رافائيل غرينبرغ و عدي كينان
ترجمة محمود الصباغ
من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل. من يسيطر على الحاضر، يسيطر على الماضي. (جورج أورويل)
المقدمة
انخرط علماء الآثار الإسرائيليون في دراسة وإدارة آثار هذه المناطق منذ البدايات الأولى للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس الشرقية في العام 1967،. وبدأت الأبحاث الأكاديمية الإسرائيلية في الضفة الغربية بعد وقت قصير من الاحتلال وبلغت ذروتها في الثمانينيات، قبل أن تتراجع بفعل الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987. كما شهدت القدس هي الأخرى موجة مبكرة من الأبحاث المكثفة، جرى معظمها برعاية الجامعة العبرية. وفي العقود اللاحقة، حلت محل الجهد الأكاديمي -إلى حد كبير- أنشطة حكومية رعتها مؤسسات الدولة حكومية ارتبطت بمشاريع التنمية والبناء، بما فيها – في السنوات الأخيرة – بناء جدار الفصل وامتداداته المختلفة.
كانت المعرفة الأثرية بقلب فلسطين التاريخي، في العام 1967، معرفة أولية ومحدودة، و بما سطحية ونمطية، وأقرب إلى الخطوط العامة منها إلى الفهم التفصيلي. وشمل المسح الأولي للمواقع الأثرية المعروفة، الذي أجراه علماء آثار إسرائيليون عام 1968، نحو 800 موقع، ولم يكن قد خضع للتنقيب سوى عدد قليل منها (Kochavi 1972).. أما اليوم، وبعد مرور أربعين عاماً، فقد ارتفع عدد المواقع الأثرية المسجلة إلى ما يزيد على 5400 موقع. ومن بين هذه المواقع جرى التنقيب في نحو 900، سواء في إطار حفريات إنقاذية سبقت أعمال البناء والتطوير، أم ضمن مشاريع أكاديمية ذات طابع بحثي. وقد نفذت الغالبية الساحقة من هذا العمل الأثري على يد إسرائيل، وفي سياق إدارتها للحياة المدنية في الأراضي المحتلة.
يمكن توصيف علم الآثار، في جوهره، كشكل من أشكال الإنتاج الثقافي؛ فيوظف بقايا الماضي المادية داخل السياق الاجتماعي للحاضر. ومن هذا المنطلق، يسهل إدراك الأثر المزدوج للنشاط الأثري الإسرائيلي في مسار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. فعلى مستوى أول، يبرز الاستحواذ المادي على المواقع الأثرية في المناطق المتنازع عليها، سواء بصورة مؤقتة تسبق أعمال التنقيب وما قد يرافقها من تدمير، أم بصورة دائمة عبر الحفاظ على تلك المواقع وحمايتها أو، كما يحدث في كثير من الأحيان، تركها عرضة للإهمال بوصفها فضاءات موروثة من الماضي. وعلى مستوى ثانٍ، تظهر سرديات جديدة عن الماضي تستند إلى نتائج المسوحات والحفريات الأثرية. وهذه السرديات تؤثر في الفهم الشعبي للتاريخ القديم وتسهم في تشكيل الهُويات الإثنية أو المحلية وإعادة تعريفها. أما المستوى الثالث فيتعلق بالحقل العلمي بحد ذاته، وهو ما يمكن وصفه بالتأثير الداخلي للتخصص، ويتمثل في الأهمية التي اكتسبتها آثار الضفة الغربية والقدس بالنسبة إلى التطور الأكاديمي والمهني لعلم الآثار الإسرائيلي.
تتناول هذه الدراسة المستويات الثلاثة المذكورة، بالاستناد إلى العمل المتواصل الذي ينجزه مشروع قاعدة بيانات آثار الضفة الغربية والقدس في جامعة تل أبيب. ومن خلال مجموعة من خرائط نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، التي أعدت عبر دمج البيانات الأثرية مع الطبقات الجغرافية والإدارية المختلفة، وسوف نقدم في الصفحات التالية عرضاً عاماً للنشاط الأثري الإسرائيلي، إلى جانب مناقشة دلالاته وآثاره. وسننتقل، بعد عرض الإطارين القانوني والإداري، إلى دراسة نطاق الحفريات الأثرية ومواقعها وانتماءاتها الثقافية وأثرها في تطور البحث الأثري الإسرائيلي. ثم نستعرض المسوحات الأثرية التي تمثل، من جهة، جرداً للإمكانات الأثرية التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية مستقبلاً، ومن جهة أخرى، إسهاماً علمياً في النقاشات الأثرية الجارية. وسوف نلاحظ -ونسجل أيضاً- ضمن هذا العرض الخلفيات السياسية المرتبطة بالحفريات والمسوحات، سواء من حيث علاقتها المكانية بالمستوطنات اليهودية والقرى والمدن الفلسطينية وجدار الفصل، أم من حيث ارتباطها الزمني بمحطات وأحداث مفصلية شهدتها إسرائيل والأراضي المحتلة.
