار خالد الناشف من جامعة بيرزيت عام 2000 مجلة علم الآثار الفلسطيني Journal of Palestinian Archaeology؛ لتكون منصة تتحدى هيمنة علم الآثار الكتابي، وتعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية المهمشة والمُغيّبة.
- علم الآثار الكتابي في طور جديد
أفضت حالة التصدع التي عصفت بالمجتمع الإسرائيلي، أو ما يُصطلح عليه بـ “المجتمع المشتبك” أو “المُنضوي” Enlisted society وتآكل الهيمنة الإيديولوجية الجماعية لتيار الصهيونية الاشتراكية أواخر السبعينيات، إلى تفريخ روايات وخطابات مغايرة. تجلت أبرزها في ظاهرة المؤرخين الجدد (يُصنف بعضهم ضمن تيار ما بعد الصهيونية)؛ والذين شرعوا في تفكيك الرواية الصهيونية الرسمية حول جذور الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وحرب 1948، ونشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
وانطلقت أعمال هؤلاء الرواد-مثل بيني موريس (Morris, 1987)- من خارج أسوار الأكاديميا الإسرائيلية التقليدية، وأثارت ضجة هائلة. ويصف موريس تلك الحقبة بمرارة: “عُوملت كعدو للدولة، ولصقت بي هذه التهمة. نُبذت تماماً؛ حُرمت من دعوات المؤتمرات، وبطبيعة الحال، أُغلقت في وجهي أبواب المناصب الجامعية” (Morris in Ben-Simhon, 2012).
وبحلول التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، هبت رياح التغيير على حقل علم الآثار الكتابي. وتشكلت مدرسة نقدية جديدة في جامعة تل أبيب بقيادة: إسرائيل فينكلشتين وزئيف هرتسوغ وناداف نعمان الذين رفضوا منطق الاستدلال الدائري الذي كبل علم الآثار التقليدي، وقدمت مقاربة بحثية أكثر نضجاً وصرامة علمية. وقد انفجر السجال العنيف عام 1999 إثر مقال نشره هرتسوغ في صحيفة النخبة الإسرائيلية هآرتس (Herzog, 1999).
تتقاطع طبيعة الجدل الذي أثارته هذه المدرسة الآثارية الجديدة مع العواصف التي ولدتها أبحاث المؤرخين الجدد؛ إذ اشترك كلاهما في التشكيك بالإيديولوجيا القومية وتفكيك الأساطير والروح الوطنية، ما اعتُبر تهديداً لاستقرار الهُويتين الصهيونية واليهودية. ولخص هرتسوغ في مقاله نتائج أبحاث مدرسة تل أبيب، ووجه ضربات موجعة للمنهجية المتهافتة التي اعتمدها الجيل المؤسس من الآثاريين. ورأى، على نحو صريح، أن الأدلة الأثرية والكتابات النقشية Epigraphic تدحض السرديات الكتابية؛ فلا أثر لقصص الآباء، أو الخروج، أو غزو كنعان، أو حتى المملكة المتحدة الداودية-السليمانية. وفوق ذلك، لم تتبلور عقيدة التوحيد حتى أواخر الحقبة الملكية.
لطالما شكّل التأريخ الكتابي حجر الزاوية في معمار الهُوية القومية للمجتمع اليهودي-الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، باح هرتسوغ بوصفه ابناً للبيئة اليهودية وتلميذاً نجيباً للمدرسة الكتابية، بمرارة الخيبة والأسى التي تعتصر صميم ذاته. ويتقاطع هذا البوح، بصورة غير مباشرة، مع مساعي المؤرخين الجدد؛ فهو يعتقد أن المجتمع الإسرائيلي قد يبدي استعداداً للاعتراف بالظلم الواقع على الفلسطينيين، في حين تعوزه الجرأة لتقبل حقائق أثرية تنسف أساطير النص الكتابي. واستعار منظور الفيلسوف توماس كُون ليقرأ هذا المشهد بوصفه انقلاباً معرفياً Paradigm Shift.
لقد تداعى النموذج التقليدي لعلم الآثار الكتابي تحت وطأة تراكم الظواهر الشاذة Anomalies والمكتشفات التي تعانده. ومن ركام هذه الأزمة، نهض النموذج المعرفي الجديد لمدرسة تل أبيب.
وهنا يجب التوقف عند ملاحظة منهجية بالغة الأهمية: مع اقتراب القرن العشرين من نهايته، بدل علم الآثار ممارسته العلمية بما في ذلك مقاربته للنص الكتابي. وبفضل تزاوج علم الآثار مع العلوم الطبيعية الدقيقة، تحول هذا الحقل إلى ما يُشبه العلوم الكبرىBig Science.
يلاحظ فنكلشتين (Finkelstein, 2006-2007: Lecture 1) أن علم الآثار لم يكن يرتبط بالعلوم الطبيعية إطلاقاً في العام 1970 عندما بدأ دراسته. أما اليوم، فالصورة انقلبت تماماً. فإذا كان التقرير الأثري في مطلع القرن العشرين يُذيل بتوقيع عالم فرد مثل روبرت ماكاليستر؛ فإن تقارير بعثات فنكلشتين اليوم تحمل تواقيع حشد من الخبراء؛ يضم فيزيائيين، وجيولوجيين، وعلماء معادن، ومتخصصين في المستحاثات النباتية والحيوانية.
تمكن فنكلشتين ومدرسة تل أبيب من زعزعة التحقيب الزمني التقليدي لعلم الآثار الكتابي، وأحلوا مكانه نظرية التحقيب المنخفض.
خفّض فنكلشتين تاريخ المجاميع الأثرية التي كانت تُنسب للقرن الحادي عشر ق.م ليضعها في مطلع القرن العاشر ق.م؛ وسحب المجاميع المنسوبة للقرن العاشر ق.م إلى بداية القرن التاسع ق.م. وبحسب هذه القراءة الزمنية الجديدة، حدث الانتقال من أواخر العصر الحديدي الأول إلى أوائل العصر الحديدي الثاني (IIA) فعلياً في أواخر القرن العاشر ق.م؛ أي بعد انقضاء عصر داود وسليمان. والنتيجة المباشرة لهذه القراءة صادمة: لم تكن المملكة الموحدة العظيمة موجودة قط! ففي أيام داود، لم تكن مملكة يهوذا سوى مملكة قبلية صغيرة وبلا أسوار، ولم تكن القدس سوى قرية متواضعة. وتُشير التقديرات إلى أن عدد الذكور البالغين في يهوذا القرن العاشر ق.م لم يتجاوز 500 رجل. وفي أحسن الأحوال، كان إجمالي سكان المملكة لا يتعدى بضعة آلاف نسمة (Finkelstein, 1996; Finkelstein, 2005; Finkelstein, 2006-2007; Finkelstein and Silberman, 2001: 142).
في المقابل، برزت مجموعة من علماء الآثار المحافظين-ينتمي معظم أقطابها إلى الجامعة العبرية في القدس- لا تزال ترى في الكتاب المقدس مصدراً تاريخياً يُعتد به لفهم عصر الملوك، وتدافع بشراسة عن نظرية التحقيب العالي. ومقارنة بمدرسة تل أبيب، تقف مدرسة القدس على مسافة أقرب بكثير إلى الجيل المؤسس من علماء الآثار الصهاينة. (نُشرت مجموعة من المقالات التي توثق تباين الآراء في هذا السجال عام 2001: Levine and Mazar (eds), 2001).
وسأركز في هذا القسم وما يليه على الأبعاد الاجتماعية والسياسية خلف الصراع بين أنصار التحقيب المنخفض والتحقيب العالي.
يحاول عميحاي-وهو عالم آثار بارز وأستاذ فخري في الجامعة العبرية، وابن شقيق بنيامين مزار، ويصنف نفسه كمحافظ معتدل- التقليل من وطأة التأثير الاجتماعي والسياسي على أعمال زملائه في كلتا المدرستين: “معظم المنخرطين في هذا النقاش هم علمانيون، ينهلون من مشارب تعليمية متشابهة، وتجمعهم آراء سياسية وسطية. لن تجد بينهم متطرفين من أقصى اليمين أو أقصى اليسار، يتمركزون جميعاً في منتصف الطيف السياسي. لا أعتقد أن الاعتبارات والمواقف السياسية تلعب دوراً حاسماً هنا في صياغة مواقفهم الأكاديمية”.
على النقيض من ذلك، يرى أهارون مائير من جامعة بار إيلان أن “أحد أهم أسباب المشكلة هو الدوافع ذات الطابع السياسي”. وفي إشارة صريحة إلى إيلات مزار-عالمة الآثار من مدرسة القدس المحافظة، وحفيدة بنيامين مزار- صرّح مائير: “قد تنكر إيلات الدوافع السياسية لأبحاثها، لكن يكفي النظر إلى مصادر تمويلها، حيث تتلقى دعماً جزئياً من جمعية ‘إلعاد’ القومية الاستيطانية، وإلى رؤيتها للعالم لتعرف الحقيقة”. (ولكن سرعان ما تراجع مائير عن تصريحه، نافياً وجود أجندة سياسية لإيلات مزار: Shtull-Trauring, 2011).
وفي واقع الأمر، ينضوي السواد الأعظم من علماء الآثار الإسرائيليين تحت لواء التيار الصهيوني السائد، إلا أن هذا لا يعني خلو أبحاثهم من التأثيرات والتجاذبات الاجتماعية، والسياسية، والثقافية. فعلى سبيل المثال، يبدي علماء الآثار الصهاينة المعاصرون تشكيكاً أقل بكثير تجاه الكتاب المقدس إذا ما قورنوا بـ التقليليين غير اليهود المناصرين للفلسطينيين في أوروبا، أو بالفلسطينيين أنفسهم، أو حتى بتيار ما بعد الصهيونية في إسرائيل.
علاوة على ذلك، توجد فروقات عميقة بين مدرستي تل أبيب والقدس تعود في جذورها إلى قضايا اجتماعية وسياسية، كما أقرّ بذلك أهارون مائير على مضض. فمن جهة، يقف زئيف هرتسوغ من مدرسة تل أبيب متعاطفاً مع المؤرخين الجدد، مبدياً شكوكاً تجاه النص الكتابي تفوق بكثير شكوك الجيل السابق من علماء الآثار الصهاينة. ومن جهة أخرى، تقف إيلات مزار لتمثل الرؤية القومية، حاملة راية إرث الجيل السابق، كما سيتضح لاحقاً.
ويمكن تعقب الخيوط التي تربط بين المواقف الاجتماعية والسياسية، والافتراضات النظرية، وتأويل الأدلة الأثرية. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح عند عقد مقارنة بين الرؤى الصهيونية ورؤى ما بعد الصهيونية. وأسطع مثال على ذلك هو أعمال شلومو ساند، المفكر العلماني اليساري، وأستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، والذي يُصنف ضمن تيار ما بعد الصهيونية. فقد أثار كتابه الإشكالي “اختراع الشعب اليهودي” (2009) ضجة كبرى وتحول إلى الكتاب الأكثر مبيعاً في إسرائيل. وتبع هذا النجاح بكتابين آخرين: “اختراع أرض إسرائيل” (2012)، و”كيف ومتى توقفت عن كوني يهودياً” (2013).
تعرض ساند لهجوم كاسح من ممثلي النخبة الصهيونية؛ مثل المؤرخين أنيتا شابيرا وإسرائيل بارطال ويوآف غيلبر (Shapira, 2009; Karpel, 2012; Haaretz, 2012; Gelber, 2012). وشمل الهجوم محاولة الطعن في أهليته العلمية ورسم حدود التخصصات، حيث تذرع خصومه بافتقاره للسلطة المعرفية التي تخوله البت في هذه القضايا، نظراً لأن تخصصه الدقيق هو التاريخ الفكري لفرنسا، والعلاقة بين السينما والتاريخ. والمثير في هذا السجال غياب أي فصل واضح بين:
- الرؤى الصهيونية أو رؤى ما بعد الصهيونية للأطراف المتنازعة.
- مقارباتهم المنهجية للتاريخ، ونشأة القومية، والموقف من الكتاب المقدس وعلم الآثار الكتابي.
- الموقف من السؤال الإشكالي: هل يهود اليوم هم حقاً أحفاد يهود حقبة الهيكل الثاني، أم أن الفلسطينيين هم -جزئياً- سلالة هؤلاء الأجداد؟
تتداخل هذه القضايا وتشكّل صميم السجال ذاته. فهدف ساند، على سبيل المثال، هو تعرية الطريقة التي يعمل بها أنصار القومية اليهودية على اختطاف الكتاب من اللاهوت لوضعه في التاريخ، لقراءته وكأنه وثيقة تاريخية موثوقة تسجل أحداثاً وعمليات حقيقية” (Sand, 2009: 127). وإذن، ليس غريباً أن يكون أكثر تشكيكاً في الروايات الكتابية من المفكرين الصهاينة بمن فيهم مدرسة تل أبيب، وأن يُظهر دعماً واضحاً للتقليليين الكتابيين. ويرى أن أعمال رواد مدرسة تل أبيب-نعمان وفنكلشتين وهرتسوغ- تقدم نتائج جذابة. ويصف حججهم التي تثبت استحالة كتابة التوراة قبل أواخر القرن الثامن ق.م بأنها “مقنعة إلى حد كبير”. غير أنه يرفض-رغم هذا الإطراء- الفرضية المركزية لأعمالهم، والتي ترى أن القصص الكتابية تشكلت وتنقحت أساساً لخدمة مصالح ورؤى مملكة يهوذا في عهد يوشيا (القرن السابع ق.م).
يجادل ساند بأن هذه التفسيرات تعاني من خلل “المفارقة التاريخية فمع إقراره بأهمية كتاب فنكلشتين وسيلبرمان “التوراة مكشوفة على حقيقتها” ووصفه بالعمل “الغني والمحفز”، إلا أنه يلاحظ سعيهما لرسم “صورة لمجتمع قومي حديث نسبياً، يسعى الملك المهيمن في يهوذا إلى توحيد شعبه مع اللاجئين القادمين من مملكة إسرءيل المنهارة، وذلك عبر ‘اختراع’ التوراة”، ويرى أن فنكلشتين وزملاءه يُسقطون سمات المجتمع الحديث المعتمد على التكنولوجيا والثقافة الكتابية، على مجتمع فلاحي أُميّ عاش في القرن السابع ق.م، مفتقراً لأي نظام تعليمي، أو لغة مشتركة موحدة، أو وسائل تواصل متقدمة. فبالنسبة للأميين، “قد تمثل التوراة طوطماً مقدساً Fetish، ولكن من المستحيل تحولها إلى موقد إيديولوجي تلتف حوله الجماهير”.
أضف إلى ذلك، لم يكن بقاء الملك في العصور القديمة مرهوناً برضا الجماهير أو الرأي العام، بل كان يعتمد على ضمان إجماع إيديولوجي سلالي، وإن كان هشاً، بين طبقة الإداريين وطبقة ضيقة من النبلاء وملاك الأراضي (Sand, 2009: 123-124). ويختتم نقده بخلاصة لاذعة: “تفسير نشأة التوحيد الأول كنتاج حملة دعائية واسعة قادتها مملكة صغيرة وهامشية تسعى لضم أراضٍ في الشمال، هو حجة تاريخية تفتقر بشدة للإقناع. لكنها، ربما، تعكس وتترجم مزاج إسرائيلي رافض لضم الأراضي في أوائل القرن الحالي. إنها نظرية غريبة حقاً؛ أن نفترض دور الاحتياجات البيروقراطية والمركزية لحكومة القدس الصغيرة قبل سقوطها، في توليد عبادة التوحيد المتمثلة في ‘يهوه وحده’، وأنتجت هذا العمل اللاهوتي الاسترجاعي في صورة الأجزاء التاريخية من الكتاب المقدس. ومن المؤكد أن معاصري الملك يوشيا، لو قُدر لهم قراءة الروايات التي تصف قصور سليمان العظيمة، لتوقعوا رؤية بقايا تلك العظمة في شوارع مدينتهم. وبما أن علم الآثار أثبت أن تلك القصور الشاسعة لم تكن موجودة أصلاً، فكيف أمكن وصفها قبل دمارها الخيالي المزعوم؟” (Sand, 2009: 124).
يرجح ساند أن أرشيفات مملكتي يهوذا وإسرائيل احتفظت فقط بحوليات إدارية ونقوش انتصار متبجحة صاغها كتبة البلاط، مثل شافان كاتب يوشيا. ويعترف: “نحن نجهل محتوى تلك الحوليات، وسنظل نجهله للأبد”. ويميل، في فضاء التأويل النظري الواسع، إلى موقف التقليليين الكتابيين، أو مدرسة كوبنهاغن-شيفيلد؛ فنظريتهم “أكثر إقناعاً” في نظره، حتى وإن لم نضطر لقبول كل افتراضاتها ونتائجها. ويجادل بأن هذه الحوليات والنقوش استُخدمت لتأليف النص الكتابي بعد سقوط مملكة يهوذا، متأثرة بأمثال وأساطير وخرافات الشرق الأدنى، فضلاً عن تجربة السبي من يهوذا والعودة في القرن السادس ق.م. نشأ التوحيد والكتاب المقدس نتيجة التقاء النخب الفكرية اليهوذية بالديانة الفارسية المجردة. لقد حرر غياب النظام الملكي الكتبة والكهنة، ومنحهم القدرة على مديح داود، مؤسس السلالة، ونقده أيضاً (Sand, 2009: 124-128).
- دفوعات فينكلشتين وكبش فداء شارع شينكين
في إحدى محاضراته في جامعة تل أبيب، استدعى فينكلشتين الهواجس العميقة التي باح بها عالم الآثار المسيحي “رولان دوفو” بشأن إيمانه بالعقيدة اليهودية-المسيحية. وطرح تساؤلاً افتراضياً: هل يتبنى هو شخصياً هواجس دوفو؟ وسارع بالنفي القاطع، مشدداً على تمايزه التام سواء على صعيد الهُوية الدينية أو المنهجية البحثية (Finkelstein, 2006–2007: Lecture 1).
ومع ذلك، أبدى فنكلشتين تعاطفاً مماثلاً مع الجيل السابق من علماء الآثار الصهاينة، ورسم في الوقت ذاته فاصلاً بينهم وبين الجيل الجديد: “واجهنا هنا حاجة عميقة لخلق ثقافة وتجذير أناس ينتمون لقوميات شتى وفدوا من أماكن متفرقة، ومثّل علم الآثار أداة قوية لتحقيق هذا الهدف. تجند الجميع في هذا الجهد بدافع قناعة داخلية عميقة، وهذا أمر يخلو من أي خطأ. رأى يادين التاريخ يعيد نفسه: غزو الأرض قديماً وحديثاً، ومملكة داود وسليمان المجيدة قديماً وحديثاً، متخذة هذه المرة شكل ديمقراطية في الشرق الأوسط. تلاعب علماء الآثار بالماضي والحاضر، ويصعب توجيه النقد إليهم بسبب ذلك” (Finkelstein in Shtull-Trauring, 2011).
