إذا كان الخلافُ الكلاسيكيُّ بين ماركس وهيجل قد انشغل بالإجابة عن سؤال البداية: من أين نبدأ، من الوعي والفكر أم من الواقع المادي والاجتماعي؛ فإن الشاعرة الفلسطينية رولا سرحان، في مجموعتها الأخيرة “هونًا ما”، لم تنحز إلى أيٍّ من هذين المسارين بقدر ما انشغلت باستبدال سؤال البداية بسؤال المعنى وكيفية تشكُّله في الدين، وفي الحب، وفي السياسة، وفي الجسد، وحتى في اللغة.
هكذا، وعلى نحوٍ يقارب العالمَ والأشياءَ عبر خطوط التوتر داخل منظومةٍ تتكئ على النسبيِّ لا المطلق، ومتصلة بسياقات الشكّ لا الحسم، راحت سرحان تطرح مقاربةً شعريةً تؤكِّد على جدارة الفلسطيني بالحياة بصيغٍ تعيد إنتاج أنماطها من داخل التجربة نفسها. وهو ما يُمكننا ملامسته بوضوح عبر سلسلة إشاراتٍ نصيَّة كاشفة، بدءاً من عنوان المجموعة “هونًا ما – رولا سرحان – منشورات المتوسط في ميلانو 2026” إذ يُعدُّ العنوان هنا المفتاح الدلاليَّ الأول والأوضح لوتيرة قراءة لا تُلغي العنف الكامن في طريق الشك، ولا تحسم العبور الآمن باتجاه اليقين، بقدر ما تؤسِّس لطريقةٍ مغايرة لمقاربة العالم والأشياء.
وهو نفسه المفتاح الذي يفسِّر لنا ما (يُشبه الوحي) في مدخل المجموعة، لحظة رسمه لحالةٍ بينيَّة بين القديم بوصفه اكتمالًا متخيَّلًا ومعلومًا، والسياسة باعتبارها راهنًا متحوِّلًا ومبهِمًا، كما لو أن النص نفسه يقف على “مطلع الدرج” كصوتٍ علِق في حنجرة القول، لم يصدح من الأعلى، ولم يستقر في الأسفل. إذ تقول العتبة الأولى: “عنوانهُ غريب، يسكنُ بينَ القديمِ الكاملِ، وبينَ السياسةِ والصيف، مطلع الدرج الموسيقي صوته… قيل: مرَّ من هناك، حينَ كان هنا حاضرًا يُشبهُ الوحي”
هكذا، ودون الركون إلى نقطة ارتكازٍ أساسية، يقدِّم المدخل في التصاقه مع العنوان خلاصة المرافعة الأولى لمساءلة المشروع الشعري في بنيته التركيبية، قبل أن يُنتج لنا كتابةً تنهض من حركة التشكُّل في عوالم متعددة، أقرب ما تكون للقول: إن كلَّ يقينٍ مؤجَّل، وكلَّ معنىً في طور التكوين، وهو ما يُعدُّ شكلًا من أشكال فكرة التلازم بين سمات اللغة المقترحة ومظاهر التوتُّر المفترض.
سمات اللغة وخطاب الادِّعاء…
ولعلَّ أبرز تجليات سمات اللغة في مجموعة “هونًا ما” للشاعرة سرحان، يكمن في بلوغ نصوصها ذروة تفكيكها للثنائيات الكبرى، خصوصًا بين الحرب والحب، والانتصار والهزيمة، والخلاص والسقوط، لتضع التجربة بأكملها في قلب صراعٍ مستمر بين أن تُعاش أو أن تُكتب، لتخلص ضمنيًّا إلى أن الكتابة، مهما اتسعت، تبقى أثرًا ناقصًا لحياةٍ تتجاوزها دائمًا إكراهات الواقع وتحدِّياته. ففي نص “حزّ برتقالة”، تظهر أولى الإشارات النصية لحظة تفكيك الخطاب:
“أكذب؛ أنني انتابني النضالُ، بينما أكون قد وقعتُ في الحب”
هذه الجملة تفيض بحمولةٍ وجدانية غير محسومة تكشف بدورها حقيقة التداخل العميق بين تصوُّرات الحرب والحب على مستوى الخطاب، وهما يتبادلان الأدوار ويتقاسمان أدوات التمثيل والأقنعة، فالنضال هنا لا يُظهر خصائصه كحدثٍ يراهن على سياق القصدية الثورية، وإنما كخطابٍ يعيد إنتاج نفسه عبر تزيين الهزيمة وتأويلها، خاصة مع استدعاء الشاعرة لصيغةٍ قلقة ومترددة كمفردة “انتابني”؛ فيما لا يبقى الحب بريئًا من بُنى الصراع، إذ تتسرَّب إليه هذه القصدية الثورية نفسها في أشكالٍ مختلفة، لتتحوَّل إلى مساحة لإعادة تمثيل الفقد والهيمنة بلغةٍ أخرى.