وأخيراً، تعرض الدراسة بعض الإمكانات التي تتيحها قاعدة بيانات نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، سواء كأداة بحثية لعلماء الآثار أو مصدراً للمعلومات يمكن أن يستفيد منه صناع القرار.
جمعت البيانات الأثرية المستخدمة في هذه الدراسة من طيف واسع من المصادر، شمل تقارير منشورة عن مسوحات وحفريات، وسجلات أرشيفية متاحة للعامة، إلى جانب بعض الوثائق الإدارية وغيرها من المواد غير المنشورة. أما الخرائط والتمثيلات الناتجة عن تراكب هذه البيانات، فلا تمثل سوى عينة محدودة من الإمكانات التحليلية العديدة التي تتيحها قاعدة البيانات الجغرافية، في حين يرد عرض الجوانب المنهجية والتقنية الخاصة بها في الملحق الأول.
من المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة تقتصر على النتائج العامة للأبحاث العلمية التي أنجزت منذ العام 1967. فهي لا تسعى إلى تقديم جرد شامل للإسهامات الكبيرة التي أضافتها الحفريات إلى السجل الأثري، كما أنها لا تتناول الأوضاع الراهنة على الأرض، سواء في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو في المناطق التي تديرها السلطة الوطنية الفلسطينية جزئياً أو كلياً.
ويثير وجود الآثار في منطقة نزاع جملة من التحديات أمام أي سلطة إدارية، من بينها صون المواقع المنقّبة وحمايتها، ومكافحة النهب، وتعزيز التوعية العامة، واحترام مختلف الثقافات التي تعاقبت على المكان. ومن هذه الزاوية، تمثل هذه الدراسة خطوة أولية تسبق مهمة أكثر إلحاحاً تتمثل في تقييم الوضع الراهن للتراث الثقافي داخل الأراضي التي يفترض عموماً أنها تشكل النواة الأساسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، وهو ما بات يحظى باهتمام متزايد لدى مثقفين وعلماء آثار فلسطينيين في عدد من المحافل الدولية، كما نوقش بصورة أكثر تفصيلاً، حتى الآن، في دراسة مراجعة أعدها عادل يحيى (قيد النشر). وتتمثل القضايا الأكثر إلحاحاً التي يطرحها الفلسطينيون، بحسب ترتيب أهميتها، في مشكلة نهب الآثار، وفصل الفلسطينيين عن مواقع تراثهم الثقافي نتيجة جدار الفصل ومشروعات التطوير المرتبطة بالمستوطنات، والتعارض بين التشريعات الإسرائيلية والفلسطينية الخاصة بالآثار ــ ولا سيما القوانين التي تسمح بتجارة الآثار في إسرائيل، التي يُنظر إليها بوصفها عاملاً مشجعاً على النهب ــ إضافة إلى قضية استعادة اللقى الأثرية التي أُخرجت من الأراضي الفلسطينية. ورغم أن جميع هذه القضايا تنطوي على أبعاد سياسية، فإنها تكشف في ذات الوقت عن تبلور مدرسة فكرية فلسطينية تنظر إلى الآثار بوصفها جزءً من التراث الثقافي، تدعو إلى صياغة سياسة واضحة ومعلنة لإدارة هذا التراث، على نحو يختلف بوضوح عن السياسة التي فرضتها إسرائيل.