وحين طرح صحفي سؤالاً عليه حول المخاوف من استغلال نظريته لخدمة منكري الحجة الصهيونية. أجاب بطريقة تنم عن نسخة صهيونية تفوق نسخة أسلافه نضجاً ونقداً: “يبدو الجدل حول حقنا في الأرض سخيفاً. وكأن لجنة دولية في جنيف تجلس لتفحص تاريخ الشعوب. يأتي شعبان، فيقول أحدهما: ‘أنا هنا منذ القرن العاشر ق.م’، ويرد الآخر: ‘إنه يكذب، هو هنا منذ القرن التاسع ق.م فقط’. ماذا سيفعلون؟ هل سيطردونه؟ هل سيطلبون منه حزم أمتعته؟ يمتد تراثنا الثقافي إلى تلك العصور على أي حال، وهذه القصة برمتها محض هراء. لقد وُجدت أورشليم، وضمت هيكلاً جسّد أشواق اليهوذيين الذين سكنوها، وأشواق اليهود لاحقاً في زمن عزرا ونحميا. ألا يكفي ذلك؟ كم عدد الشعوب التي يمتد تاريخها إلى القرن التاسع ق.م أو العاشر ق.م؟ بل دعنا نذهب أبعد من ذلك: لنفترض لم يكن هناك خروج من مصر، ولم تقم مملكة موحدة وعظيمة، وأننا كنعانيون حقاً. هل سينتقص هذا من حقوقنا أو يُزعزع مكانتنا؟ بالطبع لا!” (Finkelstein in Lori, 2005).
دأب فنكلشتين في كتبه ومحاضراته ومقابلاته، على تأكيد إيمانه الراسخ بضرورة “الفصل التام” بين الإيمان والتقاليد والبحث الأثري. وهو يقبل اللاهوت الكتابي الذي يثير حماسته بشدة. ويهمه أن يدرك جمهوره الإسرائيلي مدى اعتزازه بالتقاليد اليهودية وابتعاده عن أي محاولة لتقويضها. عجز سكان يهوذا في أواخر العصر الملكي عن بناء جدار مستقيم أو صناعة فخار يستحق العرض في متحف، ومع ذلك، وبتفجر إبداعي استثنائي يشبه ما حدث في أثينا وفلورنسا، ألفوا الوثيقة التأسيسية لليهودية والمسيحية. ولأن الهُوية تهدد الموضوعية، والبحث يهدد الهُوية، يتمسك فنكلشتين بهذا الفصل كحل “يحرر التوتر” (Finkelstein, 2006-2007: Lecture 13).
لم يختفِ البعد الاجتماعي والسياسي من علم الآثار الكتابي رغم ادعاءات فنكلشتين. إذ يستحيل فصل هُوية الباحث عن حقل دراسته. ويواصل فنكلشتين وخصومه تبادل الاتهامات بالخضوع لتأثيرات اجتماعية وسياسية. يتهم التقليليون، مثل وايتلام، فنكلشتين بتضخيم التوطن الإسرءيلي سعياً وراء الكيان القومي “إسرءيل”، وتهميش المناطق الكنعانية، كما رأينا سابقاً. ويتهم الصهاينة المحافظون فنكلشتين ومدرسة تل أبيب بالتآمر مع التقليليين، كما سنرى لاحقاً. يقدم فنكلشتين وخصومه المحافظون أعمالهم كأبحاث موضوعية ومحايدة، غير أن السجال الدائر بينهم يفضح آراءهم الاجتماعية والسياسية وقيمهم الثقافية.
يكرر فنكلشتين توضيحه بغياب أي تهديد للصهيونية أو اليهودية في أبحاثه. ويقدم نفسه للجمهور الإسرائيلي، بأسلوب خطابي، كفرد من الشعب يشاطره قيمه ومخاوفه. يشرح فنكلشتين وسيلبرمان، في المقدمة العبرية لكتاب “التوراة مكشوفة على حقيقتها” (Finkelstein and Silberman, 2001)، حتمية الفصل بين تماهي القارئ اليهودي مع النص الكتابي وبين الدراسة العلمية لهذا النص. الإيمان والتقاليد والبحث عوالم متوازية. لقد نضج المجتمع الإسرائيلي وفقاً للمؤلفين. وربط شرعية إسرائيل بدقة الأوصاف الكتابية فكرة طفولية. لن يغير من جوهر الأمر شيء القول بسيطرة سليمان في القرن العاشر ق.م على مملكة كبيرة أو قرية صغيرة وأراضٍ محدودة، فهذا تفصيل لن يضيف الكثير. لقد وجدتا مملكتا يهوذا وإسرائيل بالفعل في القرن التاسع ق.م.
علاوة على ذلك، ينقلب الاستخدام السياسي للتاريخ القديم إلى سلاح ذي حدين أحياناً. ربما يبدو الادعاء بأن الإسرائيليين يتحدرون من الكنعانيين هرطقة، غير أن فنكلشتين وسيلبرمان يعتقدان أن هذا الادعاء يسحب البساط من تحت أي زعم يربط جذور جماعة أخرى بالعالم الكنعاني. وتستهدف هذه المناورة الخطابية لهما حجج التقليليين السياسية، كحجة الإسكات التي يطرحها وايتلام، كما تستهدف السردية الفلسطينية كذلك.
ويضيف فنكلشتين وسيلبرمان أن إسرائيل، كمجتمع ديمقراطي وليبرالي ومنفتح، ملزمة بمواجهة ماضيها ودعم حرية البحث العلمي، وهذا يفوق في أهميته القصور الفخمة من القرن العاشر ق.م. لقد وضع المؤلفان كتابهما بدافع الاحترام العميق لما أسمياه “الحقيقة” الكتابية، أي ذلك البعد الذي يعالج واقع شعب يهوذا واحتياجاته ومصاعبه في أواخر العصر الملكي وخلال الحقبة الفارسية.
تقوم الثيمة المركزية في نظرية فنكلشتين على مفهوم الدفوعات Apology؛ إذ يرى أن السردية الكتابية قد صِيغت في جزء كبير منها كأعذار ومبررات. ويتجلى ذلك، مثلاً، في محاولة تبرير سلوك الملك داود، أو في الأعذار التي ساقها الكاتب التثنوي الثاني Second Deuteronomist لتفسير كارثة دمار الهيكل الأول، وسقوط مملكة يهوذا، والسبي البابلي (Finkelstein, 2006-2007; Finkelstein and Silberman, 2001). ولا تورع في بعض الأحيان من طرح مقاربات مثيرة بين الماضي والحاضر: ” ‘لقد كان ملوك إسرءيل أوغاداً’، هكذا قال أهل يهوذا قديماً، ‘أما الشعب هناك، فلا مشكلة لنا معهم، إنهم على حق’. لقد نظروا إلى مملكة إسرءيل الشمالية تماماً كما ينظر إليك أو إليّ يهودي حريدي (أرثوذكسي متشدد) اليوم: ‘إسرائيل تظل إسرائيل وإن أخطأت'” (Finkelstein in Lori, 2005).
لكن المفارقة الساخرة تكمن في أن فنكلشتين، وهو يفكك هذه “الدفوعات الكتابية”، ينسج دون قصد دفوعاته الشخصية. فهو يفخر بجذوره؛ فعائلة والدته قدمت إلى فلسطين عام 1860، بينما وصلت عائلة والده قبل تسعة عقود. وفي مقابلة مع هآرتس، استمات في الدفاع عن نفسه ونفي تهمة كونه عدمي مترف وعلمانياً من تل أبيب، أو يسارياً ينتمي لتيار ما بعد الصهيونية.
ولجأ للدفاع عن نفسه إلى استخدام ذات الاتهامات النمطية التي يطلقها الحاخامات الحريديم، وسياسيو الأحزاب الدينية واليمينية، وغلاة الصهاينة التقليديين ضد شارع شينكين؛ هذا الشارع وسكانه الذين يُطلق عليهم “شينكينايم” أصبحوا الرمز الأبرز لعلمانية تل أبيب. فيقول فنكلشتين بانفعال: “ماذا تركوا ولم يقولوه عنا؟ نُعتنا بالعدميين، والمخربين للثقافة الغربية، والمهددين لحق إسرائيل في الوجود. حتى إن أحدهم تجرأ ووصمنا بـ ‘منكري الكتاب’… لست مجرد شخص ‘شينكيني’ عدمي أو غوييمي [مشركاً/غير يهودي]”!… فماذا عساي أفعل إذن؟ أرحل؟ وإلى أين؟ إلى غرودنو؟ لا أرغب بالذهاب إلى هناك… ربما تكون الحياة في بوسطن أو باريس أكثر هدوءً ومتعة، لكن طالما اخترت العيش هنا، فعليك على الأقل أن تنخرط في التجربة التاريخية المستمرة وتدرك قوتها. أما إن كنت تعيش هنا فقط من أجل حفلات الشاطئ مساء كل خميس، فالأفضل لك ألا تعيش هنا؛ هذا مكان خطير. من يظن أن تل أبيب نسخة من ‘غوا’ [منتجع ساحلي هندي شهير]، فقد أخطأ فهم الحقيقة تماماً” (Finkelstein in Lori, 2005).
لم يتوانَ بن غوريون-وهو الصهيوني المتزمت- عن وصف تل أبيب وحيفا، في رسالة تعود لعام 1955، بأنهما “سدوم وعمورة عصرنا” (Sima, 2012).. وكل من يلم بتعقيدات الخطاب الإسرائيلي، سيدرك أن الشيء الوحيد الذي نسي فنكلشتين قوله وهو يرجم “كباش الفداء” في شارع شينكين، هو اتهامهم بـ “أكل السوشي”!. [5. الهوامش] وعادةً، عندما يستخدم اليهود الأرثوذكس المتشددون مصطلح “أممي” (Gentile) في سياق كهذا، فإن خطوتهم التالية تكون دعوة الخصم للتحول إلى المسيحية.
ورغم أن فنكلشتين يقف على طرفي نقيض مع الأرثوذكسية، إلا أنه يجد نفسه مضطراً، كوطني ملتزم بالتقاليد اليهودية (ولا تسعى أبحاثه لتقويض اليهودية أو الصهيونية)، لتقديم كشف حساب لخصوم حقيقيين ووهميين. من أبرز هؤلاء آدم زرطال، الأستاذ الفخري في جامعة حيفا وممثل الجيل القديم لعلماء الآثار الصهاينة؛ فقد أدرج زرطال كلاً من فنكلشتين، وهرتسوغ، ومدرستهما ضمن “منكري الكتاب المقدس”؛ وهو مصطلح مشحون بدلالات قاسية تستدعي فوراً تهمة “إنكار المحرقة” (Zertal, 1999; Zertal 2000).
جاء الرد غير المباشر من سكان شينكين (الشينكينايم) عبر الفيلم الكوميدي الناجح “هذه هي سدوم” (This is Sodom, 2010)، للمخرجين مولي سيغيف وآدم ساندرسون عام 2010 ومن إنتاج فريق برنامج “إيرتس نهديرت” ארץ נהדרת [البلد الرائع] ؛ أحد أنجح البرامج التلفزيونية الساخرة في إسرائيل (يشبه صيغة برنامج Saturday Night Live).
يحمل هذا الفريق هُوية اجتماعية وسياسية فاقعة: فهو ينطق بلسان يسار الوسط وتحديداً أناس تل أبيب الأشكناز العلمانيون، الليبراليون، وكثيراً ما يشتبك البرنامج مع السياسيين الدينيين واليمينيين. يُعرّف سيغيف نفسه (وهو مبتكر البرنامج ورئيس تحريره) كنموذج نمطي للناخب في حزب العمل؛ رغم إقراره بالتصويت في انتخابات 2013 لحزب ميرتس اليساري، لمواقفه الأكثر حسماً حيال حل الدولتين، وتفكيك المستوطنات، وفصل الدين عن الدولة، ومواجهة التشريعات الدينية والمؤسسة الأرثوذكسية. وفي مقابلات إعلامية (Halutz, 2013)، لم يُخفِ سيغيف خشيته من انهيار الرؤية الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل تحت وطأة الرؤية القومية الثيوقراطية.
يُقدم فيلم “هذه هي سدوم” قصة رمزية Allegory لاذعة حول الصراع بين تل أبيب والعلمانية الإسرائيلية من جهة، وبين القومية الصهيونية واليهودية الدينية من جهة أخرى. يُصوّر الرب في الفيلم كبائع محترف ومراوغ، ينجح، في نهاية المطاف، في خداع أبراهام (الزبون الانتهازي والساخر) ليورطه في توقيع عقد معه. أما الملك “بيرع”، طاغية سدوم الشرير، فيمثل عمدة تل أبيب ونظام الحكم الإسرائيلي بأسره. يُرسل الرب رئيسي الملائكة رافائيل وميكائيل إلى سدوم متنكرين بزي شرطة يمتطيان دراجات نارية. وفي سياق الفيلم، يجب التذكير بأن الإسرائيليين والفلسطينيين غالباً ما يصفون بعضهم بـ “أبناء العمومة” (كأحفاد لإسحاق وإسماعيل).
وحين تصادف هاجر وابنها إسماعيل الملائكة في طريقهم إلى سدوم، تتقدم بشكوى ضد أبراهام الذي طردهما إلى الصحراء بلا مأوى. تصرخ: “أي مستقبل ينتظر هذا الطفل؟… من شدة يأسه سيقدم على عمل متطرف. سيأخذ جمله، ويدخل خيمة، ويفجر نفسه ويرسل الجميع إلى السماء، يا رحمة الله!”. وحين يسألها إسماعيل مذهولاً: “ماذا؟!”، تهمس له : “سايرني فقط!”.
في المشهد الختامي، تنجو سدوم من الدمار، ويُنصب لوط ملكاً على المدينة-الدولة (عمدة لسدوم). تنتقل الكاميرا من مشهد بانورامي لسدوم القديمة إلى مشهد مماثل لتل أبيب الحديثة، بينما يوضح التعليق المكتوب: “ظلت سدوم مدينة مزدهرة ونابضة بالحياة. ولاحقاً، انتقل سكانها إلى موقع عقاري أفضل”. أما الملك بيرع-الذي فرّ بأموال سدوم متنكراً بزي لوط- فينضم لعائلة أبراهام.
ويُختتم الفيلم بتعليق يقول: “أسس أبراهام وبيرع سلالة مجيدة، وعاشا جيراناً طيبين مع شعوب المنطقة”، بينما تظهر في الخلفية صورتهما جالسين في الصحراء، وهاجر تكنس الرمال بالمكنسة الكهربائية تحت أقدامهما! هكذا، تُعفى “سدوم الجديدة” المستقلة (تل أبيب) بسخرية مريرة من عبء الصراع العربي الإسرائيلي.
وهناك رد غير مباشر آخر من “الشينكينايم” يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع القسم التالي (حفريات جبل الهيكل/الحرم القدسي وما أثارته من اتهامات وجهها فنكلشتين لمدرسة القدس). فقد أصدرت فرقة الروك الإسرائيلية “قايين وهابيل 90210” (Cain & Abel 90210)- والذين يُعرفون أنفسهم بفخر أنهم شينكينايم- أغنية ساخرة بعنوان “سقوط حر (حفريات) نفيله حوفشيت (حفيروت) נפילה חופשית (הפירות).. وتتلاعب الأغنية بلفظة “حر” (حوف… شيت) العبرية لتُحاكي نطق كلمة “قذارة” (Shit) بالإنجليزية(shit…. Hof)، لتُضفي على العمل بُعداً نقدياً لاذعاً يربط بين هوس الحفريات والجوانب المظلمة للصراع. وتصف كلمات الأغنية هذا الهوس قائلة:
فوق الجبل.. حفريات تنخر في جمجمتي
الآلات متأهبة للسحق والتدمير
ليس وقتاً سيئاً لنشعر به..
يوم الدينونة!
واجه الكابوس..
قاتل من أجل جبل الهيكل أو مُت
لا تقلق على زوجتك..
فالموت واجب، وامتياز أيضاً!
ذكريات أثرية تصطف على خط الزمن..
صور تتوالى في ترتيب زمني، تقودني… إلى أين؟
هذا سقوط حر!
خر خر خر… (Shit Shit Shit)
- الحفريات في مدينة داود
تتصدر إيلات مزار- عالمة الآثار في الجامعة العبرية وعضوة مركز شاليم- واجهة التيار الصهيوني المتشدد، حاملةً لواء الإرث الذي أرساه جدها بنيامين مزار. وتُعبر عن هذا الارتباط العضوي بقولها: “أهم ما تعلمته من جدي هو كيفية التعاطي مع النص الكتابي؛ قلّبه على وجوهه كافة، وأعد النظر فيه مراراً وتكراراً، فهو يختزن بين طياته وصفاً دقيقاً لواقع تاريخي حقيقي” (Mazar, 2006b: 20).
إلى جانب ذلك فهي تتبنى قراءة حديّة أصولية تامة للنصوص الكتابية. وقد صاغت فرضياتها النظرية هُويتها اليهودية-الصهيونية، ووجهت بوصلة توقعاتها، وضخمت من أهمية العثور على الأطلال المادية للمملكة العظيمة المنسوبة للبطلين القوميين الأسطوريين: داود وسليمان. وفي مداخلة لها خلال “مؤتمر هرتسليا السادس” ضمن جلسة خُصصت للبعد الوطني والأمن القومي، جاهرت بأن عملها يُبرز “القيمة الاستثنائية للكتاب المقدس كمصدر تاريخي فذ، يفيض بالروايات التاريخية الأصيلة”.
بالنسبة لها، يشكل الكتاب المقدس وبقايا المباني القديمة في القدس جذوراً “محفورة في صميم وجودنا، ومنها نستمد قوتنا القومية”. وتصف عملها الأثري بأنه “حبل سُري يربطني شخصياً بالتاريخ القديم لشعب إسرائيل في أرض إسرائيل. يمكنكم تسمية ذلك، إن شئتم، ‘قوة قومية’ من منظور شخصي” (Mazar, 2006a).
لا تنفصل الحفريات الجارية في البلدة القديمة بالقدس، وتحديداً في موقع مدينة داود جنوب الحرم القدسي، عن السياسة القومية والدولية؛ بل هي في قلب اهتمام الآلة الإعلامية. فاكتشاف بسيط قد يكون كافياً لتشغيل ماكينة الدعاية القومية بأقصى طاقتها.
ففي أيلول 2013، على سبيل المثال، أعلنت بعثة مزار في منطقة أوفل بين جبل الهيكل [الحرم القدسي] ومدينة داود -عن اكتشاف كنز ذهبي يعود لأواخر الحقبة البيزنطية (القرن السابع الميلادي تقريباً). ضم ميدالية ذهبية نُقش عليها الشمعدان (المينورا – מנורה)- الرمز الوطني لدولة إسرائيل)، إلى جانب نقش لقرن الكبش (الشوفار – שופר) ولفائف التوراة.” [7. الهوامش] وسرعان ما تصدّر الخبر عناوين الصحف (Reinstein, 2013; Hasson, 2013b)، وأعقبته موجة التعليقات المعتادة حول “الحق اليهودي في الأرض” و”الخيال الفلسطيني”. وسارع رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو للاتصال بمزار وتهنئتها، وتكفلت وزارة الخارجية الإسرائيلية بنشر الخبر على نطاق واسع، كعادتها مع أي مكتشفات تعزز الرواية اليهودية.