بهذا المعنى، لا تفكِّك نصوص هذه المجموعة الوقائع بقدر ما تفكِّك اللغة التي تُقال بها، لتضعنا أمام سؤالٍ لا يتعلَّق بما حدث، ولكن بما يُدَّعى أنه حدث، وكيفية إعادة تشكيله؛ وهو ما يكشف عن مستوىً ثالث أكثر إرباكًا، هو مستوى الادِّعاء، حيث يُنتج كلُّ سياق صورةً ذهنية عن ذاته تُخفي تناقضاته الداخلية؛ على الرغم من عدم ادِّعاء الشاعرة أن الحب نقيضًا للحرب، بقدر ما تدفع به باعتباره أحد تعبيراتها المُقنَّعة، ليصبح سؤال: كيف يُعاد تمثيل ما حدث؟ بديلًا منطقيًّا عن سؤال: ماذا حدث؟
في هذه المسافة تحديدًا، يتشكَّل المعنى لدى سرحان كسؤالٍ لا يتوقَّف عن تفكيك العوائق التي تحول دون جعل سرد الوقائع احتمالًا ممكنًا للنجاة، بوصفه منطقًا قابلًا للتأويل أيضًا، كما في نص “يوم” حين تقول: “كلما كانت الهزيمة كاملةً يكون العطب مفتاحًا للأرواح وللبلاد”.
ولننتبه إلى أن “العطب” في هذا السياق يُطرح كنتيجةٍ معزَّزة لسياق الحركة والتطور باعتباره مفتاح الذات المتمثلة في “الأرواح والبلاد”
وفي موضعٍ آخر، تدفع الشاعرة بـ “حواريّة” الهزيمة إلى أقصى حدودها الإدراكية لخصائص القلق الوجودي: “لا أحد يعرف شكل الهزيمة مثل الذين ماتوا ولم ينتصروا إلى الآن” وكأننا بسرحان تقلب المعنى بالكامل حين تهمس بعبارتها المعلَّقة على باب الزمن المفتوح “إلى الآن” لتقول بصوتٍ يُراد له أن يُسمع: الهزيمة لم تكتمل بعد، والانتصار لم يُلغَ ولكنه تأخَّر فقط.
والأمر يتكرَّر في نصوصٍ مثل “الرَّابحُ” و”الحضور” و”القضية”، حيث تتحوَّل العلاقة إلى تجربة فقدٍ مزدوج: “كلٌّ منا في الساحة الخلفية للآخر” ، ما يُشير إلى أن الغياب بهذا المعنى شكلٌ آخر للحضور، وإن تجلَّى حضورًا هشًّا يقطن الخلفية؛ وفي التأكيد على نزعة الخروج على كل تقليدٍ محتمل، تتكثَّف المفارقة في قول الشاعرة: “فأنت لم تستطع أن تخوض حربًا لأجلي، وأنا لم أستطع أن ألد لك ثورة”، الأمر الذي يؤكِّد على أن التقاطع ما بين الحب والسياسة ما زال حاضرًا، ولكنه تقاطع يتمظهر أحيانًا عبر العجز المتبادل، حيث لا يكتمل أو ينفصل أيٌّ منهما إلا بوجود الآخر، تمامًا كما تعريف الهوية في بعدها الفلسفي، فإن “الحب بيننا، يُشبه نظام الفصل العنصري”، وتجلي الحب بهذه الصورة الشعرية الصادمة، يعني أنه حبٌّ محكوم بحدودٍ غير مرئية، قائم على ثنائيةٍ ضدية، الاستعمار العاطفي، “الحب بيننا” والامتلاك المادي، “نظام الفصل”؛ وكأننا في ساحة صراعٍ على مركز الأحقية في قرار الاقتراب أو الابتعاد، فيما الآخر وإن كان كائنًا حاضرًا، فإنه يبقى على هامش الاعتراف.
اختبار الإيمان في مظاهر التوتُّر…
ولأن “الإبداع ليس مجرد إلهامٍ غامض، بل هو نشاطٌ نفسيٌّ منظَّم، يستخدم اللاشعور كطاقةٍ إبداعية، ويوظِّف “التكنيك” (التقنية الفنية) في صياغة التجربة النفسية”، وفق استخلاص مصطفى سويف في كتابه “الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة”، يتحوَّل الدين في هذه المجموعة إلى مساحةٍ تتكثَّف فيها تناقضات الأسئلة، لتكشف عن وعيها الداخلي، حيث تتحوَّل الهزيمة إلى أفقٍ دلاليٍّ مُنتِج، يُظهر ما تعجز عنه ادِّعاءات الانتصار.
