أزمة المثقف وصعود المؤثّر في الفضاء العربي

يشهد الفضاء العام العربي تحولًا جذريًا في بنية السلطة الرمزية، أي في القدرة على التأثير في الوعي الجمعي وتقديم رؤى للقضايا السياسية والاجتماعية، حيث ينحسر حضور مرجعيات الخطاب الثقافي النقدي، لصالح نجومية رقمية عابرة للحدود الجغرافية والثقافية. هذه الظاهرة لا تقع في سياق فراغ معرفي، بل تندرج ضمن تحولات إبستمولوجية عميقة (في طبيعة المعرفة ذاتها)، تطاول آليات إنتاج المعنى وتداوله. المثقف، تلك الشخصية التاريخية التي شكّلها مشروع النهضة العربية لتكون عين المجتمع الناقدة وضميره اليقظ، يجد نفسه اليوم في مواجهة عنصر جديد هو “المؤثر”، الذي لا يستند إلى عمق معرفي تراكمي، بل إلى قدرة لحظية على اختراق وعي الجمهور. هذه المواجهة ليست صراع أجيال أو تنافس وسائط، بل تعبير عن أزمة بنيوية في علاقة النخب بالجماهير، وفي تعريف الدور الاجتماعي للفكر والمعرفة.

المثقف بين العضوية والنخبوية
يحمل المثقف في جعبته تاريخًا طويلًا من التعريفات المتضاربة. في السياق الغربي، قدّم أنطونيو غرامشي تفريقًا منهجيًا بين المثقف التقليدي الذي يعيش منعزلًا في فضاءاته الأكاديمية، والمثقف العضوي الذي ينتمي عضويًا إلى فئة اجتماعية معيّنة ويعبّر عن مصالحها ويطوّر وعيها السياسي. هذا التفريق يكتسي أهمية بالغة في فهم الأزمة العربية، حيث غلب نموذج المثقف التقليدي، القائم على المعرفة الموروثة والاعتماد على السلطة المؤسسية، على حساب النموذج العضوي المخترق للنسيج الاجتماعي. بالمقابل، يستند المثقف في المنظور السارتري إلى التزام أخلاقي فعّال، إذ يتحدّد كلٌّ من دوره وقيمة معرفته عبر موقعه من قضايا عصره.
أمّا المؤثر، فهو نتاج طبيعي لثورة الاتصال الرقمي، حيث تتلاشى الوسائط التقليدية وتحلّ محلها شبكات التواصل الاجتماعي التي تعمل وفق منطق مختلف تمامًا. المؤثر لا يمتلك بالضرورة أيّة خلفية أكاديمية أو معرفية، لكنه يمتلك حسًا عاليًا بالتقاط إيقاع الجمهور، وبترجمة الرغبات الخفية إلى محتوى مرئي أو مكتوب سريع الاستهلاك. يقوم المؤثر على شخصنة العلاقة مع المتابعين، حيث يختزل المسافة بين المرسل والمتلقي، ويقدّم نفسه كصديق أو مرشد أو نموذج يُحتذى، وذلك عبر تناول تفاصيل الحياة اليومية وتعزيز الشعور بالمشاركة الوجدانية. هذه الخاصية الجديدة في خطاب التأثير تجعل من الصعب مقارنته بالمثقف التقليدي، لأن المؤثر يعمل في فضاء الرغبة و”الترند”، بينما يعمل المثقف في فضاء المعنى والمعرفة.