ونقلت الوزارة عن نتنياهو قوله: “إنه اكتشاف مذهل. على المستوى القومي، هو شهادة ساطعة كالشمس على الوجود اليهودي القديم وقدسية المكان… إنها شهادة تاريخية من الطراز الأول على ارتباط الشعب اليهودي بالقدس وأرضها وتراثها. هذا الاكتشاف-الشمعدان، والبوق، ولفافة التوراة- يختزل جوهر تراثنا بأكثر الطرق وضوحاً وإيجازاً” (Netanyahu; Israel Ministry of Foreign Affairs, 2013).
لم يتوقف نتنياهو هنا؛ ففي كانون الأول 2013، تفاخر أمام حشد من أعضاء حزب الليكود بتفاصيل لقائه مع وزير الخارجية الصيني: “أخذته إلى مكتبي، وعرضت عليه ختماً من زمن الهيكل الثاني [يقصد الهيكل الأول]، من أيام الملك حزقيا، قبل حوالي 3000 عام… أريته الختم الذي خُصص لموظف في بلاط حزقيا وعُثر عليه قرب الحائط الغربي [حائط البراق]… وقلت له: ‘انظر، هناك اسم مكتوب بالعبرية، اسم تعرفه جيداً: نتنياهو!’… وأضفت: ‘هذا الختم يعود لثلاثة آلاف عام، لكن اسمي الأول يعود لأربعة آلاف عام!'” (Netanyahu in Verter, 2013). طبعاً، لم يخبر ضيفه الصيني أن اسم العائلة “نتنياهو” لم يكن قادماً من عمق التاريخ، بل اختاره والده، المؤرخ الصهيوني اليميني بن صهيون نتنياهو، الذي وُلد في وارسو باسم “بن صهيون ميليكوفسكي”! فالواقع أن “عبرنة” (Hebraization) أسماء العائلات كانت إحدى الأدوات المركزية في صناعة الهوية القومية منذ البدايات الأولى للصهيونية.
وفي ذات السياق أطل نفتالي بينيت-وزير الاقتصاد وزعيم حزب “البيت اليهودي” الممثل لليمين الديني والمستوطنين- في مقابلة مع شبكة CNN في 17 تشرين الثاني 2013. وحين سألته المذيعة كريستيان أمانبور عن المستوطنات في الأراضي المحتلة، أخرج عملة قديمة ولوح بها قائلاً: “هذه العملة، التي نقش عليها ‘حرية صهيون’ بالعبرية، استخدمها اليهود قبل 2000 عام هنا في دولة إسرائيل، في الأراضي التي تسمونها محتلة. لا يمكن للمرء أن يحتل وطنه!”.(رابط المقابلة مع بينيت: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/523/195.html). ولكن، لم يكد يمضي شهر واحد فقط، حتى انقلب ليهاجم علم الآثار! فحين لا يتماشى البحث الأثري مع أجندته السياسية-الدينية، يصبح تهديداً للهُوية. كتب بينيت بحدة (رابط المنشور: “نشهد مؤخرا حملة ممنهجة لمحو الهوية اليهودية لدولة إسرائيل، تقودها منظمات عدة بالتعاون مع صحيفة هآرتس. تارة ينشرون مقالات تزعم غياب أي أساس تاريخي أو أثري يربط الشعب اليهودي بأرضه… وتارة يهاجمون زيارات الطلاب لمواقع التراث اليهودي… ومرةً يشنون حملة مسعورة ضد الختان!” https://www.facebook.com/NaftaliBennett/posts/671099339578404.
لا يختلف المشهد كثيراً على الجانب الفلسطيني. ففي مؤتمر عُقد في كانون الثاني 2014، أعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات بفخر، وبحضور زميلته الإسرائيلية في المفاوضات تسيبي ليفني، أنه سليل الكنعانيين الذين سكنوا هذه الأرض قبل آلاف السنين من قيام يشوع وبني إسرءيل بتدمير أريحا (Beck, 2014; Yaakov, 2014). وسرعان ما ردت وسائل الإعلام والمدونون المؤيدون لإسرائيل بالادعاء أن عريقات ينحدر فعلياً من أصول بدوية، وتحديداً من قبيلة الحويطات في شبه الجزيرة العربية! (روابط الردود على عريقات: http://elderofziyon.blogspot.co.il/2014/02/erekats-latest-lie-my-family-was-in.html http://elderofziyon.blogspot.co.il/2014/02/saeb-erekat-admits-he-is-jordanian.html وهنا http://www.assawsana.com/portal/pages.php?newsid=167478).
وأمام هذا الاستدعاء المتبادل للتاريخ، تبرز السخرية كأداة نقدية، خاصة مع كتّاب يساريين. ففي أحد مقالاته الساخرة، يروي سيد قشوع- الذي تعكس كتاباته التوتر الدائم بين هُويته العربية الفلسطينية ووكونه مواطناً إسرائيلياً- كيف ساعد ابنته في إعداد واجب مدرسي عن “الجذور”. حين سألته ابنته عن معنى اسمها، التفت قشوع لزوجته قائلاً: ” سيتعين علينا الغوص في تاريخ جذورنا لثلاثة آلاف سنة للوراء! أنتِ تعرفين القوم [يقصد اليهود-المترجم]، علينا الوصول إلى قطعة الأرض التي اشتراها أبونا إبراهيم في الخليل ليدفن فيها موتاه!”. وقرر إخبار ابنته أن اسمها هو “آلة موسيقية كانت مفضلة جداً لدى الكنعانيين”. فسألت الابنة: “هل تُكتب بحرف الكاف أم القاف؟”، فصرخ قشوع: “بالكاف! وانتبهي للسانك حين تتكلمين معي، يا عفو الله! نحن هنا نتحدث عن أجدادك العظماء” (Kashua, 2012).
وعلى ذات المنوال، رد بيني تسفير-المحرر الأدبي في صحيفة هآرتس- على توظيف نتنياهو ومزار للميدالية الذهبية. يشتكي بيني تسفير من أن “علم الآثار الانضوائي أو المُجند” Enlisted Archaeology تحول إلى “كاريكاتير يلوث نقاء العلم بغبار الأيديولوجيا القومية-الدينية”. ويصف هذا التوظيف بأنه “نوع من تعويض علاجي لأمم تعاني من عقدة النقص وتدني تقدير الذات في الحاضر”؛ بما يشبه هوس الرومانيين في عهد تشاوشيسكو بإثبات انحدارهم من قبائل الداسيين، أو هوس الأتراك بإثبات أصولهم الحثية. ويختتم سخريته بالتذكير بأن قادة آخرين قد يستخدمون ذات المنطق الذي استخدمه نتنياهو، بمجرد العثور على كنز عثماني، أو بيزنطي، أو عربي في القدس (Ziffer, 2013).
بالعودة إلى حفريات مزار؛ بناءً على تنقيبات سابقة، واعتماداً على النص الكتابي (سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 5)، تؤمن مزار بأن “قصر الملك داود” يقع ضمن موقع “مدينة داود”. وتجادل بأن القصر شُيد خارج أسوار القدس القديمة لضيق المساحة داخلها. وحين تعرضت المدينة للهجوم، هبط داود إلى حصن اليبوسيين القريب (حصن صهيون) كما في النص. رغم رفض المجتمع الأثري لفرضياتها، وعجزها المبدئي عن تأمين التمويل اللازم، إلا أنها-كباحثة أولى في “مركز شاليم”- حظيت بدعم رئيس المركز دانييل بوليسار، الذي جمع لها التمويل المطلوب من رئيس مجلس إدارة المركز، روجر هيرتوغ. وهكذا، انطلقت حفريات مزار عام 2005، بالتعاون مع جمعية “إلعاد”، وتحت المظلة الأكاديمية للجامعة العبرية في القدس (Mazar, 2007; Mazar, 2006b).
تتضح الأجندة السياسية والدينية للمنظمتين اللتين مولتا ودعمتا عمل مزار، وهما مركز شاليم وجمعية إلعاد. وتمثل إلعاد جمعية دينية يمينية متطرفة تروج للاستيطان اليهودي في المنطقة (Rapoport, 2006). ويعترف دورون سبيلمان، أحد مديري إلعاد، قائلاً: “حين نجمع الأموال لحفرية ما، يكون ملهمنا استكشاف نصوص الكتاب المقدس على الأرض، وهذا يرتبط حتماً بترسيخ السيادة في إسرائيل” (Draper, 2010).
ويمثل مركز شاليم معهداً بحثياً يمينياً محافظاً يحمل أجندة دينية قوية. ولخص هيرتوغ، رئيس مجلس إدارة المركز وممول الحفريات شخصياً، لصحيفة نيويورك تايمز أن الهدف هو إثبات “كيف يعكس الكتاب المقدس التاريخ اليهودي” (Erlanger, 2005). ويشرح بوليسار، رئيس المركز، هذه الأجندة لمجلة ناشيونال جيوغرافيك: “يستند ادعاؤنا بأننا من أعرق أمم العالم، ولاعب حقيقي في ميدان الأفكار الحضارية، إلى كتابتنا سفر الأسفار، الكتاب المقدس. انزع داود ومملكته من هذا الكتاب، وستحصل على كتاب مختلف. تتجاوز الرواية حينها التاريخ لتغدو محض خيال. ويصبح بقية الكتاب مجرد جهد دعائي لابتداع شيء لم يوجد قط. وإن عجزت عن إيجاد الدليل عليه، فالأرجح أنه لم يحدث. ولهذا تبدو الرهانات عالية جداً” (Draper, 2010).
تأثر مؤسسو ومديرو مركز شاليم، بوليسار ويورام حزوني وجوشوا وينشتاين، في شبابهم بأفكار الحاخام مائير كاهانا، واعتنقوا الأرثوذكسية. وكان كاهانا تزعم تيار أقصى اليمين، ومنعت السلطات حزبه “كاخ” عام 1988 من خوض انتخابات الكنيست بتهمة العنصرية (أعلنت الحكومة الإسرائيلية عام 1994 “كاخ” منظمة إرهابية). ورغم هذا التأثير، يرفض مديرو المركز أجندة كاهانا العنيفة. ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع رئيس الوزراء نتنياهو وحزب الليكود. وعمل حزوني مع نتنياهو، ويشترك المركز ونتنياهو في المانحين ذاتهم. وشغل موشيه يعلون، رئيس الأركان السابق ووزير الدفاع الحالي [حين نشر المقال عام 2014-المترجم]، منصباً في المركز. وحظي المركز باعتراف أكاديمي رسمي بفضل جهود وزير التعليم السابق غدعون ساعر (Lanski and Berman, 2007; Nesher, 2013).
كشفت بعثة مدينة داود عن منشأة حجرية ضخمة اعتبرتها مزار قصر الملك داود. ويقع تحتها مبنى مدرج من الحجر يمتد على منحدر التل، كانت حفريات سابقة كشفت أجزاء منه (وهو أكبر مبنى من العصر الحديدي في إسرائيل). تعتقد مزار أن هذا المبنى المدرج شكل دعامة للقصر. وُضعت حجارة القصر فوق ردم ترابي (إذ كان الموقع مساحة مفتوحة منبسطة قبل البناء). تُرجع مزار معظم الفخار المكتشف في هذا الردم إلى العصر الحديدي الأول، أي القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م، وهي الحقبة السابقة لانتزاع داود أورشليم من اليبوسيين. وتستنتج أن المنشأة الحجرية الضخمة بُنيت لاحقاً. واكتشف المنقبون مرحلة بناء ثانية في غرفتين شمالي المبنى الضخم، وربما شهدت الحافة الشمالية الشرقية مرحلة بناء ثالثة. أُرجعت الفخاريات المرتبطة بهاتين المرحلتين إلى العصر الحديدي الثاني(IIA)، أي القرنين العاشر والتاسع ق.م. وتستنتج مزار أن مرحلة البناء الأولى تعود إلى “بدايات العصر الحديدي الثاني (IIA)، وربما منتصف القرن العاشر ق.م تقريباً، وهو الوقت الذي يذكر فيه الكتاب المقدس حكم الملك داود للمملكة الموحدة”.
وعُثر في الزاوية الشمالية الشرقية للمبنى على فخاريات من العصر الحديدي الثاني (IIB) (القرنين الثامن والسادس ق.م)، مما يرجح استخدام المبنى حتى نهاية زمن الهيكل الأول. وتعزز هذا الاستنتاج بالعثور على ختم يحمل اسم “يَهُوخَل بْنُ شَلَمْيَا بْنُ شُوفِي” (Mazar, 2007; Mazar, 2006b). ويُطابق هذا الاسم شخصية ورد ذكرها في سفر إرميا (الإصحاح 37) بوصفه أحد موظفي بلاط الملك صدقيا (597-586 ق.م): [3 وَأَرْسَلَ الْمَلِكُ صِدْقِيَّا يَهُوخَلَ بْنَ شَلَمْيَا، وَصَفَنْيَا بْنَ مَعْسِيَّا الْكَاهِنَ إِلَى إِرْمِيَا النَّبِيِّ قَائِلًا: «صَلِّ لأَجْلِنَا إِلَى الرَّبِّ إِلهِنَا»].
ولم تسلم استنتاجات مزار من سيل الانتقادات التي وصمتها بـ “التسييس الفج”. وينقل الصحفي “روبرت درابر” مراسل ناشيونال جيوغرافيك، الذي أجرى لقاءات مع مزار وفينكلشتين وأقطاب المدارس المتنافسة، واقعة تلخص هذا الاحتقان. فقد رصد مزار وهي تواجه بانفعال شديد مرشداً سياحياً كان طالباً سابقاً لديها؛ حيث كان المرشد يشرح لفوج سياحي أن قصر الملك داود لم يُكتشف فعلياً، وأن أعمال التنقيب في مدينة داود ليست سوى واجهة لمساعي المؤسسات اليمينية الرامية لتعزيز الاستيطان وتهجير السكان الفلسطينيين.
ويصف درابر كيف تملك الغضب والاضطراب مزار وهي تواجه طالبها السابق، ليعلق لاحقاً على المشهد: “لا يوجد مكان آخر في العالم يتحول فيه علم الآثار إلى رياضة احتكاك مباشر ومواجهة مفتوحة كما يحدث هنا”؛ في إشارة لفرط التوتر السياسي الذي يغلف كل حجر يُستخرج في القدس (Draper, 2010).
وحين أعلنت مزار اكتشافها قصر الملك داود، لم يتوان فنكلشتين عن وصف الإعلام بالفورة الميسيانية [يقصد نوبة من الحماس الديني المشبع بهاجس الخلاص وتأكيد النبوءات.-المترجم]. وأضاف: “يكتشفون كل بضع سنوات في القدس ما يبدو أنه يؤكد الوصف الكتابي لعظمة المملكة في عصر داود. ويثبت الوقت خلو هذه المكتشفات من أي جوهر حقيقي، فيخبو الحماس، حتى تندلع الفورة التالية” (Finkelstein in Shapira, 2005).
يصور فنكلشتين الانحياز النظري لمدرسة القدس عموماً، ولمزار خصوصاً، نحو الموقف الحدي كحالة “فورة مسيحانية”، في غمز للاضطراب النفسي الديني المعروف بمتلازمة القدس Jerusalem Syndrome. وترتبط هذه الإيماءة في حالة مزار مباشرة بالخطاب السياسي الإسرائيلي، وبأجندة المنظمات الدينية اليمينية الداعمة لعملها، أي مركز شاليم وجمعية إلعاد.
وبقراءة متأنية لكلام فنكلشتين، يظل نقده السياسي للأبحاث في مدينة داود معتدلاً نسبياً في الواقع العملي (Finkelstein, 2011). وينطلق من موقع الوسط داخل الخريطة السياسية في إسرائيل اليوم. فهو يرى، أولاً، أن وسائل الإعلام الدولية تتبنى أحياناً الاتهامات الفلسطينية بشأن مدينة داود دون تمحيص. ويؤكد أن الموقع لا يتبع لقرية سلوان الفلسطينية، وينفي حفر أي أنفاق تحت المسجد الأقصى. ويشدد على التزام العمل الميداني بالقانون وبأعلى معايير علم الآثار الحديث، تحت إشراف سلطة الآثار الإسرائيلية. ويشتكي من بناء قرية سلوان شرقاً فوق مقابر يهودية أثرية فريدة مقطوعة في الصخر تعود للقرنين الثامن والسابع ق.م. ويضيف أن مياه الصرف الصحي تغمرها وتمتلئ بنفايات القرية، متجاهلاً التطرق لواقع القرى والأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية.
وكما يعد عنوان مقال رأيه، فإنه يتناول قضايا “تتجاوز السياسة”. يشارك فنكلشتين مزار وآخرين تأكيدهم أن مشاريع البناء تحت الأرض التي تنفذها الأوقاف الإسلامية تلحق دماراً هائلاً بالتراث الأثري في الحرم القدسي. ورغم ذلك، يبدي استياءه من إدارة الموقع واحتكار مركز الزوار بأيدي “منظمة غير حكومية ذات توجه سياسي يميني سافر”. ويحث مؤسسات الدولة، كسلطة الآثار وسلطة الحدائق الوطنية، على إيجاد آلية للإشراف على إدارة الموقع (Finkelstein, 2011).
يبدو تموضع فنكلشتين في موقع “الوسط” بالغ الأهمية بالنسبة له، على المستويين الشخصي والمعرفي، وتعكس آراؤه فعلياً تيار الوسط السياسي الإسرائيلي. وبينما تقف إيلات مزار وجمعية إلعاد على يمينه، يقف شلومو ساند وجمعية “عِمِق شَافيه” (Emek Shaveh) على يساره.
وخلافاً لمقال فنكلشتين، تصف تقارير جمعية عِمِق شَافيه اليسارية الحفريات في القدس الشرقية بأنها “وسيلة للسيطرة على قرية سلوان والبلدة القديمة”. وتدعي الجمعية إشراف منظمة إلعاد على بعض الأنشطة الأثرية في المنطقة وافتقارها للمعايير العلمية، وتحديداً مشروع غربلة الأنقاض المرفوعة من جبل الهيكل [الحرم القدسي] إبان أعمال البناء التي نفذتها الأوقاف الإسلامية (Emek Shaveh Association, 2013; 2012).
يأتي عمل إيلات مزار بأكمله في سياق تحصين وحماية الرواية الكتابية من جهود المدرسة التقليلية، ومن النظرية الأكثر اعتدالاً للتحقيب المنخفض (لا ينتقص هذا، بالطبع، من مهنية عملها، كما هو الحال مع أعمال أولبرايت أو أجيال سابقة من علماء الآثار). وجاء رد الزملاء في تل أبيب، مطوري نظرية التحقيب المنخفض، متوقعاً. فكتب فنكلشتين وهرتسوغ وآخرون: “تستوجب الأهمية الظاهرية لهذا الاكتشاف، والهالة الإعلامية المرافقة للحفريات، نقاشاً عاجلاً” (Finkelstein et al., 2007). ورفضوا تفسير مزار واستنتاجاتها حول مكتشفات مدينة داود، وقدموا تفسيراً بديلاً يستند إلى ثلاثة ادعاءات: (1) لا تنتمي الجدران التي كشفت عنها مزار إلى مبنى واحد. (2) قد ترتبط الجدران الأكثر إتقاناً بعناصر اكتُشفت في العشرينيات، وربما تعود للحقبة الهلنستية. (3) مر بناء المبنى المدرج الساند للمنحدر بمرحلتين على الأقل: بُني الجزء السفلي الأقدم، على الأرجح، في العصر الحديدي الثاني (IIA) خلال القرن التاسع ق.م، في حين يرجح أن يعود الجزء العلوي، المتصل بالجدار الأول الحشموني أعلى المنحدر، إلى الحقبة الهلنستية.