هذا التصور بكل مركباته المتفاعلة في النص، يجعل من الهزيمة بنيةً حوارية قائمة بذاتها، تتكلَّم من داخلها، لتعيد إنتاج معناها باستمرار، معبِّرًا عن قلق اللغة وتفكيكها للمعنى، كوصفةٍ مرجعية واضحة لمظاهر التوتُّر.
وسواء كان هذا التفسير صحيحًا أم لم يكن، فإن تكرار الأسئلة الحادَّة حول الله، والأم، والموت، يعني محاولة الشاعرة تشكيل بنيةٍ معرفية تعمل على إبقاء السؤال مفتوحًا، بوصفه شرطًا لفهم هاجس الذات والآخر والوجود، وإن تمثَّل أيًّا منهم صفرًا؛ فالصفر، الذي يُفترض أنه فراغ، يتحوَّل في نص “الـ لا- أدريّ” إلى طاقة، حيث لا يُعدُّ اللايقين غيابًا، بقدر ما يُمكننا اعتباره حالةً ممتلئة بالاحتمال:
سألني: من خلقَ أمي، ومن أخذها مني، ولماذا لا أدري؟
… ولمَ سقطت تفاحةُ الجاذبيةِ بيننا؟
حين سكت، بكت بيننا طاقةُ الصفر،
وأجبتُهُ: لا أدري.
ولأن السؤال هنا سؤالٌ وظيفيّ، لا يرتبط بمنظومة اليقين، اشتبكت الحكاية بثوبها الأسطوري مع البعد الفلسفي في تعاملها مع طبقة العقدي باعتبارها طبقةً منتجة للأفكار الصلبة، ما أعاد موضعة السؤال الديني كمتطلبٍ للخروج من حال القلق حينًا، والالتباس أحيانًا، كما في سؤال الشاعرة لـ “السّامريّ”:
أحُبُّكَ أطيبُ أم ربُّكَ؟”
وسؤالها في هذا السياق لا يمكن أن يُحسم، لأن “السامري” نفسه يحيا في المخيال الجمعي بمرجعياتٍ متناقضة، ولأن هويته لم تعد قادرة على الاستقرار في خيارٍ واحد؛ ما يدفعنا لقراءة شخصيته في النص ككائنٍ يعيش بين الفتنة والقداسة مرة، وكظلٍّ رمزيٍّ لذاتٍ واقعة تحت ضغط الصراع التاريخي وسردياته المتنازعة أيضا.
وفي حال الامتناع عن طرح السؤال نفسه وهو “السائر” تظهر إجابةٌ مغايرة:
“لم أسأله عن كتاب العهد المقدَّس”
هذا التعليق لا يُفيد النفي، وإنما يكشف المسافة بين التجربة الحية والنص المؤسِّس؛ فالدين بمثل هذا الطرح يُعاد إدخاله في سياقٍ إنسانيٍّ مضطرب، عوضًا عن محاولات إلغائه التي ستفشل بالضرورة، حين تتجاور الأوامر الإلهية مع الوصفة الأخلاقية في نص “الذبيحُ”:
“كن بكل قلبك… وأحبب قريبك”
لكن هذه الوصية الأخلاقية لا تمنع أن يكون:
“رأسه صغيرًا جدًا تحت السيف”
بهذا التوتُّر، يتحوَّل المعنى الديني من سؤالٍ عن الحقيقة إلى سؤالٍ عن قابلية هذه الحقيقة للحياة داخل دائرة العنف؛ أي أن النصوص تضع منطوق الدين في اختبار الواقع، كخطابٍ يدخل في صراعٍ مع التجربة بكل تجلياتها ومحدداتها المنشئة لسؤال الهوية: من أنت؟
هذا المستوى البنيوي في العديد من النصوص، يقف بين الدينيِّ والأسطوريِّ على مسافةٍ واحدة داخل أفقٍ أكثر اتساعًا من التفسيرات السياسية التي توظِّفهما دوائر الاستعمار ومخرجاتها، حيث تحضر الأسطورة إلى جانب البعد الدينيِّ في العديد من النصوص بوصفهما موادَّ جاهزة، ولكنها لا تبقى كذلك؛ إذ تُعاد كتابتها عبر طبقات التكرار وحال التوتُّر. ففي مشهد “الشمس” كنموذج، نلاحظ أن قرار الانتصار والهزيمة هو قرارٌ آتٍ من منطقةٍ غيبية أو غير معلومة تمامًا، كما في قولها: “ستتوقَّفُ قليلًا… كي تسمح للقائد بالانتصار”
نحن إذن أمام استدعاءٍ واضح لأسطورةٍ كونية تمنح الشرعية الإلهية للنصر، لكن هذا الادِّعاء يُقوَّض مباشرةً في قولٍ لاحق: “لكنَّ الأرضَ لم تتوقَّف عن الحركة”
الشاعرة هنا تتحايل على المشهد من خلال كشف هشاشة الخرافة ضمنيًّا، بدلًا من رفضها مباشرة، فهي تهشِّمها بوضعها في مختبر الواقع، تمامًا كما فعلت مع “السامري”، حيث تتداخل الطبقات الدينية والبشرية المختلفة (التوراة/الإنجيل/المخيال الشعري) دون استقرار، ليتحوَّل الرمز إلى مساحة تنازعٍ تأويلي، يمسُّ بمحاولات تقديمه كأصلٍ ثابت.