تهميش المثقف العربي
ثمة أسباب متشابكة أدت إلى تهميش دور المثقف العربي، بعضها يعود إلى طبيعة علاقته بالسلطة، وبعضها الآخر مرتبط بتحولات المجتمع نفسه. أول هذه الأسباب يكمن في علاقة المثقف العربي الملتبسة بالدولة والسلطة السياسية. فمنذ تكوّن الدول القطرية الحديثة، اتخذ المثقف مسارين متطرفين غالبًا: مسار التبعية، حيث يصبح المثقف موظفًا لدى السلطة يشرّع لها وينظّر لسياساتها، ومسار المعارضة الصلبة التي غالبًا ما تنتهي إلى العزلة أو السجن أو المنفى. المسار الأول أفقده القدرة على لعب دور الوسيط النزيه بين المجتمع والدولة، وجعل منه أداة قمعٍ ناعمة، بينما حوّله المسار الثاني إلى صوت صارخ في البرية لا يصل إلى آذان صانعي القرار. وبين الاستلاب والانعزال، ضاع المثقف بين نار السلطة وجحيم التهميش، تاركًا الساحة لأصوات قد تحمل الهم الجمعي وتمتلك الأدوات، لكنها تفتقر إلى المعرفة اللازمة للارتقاء بالوعي الجمعي.
السبب الثاني يتمثل في تحوّل بنية الجمهور العربي نفسه. مع ارتفاع نسب الأمّية الوظيفية، واتساع الفجوة بين لغة النخبة ولغة الشارع، تراجع الجمهور القارئ للكتب والمجلات الثقافية، واتجه إلى وسائط مرئية ومسموعة لا تحتاج إلى جهد ذهني كبير في التحليل والتركيب. هذا التحول البنيوي جعل خطاب المثقف، الذي يعتمد على التراكيب المعقدة والمفاهيم التجريدية، بعيد المنال عن شريحة واسعة من الجمهور، بينما وجد المؤثرون في هذه الفجوة ملعبًا خصبًا لتقديم بدائل سهلة الهضم.
السبب الثالث يعود إلى تراجع المشروع النهضوي الجامع الذي كان يمنح المثقف دوره التاريخي. فعندما تهاوت الأيديولوجيات الكبرى كالقومية والاشتراكية، وتلاشت أحلام الوحدة والتنمية المستقلة، فقد المثقف مرجعيته الأخلاقية والسياسية، وتحوّل إلى كائن حائر بين هويات متعددة ومشاريع متصارعة. هذا الفراغ القيمي لم يملأه أحد، لكن المؤثرين نجحوا في احتلال فضاء هذا الفراغ بتقديم بدائل هلامية، تقوم على الإنجاز الفردي والاستهلاك والهروب من القضايا الكبرى إلى المجال الفردي والاستهلاكي.

أمّا السبب الرابع فيتعلق بأزمة اللغة والمنهج؛ المثقفون العرب المعاصرون، في غالبيتهم، يكتبون بلغة مشفرة، وأحيانًا بتعقيد مقصود يهدف إلى حماية النخبوية (أو حماية الذات من السلطة)، وأحيانًا أخرى بتعقيد ناتج عن الترجمة الحرفية للنظريات الغربية بدون تمريرها عبر مرشحات ثقافية محلية. هذه اللغة أصبحت عائقًا أمام التواصل، في حين يتميّز المؤثر باستخدام لغة الشارع نفسها، أي اللغة العامية أو اللغة العربية المبسّطة القريبة من وجدان المتلقّي، مما يعزّز شعور الأخير بالانتماء إلى الجماعة الخطابية.

انكشاف الأزمة في لحظات الصدمة: غزة نموذجًا
ما كانت هذه الفجوة لتظهر بهذا الوضوح لولا الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالمنطقة، ولعلّ الحرب الأخيرة على غزة كانت المرآة الأكثر تعرية لهذه المعضلة. حين كانت المجازر ترتكب على الهواء مباشرة، والدماء ترسم خرائط جديدة للألم، برزت الجماهير العربية كفاعل أخلاقي جماعي، تتجاوز مواقفها مواقف الأنظمة الرسمية والمثقفين التقليديين على حد سواء. كشفت هذه اللحظة التاريخية عن واقع مأساوي آخر: غياب المثقف العربي، في الوقت الذي فيه احتلت منصات التواصل، بقيادة مؤثرين شعبيين، موقع القيادة في تشكيل التضامن العربي والإسلامي.
لم يعد المثقف في تلك اللحظة هو المرجع الذي يشرح التناقضات، أو يحلّل استراتيجيات العدوان، أو يصوغ أطر المقاومة الفكرية. بدلًا من ذلك، انتقل زمام المبادرة إلى وجوه رقمية، بعضها ينتمي إلى المشهد الثقافي لكنه تبنّى لغة جديدة، وبعضها الآخر ينتمي إلى فضاءات أخرى كالرياضة والفنون والدين. هذا التحول لم يصنعه المؤثرون وحدهم، بل صنعته رغبة الجماهير في خطاب غير وسيط، خطاب ينطلق من أعماق التجربة الإنسانية المباشرة لا من برودة التحليل السياسي أو الفلسفي. خلال المأساة، قدّم المؤثرون للناس ما يريدونه: صورة حية، وعاطفة جياشة، وحضورًا لحظيًا يكسر جدار الصمت الدولي، بينما ظلّ المثقفون يتجادلون في قضايا ثانوية لا تهمّ الجريح تحت الأنقاض، بل إن كثيرًا منهم انشغلوا، في زمن الإبادة، بمهمة نقاش الجدوى من المقاومة.