تهدف تفسيرات فنكلشتين وزملائه لمكتشفات مدينة داود إلى حماية نظرية التحقيب المنخفض؛ التي تصر على وجوب تأريخ أحدث الفخاريات المكتشفة في الردم الترابي إلى القرنين العاشر أو التاسع ق.م. ولا يمكن استخدام فخار العصر الحديدي الثاني (IIA)، المكتشف داخل المنشأة الحجرية الضخمة، لتأريخ الجدران المحيطة لغياب أرضية في الموقع (locus). وتشكك مزار نفسها في العثور على الفخار في موقعه الأصلي (in situ).
وأشار فنكلشتين وزملاؤه (2007) إلى غياب أي رابط مادي بين المنشأة الحجرية الضخمة والمبنى المدرج، وشككوا في إمكانية وجود هذا الرابط؛ إذ يبدو قمة المبنى المدرج الحالي مجرد ترميم متأخر من الحقبة الهلنستية. عموماً، يحاول فنكلشتين وزملاؤه إثبات بناء أجزاء من المنشأة الحجرية الضخمة، أو كلها، بعد العصر الحديدي الثاني (IIA). وأن الجدران شُيدت قبل العصر الهيرودي-الروماني، استناداً للمجموع الفخاري المكتشف في الردم (أواخر العصر الحديدي الأول/أوائل العصر الحديدي الثاني IIA). ويؤكدون، مع ذلك، استحالة التأريخ الدقيق لجدران المنشأة بسبب الأرضيات المفقودة، وعمليات البناء خلال العصرين الروماني والبيزنطي، والنشاط السابق في الموقع إبان حفريات أثرية قديمة.
- مملكة إسرءيل الشمالية في مواجهة مملكة يهوذا
تحمل المفارقة بعداً درامياً هنا؛ فالخلاف بين مدرسة تل أبيب -المدينة الممثلة للعلمانية الإسرائيلية- ومدرسة القدس- المدينة الممثلة لليهودية المحافظة- يعيد، بصورة مستحدثة، إنتاج الصراع والمنافسة بين المملكتين القديمتين: مملكة إسرءيل الشمالية ومملكة يهوذا. وتبدو كلية العلوم الإنسانية في الجامعة العبرية بالقدس، عموماً، أكثر محافظة من نظيرتها في جامعة تل أبيب. وتشيع الاتجاهات الفكرية كالتاريخ الجديد، وما بعد الحداثة، وما بعد الصهيونية في تل أبيب أكثر بكثير منها في القدس. ولذلك، لم يكن مصادفة ظهور التيار الجديد لعلم الآثار الكتابي في قسم علم الآثار الكتابي في جامعة تل أبيب، بينما يطغى تيار محافظ على القسم الموازي في الجامعة العبرية.
وعلى صعيد كتابة التاريخ، رجحت كفة مملكة يهوذا-كما هو واضح في النهاية-، التي دُمرت بعد مملكة إسرءيل في العالم القديم. ونشهد اليوم صراعاً متجدداً حول إعادة كتابة التاريخ، حيث يعود الصراع الكتابي للظهور على أرضية جديدة ترتكز على الكربون المشع (C14).
يتحدث فنكلشتين بلسان مملكة إسرءيل المنسية : “تكمن المعضلة هنا: كيف نقلل من شأن الأخيار وندع الأشرار ينتصرون؟” (Finkelstein, 2005: 39; Finkelstein, 2013). ويحاول يوسف غارفينكل، في المقابل، حماية “إنجازات مملكة يهوذا” (Garfinkel, 2012-2013).
انصب النقاش مؤخراً على موقع “خربة قيافة”، المشرف على وادي إيله، على بعد 30 كيلومتر جنوب غربي القدس. وكشفت الحفريات في الموقع عن مدينة صغيرة محصنة تعود لأوائل العصر الحديدي.
أدار يوسف غارفينكل من الجامعة العبرية في القدس، وسار غانور (Saar Ganor) من سلطة الآثار الإسرائيلية بعثة الحفريات في قيافة بين عامي 2007 و2013. يرى غارفينكل فيها أحد ثلاثة مراكز حضرية رئيسة أسستها مملكة داود وسليمان، إلى جانب أورشليم وحبرون.
فهل وُجدت المملكة الموحدة حقاً؟
يجيب غارفينكل بأن الحسم سيكون عبر مواقع في شمال إسرائيل، وفي هذا السياق، يرفض تحقيب فنكلشتين المنخفض ليهوذا، ويعتبر قيافة مدينة يهوذية، ويشكك في تحليل فنكلشتين الذي خفض تأريخ مكتشفات المواقع الشمالية من زمن داود وسليمان إلى أواخر القرن العاشر ق.م وأوائل القرن التاسع ق.م؛ أي إلى فترة صعود مملكة إسرءيل الشمالية وسلالة عُمري (Garfinkel and Ganor, 2008a; Garfinkel, 2011; Garfinkel, 2012-2013).
سرعان ما طُرحت اقتراحات أخرى حول هُوية الموقع؛ فقد اعتبره نعمان (2008) موقعاً فلستياً، ليقترح لاحقاً (2012) أنه موقع كنعاني. واقترح فنكلشتين وفنتلكن (Fantalkin) (2012)، وكذلك ليفين (Levin) (2012)، أن قيافة موقعاً إسرءيلياً.
ورغم التباين الباحثين الكتابيين من مدرسة كوبنهاغن وشيفيلد وعلماء الآثار في تل أبيب، يجمع غارفينكل خصومه ويصنفهم كأصحاب استراتيجيات تقليلية. ويفسر مساراتهم من خلال ما اقترحوه أولاً نموذجاً “أسطورياً” وشككوا في وجود داود. إلا أن هذا النموذج انهار، كما يراه ، بعد اكتشاف نقش تل دان عامي 1993-1994، والذي يشير إلى “بيت داود” بعد 100-120 عاماً فقط من عهده.
يرفض غارفينكل أي تفسير آخر للنقش ويعتبره “صدمة انهيار النموذج”، كما يرفض الادعاء بأن وجود سلالة تحمل اسم داود لا يُثبت بالضرورة وجود شخص يحمل اسم داود. وبعد انهيار النموذج الأول-بتابع غارفينكل- “طوّر التقليليون استراتيجية جديدة” وهي نموذج “التحقيب المنخفض”، والذي دُحض بدوره بتأريخ خربة قيافة، حسبما يرى. وبدلاً من الاستسلام، تبنوا -أي التقليليون- استراتيجية أخرى: النموذج “الإثنوغرافي”، الذي يزعم أن سكان قيافا لم يوكنوا يهوذيّين، بل فلستيين، أو كنعانيين، أو إسرءيليين من مملكة شاؤول (Garfinkel, 2011; Garfinkel, 2012-2013).
تتجلى الأبعاد السياسية والثقافية والدينية بوضوح في علم الآثار الكتابي. وكشف غارفينكل مكنون موقفه بوضوح في إحدى محاضراته للطلاب: “ما الفارق حقاً في أن تكون قيافة فلستية أم لا؟ ماذا لو كانت كذلك؟.
حسناً، فلنفترض أنها فلستية، فهذا لن يغير من واقعنا ولن يمسنا. ولنفترض وجود سكان كنعانيين في قيافا؛ فالأمر سيان أيضاً. أليس كذلك؟ لا تأثير للأمر علينا. وحتى لو كانت تابعة لمملكة إسرءيل الشمالية؛ فتلك المملكة قد دُمرت، ولا تأثير لهذا علينا اليوم. أما يهوذا، والكتاب، والتوحيد، وكل هذه الأشياء… هي مستمرة حتى يومنا هذا. ولذلك، يتعرض هذا الأمر، الذي يشكل فعلياً أهم مساهمة لأرض إسرائيل في تاريخ العالم وثقافته، لهجوم دائم. فمن يبالي حقاً بالكنعانيين أو الفلستيين؟ لقد انقضى زمانهم. هذا أمر مثير للاهتمام. لاحظوا، إذن، ليس مصادفة أن تتركز النزاعات حول مملكة يهوذا، لأنها حقاً أهم ما جرى في هذا المكان طوال التاريخ البشري” (Garfinkel, 2012-2013: Lecture 11).
من الناحية الخطابية، يسعى كل طرف في هذا السجال لتصوير عمله كبحث علمي رصين، متهماً الطرف الآخر بالخضوع لعوامل خارجة عن نطاق العلم، والانقياد لدوافع إيديولوجية غير نزيهة. فيصف أعضاء مدرسة تل أبيب نظراءهم في مدرسة القدس بأنهم حدّيون-أصوليون، في حين يرد أعضاء مدرسة القدس بوصف زملائهم في تل أبيب بأنهم تقليليون-تفكيكيون.
وفي خضم هذا الاستقطاب، يُعرّف إسرائيل فنكلشتين، كبير علماء مدرسة تل أبيب، منهج فريقه بأنه “الرؤية من الوسط”؛ أي النظرة المتوازنة للقضايا. ويبدو من بالغ الأهمية لفنكلشتين، على الصعيدين الشخصي والمعرفي، أن يتموضع داخل التيار الرئيسي،. فيقول: “يطمح الجميع ليكون في الوسط. ولكن؛ كيف تعرف أنك تقف حقاً فيه؟ الجواب بسيط! عندما تتلقى الركلات من كلا الجانبين… حين تُهاجم من اليمين واليسار معاً، عليك الشعور بالرضا. فتلقي الضربات من كلا الاتجاهين يعني وقوفك في موقع جيد” (Finkelstein, 2006-2007: Lectures 1& 13).
ينطلق فنكلشتين هنا من افتراض ضمني بحيادية الوسط وثباته. ولكن من منظور سياسي، غالباً ما يقف التيار الرئيس والخطاب المهيمن خلف واجهة من الشفافية (فلا تتوضح سماته وتحيزاته)؛ ولكشف مثل هذه الانزياحات السياسية، لابد من وضعه في مواجهة بدائل محلية وأجنبية. وهو يضع نفسه في منزلة بين منزلتين: بين التقليلية التي يرى أنها تجاوزت ذروتها، وبين الحدّية الصهيونية التي يرفض أنصارها الإقرار بعدم تطابق البيانات الأثرية مع الأوصاف الكتابية لزمن الهيكل الأول.
ويقف في طليعة خصومه في القدس كل من يوسف غارفينكل وإيلات مزار. وحول تفسيرات غارفينكل لمكتشفات خربة قيافة، كتب فنكلشتين بنبرة حادة: “هذا التعاطي غير النقدي مع النص الكتابي يُمثل بقايا من العقلية التي سادت قبل عصر سبينوزا في مقاربة الكتاب المقدس العبري، ولكن في القرن الحادي والعشرين!” (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 48).
أما استنتاجات إيلات مزار في مدينة داود، فيرى أنها “تستند إلى قراءات حرفية ومُبسطة للنص الكتابي، ولا تدعمها أي حقائق أثرية” (Finkelstein, 2011). فكما أشرتُ سابقاً، تواصل مزار إرث الجيل القديم من علم الآثار الصهيوني. ويتهمها فنكلشتين وزملاؤه بتجاهل منجزات عقود من علم الآثار والدراسات الكتابية: “النص الكتابي هو ما يُهيمن على عملياتها الميدانية، وليس علم الآثار”.
فتستند، مثلاً، في تحليلها للقرن العاشر ق.م حتى إلى سفر أخبار الأيام الذي دُوّن في القرن الرابع ق.م تقريباً. ويشتكي فنكلشتين وزملاؤه من تجاهلها لـ “ثلاثين عاماً من الأبحاث حول سفر التكوين وقصص الآباء”، حين تُصر على تفسير “سفر التكوين بوصفه مرآة تعكس واقع العصر البرونزي الوسيط”.
وفيما يخص عملها في “أوفل” (بين جبل الهيكل [الحرم القدسي] ومدينة داود)، يشيرون إلى مفارقة صارخة: فرغم إقرارها باستخدام الجدار المكتشف هناك خلال القرنين الثامن والسابع ق.م، لكنها تصر، من دون أي دليل، على وصفه بجدار سليمان الكتابي (Finkelstein et al., 2007: 160-162).
تلعب القوة والسلطة والسياسة الأكاديمية وميزانيات البحث دوراً محورياً في الصراع بين مدرستي تل أبيب والقدس، فلا يقتصر الأمر على النصوص والحجارة. وتتجسد هذه الأبعاد بوضوح في حادثة وقعت عام 2011 حين تقدمت مجموعتان من علماء الآثار -كل على حدة- بطلبين لسلطة الآثار الإسرائيلية لإجراء حفريات في “تل سوكو”[شويكة] (تل مجاور لخربة قيافا في وادي إيله).
ترأس الأولى يوفال غورين وعوديد ليبشيتس من جامعة تل أبيب، بينما قاد الثانية غارفينكل وزميله الأمريكي مايكل هاسل. وكان غورين وليبشيتس قد أجريا تنقيبات سابقة في وادي إيله، لكنهما يرفضان فرضية غارفينكل عن قيافة كمدينة يهوذية؛ ويريان أنها كانت تابعة لكيان كنعاني صغير.
منحت المجموعتان تصريحاً لإجراء مسوحات مبدئية، لكن ليبشيتس بعث رسالة لسلطة الآثار يتهم فيها الفريق الآخر بالحفر في الموقع دون تصريح. فنفى غارفينكل التهمة، وسخر من عدم قدرة ليبشيتس على التمييز بين حفريات لصوص الآثار وبين التنقيبات المنهجية التمهيدية المنظمة. كما رفض غدعون أفني، من سلطة الآثار، شكوى ليبشيتس؛ فرد الأخير محتجاً بافتقار العلاقات بين الجامعة العبرية وسلطة الآثار للشفافية نظراُ لطبيعتها غير السوية: فأفني يُدرّس إلى جانب غارفينكل في الجامعة العبرية، كما يرأس غانور (الذي يعمل مع غارفينكل في قيافة، وهو تلميذه السابق) وحدة مكافحة سرقة الآثار في سلطة الآثار الإسرائيلية!
رد غارفينكل بعنف قائلاً إنه منذ أن دمّر نظريات مدرسة تل أبيب التقليلية باكتشافه لمدينة محصنة في قيافة، يعمد علماء تلك المدرسة إلى مضايقته، و”بدل الانخراط في نقاش علمي، يلجؤون للحيل القذرة”. ووصف فنكلشتين بالدكتاتورية وحمّله شخصياً مسؤولية حملة الاستهداف ضده، مضيفاً: “تحاول مدرسة تل أبيب عرقلتنا. لا تظنوا أنهم يتمتعون بأي حرية علمية هناك؛ فنكلشتين يُسيّرهم جميعاً. من أين سيحصل يوفال غورين على ميزانية لحفرياته إن لم يكن من ميزانيات فنكلشتين؟” وصدرت اتهامات مشابهة عن غابرييل باركاي (من مجموعة الآثاريين المحافظين) باعتبار فنكلشتين يفرض “جماعية مفاهيمية” على قسم الآثار في تل أبيب، مما دفعه لمغادرة الجامعة عام 1997.
رد فنكلشتين بنفي أي علاقة له بالنزاع بين غارفينكل ومجموعة غورين وليبشيتس، مؤكداً أن ميزانيات أبحاثه مخصصة لعمله الشخصي حصراً (Hasson, 2011; Shtull-Trauring, 2011). رغم ذلك، لم يتردد غارفينكل في استغلال موضوع المنحة البحثية الضخمة (4 ملايين دولار) التي نالها فنكلشتين كسلاح في معركته الخطابية ضده: “إنه حتى لا يستخدم العلم المنهجي؛ وهذه هي المفارقة الكبرى. الأمر أشبه بمنح صدام حسين جائزة نوبل للسلام!” (Garfinkel cited in Draper, 2010).
في النهاية، واصل غارفينكل عمله في قيافة، بينما نالت مجموعة غورين التصريح للحفر في تل سوكو.
- الصبي الهولندي الذي أغلق ثقب السد بإصبعه
“ثمة حروب عالمية تدور حول قيافة”، هكذا يصف غارفينكل الأمر لطلابه، مشبهاً نفسه بالفتى الهولندي الذي سد الثقب بإصبعه ليمنع الطوفان (Garfinkel, 2012-2013: Lecture 1).
يُرجع غارفينكل جذور المدرسة التقليلية الكتابية إلى تياري ما بعد الحداثة والتفكيكية. فيرى بداية المشكلة عندما روّج مفكرون أمثال ميشيل فوكو وجاك ديريدا لفكرة انعدام الحقائق المطلقة، وإمكانية تعايش نظريات متناقضة في آن واحد. ونتيجة لذلك، اختفى مفهوم العلم السويّ Normal science من العلوم الإنسانية اليوم. وتحول الهدف من البحث العلمي إلى تدمير النماذج المعرفية Paradigms القديمة؛ فبات الجميع يلهث لابتكار نموذج جديد،
يُلقي غارفينكل باللائمة في ذلك على الفيلسوف توماس كُون. ويضيف؛ يدفع الانفجار المعرفي والضغوط الأكاديمية الشرسة الجميع للابتكار وتجبرهم، هذه الضغوط، على نشر مقالين إلى أربعة مقالات سنوياً. وفي المقابل، يقول لطلاب كليتي الرياضيات والعلوم الطبيعية، إن الأمور ليست كذلك في تخصصاتهم: “واحد زائد واحد يساوي دائماً اثنين” (رغم اعترافه بأنه سمع من فيلسوف للرياضيات أن الأمر ليس كذلك دائماً، وهو ما شجعه كثيراً؛ فالأسطورة الصارمة للعلوم الطبيعية قد تصدعت قليلاً!) (Garfinkel, 2012-2013: Lecture 1).
وبما أن غارفينكل يصنف فنكلشتين ضمن المعسكر التقليلي، فإنه يوجه إليه ذات الاتهامات: “مشكلة فنكلشتين عدم اتفاقه مع أحد قط، فهو يسعى دائماً للظهور بمظهر الأصيل والمبتكر، ولا بد له من امتلاك نموذج معرفي مغاير. فإذا قلت له معطفك رمادي، أصر على أنه بني داكن [يضحك غارفينكل]. ولو قلت هذه مدينة فلستية، لزعم فوراً أنها يهوذية!” (Garfinkel in Shtull-Trauring, 2011).