فالأسطورة، بهذا المعنى، لم تعد أداة تفسير، ولكنها دُفعت لتصبح موضوعًا للتفكيك، خاصةً حين يستخدمها الآخر النقيض لتبرير العنف أو السيطرة، وهو ما يسمح بربط المذبحة كنموذجٍ بالسياق الأوسع، حيث يتحوَّل التاريخ إلى سلسلةٍ من الاستعادات التي لا تنتهي، وتُوظَّف لتثبيت سردياتٍ جديدة. فشخصية “الذبيح” حين تتكرَّر بوصفها نقطة التقاءٍ بين المقدَّس والمدنس، تظهر ككائنٍ عالق بين تأويلاتٍ متعددة، لا كرمزٍ فدائيٍّ واضح:
“كان غارقًا في تأويل البيت”
“لم يفتده الوقت بين حبَّين”
فإن الذبيح بهذا الطرح ليس فقط من يُقدَّم قربانًا، وإنما من يعيش داخل بنية الذبح نفسها، حيث لا يملك الخروج من دوره المرسوم قبلًا، وهو ما يحوِّل النجاة من الذبح من فعلٍ طقسي إلى حالةٍ وجودية، ليصبح الإنسان نفسه مجالًا للذبح، لا مجرد موضوعٍ له.
اقتصاد الموت/الدم…
اللافت في مجموعة سرحان أنها تستدعي الموت كحقلٍ دلاليٍّ مشترك، ولكنه قادر على العمل كأداةٍ لإعادة إنتاج المعنى؛ ففي المذبحة: يُعاد إنتاجه سرديًّا، وفي الذبيح: يُعاش كحالة، بينما في الحب: يتسرَّب كفقد، وفي الحرب: يتحوَّل إلى اقتصاد، ولذا نجدها تقول في “قصصنا”:
“الحربُ تجارةٌ، والدَّم بيعٌ، وخسارةٌ”
هذه التركيبة للصورة الشعرية لم تجعل الموت مجرد حدثٍ بيولوجيّ، بقدر ما قدمته كنظامٍ للمعنى يمكنه أن يُعيد ترتيب العلاقات بين الإنسان والتاريخ، وبين الجسد والمقدَّس، وبين الفرد والجماعة.
في الخلاصة، اشتغلت الشاعرة رولا سرحان في مجموعتها على تفكيك الخطاب المؤسِّس الغيبي والأسطوري عبر إدخاله في تجربةٍ مشبعة بالموت، ليتحوَّل هذا الموت إلى أداةٍ لفضح التناقض بين الادِّعاء والواقع؛ تمامًا كما بين الحب والحرب، بين الذبيح والمذبحة، وكأننا أمام شبكةٍ واحدة، يتحرَّك فيها المعنى عبر حال التكرار لسمات اللغة وطقوس التوتُّر، ما يقول إن ما فعلته سرحان لم يكن تفكيكًا للثنائيات بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما هو كشفٌ يؤكِّد على أن هذه الثنائيات نفسها لم تكن يومًا منفصلة أصلًا.
بقي القول إن كثافة الاشتغال المفاهيمي على حساب التمييز بين النصوص وتوزيعها، وكذلك حال الميل إلى التراكم بدل التكثيف، لربما يُشكِّل مأخذًا على مجموعة “هونًا ما”، إلا أن هذا لا يُعدُّ ضعفًا بنيويًّا، بقدر ما يعبِّر عن مغامرة ناتجة عن طموح المشروع الشعري نفسه، وهو ما يمنح المجموعة فرادتها، لتصبح مجموعةً يُمكنها أن ترفع راية الدين لتقول الحب، والجسد لتنتقد السياسة، ليغدو التوتُّر نفسه، لا اليقين، هو اللغة الوحيدة الممكنة لفهم العالم وعبور خرابه البشري بشيءٍ من دعوة الطمأنينة القلقة: “هونًا ما”.
Aljarmaq center Aljarmaq center