المؤثّرون والوعي الجمعي
لا يقتصر تأثير المؤثّرين على المستوى الاستهلاكي أو الثقافي الهامشي، بل يمتدّ ليشمل صياغة الوعي الجمعي للقضايا المصيرية. يعيد المؤثرون تعريف مفهوم المواطنة من خلال خلق مجتمعات افتراضية مشتركة لا تخضع لحدود الدولة القطرية. هذا البعد العابر للقوميات يشكّل سلاحًا ذا حدّين: أحدهما يمكن أن يفضي إلى تعزيز التضامن الإنساني حول القضايا العادلة، والآخر يمكن أن يؤدي إلى تسييس عاطفي عابر لا يترك أثرًا حقيقيًا على القضايا المصيرية ولا يحدث تغييرًا في الهياكل والقرارات السياسية.

من ناحية أخرى، يعيد صعود المؤثرين تعريف مفهوم القيادة والقدوة في المجتمعات العربية. لم تعد القدوة مقتصرة على العلماء أو الأدباء أو الزعماء السياسيين أو رجال الدين، بل انتقلت إلى أي شخص يمتلك كاريزما رقمية وقدرة على الاستمرار في دائرة الضوء. هذا التحول يخلق حالة من عدم الاستقرار في المرجعيات، حيث يخضع الجمهور لتأثيرات متعددة ومتضاربة، كل منها يتبنّى موقفًا مختلفًا بناءً على المزاج العام وليس على الثوابت الوطنية أو الأخلاقية.
كما أن هذا الصعود يسهم في تسريع دورة اتخاذ المواقف السياسية. فالمؤثر قادر على تحريك موجات من الغضب أو التأييد في غضون ساعات، مما يضع الحكومات والأنظمة أمام ضغوط شعبية لحظية قد لا تعكس إرادة مستقرة. هذه الخاصية قد تكون مفيدة في بعض الأحيان كأداة ضغط شعبية، لكنها في أحيان أخرى تخلق حالة من الفوضى السياسية، حيث تتلاشى المؤسسات الديمقراطية وتُستبدل بآليات الاستفتاء الرقمي العابر.
من جهة أخرى، يعزّز المؤثرون ثقافة الاستهلاك التي تطغى على ثقافة الإنتاج والإبداع. المحتوى الذي يقدّمه المؤثرون يعتمد في غالبيته على إعادة تدوير الأفكار والأخبار والصور، مما يحدّ من قدرة المجتمع على إنتاج رؤى أصلية جديدة. هذه الدورة المغلقة من الاستهلاك الإعلامي قد تؤدي إلى جمود فكري وثقافي، حيث يظلّ الجمهور أسيرًا لما تقدّمه له الخوارزميات، من دون أن يتشكّل لديه فضول حقيقي لاستكشاف عوالم معرفية مغايرة.

المثقف والمؤثر: أيّة موازنة ممكنة؟
السؤال الأهم لا ينبغي أن يدور حول إقصاء أحد الطرفين، بل حول إعادة تعريف العلاقة بينهما في سياق جديد. الموازنة الممكنة لا تعني عودة المثقف إلى منبره التقليدي وكأن شيئًا لم يحدث، ولا تعني استسلام المثقف لمنطق المؤثر واستبدال العمق بالسطحية. الموازنة تقوم على استيعاب المثقف لأدوات العصر، وتَعلُّمه لغة المنصات وخصائص الخطاب الرقمي وامتلاكه أدواتها، مع الحفاظ على جوهر رسالته النقدية.