لا يُعد فنكلشتين تقليلياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وبالتأكيد ليس مفكراً تفكيكياً من مدرسة ما بعد الحداثة. ولكن حين يصوره غارفينكل “عدمياً راديكالياً”، فهو يضع نفسه تلقائياً في موقع “المركز المتوازن والمحايد”. ورداً على اقتباس غارفينكل السابق، يرى فنكلشتين أن خصمه مصاب بالبارانويا. وكعادته، يحاول فنكلشتين وسم غارفينكل بالحدّية-الأصولية: “لا يوجد أي فرق بين غارفينكل، ويادين، وأولبرايت… سوى أن الوضع [معه] ازداد سوءً ليس إلا” (Finkelstein in Shtull-Trauring, 2011).
يُسارع غارفينكل لاتهام الجميع باللهاث وراء التميز والأصالة عبر تدمير النماذج المعرفية القديمة المهيمنة وابتداع نماذج جديدة. لكن المفارقة أن هذا هو بالضبط ما يفعله غارفينكل نفسه! في الواقع، يستمتع غارفينكل بما يراه هزيمة للتفكيكيين في ملعبهم الخاص ويظهر ذلك بوضوح في مراسلاته الدؤوبة مع فيليب ديفيز كما ورد في موقع Biblical Archaeology. للمزيد انظر، http://www.biblicalarchaeology.org/scholars-study/the-great-minimalist-debate/.
وأشار يوآف كارني (2010)، الذي أجرى مقابلة مع غارفينكل، إلى أن الأخير يستمتع كثيراً بالضجيج المثار حوله ويبدو متلهفاً لخوض الصراع. فمن خلال تنقيباته في قيافة، يسعى لتدمير ما يسميه “نماذج التقليلية”، وعلى رأسها النموذج الحالي لـ “التحقيب المنخفض” الذي بلوره فنكلشتين وزملاؤه. وإذا لم يكن مسعاه هو إحياء الموقف الحدّي القديم الذي سقطت صلاحيته، فهو يسعى للترويج لنموذج جديد يقدم نسخة مخففة ومُعدلة من ذلك الموقف.
ويُشبه غارفينكل النص الكتابي بكتاب “حقيبة الأكاذيب” (Bag of Lies)- وهي مجموعة قصصية شعبية شهيرة عن مقاتلي ميليشيا “البلماح” الصهيونية؛ لا ينبغي قراءتها كتوثيق حرفي، لكنها تنطوي على شذرات واقعية حول المواقع الجغرافية، وشبكة العلاقات بين اليهود والعرب والبريطانيين. والتوراة تلعب دوراً مشابهاً: فهي مستودع للقرائن والحقائق التاريخية الممكنة، إن أُجيد استنطاقها.
ففي أحد عروضه التقديمية حول قيافة، استخدم غارفينكل وغانور صورة مركبة photomontage لمقبرة قديمة ذُيلت بعبارة: “دُفن التحقيب المنخفض رسمياً الآن” (Garfinkel and Ganor, 2008b). وفي مقال آخر بعنوان “ولادة وموت التقليلية الكتابية” يقول بروح التهكم ذاتها أن “فنكلشتين ليس الأب الروحي للتحقيب المنخفض فحسب، بل هو حفار قبره أيضاً” (Garfinkel, 2011: 50).
من جانبهما، رد فنكلشتين وفنتلكن في مقالهما حول قيافة بالربط بين “لغة غارفينكل الجنائزية[بمعنى المروعة والوحشية-المترجم]” وبين الدوافع الأخروية Eschatological. ويمكن اعتبار مقالهما محاولة لاستيعاب البيانات الشاذة Anomalous data القادمة من قيافة ضمن إطار العلم السويّ. ويوضحان أن شذوذاً وحيداً لا يكفي لهدم النموذج المعرفي القائم: “لا يسعنا إنهاء المقال دون التعليق على الأسلوب الاستعراضي الباحث عن الإثارة الذي قُدمت به مكتشفات خربة قيافة للمجتمع الأكاديمي والجمهور العام. إن فكرة قدرة اكتشاف أثري واحد ومذهل على عكس مسار البحث الحديث، وإنقاذ القراءة الحرفية للنص الكتابي من مقصلة النقد العلمي، هي فكرة قديمة. تمتد جذورها إلى الهجوم الذي شنه أولبرايت على مدرسة فلهاوزن أوائل القرن العشرين؛ وهو هجوم لوّث مسار البحث الأثري والكتابي والتاريخي بالانحياز لعقود. وهذا التوجه يطفو على السطح بين الحين والآخر بأقنعة مختلفة، حيث يُتخذ علم الآثار سلاحاً لقمع تقدم البحث العلمي النقدي. وما خربة قيافة سوى الحلقة الأحدث في سلسلة التوق المحموم لهزيمة البحث العلمي الحديث هزيمة ساحقة عبر ‘معجزة’ أثرية مُكتشفة” (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 58).
فجر غارفينكل وغانور في موسم حفرياتهما الأخير في قيافة (صيف 2013) مفاجأة أعلنا عنها في المؤتمر الصحفي الختامي: “عثرنا على قصر الملك داود!”. وبشكل أدق، عثرا على صفين أو ثلاثة من حجارة تمتد ثلاثين متراً. ووفقاً لتقديراتهما، بلغت مساحة القصر حوالي 1000 متر مربع، وتألف من طابقين على الأقل. يقول غارفينكل بثقة “لا شك أن حاكم المدينة أقام هنا، وحين كان الملك داود يزور التلال، نام في القصر”. وقد دُمر القصر بسبب بناء مبنى بيزنطي ضخم في الموقع ذاته بعد 1400 عام من تشييده.
شكك خصومه في تأريخ القصر، وفي صلته بالملك داود، وفي هُوية قيافة كمدينة يهوذية من الأساس.
فأشار فنكلشتين-بغمز خفي لإيلات مزار التي ادعت قبل سنوات عثورها على قصر داود في القدس- قائلاً: “يُذكرني هذا بقصة الفتاة الصغيرة التي صرخت ‘ذئب’. بالأمس وجدوا قصر داود في القدس، واليوم في قيافة، وغداً سيجدونه… من يدري أين. هذه التصريحات تستنزف انتباه الجمهور وتُرهقه”.
وتطابق رد جاكوب رايت من جامعة إيموري مع هذا الموقف: “أقصر طريق لإثارة ضجة إعلامية هو الزعم بالعثور على شيء يخص عصر الملك داود”. وأضاف أن مرتفعات القرن العاشر ق.م (التي لم تُضم إلا لاحقاً لمملكتي إسرائيل ويهوذا) كانت تعج بالملوك المحليين وأمراء الحرب. ويرى أن هذا الربط التلقائي للمكتشفات بالملك داود يُمثل “فقراً في المخيلة التاريخية” (Garfinkel, 2013a; Hasson, 2013a; Fridman, 2013).
غير أن القضية هنا لا يمكن اختزالها في مجرد اللهاث وراء العناوين الرنانة، أو الشهرة، أو المكانة الأكاديمية، أو تأمين التمويل. فرغم أن غارفينكل ليس “حدّياً كلاسيكياً”، إلا أنه ينحاز بوضوح للقراءة الحدّية للكتاب المقدس. ورغم ضحالة معلوماتنا -على المستويين التاريخي والأثري- عن الملك داود، يقفز غارفينكل في سلسلة من القفزات النظرية ليصل إلى استنتاج مفاده أن قيافة ليست مجرد مدينة يهوذية من القرن العاشر ق.م، بل هي مدينة ” شَعَرَايِم ” الكتابية!
والخطوة التالية تقوده للجزم بنسب القصر إلى داود نفسه ما دام هناك قصر في المدينة، وبات واضحاً الآن “أين كان ينام الملك داود حين يزور التلال”.
صُقل المنظور النظري الذي يقرأ عبره غارفينكل البيانات والمكتشفات في ورش “مدرسة القدس” ووفق تقاليدها البحثية. فقد تمحور تعليمه الأكاديمي ومسيرته حول معهد الآثار في الجامعة العبرية. ورغم أبحاثه الأولى التي تركزت على حقبة ما قبل التاريخ، إلا أنه أُستدعي لسد الفراغ حين تقاعد عميحاي مزار وغيره من علماء الآثار الكتابيين؛ فعُين عام 2004 رئيساً لقسم الآثار الكتابية.
وكما أشرت سابقاً، يُقر غارفينكل بأن مملكة يهوذا تُمثل شأناً بالغ الأهمية وستبقى محط يثير الكثير من الجدل لأن “تأثيرها يمتد إلينا اليوم”. فإذا كانت “يهوذا، بكتابها، وتوحيدها… مستمرة حتى يومنا هذا”، فهُوية غارفينكل الصهيونية-اليهودية ووطنيته هي ما يوجه طموحاته وتأويلاته للمكتشفات.
وإذ يكرس نفسه لتأكيد وحماية ما يُسميه في محاضراته الإنجازات المادية والفكرية لمملكة يهوذا. فهو يهاجم بشراسة التقليليين الذين يسعون لمحو هذه الإنجازات (وطبعاً، فنكلشتين في مقدمتهم). ويسخر من نظرية التحقيب المنخفض، مدعياً أنه -حسب فنكلشتين- لم يكن داود وسليمان سوى شيوخ بدو حكموا قرية صغيرة. ويحشد ما يعتبره محاولات التقليليين تجريد مملكة يهوذا من منجزاتها:
(أ) إنكار وجود المملكة الموحدة في عهد داود وسليمان.
(ب) الزعم بأن التمدن وتأسيس مملكة يهوذا لم يحدثا إلا في أواخر القرن الثامن ق.م (أو أواخر التاسع ق.م وفقاً لنموذج فنكلشتين الجديد).
(ج) الادعاء بأن التخطيط العمراني الفريد للمدن اليهوذية نُسخ أساساً عن قيافة (سواء اعتُبرت فلستية أو كنعانية أو إسرءيلية).
(د) القول بأن أورشليم لم تصبح مدينة مركزية إلا بتدفق اللاجئين إليها من مملكة إسرءيل المنهارة.
(هـ) الزعم بأن الأبجدية العبرية لم تتطور إلا خلال القرن الثامن ق.م.
(و) القول بأن عقيدة التوحيد تبلورت حصراً في المرحلتين الفارسية والهلنستية.
ويُقر غارفينكل بأن كل ادعاء من هذه، إذا أُخذ منفرداً، قد يبدو معقولاً؛ لكن اجتماعها معاً (إلى جانب ادعاءات أخرى) يخلق “توجهاً غريباً ومريباً” (Garfinkel, 2012-2013: Lectures 11 & 12).
ويبدو، في هذا السياق، حقاً كما وصف نفسه: ذلك الفتى الصغير الذي أغلق ثقب السد بإصبعه!
- الحرب على خربة قيافا والتفاعل المتبادل بين النظريات والبيانات
يرى برونو لاتور اكتساء الأدبيات الأكاديمية طابعاً تقنياً معقداً بمجرد اندلاع الخلافات داخل المجتمع العلمي (Latour, 1987: 30–44). ويتبدى هذا بوضوح في السجال الدائر بين مدرستي تل أبيب والقدس حول خربة قيافة (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 39-41)؛ حيث يركز فينكلشتين وفنتلكين على العيوب المنهجية والتسرّع في تنقيبات الموقع، فضلاً عن نقدهما لتفسير نتائج الكربون.
التفاعل المتبادل بين النظريات والبيانات
1.) التأريخ بالكربون المشع (Radiocarbon dating)
وفقاً للنظرية المحافظة للتحقيب العالي، بدأ العصر الحديدي الثاني (IIA) قرابة 1000 ق.م، وانتهى قرابة 925/900 ق.م؛ أي بالتزامن مع عهد داود وسليمان (المملكة الموحدة). في المقابل، اقترح فنكلشتين في العام 1996-منطلقاً من إنكاره للمملكة الموحدة ودفاعه عن التحقيب المنخفض- أن هذا العصر بدأ قرابة 900 ق.م (Finkelstein, 1996).
وفي السنوات الأخيرة، حاول فنكلشتين تعديل تواريخه ليثبت أن العصر بدأ نحو 930/920 ق.م وانتهى في النصف الثاني من القرن التاسع ق.م (Finkelstein and Piasetzky, 2011; Toffolo et al., 2014). وأجرى شارون وآخرون (Sharon et al., 2007) دراسة شاملة دعمت التحقيب المنخفض والقول ببدء العصر الحديدي الثاني (IIA) حوالي 900 ق.م.
تدخل عميحاي مزار، الوجه البارز لمدرسة القدس والذي تحول لمحافظ معتدل، ليطرح نسخة مُعدلة من التحقيب العالي. وفقاً لرؤيته المحدثة، بدأ العصر الحديدي الثاني (IIA) قرابة 980 ق.م وانتهى حوالي 840/830 ق.م. وتحفظ مزار على استخدام فنكلشتين نماذج بايزي الإحصائية لتحليل البيانات الكربونية؛ مشيراً إلى أن مبتكر هذه النماذج نفسه (برونك رامزي) “شكك في حساسيتها عند تحليل عينات كثيرة من مواقع متعددة، خاصة مع شبهة وجود فجوات في تسلسل التواريخ” (Mazar, 2011).
يُحاول فنكلشتين مؤخراً الإيحاء بأن الفجوة بين نماذج التحقيب المختلفة تضيق، وأن الفارق بين المدرستين انحسر إلى 50 عاماً أو أقل: (985–935 ق.م، أو حتى 970–940 ق.م) (Finkelstein and Piasetzky, 2011; Toffolo et al., 2014). لافت هنا عدم الإشارة إلى غارفينكل في هذه المقالات؛ إذ سيرد فنكلشتين على تأويلات غارفينكل لبيانات الكربون في قيافة في مقالات أخرى.
من جهته، يعلن غارفينكل أن بيانات الكربون الجديدة تبشر بنهاية التحقيب المنخفض! ويؤرخ، بالتعاون مع غانور، طبقة العصر الحديدي في قيافة بين 1026 و 975 ق.م تقريباً. ولاحظا تطابق هذه التواريخ تماماً مع زمن مملكة داود المفترض (1000-965 ق.م تقريباً)، وتسبق الزمن المفترض لمملكة سليمان (965-930 ق.م تقريباً).
وبناءً على ذلك، استنتجا أن الموقع ظل مأهولاً لبضعة عقود فقط، ودُمر في تاريخ أقصاه 969 ق.م (باحتمالية إحصائية 77.8%). أما احتمالية استمرار الموقع حتى 940 ق.م، فتبدو ضئيلة ولا تتعدى 6.2% فقط. والنتيجة الصارمة إذن، لديهما صحة نظرية التحقيب العالي فيما يخص مملكة يهوذا، والانتقال من أواخر العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني (IIA) حدث قرابة عام 1000 ق.م (Garfinkel and Ganor, 2009: 4, 8; Garfinkel, 2011: 51; Garfinkel et al., 2012: 364).
ولا يقف التأريخ بالكربون المشع في قيافة كقضية مستقلة، بل هو جبهة أساسية في الحرب الكبرى الدائرة بين نظريتي “التحقيب المنخفض” و”التحقيب العالي”. ويتمثل أحد أهم أهداف البحث في إيجاد تطابق بين التأريخ المطلق والتأريخ النسبي؛ أي التوفيق بين نتائج الكربون المشع من جهة، ومنتجات الثقافة المادية كالفخار من جهة أخرى. ونستعرض هذه الآراء المختلفة في الجدل التالي:
الجدول 1: التحقيب العالي مقابل التحقيب المنخفض في مطلع العصر الحديدي الثاني (IIA)
| الباحث | النموذج النظري | تقدير بداية العصر الحديدي الثاني (IIA) | الموقف من “خربة قيافة” والنتائج الإشعاعية |
| فنكلشتين | تحقيب منخفض | حوالي 900 ق.م (عُدلت إلى 920–940 ق.م) | يرفض ربط قيافة بـ”مملكة داود”، ويفسر النتائج على أنها استيطان شمالي متأخر ينتمي للعصر الحديدي الأول. |
| شارون | تحقيب منخفض | حوالي 900 ق.م | يدعم الإطار الزمني للتحقيب المنخفض ويرفض دفع التواريخ إلى الوراء. |
| مزار | تحقيب عالي (مُعدّل) | حوالي 1000 ق.م (عُدلت إلى 980 ق.م) | يمثل موقفاً يميل إلى التحقيب العالي، لكنه يحاول تجسير الفجوة الزمنية قليلاً بين المدرستين المتصارعتين. |
| غارفينكل (وغانور) | تحقيب عالي | حوالي 1000 ق.م | يؤرخ قيافة بدقة بين 1026–975 ق.م، ويعتبرها دليلاً قاطعاً على نشأة “المملكة الموحدة” في يهوذا. |
أرّخ غارفينكل وغانور طبقة العصر الحديدي في قيافة بين 1026 و975 ق.م تقريباً (بنسبة احتمال إحصائي 58%) استناداً لعينات من الكربون المشع. وتوصلا للنتيجة النهائية بحساب متوسط تأريخ أربع نوى زيتون متفحمة عُثر عليها في مواقع متفرقة.
لم يكن هذا التفسير مستغرباً كدليل حاسم يثبت صحة نظرية التحقيب العالي ويدحض نظرية فنكلشتين، إلى جانب باقي الأدلة من قيافة: “… حدث الانتقال من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني في أواخر القرن الحادي عشر ق.م تماماً، ما يوفر دليلاً دامغاً ينسف تأريخ التحقيب المنخفض”. وحدد غارفينكل وغانور مشكلتين منهجيتين رئيسيتين في النتائج الداعمة للتحقيب المنخفض: أولاً، سُحبت عينات العصر الحديدي الثاني (IIA) جغرافياً من مواقع تابعة أساساً لمملكة إسرائيل الشمالية وليس لمملكة يهوذا. ثانياً، أُخذت العينات من طبقات متأخرة ضمن العصر الحديدي الثاني (IIA) بدلاً من بدايات تلك الحقبة (Garfinkel and Ganor, 2009: 4, 8, 15, 35-38).
الجدول 2: مقارنة بين نظريات التحقيب الزمني وبداية العصر الحديدي الثاني (IIA)
| عالم الآثار | النظرية المتبعة | بداية العصر الحديدي الثاني (A) |
| إسرائيل فنكلشتين | تحقيب منخفض (Low) | حوالي 900 ق.م (الرؤية المحدثة: 940-920 ق.م) |
| إيلان شارون | تحقيب منخفض (Low) | حوالي 900 ق.م |
| عميحاي مزار | تحقيب عالي (High) | حوالي 1000 ق.م (النسخة المعدّلة: حوالي 980 ق.م) |
| يوسف غارفينكل | تحقيب عالي (High) | حوالي 1000 ق.م (في يهوذا) |
وتجاوز غارفينكل ذلك في مقاله “ولادة وموت التقليلية الكتابية” متهماً فنكلشتين وزميله الفيزيائي إيلي بياسيتسكي بالتردد في نشر بعض نتائج الكربون من مملكة إسرءيل الشمالية؛ لكونها تتوافق مع التحقيب العالي التقليدية. ولم يتردد غارفينكل بناءً على هذه النتائج في الإعلان بأن فنكلشتين ليس الأب المؤسس للتحقيب المنخفض فحسب، بل هو حفار قبره أيضاً (Garfinkel, 2011: 50).
تتأثر نتائج التأريخ بالكربون لتوجيه البوصلة الزمنية بعوامل تقنية متشابكة، فضلاً عن المعايرة والدقة والقدرة الفعالة لمنهجية التأريخ، ونوع مادة العينة، واختيار إجراءات الحساب والنماذج الإحصائية (كحساب المتوسطات أو نماذج بايزي الاحتمالية).
ويمثل النصف الأول من القرن العاشر ق.م النتيجة المنشودة لدعم التحقيب العالي حسب غارفينكل وغانور. فقد أرسلا مجموعتين من أربع نوى زيتون متفحمة للتأريخ (استُخدمت إحدى النوى السبع في كلتا المجموعتين). وأخفقت المجموعة الأولى، المتحصل عليها من جدار المدينة المزدوج Casemate wall، في تحقيق النتيجة المرجوة. فلم تُسفر إحدى العينات عن أي نسبة كربون مشع، وأُعيد استخدامها في المجموعة الثانية. وأُرخت عينتان من نواة زيتون أخرى إلى العصر البرونزي الوسيط، وهي نتيجة تتطابق مع فخار اكتُشف في الموقع. وأُرخت عينة أخرى إلى العصر الحديدي الأول (1130-1046 ق.م، باحتمال احصائي 59.6%)، وهي نتيجة “مرتفعة قليلاً حتى بالنسبة لنظرية التحقيب العالي”. وعادت العينة الأخيرة إلى الحقبة الهلنستية. وأرجع غارفينكل وغانور ذلك إلى طبيعة بناء الجدار ذاته. حيث تترك الحجارة الضخمة في استحكامات المدينة فجوات واسعة؛ وتسمح بانزلاق المواد العضوية بين الطبقات الأثرية المتعاقبة، بفعل امتداد جذور النباتات أو نشاط الحيوانات. وقدّرا نسبة التلوث في العينات بما يتراوح بين 10% و30%، نتيجة انتقال المواد العضوية بين الطبقات.
وبعد ذلك، أرسلا المجموعة الثانية للتأريخ. وكما ذكرنا، حُسبت النتيجة النهائية بمتوسط نتائج العينات الأربع؛ وهو إجراء أتاح لهما تقليص المدى الزمني ليتوافق مع عهد الملك داود أو ما قبله (Garfinkel and Ganor, 2009: 35-38; Garfinkel, 2012-2013: Lecture 8).
تؤثر الحسابات على صلاحية النظريات، وتتأثر بها في الوقت عينه. وفي هذه الحالة، يؤثر التأريخ بالكربون على نظريتي التحقيب العالي والمنخفض بقدر ما يتأثر بهما. ولم يتأخر رد فنكلشتين وبياسيتسكي؛ فنشرا مقالاً عام 2010 هاجما فيه منهجية التأريخ المتبعة (Finkelstein and Piasetzky, 2010). وجادلا بأن حساب المتوسط لا يصبح إجراءً مشروعاً إلا حين تنتمي كل العينات للحقبة الزمنية ذاتها بدقة. وتتحقق هذه الشروط، على سبيل المثال، عند تحديد دمار ناتج عن حريق، أو أخذ عينات من تحت أنقاض سميكة ضمن طبقة الدمار ذاتها. وبخلاف ذلك، قد تمثل العينات مراحل مختلفة من عمر التوطن، وهي فترة زمنية غير معروفة.
أُخذت العينات في قيافة من مواقع (loci) متفرقة وبالتالي، فهي لا تمثل حدثاً واحداً في تاريخها. واستناداً إلى العوامل التالية، قدّر فنكلشتين وبياسيتسكي أن العينات تعكس زمن نشاط الموقع الذي بدأت قرابة 1050 ق.م وانتهت خلال القرن العاشر، في موعد أقصاه 915 ق.م:
- البيانات التي نشرها خصومهما
(2) تحليل يُظهر انتماء مجموعة الفخار في قيافة للمرحلة الفخارية في أواخر العصر الحديدي الأول، (3) بيانات إضافية حول مجموعات الفخار ونتائج الكربون المشع من المرحلتين المبكرة والوسيطة للعصر الحديدي الأول.
وخلصا إلى أن قياسات الكربون في خربة قيافة تتسق مع عدد كبير من القياسات لمواقع أواخر العصر الحديدي الأول في شمال إسرائيل وجنوبها، وتدعم نظرية التحقيب المنخفض. واتهما غارفينكل وغانور بـالخطأ والتضليل في ادعائهما بأن:
(أ) النتائج السابقة استندت حصراً لعينات من الشمال
(ب) تأريخ الانتقال من العصر الحديدي الأول للثاني بُني على عينات من طبقات متأخرة ضمن العصر الحديدي الثاني(IIA) وليس بدايات تلك الحقبة.
وبيّنا وجود 107 قياسات من ثماني طبقات تعود لأواخر العصر الحديدي الأول، إلى جانب32 قياساً من خمس طبقات لبدايات العصر الحديدي الثاني (IIA)؛ وتوفر هذه القياسات الكثيفة، في نظرهما، تمثيلاً شاملاً ومتوازناً لمواقع الشمال والجنوب معاً.
ولم تنتهِ القصة هنا. فرد غارفينكل أولاً بأن إجراء حساب المتوسط كان مشروعاً لأن المدينة استمرت لمدة قصيرة قبل تدميرها بالكامل. وثانياً، اكتشف فريق غارفينكل في عام 2012 إناءً فخارياً مكسوراً يحتوي على عشرين نواة زيتون. وبما أن كل النوى وُجدت في ذات المكان والسياق، فإنها تستوفي معايير حساب المتوسط؛ رغم أن العينات توفر التاريخ التقديري لدمار المدينة وليس تاريخ تأسيسها (Garfinkel, 2012-2013a: Lecture 8).
في جميع الأحوال، ينبغي التأكيد مجدداً على استحالة فصل مسألة التأريخ بالكربون عن الجوانب الأخرى للنزاع بين التحقيبين المنخفض والعالي، وعن التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت المدينة القديمة في قيافة يهوذية أصلاً.
إن كان الباحث متوقعاً سلفاً العثور على مدينة يهوذية محصنة من زمن الملك داود، فإن هذا التوقع سيُوجه حتماً طريقة اختياره وتفسيره للبيانات، وحكمه على مدى صلتها بالموضوع، وشرعية استخدامه لحساب المتوسط وغيره من العمليات الحسابية تحت شروط معينة. ويتكئ التأريخ بالكربون في قيافة على شبكة من القياسات الإشعاعية في مواقع أخرى، ويرتبط ببقية الأدلة (كالمجاميع الفخارية)، وبالنظرية التي يتبناها الباحث سلفاً. وعندما يعترف فنكلشتين بوجود مسافة معينة في علم الآثار بين المكتشفات والتفسير (Finkelstein in Fridman, 2013; Finkelstein, 2006-2007: Lectures 1)، فهو يشخص، في واقع الأمر، المأزق الذي تواجهه العلوم كافة، كما يعلمنا تاريخ وفلسفة العلم. فالمشروع العلمي يتسم حتمياً بقفزات نظرية لا مفر منها. وفي حالتنا هذه، تُقرأ جميع الأدلة والمكتشفات في قيافة وتُفسر ضمن الأطر النظرية للخصوم المختلفين.
ويلخص فنكلشتين وبياسيتسكي موقفهما وحساباتهما بدقة: “انحسرت الفروق بين المعسكرين المتنازعين حول بداية العصر الحديدي الثاني (IIA)، مرحلة الانتقال من العصر الحديدي الأول إلى الثاني، لتقتصر على بضعة عقود فقط؛ وهي فجوة تتجاوز قدرة نتائج الكربون على حسمها، حتى باستخدام عدد كبير من القياسات. وبإدخال الاعتبارات التاريخية والملاحظات المتعلقة بوتيرة تغير التقاليد الفخارية، يُرجح أن تلك المرحلة الانتقالية استغرقت عقداً أو عقدين، ويجب تحديدها بعد منتصف القرن العاشر ق.م بقليل” (Finkelstein and Piasetzky, 2011: 52).
لنستعرض كيف يجري تفسير لقى قيافة وفق الأطر النظرية المختلفة للتحقيبين المنخفض
2.) التخطيط العمراني
يؤكد غارفينكل وغانور في التخطيط العمراني لقيافة سمة يهوذية فريدة: جدار مدينة مزدوج Casemate city wall، وحزام من المنازل تستخدم جدرانها الخلفية كغرف ضمن الجدار المزدوج. ويزعمان أن للمدينة بوابتين، مما يدفعهما لمطابقتها مع مدينة “شعاريم” (والتي تعني بالعبرية: البوابتين). ورد ذكر شعاريم في الكتاب المقدس ضمن قائمة مدن يهوذا (يشوع 15:36)، وتقع في وادي إيله حيث جرت المواجهة الأسطورية بين داود وجالوت (صموئيل الأول 17:52). ووفقاً لغارفينكل وغانور، قيافة هي الموقع الوحيد في يهوذا وإسرءيل الذي يضم بوابتين، ويواجه مدخلها الرئيس القدس. في حين لم تملك مدناً أكبر بكثير، مثل “لخيش” و”مجدو”، سوى بوابة واحدة. وإذن، كانت قيافة حصن يهوذا الأمامي على حدودها مع الفلستيين (Garfinkel and Ganor, 2008a; Garfinkel et al., 2012).
وكما سأوضح لاحقاً، ينفي فنكلشتين وجود بوابتين في قيافة أصلاً. ويرفض هو وآخرون مطابقة قيافة بشعاريم. ويستندون في ذلك إلى أن وصف شعاريم في الكتاب المقدس لا يعكس واقع يهوذا في القرن العاشر ق.م، بل يعكس واقعها في أواخر العصر الحديدي الثاني؛ وتحديداً “يشوع 15” الذي يصف التنظيم الإداري ليهوذا في أواخر القرن السابع ق.م. أضف إلى ذلك، ووفقاً للوصف الكتابي، يستحيل أن تقع شعاريم في قيافة. ولا يُفوت فنكلشتين الفرصة هنا أيضاً لاتهام غارفينكل بـ “القراءة الحرفية وغير النقدية للكتاب المقدس” (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 46-48; Dagan, 2009).
يجادل فنكلشتين بالعثور على مواقع مشابهة لقيافة بجدران مدينة مزدوجة من العصر الحديدي الأول وبدايات الثاني IIA خارج يهوذا أيضاً في المرتفعات عبر مناطق جغرافية متفرقة: الأجزاء الداخلية من بلاد الشام، وعمون، وموآب، والنقب، ومرتفعات شمال القدس. ويميل فنكلشتين لنسب الموقع إلى كيان جبعون/جبعة (Gibeon/Gibeah) الإسرءيلي الشمالي المبكر، مستنداً إلى الأسباب التالية:
(أ) صحيح أن المدينة قريبة من القدس، إلا أنه لم يُكتشف أي نشاط عمراني مهم في هذا العصر في القدس أو مواقع يهوذا الأخرى. كانت مرتفعات يهوذا قليلة السكان ومستنزفة ديموغرافياً، فكيف أمكن لداود ورجاله بناء قيافة والسيطرة عليها؟ في المقابل، كان كيان جبعون/جبعة مكتظاً بالسكان ولا يُعاني من نقص في القوى العاملة.
(ب) اكتُشفت شبكة كثيفة من الجدران المزدوجة المعاصرة لتلك الفترة في هضبة جبعون-بيت إيل.
(ج) يذكر الكتاب المقدس تواجد شاؤول (أول ملوك إسرءيل) في وادي إيله حيث دارت المعركة بين الإسرءيليين والفلستيين.
(د) إذا افترضنا قيافة مدينة إسرءيلية، يمكن بسهولة تفسير تدميرها خلال حملة الملك المصري شيشنق الأول (Finkelstein, 2013: 56-59; Finkelstein and Fantalkin, 2012).
خلاصة القول: ما يعتبره غارفينكل وغانور دليلاً قاطعاً على وجود مدن محصنة في مملكة داود وعظمتها، وصحة نظرية التحقيب العالي؛ يراه فنكلشتين دليلاً على اتساع مملكة إسرءيل، لكونه يتوافق تماماً مع نظرية التحقيب المنخفض.
3.) عظام الخنازير ومجموعة الفخار:
يفسر غارفينكل وغانور غياب عظام الخنازير في قيافة دليلاً يؤكد يهوذيّة المدينة. كما تختلف مجموعة الفخار المكتشفة عن الفخار الفلستي في مدينة غَتْ. وأثبت التحليل البتروغرافي أن الفخار محلي الصنع، أي من وادي إيله. وعُثر في قيافة على حوالي 600 مقبض لجرار تخزين تحمل بصمات أصابع. وعثر على مقابض مشابهة في القدس. وكانت هناك تقاليد إدارية في يهوذا لصناعة جرار بمقابض مختومة لأغراض ضريبية (Garfinkel et al., 2012; Garfinkel, 2013b).
يعترف فنكلشتين بتفسير غياب الخنازير في مواقع مختلفة، حتى سنوات قريبة، دليلاً على أن السكان كانوا إسرءيليين/يهوذيّين. لكن الاكتشافات الأخيرة أظهرت ندرة عظام الخنازير في مواقع داخلية غير إسرءيلية من العصر الحديدي الأول في الأراضي المنخفضة، بل وحتى في مواقع ريفية في قلب الأراضي الفلستية. وكذلك، تُعد مجموعة الفخار نموذجية للمنطقة ككل، وبالتالي لا يمكن تحديد الُهوية الدقيقة لسكان قيافة استناداً إلى هذه المكتشفات. ويشدد على استحالة تحديد هُوية سكان قيافة حتى لو جُمعت البيانات المعروفة كافة، من هذا الموقع ومن مواقع أخرى (Finkelstein, 2013: 55).
4.) النقوش:
عثرت البعثة على عدة شقف فخارية (أوستراكون) عليها كتابات. خضع أحد النقوش لتحليل على يد عدة خبراء وأثار جدلاً واسعاً. وقد كُتب النقش بالأبجدية الكنعانية المبكرة التي تفرعت منها الأبجدية الفينيقية ومن هذه الأخيرة تطورت الأبجدية العبرية القديمة ونصوص محلية أخرى. ورغم تآكل العديد من أحرف النقش واختفائها، حاول الباحثون فك رموزه باستخدام تقنيات تصوير متطورة (يمكن الرجوع إلى الموقع الرسمي للحفريات: http://qeiyafa.huji.ac.il/ostracon.asp). وتشير عدة مقالات إلى احتمال أن تكون الكتابة من أقدم النقوش العبرية المكتشفة، ويمثل المرحلة الانتقالية قبل تحول الأبجدية الكنعانية المبكرة إلى الأبجدية الفينيقية الموحدة. وطرح هذه الفكرة خبير النقوش حغَّي مسغاف، وغارفينكل وغانور. ويزعم مسغاف، مثلاً، ظهور عبارة “لا تفعل” بالعبرية في النقش (Garfinkel and Ganor, 2009: 243-257; Garfinkel, 2012-2013: Lectures 11 & 12).
وانبرى غرشون غليل، وهو من أشد أنصار هذا الرأي، لإعادة تركيب النص، مقترحاً وجود تشابه لافت بينه وبين النصوص الكتابية. ورأى في هذا التقارب دليلاً دامغاً على انطلاق التأليف الأدبي العبري المعقد منذ فجر القرن العاشر ق.م. ولم يقف غليل عند هذا الحد، فطابق موقع “قيافة” مع مدينة نتعايم الكتابية؛ والتي يصفها النص كمركز إداري حصين شيده الملك داود على التخوم الفاصلة بين مملكته وأراضي الفلستيين (Galil, 2009).
في المقابل، تدحض أبحاث أخرى هذا التوجه؛ مؤكدة غياب أي دليل مادي صلب يثبت انتماء لغة النقش إلى العبرية القديمة (Rollston, 2011; Millard, 2011). وتتفرع المواقف في هذا النقاش من السجال الأوسع بين نموذجي التحقيب المنخفض والتحقيب العالي. فحين يحاول غارفينكل وغانور ومسغاف إثبات أن لغة سكان قيافة كانت العبرية القديمة، فإنهم يفعلون ذلك ضمن الإطار الشامل للتحقيب العالي. فبالنسبة لغارفينكل، يندرج الادعاء بعدم تطور الأبجدية العبرية إلا في القرن الثامن ق.م ضمن المسعى التقليلي الرامي لمحو الإنجازات المادية والفكرية لمملكة يهوذا (Garfinkel, 2012-2013: Lectures 11 & 12).
تلقي هُوية الباحث بظلالها على تحليل النص وتفسيره. فيميل الباحثون الصهاينة المتدينون، مثل مسغاف، إلى المحافظة ورفض الموقف التقليلي، رغم أن الموقف الحدّي بعينه بات بعيداً اليوم عن العقائد الأرثوذكسية الجامدة.
ويواجه الباحث المتدين صراعات عميقة، كما وصف مسغاف نفسه في محاضرة حول “التناقضات بين علم الآثار والكتاب المقدس” ألقاها في “كلية هرتسوغ” الأكاديمية الدينية (Misgav, 2010). تطرق مسغاف في محاضرته لمراسلاته مع غليل بشأن الشقفة الفخارية (الأوستراكون) المكتشفة؛ فهو لا يتفق مع تأكيدات غليل الحدّية القاطعة في هذا الصدد. وكتب له موضحاً أنه لو اقترح هو-بصفته شخصاً يرتدي الـ “كيباه” [القبعة الدينية]- التفسير ذاته الذي طرحه غليل، لاتُهم فوراً بالأصولية!
في المقابل، يدعم فنكلشتين وفنتلكن الرأي القائل بأن النقش لم يُكتب بالعبرية. ويشددان على أن المواقع التي أسفرت عن اكتشاف نقوش كنعانية مبكرة متأخرة، تتركز حصرياً في منطقة الشفيلة والسهل الساحلي الجنوبي، وتحديداً بالقرب من مدينة غَتْ الفلستية. كما اكتُشفت في المنطقة ذاتها، وخاصة حول لخيش، نقوش هيراطيقية مصرية من أواخر العصر البرونزي الثالث؛ حيث كانت المنطقة مركزاً للإدارة المصرية في كنعان في العصر البرونزي المتأخر.
وعليه، قد تعكس النقوش الكنعانية المبكرة المتأخرة تأثيراً لتقاليد إدارية وثقافية أقدم. وعندما يتبنى فنكلشتين وفنتلكن القول بأن نقش قيافة لم يُكتب بالعبرية، فإنهما يفعلان ذلك ضمن الإطار الشامل للتحقيب المنخفض. ولذا، يتهمان غليل، على سبيل المثال، بتبني موقف حدّي (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 50-51; Finkelstein, 2013: 55).
لا ينفي فنكلشتين وفريقه انتماء هذا النقش القصير إلى الإرهاصات المبكرة لمملكة يهوذا. كما أنهما لا يجادلان في حقيقة أن النص الكتابي يحتضن بين طياته صدى ذكريات تاريخية غابرة. غير أن حجر الزاوية في نظرية التحقيب المنخفض يرتكز على فكرة جوهرية: لم تمتلك يهوذا أي نصوص أدبية مركبة ومعقدة قبل أواخر القرن الثامن ق.م. فتدوين نص بحجم الكتاب المقدس لا يحدث في فراغ؛ بل يتطلب رافعة مؤسسية وحاضنة سياسية.