المثقف الرقمي هو نموذج واعد يبدأ في التبلور، حيث يجمع هذا المثقف بين قدرته على التحليل العميق وبين مهاراته في التبسيط والتواصل الجماهيري. هذا النموذج يدرك أن المعرفة المعقدة لا تفقد قيمتها حين تُصاغ بلغة واضحة، بل على العكس تكتسب قوة تأثير إضافية حين تجد طريقها إلى الوعي الجمعي. المثقف الرقمي لا يتردد في استخدام الفيديو والبودكاست والمنشورات الموجزة، لكن محتواه يظلّ محكومًا بمنهجية نقدية واضحة، وبشجاعة في قول الحقائق غير المريحة أو تلك التي لا تلائم رغبة الجماهير.
في الطرف الآخر، يقع على المؤثر الواعي أن يدرك حدود قدراته، وأن يفتح نوافذ لخبرات أعمق في محتواه. المؤثر الذي يستضيف مثقفين، أو يقرأ ويناقش أعمالًا أكاديمية أو أدبية، أو يخصّص مساحات للقضايا المعقدة، يمكنه أن يلعب دورًا مهمًا بين النخب والجماهير وأن يكون جسرًا بينها. هذا التحول في سلوك المؤثر لا يأتي من فراغ، بل يحتاج إلى ضغط جماهيري وإدراك أن الجمهور العادي يتعطش أيضًا إلى العمق إذا ما قُدّم له بطريقة جذابة وغير معقدة.
كما أن إعادة بناء المثقف العضوي في العالم العربي تتطلب تغييرات على صعيد التعليم والتنشئة الثقافية. فالمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام مدعوة إلى مراجعة أساليبها، والانتقال من التلقين إلى التحليل، ومن تقديم النماذج الجاهزة إلى تشجيع التفكير النقدي. هذا التغيير الجذري قد يستغرق أجيالًا، لكنه السبيل الوحيد لخلق وعي جماعي قادر على الصمود أمام زخم الضحالة الرقمية.

لقاء المثقف والمؤثر
ما يمرّ به المثقف والمؤثر اليوم في العالم العربي ليس سوى فصل من فصول التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة بأكملها. معركة الوعي ليست معركة هوامش أو كماليات، بل هي جوهر الصراع على مستقبل الأمة. المثقف، حين يستعيد صوته الجماهيري من دون أن يفرّط في عمقه النقدي، وحين يعرف كيف يتسلّح بأدوات العصر من دون أن يصبح أسيرًا لقوانين السوق الرقمية، سيكون قادرًا على ملء الفراغ الذي أوجده غيابه. أمّا المؤثر، حين يدرك أن تأثيره الحقيقي يتجاوز الإعجاب العابر إلى زرع بذور المعرفة في الوعي، فسيكون حليفًا قويًا في هذه المعركة الطويلة.
في نهاية المطاف، لا يجب أن تكون الموازنة بين الدورين إقصاءً أو استبدالًا، بل يجب أن تتمّ عبر عملية خلّاقة تدمج الحكمة والمعرفة مع سرعة الحداثة، وتجمع بين النقد الجاد والحضور الجماهيري. المثقف العربي يحتاج إلى الخروج من شرنقته، والمؤثر يحتاج إلى النزول من برجه العاجي الجديد وإلى التحرر من سجن الرغبة في جمع المتابعين، وعندها فقط يمكن للكلمة العربية أن تستعيد وهجها، ليس في كتب التاريخ، بل في وجدان الجيل الصاعد الذي يصنع مستقبله بين إشارات الضوء السريعة وهدوء التأمّل في المعنى. هذا المسار يحتاج إلى إرادات ومؤسسات وأفراد يدركون أن الوعي التحرري لا يُبنى إلا بالتأنّي والصبر، وبكلمة لا تخشى التعقيد ولا تخشى البساطة في آن واحد.

المصدر:

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/herenow/2026/6/20/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81-%D9%88%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%AB%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

عن مليحة مسلماني

شاهد أيضاً

سيرة الخوف في فلسطين: من الفهم إلى فضّ الاشتباك

قد يبدو الخوف عاطفة طارئة، صافرة إنذار بيولوجية تعلن عن خطر وشيك ثم تنحسر. لكن …