وفي تقدير فنكلشتين، تضافرت عدة عوامل لاحقاً لتخلق هذه الرافعة؛ شملت اتساع رقعة المملكة، وتعقيد الجهاز البيروقراطي، ونضوج تقاليد التدوين، والانتعاش الاقتصادي، وتشابك العلاقات الدولية. وقد انصهرت هذه الديناميات مجتمعة لتُهيئ المناخ الإيديولوجي واللاهوتي والتاريخي المناسب لتأليف الكتاب المقدس. وانطلقت ورشة التحرير الكبرى للنص في القرن السابع ق.م، لتشكل الغطاء الفكري والمحرك الثقافي لما يُعرف بـالإصلاح التثنوي الذي قاده الملك يوشيا (Finkelstein and Silberman, 2001; Finkelstein, 2006-2007).
5.) الطقوس الدينية والعبادة:
يفسر غارفينكل وغانور غياب التماثيل أو الرموز الدينية في قيافة كدليل إضافي على هُويتها اليهوذية. ورغم ذلك، عثرا على صندوقين، أو ما يُعرف بنماذج الأضرحة، أحدهما من الحجر والآخر من الطين. وعادة ما تحتوي الصناديق المشابهة المكتشفة في حفريات أخرى على رموز أو تماثيل للآلهة؛ لكن في هذه الحالة، وُجدت الصناديق مكسورة وخالية من أي رموز، سواء كانت مجسمة أو مجردة. ويمكن تأويل تماثيل الطيور أعلى الصندوق الطيني والأسود أسفله كرموز لآلهة الخصوبة. أما الصندوق الحجري، فيحمل باباً مزيناً بثلاثة إطارات غائرة، وعوارض سقف مزخرفة Triglyphs. وبحسب تفسير غارفينكل وغانور، يشبه النموذج المعماري للصندوق الحجري عمارة قصر سليمان وهيكله كما وُصفا في النصوص الكتابية. أضف إلى ذلك، تتطابق نسب الباب في النموذج مع نسب أبواب الهيكل الثاني كما وُصفت في نص الـمشناه. ويرى غارفينكل في هذا استمرارية للطقوس الدينية في يهوذا.
أُقيمت طقوس سكان قيافة في غرف عبادة داخل المنازل الخاصة. وتُعد هذه الممارسة غير مألوفة في الثقافتين الكنعانية والفلستية، لكنها تتوافق مع الوصف الكتابي للحقبة التي سبقت بناء هيكل سليمان (Garfinkel et al., 2012; Garfinkel, 2012-2013: Lectures 10 & 11; Garfinkel, 2013b).
يرفض فنكلشتين الاقتناع بأن غياب التماثيل في الموقع يمثل دليلاً على رسوخ عقيدة التوحيد، ويتساءل ساخراً: “هل يزعم غارفينكل أن موحدين متزمتين سكنوا خربة قيافة في القرن العاشر ق.م؟ هل هذا ما حدث حقاً؟ لقد نقبتُ في مواقع معينة ولم أعثر على أي أدوات طقسية، لكن لم يخطر ببالي قط أن استنتج أن السكان كانوا موحدين غلاة!” (Finkelstein in Shtull-Trauring, 2011).
من جديد، يرتبط النقاش التفصيلي بسجال أكبر. يرفض غارفينكل فكرة أن التوحيد لم يتطور إلا بعد فترة الهيكل الأول، ويعتبرها محاولة لمحو الإنجازات الفكرية لمملكة يهوذا. رغم إقراره بالتقبل التدريجي للتوحيد، كما يصف الكتاب المقدس. وفي المقابل، يؤكد أن التوفيقية الدينية هي ما هيمن على يهوذا إبان زمن الهيكل الأول. فوفقاً للكتاب المقدس، كانت الوثنية شائعة في يهوذا حتى في عهد الملك سليمان.
وتُشير الأدلة الأثرية إلى أن الإصلاح التثنوي-الذي حصر العبادة في إله واحد ومركزها في هيكل سليمان- حدث فعلياً في عهد يوشيا (القرن السابع ق.م)؛ رغم استمرار سكان المملكة باستخدام التماثيل في منازلهم، حتى تلك المجاورة للهيكل. وبحسب الكتاب المقدس، عادت التوفيقية الدينية للظهور مجدداً بعد مقتل يوشيا على يد الفرعون نخاو الثاني (Finkelstein, 2006-2007: Lectures 11 & 12).
وتجب الإشارة هنا إلى أن التوحيد، أو الإيمان بوجود إله واحد، لا يطابق بالضرورة اللاهوت التثنوي لزمن الهيكل الأول. وكما أنشد موسى وأبناء إسرائيل: “من مثلك بين الآلهة يا يهوه” (خروج 15:11).
على أي حال، يصطدم المنظور القومي المحافظ لغارفينكل حتى مع الوصف الكتابي لزمن الهيكل الأول. فهو يعتمد على الكتاب المقدس والأنبياء الذين استنكروا عبادة آلهة أخرى واعتبروها خطيئة؛ متجاهلاً إقرار الكتاب المقدس بهيمنة الوثنية/التوفيقية الدينية إبان تلك الحقبة! ويجادل بأن الأدلة الأثرية المتوفرة حتى الآن كانت تتعلق بالمرحلة المتأخرة لمملكة يهوذا، لكن قيافة تُقدم اليوم أدلة جديدة عن أيام المملكة الأولى (Garfinkel, 2012-2013: Lectures 10 & 11).
لكن مشكلة غارفينكل تجسدت عام 2012، حين اكتُشف معبد وثني قديم يعود للقرن التاسع ق.م في تل موتسا[خربة بيت مزة، المتاخمة لقرية قالونيا]، على بُعد خمسة كيلومترات فقط من جبل الهيكل! وتضمنت المكتشفات تماثيل لرجال وحيوانات.
كان تفسير الأمر سهلاً على فنكلشتين: أولاً، وُجدت مواقع مشابهة في يهوذا حتى أواخر القرن الثامن ق.م. ثانياً، وبما أن إسرءيل ويهوذا كانتا تعجان بالمواقع الطقسية، فقد طالب الكتاب المقدس مراراً الإسرءيليين واليهوذيّين بتدمير المواقع الأخرى كافة، والاكتفاء بهيكل سليمان في أورشليم. أما غارفينكل، فكان موقفه أكثر تعقيداً: “أفترض أن سكان النقب احتاجوا موقعاً لطقوسهم، لكن ‘موتسا’ لا تبعد سوى خمسة كيلومترات عن القدس. لماذا احتاجوا لمعبد آخر هناك؟”. ويُقر باستحالة تجاهل معبد تل موتسا، لكنه يعد بتغيير مسار النقاش حول هذا الموضوع فور نشر مقالات جديدة تستعرض أدلة من قيافة (Hasson, 2012; Garfinkel, 2012-2013: Lecture 11).
9.الحمولات النظرية للملاحظة
يشبه غارفينكل وغانور ومايكل هاسل البيانات بقطع الفسيفساء المتناثرة: يمكننا تجميع هذه الأحجار لتشكيل صور ونماذج متباينة، بينما تظل الأحجار ذاتها ثابتة لا تتغير (Garfinkel et al., 2012: 45). أثبت توماس كُون (1970) وآخرون أن البيانات والملاحظات والأدلة لا توجد خارج النماذج الإرشادية (الباراديم). فهي تعتمد عليها كلياً. وتتجلى الحمولات النظرية للملاحظة بوضوح في السجال الدائر بين فنكلشتين وغارفينكل. فيقرأ كل منهما البيانات والمكتشفات ويفسرها بروافع نظرية مختلفة.
يرى غارفينكل وغانور بوابة جنوبية بأربع غرف في الجدار المزدوج لمدينة قيافة، ويغيب هذا المشهد تماماً عن أعين فنكلشتين وفنتلكين. يستند افتراض وجود البوابة إلى عاملين:
(أ) صخرتان ضخمتان، تزن الواحدة قرابة عشرة أطنان، تنتصبان على جانبي مقدمة البوابة المفترضة.
(ب) اتجاه الغرف في الجدار المزدوج على الجانبين، حيث تتغير وجهة المداخل في هذه النقطة تحديداً.
يرجح غارفينكل وغانور بناء هذه البوابة في القرن العاشر ق.م. وقد سُدت وتضررت إبان الحقبة الهلنستية إثر نشاطات عمرانية لاحقة (Garfinkel and Ganor, 2009: 108-111; Garfinkel et al., 2009: 218; Finkelstein and Fantalkin, 2012: 45-47).
صرح فنكلشتين لصحفي في عام 2011 قائلاً: “تفتقر المدينة لبوابتين. توجد بوابة واحدة فقط، وهي البوابة الغربية. يمثل الترميم الحديث 90% مما تراه اليوم في البوابة الجنوبية. أنوي نشر صورة التقطت فور انتهاء الحفر، وأخرى التقطت بعد الترميم، وسيدرك كل إنسان عاقل غياب أي بوابة هناك” (Finkelstein in Shtull-Trauring, 2011).
عقد فنكلشتين وفنتلكين في مقالهما مقارنة بين صورتين: تظهر الأولى البوابة الجنوبية المزعومة قبل الترميم (الشكل 1)، وتعرض الثانية الموقع بعد الترميم (الشكل 2).
يؤكدان أولاً ضعف استناد هذا الترميم إلى المكتشفات الفعلية. رمم القائمون على العمل الدعامة المركزية في الجناح الشرقي للبوابة مستخدمين جداراً يسد مدخلها أصلاً. يفتقر الجناح الغربي للدعامة الداخلية (الشمالية) تماماً، بينما رُممت دعامته المركزية من مجرد بقايا حجرية صغيرة. ثانياً، يفرض وجود بوابة بأربع غرف في هذا الموقع بالذات، وفقاً لتفسيرهما، التسليم ببنائها فوق منشآت مبنية وأخرى مقطوعة في الصخر. ترجع هذه المنشآت حتماً إلى العصر البرونزي الوسيط، أو إلى مرحلة مبكرة من التوطن أواخر العصر الحديدي الأول.
تظهر علامات قطع صخري وتجاويف تشبه الكؤوس(Cup-marks) في الحجرة الجنوبية الشرقية، قرب ممر البوابة المرممة. يوضح فنكلشتين وفنتلكين أن مقارنة الصورتين تكشف بناء القطاع الشمالي الغربي من البوابة المرممة فوق تلك المنشآت وعلامات الكؤوس. طُمس معظم هذه المعالم وغاب عن مشهد البوابة النهائي. يبدو أيضاً أن الدعامة المركزية للجناح الشرقي شُيدت فوق منشأة أقدم (Finkelstein and Fantalkin, 2012: 45-47).
وإذن، تتشابك الملاحظة مع التفسير دائماً. وتتجاوز قضية وجود بوابتين في قيافة حدود التفاصيل المعمارية المجردة. حيث يحمل كل طرف في هذا السجال افتراضاته وتوقعاته والتزاماته النظرية. فيخدم العثور على بوابتين في قيافة اللوحة الكبرى التي يرسمها غارفينكل. ليعمل على إثبات نجاحه في مطابقة هذه المدينة المستخرجة مع مدينة “شعاريم” اليهوذية وجود مدن محصنة في يهوذا القرن العاشر ق.م. وتمثل مطابقة شعاريم ختماً علمياً يوثق أطروحة غارفينكل حول عراقة مملكة يهوذا واتساعها وأهميتها. وتحفز هذه الأطروحة رغبة دفينة في حماية إنجازات مملكة يهوذا.

الشكل (1). البوابة الجنوبية في قيافا قبل الترميم (Garfinkel et al., 2009: 219)

الشكل (2). البوابة الجنوبية في قيافا بعد الترميم (Garfinkel et al., 2009: 219)
بينما يقف فنكلشتين على الجانب المقابل مستميتاً في الدفاع عن نموذجه الخاص، التحقيب المنخفض. فيواجه أعمال غارفينكل المنحازة للتحقيب العالي المحافظ. إذ يهدد الاعتراف بقيافة كمدينة شعاريم أجزاء واسعة من نظرية فنكلشتين ويعرضها للانهيار.
10.الخلاصة: الفصل بين البحث والهوية
لنتأمل مجدداً حجة فنكلشتين حول الفصل بين البحث العلمي والتقاليد والمعتقدات. يقول: “أؤمن إيماناً راسخاً بالفصل التام بين التقاليد والبحث. أحتفظ في قلبي بمكانة دافئة للكتاب المقدس وقصصه الرائعة. تجلس طفلتاي (في الحادية عشرة والسابعة من عمرهما)، على مائدة عشاء عيد الفصح، ولا تسمعان كلمة واحدة تشكك في حقيقة الخروج من مصر. سنخبرهما قصة مختلفة حين تبلغان الخامسة والعشرين. يمثل المعتقد والتقاليد والبحث ثلاثة خطوط متوازية تتعايش في اللحظة ذاتها. يغيب أي تناقض صارخ في ذلك من وجهة نظري” (Finkelstein in Lori, 2005).
لكن فنكلشتين يبالغ هنا، بالطبع. إذ يطرح هذا الادعاء بالفصل التام بين البحث والتقاليد والمعتقد سؤالاً جوهرياً: لماذا يخفي عن ابنتيه حقيقة غياب أي دليل على الخروج من مصر؟ . ويكمن الجواب في كون البحث العلمي يهدد استقرار الهُوية. فنظريته تصيب الهُويات الصهيونية واليهودية المحافظة في الصميم. ويتبادل الطرفان التهديد في واقع الأمر. فحين يعرّض البحث الهُوية للخطر، وتفتك الهُوية بنزاهة الموضوعية. يلجأ فنكلشتين لرفع راية الفصل للنجاة من هذا المأزق وتنفيس التوتر (Finkelstein, 2006-2007: Lecture 13).
حاولت إيضاح كيف يستخدم فنكلشتين الإصرار على هذا الفصل كأداة خطابية. يوظفها في دفوعاته لامتصاص قلق الجمهور الإسرائيلي-اليهودي. ويشهرها كسلاح خطابي ضد خصومه في المعارك الطاحنة حول التحقيبين المنخفض والعالي. ويرمي من ذلك إثبات قدرته على التوفيق بين أبحاثه العلمية ومواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية كيهودي صهيوني علماني-تقليدي. فيصرح مثلاً: “أمتلك قناعات راسخة جداً حيال هُويتي وجذوري التاريخية. لذلك لا أشعر بالذعر… أنا حقاً لست مذعوراً” (Finkelstein in Feldman, 2006).
يطرد فنكلشتين الخوف من نفسه لأن أفكاره ونظرياته تتناغم مع بعضها بانسجام تام. يوجه هذه الأفكار معرفياً واجتماعياً منهج الرؤية من الوسط (Finkelstein, 2006-2007: Lectures 1& 13; Finkelstein, 2011). هذا التصالح الداخلي يترك هُويات الآخرين في مهب الريح. حيث تزلزل نظرياته أركان الصهاينة المحافظين، والتيارات المحافظة المهيمنة بين اليهود الأرثوذكس، وتصطدم حتماً باليهود المتزمتين (الحريديم). كما يطرح هذا المسعى تساؤلاً ملحاً: لماذا يستميت فنكلشتين لردم تلك “الفجوة المتسعة وغير المحتملة بين مجريات علم الآثار اليوم، وما يعلمه الجمهور العام”؟ (Finkelstein in Feldman, 2006).
يكمن الجواب في طبيعة علم الآثار لأن هذا التخصص لا تقتصر وظيفته على التمظهر بهُويات الباحثين، لكنه يمثل قوة تكوينية جبارة تصنع الهُويات وتشكلها. وتنخرط الكتب التي يوجهها فنكلشتين للجمهور، ومحاضراته ومقابلاته، في قلب الصراع الدائر حول هُوية إسرائيل. ويرى ضرورة استمرار تطور الهُوية الصهيونية-اليهودية في مسار ليبرالي ديمقراطي، فيقول: “تنبع قوة إسرائيل، قبل كل شيء، من كونها مجتمعاً منفتحاً وليبرالياً وديمقراطياً، يمتلك شجاعة مواجهة ماضيه القريب والبعيد. يفوق البحث العلمي الحر والحيوي والنابض بالحياة اليوم في أهميته العثور على قصور فخمة من القرن العاشر قبل الميلاد” (المقدمة العبرية لكتاب التوراة مكشوفة على حقيقتها).
تتلقف جهات أخرى سلطة فنكلشتين العلمية وأعماله لتوظيفها في معاركها. حيث يستثمر ناشطون ملحدون أبحاثه التي تعرضها البرامج التلفزيونية في صراعهم حول هُوية إسرائيل. (مثلما استثمرت منصات عدة هذه الأبحاث؛ منها مقاطع مرئية لقناة (ScienceReasonIsrael) تُنكر قصة الخروج من مصرhttp://www.youtube.com/watch?v=NTxBNVVxXd0 (أيلول 2013) وكذلك http://www.daatemet.org.il/articles/article.cfm?article_id=10 ، ومواد إعلامية لمنظمة (Daatemet) الإلحادية التي تسعى لتقويض التفسيرات الأرثوذكسية للكتاب المقدس، مبررة ذلك بأن هذا الإرث الديني “أصبح مجرد أداة سياسية تحتكرها الحركات الأصولية”http://www.daatemet.org/aboutus.cfm.)
يكرر فنكلشتين التأكيد على مبدأ الفصل مراراً لسبب بسيط: يغيب هذا الفصل تماماً عن أرض الواقع. إذ يستحيل على أي إنسان سلخ هُويته عن الأسئلة التي تمس صميم هذه الهُوية.
يتطلب النقد العلمي الحقيقي امتلاك الشجاعة للاعتراف بتشابك هُوياتنا مع نظرياتنا، والتخلي عن ادعاءات الموضوعية والحياد المطلق.
آن الأوان لاستبدال وهم الموضوعية بمفهوم “الذاتية المتبادلة” (Intersubjectivity).
يبنى هذا المفهوم على إدراك أن المعرفة تتشكل عبر حوار دائم بين ذوات تحمل تحيزاتها الخاصة.
…….
العنوان الأصلي: Israel vs. Judah: The Socio-Political Aspects of Biblical Archaeology in Contemporary Israel
الناشر: http://www.HPS-Science.com / 2014
المصادر
Abu El-Haj, Nadia (2002) Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society (Chicago, Ill.: University of Chicago Press).
Aharoni, Yohanan (1957) The Settlement of the Israelite Tribes in the Upper Galilee [in Hebrew] (Jerusalem: Magnes Press, Hebrew University).
Albright, William Foxwell (1968) Yahweh and the Gods of Canaan: A Historical Analysis of Two Contrasting Faiths (London: University of London, Athlone Press).
Alt, Albrecht (1966) Essays on Old Testament History and Religion. Translated by R.A. Wilson (Oxford: B. Blackwell).
Beck, Eldad (2014) ‘Kerry: Israel’s security – an Illusion, Boycott is in the Doorway’, Ynet.co.il (1 February). Available at http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4483419,00.html.
Ben-Simhon, Coby (2012) ‘Benny Morris on Why He’s Written his Last Word on the Israel-Arab Conflict’, Haaretz.com (20 September). English version available at http://www.haaretz.com/weekend/magazine/benny-morris-on-why-he-s-written-his-last-word-on-the-israel-arab-conflict-1.465869.
Dagan, Yehudah (2009) ‘Khirbet Qeiyafa in the Judean Shephelah: Some Considerations’, Tel Aviv 36: 68–81.
Davies, Philip (1992) In Search of ‘Ancient Israel’ (Sheffield: JSOT).
Davies, Philip (2002) ‘Minimalism, “Ancient Israel,” and Anti-Semitism’, Bibleinterp.com. Available at http://www.bibleinterp.com/articles/Minimalism.shtml.
Dayan, Moshe (1978) Living with the Bible (London: Weidenfeld and Nicolson).
Dever, William (2003) Contra Davies’, Bibleinterp.com. Available at http://www.bibleinterp.com/articles/Contra_Davies.shtml.
Draper, Robert (2010) Kings of Controversy: Was the Kingdom of David and Solomon a Glorious Empire—or Just a Little Cow Town? It Depends on which Archaeologist You Ask’, National Geographic (December). Available at http://ngm.nationalgeographic.com/2010/12/david-and-solomon/draper-text
Emek Shaveh Association (2013) ‘From Silwan to the Temple Mount: Archaeological Excavations as a Means of Control in the Village of Silwan and in Jerusalem’s Old City – Developments in 2012’, Alt-arch.org. Available at http://alt-arch.org/en/wp-content/uploads/2013/04/Frm-Sil-to-Tmpl-Mnt-English-Web-.pdf.
Emek Shaveh Association (2012) ‘Archaeology on a Slippery Slope: Elad’s Sifting Project in Emek Tzurim National Park’, Alt-arch.org. Available at http://alt-arch.org/en/archaeology-on-a-slippery-slope/.
Erlanger, Steven (2005) King David’s Palace Is Found, Archaeologist Says’, The New York Times (5 August). Available at http://www.nytimes.com/2005/08/05/international/middleeast/05jerusalem.html?pagewanted=print.
Feldman, Maya (2006) Breaking with Tradition’, Ynet.co.il (16 October). Available at http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3314122,00.html.
Finkelstein, Israel (1996) ‘The Archaeology of the United Monarchy: An Alternative View’, Levant 28 (1): 177-187.
Finkelstein, Israel (2005) “A Low Chronology Update: Archaeology, History and Bible”, in Thomas Levy & Thomas Higham (eds), The Bible and Radiocarbon Dating: Archaeology, Text and Science (London: Equinox): 31-42.
Finkelstein, Israel (2006-2007) Ancient Israel: Archaeology, the Bible and What Happened (A course at Tel Aviv University). Available at http://www.youtube.com/watch?v=BQGul9OYI7s&list=PLL6llhM6ViT1x4kNxJpFy3DMjPgmw1bRu.
Finkelstein, Israel (2011) ‘In the Eye of Jerusalem’s Archaeological Storm: The City of David, Beyond the Politics and Propaganda’, The Jewish Daily Forward (26 April; issue of May 06, 2011). Available at http://forward.com/articles/137273/in-the-eye-of-jerusalem-s-archaeological-storm/.
Finkelstein, Israel (2013) The Forgotten Kingdom: The Archaeology and History of Northern Israel (Atlanta: Society of Biblical Literature).
Finkelstein, Israel & Alexander Fantalkin (2012) ‘Khirbet Qeiyafa: An Unsensational Archaeological and Historical Interpretation’, Tel Aviv 39: 38-63.
Finkelstein, Israel & Eli Piasetzky (2010) ‘Khirbet Qeiyafa: Absolute Chronology’, Tel Aviv 37: 84–88.
Finkelstein, Israel & Eli Piasetzky (2011) ‘The Iron Age Chronology Debate: Is the Gap Narrowing?’, Near Eastern Archaeology 74 (1): 50–54.
Finkelstein, Israel & Neil Silberman (2001) The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts (New York: Free Press).
Finkelstein, Israel, Lily Singer-Avitz, Ze’ev Herzog & David Ussishkin (2007) ‘Has King David’s Palace in Jerusalem Been Found?’, Tel Aviv 34 (2): 142-164.
Friedman, Julia (2013) ‘Crying King David: Are the Ruins Found in Israel Really his Palace?’, Haaretz.com (26 August). Available at http://www.haaretz.com/archaeology/.premium-1.543216.
Galil, Gershon (2009) ‘The Hebrew Inscription from Khirbet Qeiyafa/Neta’im: Script, Language, Literature and History’. Ugarit Forschungen 41: 193-242.
Garfinkel, Yosef (2011) ‘The Birth and Death of Biblical Minimalism’, Biblical Archaeology Review 37: 46–53, 78.
Garfinkel, Yosef (2012-2013) The Beginning of the Kingdom of Judah (A course at the Hebrew University of Jerusalem). Available at http://www.youtube.com/watch?v=V4F51-_98Gc&list=PLcysIED5sYMl_oEKBtB8_jfn2afyftm73.
Garfinkel, Yosef (2013a) Khirbet Qeiyafa Project 2007-2013: Final Summary of Field Results by Excavation Area and Season. Available at http://qeiyafa.huji.ac.il/Reports/Seven_Seasons_of_Excavations.pdf.
Garfinkel, Yosef (2013b) Why Khirbet Qeiyafa is a Judean city. Available at http://qeiyafa.huji.ac.il/Reports/Is_Khirbet_Qeiyafa_a_Judean_site.pdf.
Garfinkel, Yosef & Saar Ganor (2008a) ‘Khirbet Qeiyafa: Sha’arayimn’, Journal of Hebrew Scriptures 8: Article 22.
Garfinkel, Yosef & Saar Ganor (2008b) Khirbet Qeiyafa: An Early Iron IIA Fortified City in Judah; presentation at the 2008 ASOR meeting. Available at http://www.judaea.ru/upload/files/ASOR_2parts.pdf.
Garfinkel, Yosef & Saar Ganor (2009) Khirbet Qeiyafa: Excavation Report 7002 – 7002 (Jerusalem: Israel Exploration Society).
Garfinkel, Yosef, Saar Ganor, Michael Hasel & Guy Stiebel (2009) ‘Notes and News: Khirbet Qeiyafa, 2009’, Israel Exploration Journal 59: 214–220.
Garfinkel, Yosef, Saar Ganor & Michael Hasel (2012) Footsteps of King David in the Valley of Elah (Tel Aviv: Yedioth Ahronoth Books and Chemed Books).
Gelber, Yoav (2012) ‘How and When the Land of Israel was Invented? They Say, there is a Land’, Haaretz.co.il. (27 September). Available at http://www.haaretz.co.il/literature/study/1.1829868.
Haaretz (2012) Comments Following the Interview with Shlomo Sand’, Haaretz.co.il (8 June). Available at http://www.haaretz.co.il/magazine/1.1724795.
Halutz, Doron (2013) The Election Season of Muli Segev and Eretz Nehederet’, Haaretz.co.il (2 February). Available at http://www.haaretz.co.il/magazine/1.1918617.
Hasson, Nir (2011) ‘The University of Tel Aviv and The Hebrew University in Excavations War’, Haaretz.co.il (11 March). Available at http://www.haaretz.co.il/news/science/1.1166225.
Hasson, Nir (2012) Were There Two Holy Temples? Israeli Archaeologists Uncover Ancient Temple Just Outside Jerusalem’, Haaretz.co.il (26 December). English version available at http://www.haaretz.com/news/national/israeli-archaeologists-uncover-ancient-temple-just-outside-jerusalem.premium-1.
Hasson, Nir (2013a) ‘Archaeologists are Divided: Has King David’s Palace been Found?’, Haaretz.co.il (18 July). English version available at http://www.haaretz.com/news/features/.premium-1.536594.
Hasson, Nir (2013b) ‘Ancient Golden Treasure Trove Found at Foot of Jerusalem’s Temple Mount’, Haaretz.co.il (9 September). English version available at http://www.haaretz.com/archaeology/.premium-1.545965.
Herzog, Ze’ev (1999) ‘The Bible. There are no Finds in the Field’, Haaretz (29 October). Available at http://www.hayadan.org.il/bible-no-evidence-291099/.
Hoffmann, David Zvi (1902) Die Wichtigsten Instanzen gegen die Graf-Wellhausensche Hypothese (Berlin: Itzkowski).
Israel Ministry of Foreign Affairs (2013) ‘PM Netanyahu on the Gold Treasure Uncovered in Jerusalem’, mfa.gov.il (9 September). Available at http://mfa.gov.il/MFA/PressRoom/2013/Pages/PM-Netanyahu-on-the-gold-treasure-uncovered-in-Jerusalem-9-Sept-2013.aspx.
Eltahawy, Mona and Amy Klein (1998) ‘Palestinian Dig Unearths Canaanite Homes’, Reuters /Jerusalem Post (4 August). Available at http://www.highbeam.com/doc/1P1-16487322.html.
Karny, Yoav (2010) Yossi Garfinkel, Detective of History’, Yoavkarny.com. (9 January). Available at http://yoavkarny.com/2010/01/09/%D7%99%D7%95%D7%A1%D7%99-%D7%92%D7%A8%D7%A4%D7%99%D7%A0%D7%A7%D7%9C-%D7%91%D7%9C%D7%A9-%D7%94%D7%99%D7%A1%D7%98%D7%95%D7%A8%D7%99/
Karpel, Dalia (2012) ‘Author of ‘The Invention of the Jewish People’ Vents Again’, Haaretz.co.il (26 May). English version available at http://www.haaretz.com/weekend/magazine/author-of-the-invention-of-the-jewish-people-vents-again.premium-1.432371.
Kashua, Sayed (2012) Sayed Kashua’s Daughter’s School Project isn’t Homework, it’s War’, Haaretz.com (25 October). Available at http://www.haaretz.com/weekend/weekend/sayed-kashua-s-daughter-s-school-project-isn-t-homework-it-s-war.premium-1.472257.
Kratz, Reinhard (2009) ‘Eyes and Spectacles: Wellhausen’s Method of Higher Criticism’, The Journal of Theological Studies 60 (2): 381-402.
Kuhn, Thomas (1970) The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago Press).
Lanski, Na’ama and Daphna Berman (2007) Storm in a Neo-Con teapot’, Haaretz.co.il (29 November). English version available at http://www.haaretz.com/weekend/week-s-end/storm-in-a-neo-con-teapot-1.234226.
Latour, Bruno (1987) Science in Action: How to Follow Scientists and Engineers through Society (Cambridge, Mass.: Harvard University Press).
Lemche, Niels (1988) Ancient Israel: A New History of Israelite Society (Sheffield: Jsot Press).
Lemche, Niels (2008) The Old Testament between Theology and History (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press).
Levin, Yigal (2012) ‘The Identification of Khirbet Qeiyafa: A New Suggestion’, Bulletin of the American Schools of Oriental Research 367: 73-86.
Levine, Lee & Amihai Mazar (eds) (2001) The Controversy over the Historicity of the Bible (Jerusalem: Yad ben Zvi – Dinur Center).
Lori, Aviva (2005) The Greatest Spin in History’, Haaretz.co.il (26 February). English version [‘Grounds for Disbelief’] available at http://www.haaretz.com/grounds-for-disbelief-1.10757.
Masalha, Nur (2007) The Bible and Zionism: Invented Traditions, Archaeology and Post-Colonialism in Palestine-Israel (London: Zed Books).
Mazar, Amihai (2011) The Iron Age Chronology Debate: Is the Gap Narrowing? Another Viewpoint’, Near Eastern Archaeology 74 (2): 105-111.
Mazar, Benjamin (1974) Canaan and Israel: Historical Essays (Jerusalem: Bialik).
Mazar, Eilat (2006a) ‘Patriotism and National Security in Israel’, The Sixth Herzliya Conference (24 January). Available at http://www.herzliyaconference.org/?ArticleID=2097&CategoryID=258.
Mazar, Eilat (2006b) ‘Did I Find King David’s Palace?’, Biblical Archaeology Review 32 (1): 16-27.
Mazar, Eilat (2007) Preliminary Report on the City of David Excavations 2005 at the Visitors Center Area. Translated by Ben Gordon. (Jerusalem: Shalem Press).
Millard, Alan (2011) The Ostracon from the Days of David Found at Khirbet Qeiyafa’, Tyndale Bulletin 61: 1-13.
Misgav, Haggai (2010) Contradictions between Archeology and the Bible (A lecture delivered at Herzog College). Available at http://www.youtube.com/watch?v=7hB3_bvdhxI.
Morris, Benny (1987) The Birth of the Palestinian Refugee Problem (Cambridge: Cambridge University Press).
Na’aman, Nadav (2008) ‘In Search of the Ancient Name of Khirbet Qeiyafa’, Journal of Hebrew Scriptures 8: Article 21.
Na’aman, Nadav (2012) ‘Khirbet Qeiyafa and the Philistine-Canaanite Struggle in South Canaan in the Early Iron Age’, Cathedra 143: 65–92.
Nesher, Talila (2013) With the Support of Sa’ar, Shalem Center was Recognized as Academic Institution’, Haaretz.co.il (3 January). Available at http://www.haaretz.co.il/news/education/1.1899517.
Noth, Martin (1960) The History of Israel (New York: Harper and Row).
Penn, Lea (2011) Cain & Abel 90210 Present: Laughter and Rage’, Haaretz.co.il (28 March). Available at http://www.haaretz.co.il/gallery/music/discovery/1.1168932.
Rapoport, Meron (2006) The republic of Elad’, Haaretz.com (23 April). Available at http://www.haaretz.com/print-edition/features/the-republic-of-elad-1.185892.
Reinstein, Ziv (2013) Gold Treasure Including a Model of Menorah was Discovered Near Temple Mount’, Ynet.co.il (9 September). Available at http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4427447,00.html.
Rendsburg, Gary (1999) ‘Down with History, Up with Reading: The Current State of Biblical Studies’, McGill University Department of Jewish Studies Thirtieth Anniversary Conference (expanded version). Available at http://jewish30yrs.mcgill.ca/rendsburg/.
Rollston, Christopher (2011) ‘The Khirbet Qeiyafa Ostracon: Methodological Musings and Caveats’, Tel Aviv 38: 67–82.
Sand, Shlomo (2009) The Invention of the Jewish People. Translated by Yael Lotan. (London: Verso).
Sand, Shlomo (2012) The Invention of the Land of Israel. Translated by Geremy Forman. (London: Verso).
Sand, Shlomo (2013) How and When I Stopped Being Jewish (Or Yehuda: Kinneret, Zmora-Bitan).
Segev, Muli & Adam Sanderson (2010) This is Sodom; feature film (Israel: United King Films).
Shapira, Anita (2009) ‘The Jewish-People Deniers’, The Journal of Israeli History 28 (1): 63-72.
Shapira, Ran (2005) ‘A Debate of Biblical Proportions’, Haaretz.co.il (8 September). English version available at http://www.haaretz.com/print-edition/features/a-debate-of-biblical-proportions-1.169365.
Sharon, Ilan, Ayelet Gilboa, AJ Timothy Jull & Elisabetta Boaretto (2007) ‘Report on the First Stage of the Iron Age Dating Project in Israel: Supporting a Low Chronology’, Radiocarbon 49:1–46.
Shtull-Trauring, Asaf (2011) The Keys to the Kingdom’, Haaretz.co.il (21 April). English version available at http://www.haaretz.com/weekend/magazine/the-keys-to-the-kingdom-1.360222.
Silberman, Neil (1993) A Prophet from amongst You: The Life of Yigael Yadin: Soldier, Scholar, and Mythmaker of Modern Israel (Reading, MA: Addison-Wesley).
Silberman, Neil & David Small (eds) (1997) The Archaeology of Israel: Constructing the Past, Interpreting the Present (Sheffield, England: Sheffield Academic Press).
Sima, Gil (2012) ‘Ben-Gurion Stated: Rechovot is Part of Tel Aviv’, Mynet.co.il (16 December). Available at http://www.mynet.co.il/articles/0,7340,L-4318985,00.html.
Thompson, Thomas (1992) Early History of the Israelite People: From the Written and Archaeological Sources (Leiden, the Netherlands: Brill).
Thompson, Thomas (1999) The Mythic Past: Biblical Archaeology and the Myth of Israel (New York: Basic books).
Thompson, Thomas (2001) ‘A view from Copenhagen: Israel and the History of Palestine’, Bibleinterp.com.
Available at http://www.bibleinterp.com/articles/copenhagen.shtml.
Thompson, Thomas (2011) ‘On the Problem of Critical Scholarship: A Memoire’, Bibleinterp.com. Available at http://www.bibleinterp.com/opeds/critscho358014.shtml.
Toffolo, Michael, Eran Arie, Mario Martin, Elisabetta Boaretto & Israel Finkelstein (2014) ‘Absolute Chronology of Megiddo, Israel, in the Late Bronze and Iron Ages: High-resolution Radiocarbon Dating.’ Radiocarbon 56 (1): 221-244.
Vaux, Roland (1965) ‘Method in the Study of Early Hebrew History’, in J. Hyatt (ed), The Bible and Modern Scholarship (Nashville, TN: Abingdon): 15-29.
Verter, Yossi (2013) ‘From the Palestinians to His Own Coalition, Netanyahu Faces a Year of Decisions’, Haaretz.co.il (27 December). English version available at http://www.haaretz.com/weekend/1.565698.
Wallace, Jennifer (2013) ‘Archaeology and the Israel-Palestine Conflict’, ISN (January). Available at http://www.isn.ethz.ch/Digital-Library/Articles/Special-Feature/Detail/?id=143890&contextid774=143890&contextid775=143886&tabid=1452426438.
Wellhausen, Julius (2013 [1878]) Prolegomena to the History of Ancient Israel (New York: Cambridge University Press).
Whitelam, Keith (1996) The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History (New York: Routledge)
Yadin, Yigael (1975) Hazor: The Rediscovery of a Great Citadel of the Bible (London: Weidenfeld and Nicolson).
Yifa, Yaakov (2014) ‘Israel Said Set to Accept Kerry’s Framework Proposals’, The Times of Israel (2 February). Available at http://www.timesofisrael.com/israel-said-set-to-accept-kerrys-framework-proposals/?utm_source=dlvr.it&utm_medium=twitter.
Zertal, Adam (1999) ‘Go to Mount Ebal – says Herzog’s rival, Adam Zertal’, Haaretz (11 November). Available at http://www.hayadan.org.il/go-to-eival-mt-sais-zertal-111199
Zertal, Adam (2000) A Nation is Born: The Altar on Mount Ebal and the Emergence of Israel (Tel Aviv: Yedioth).
Ziffer, Benny (2013) ‘A Breathtaking Jewish Archaeological Discovery? Give Me a Break’, Haaretz.com (18 September). Available at http://www.haaretz.com/jewish-world/high-holy-days-2013/high-holy-day-news-and-features/.premium-1.547727. 87
Aljarmaq center Aljarmaq center