يختلف الفلسطينيون عن الإسرائيليين في التعريف التقني للآثار؛ إذ يتجه الفلسطينيون إلى التخلي عن الحدّ الزمني الفاصل عند سنة 1700 للميلاد بين ما يُعد أثرياً وما لا يُعد كذلك. بل إن الخلاف يمتد إلى المصطلح ذاته، حيث يفضّلون استخدام تعبير “التراث الثقافي” بدلاً من “الآثار”. كما يختلف الطرفان في تعريف المواقع، إذ يشمل الفلسطينيون ضمن هذا التعريف، على سبيل المثال، المشاهد الزراعية التقليدية. ويظهر التباين أيضاً في استخدام المصطلحات وفي مقدار الأهمية الممنوحة للمراحل المختلفة من تاريخ الأرض المقدسة. غير أن هذا الاختلاف لا يلغي اتفاق الطرفين على الشعور بالإلحاح الذي تفرضه الأدلة على انتشار واسع لعمليات نهب المواقع في المناطق الخاضعة للسيطرة المدنية، سواء الفلسطينية أو الإسرائيلية، وهو نهب ارتبط بالضائقة الاقتصادية التي تفاقمت منذ الانتفاضة الثانية، وبالشعور الذي يرى في علم الآثار أداة من أدوات الاحتلال.
أدّى اختلال ميزان القوة والقدرات الأكاديمية إلى حضور أثري إسرائيلي متنامٍ في الضفة الغربية، مقابل تراجع واضح في الحضور الفلسطيني. كما أسهم استمرار الأبعاد السياسية والإيديولوجية للاحتلال في دفع كثيرين داخل المجتمع الفلسطيني إلى ربط علم الآثار بالمصالح الإسرائيلية، وهو ما ينظر إليه على أنه عنصر ضرر للحالة المادية للتراث الأثري والثقافي في الضفة الغربية على المدى البعيد. لذا، قد ينظر إلى توفير أكبر قدر ممكن من المعلومات حول أعمال علماء الآثار الإسرائيليين في الضفة الغربية كخطوة باتجاه تقليص الفجوة المعرفية بين الطرفين، وأيضاً كمحاولة لإعادة التأكيد على استقلال الحقل الأثري عن الأجندات السياسية الضيقة. ومن خلال الاعتراف بالمسؤوليات التنظيمية والتوثيقية تجاه الماضي، وهي مسؤوليات تتجاوز مسألة الملكية، ومن خلال إدراك ما يترتب على علم الآثار من آثار تمس طيفاً واسعاً من الأطراف المعنية (Hodder 2003)، يمكن اتخاذ خطوة مهمة لحماية هذا الحقل من أن يجري تسخيره لخدمة استمرار الصراع الدائر.
رغم أن هذا البحث لم يكتمل بعد، وأن الصيغة النهائية لنشر قاعدة البيانات لا تزال قيد التحديد، فإن الدلالات المتعددة للمعطيات التي جُمعت خلال عامين من العمل تبرّر هذا النشر الأولي. فهي تضيف بعداً فكرياً ورمزياً لم يكن متاحاً من قبل، إلى شبكة العلاقات المتداخلة التي تميّز الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.
ونعرب عن شكرنا لعدد كبير من الزملاء الذين تعذر ذكرهم جميعاً، والذين قدّموا المساعدة خلال مراحل مختلفة من المشروع، سواء بصفات رسمية أو غير رسمية. وإلى جانبهم، ساهمت هانيتا سينا مون في العمل كمستشارة لنظم المعلومات الجغرافية في المراحل الأولى، وقدّم دان روتيم من مركز س. دانيال أبراهام بيانات سياسية وديموغرافية مفصلة، كما وفّر عدي بن-نون من مركز GIS في الجامعة العبرية طبقات أساسية شملت نماذج الارتفاع الرقمي (DTM)، والتضاريس، والتربة، وخطوط تساوي الأمطار. كما قدّم رَعنان رِين، مدير مركز س. دانيال أبراهام في جامعة تل أبيب، دعمه لنشر هذه الدراسة، وساهمت تيلمـا كيناريتي في تهيئة الطريق لإتمامها. وإلى جميعهم تُوجَّه عبارات الامتنان.
أولاً. الإطار القانوني
يخضع الإقليمان الخاضعان للاحتلال لنظامين أثريين مختلفين. فقد أُلحقت القدس الشرقية وأراضٍ تابعة لـ28 قرية محيطة بها بإسرائيل في العام 1967 (Berkowitz 2007). ورغم عدم حصول هذا الضم على اعتراف دولي، فقد خضع النشاط الأثري في القدس الشرقية لقانون الآثار الإسرائيلي بإدارة سلطة الآثار الإسرائيلية كما أن حجم النشاط الأثري الإسرائيلي في القدس الشرقية موثق على نطاق واسع، مع إتاحة مزيد من التفاصيل للجمهور في أرشيفات هذه السلطة. وبسبب عدم اعتراف الحكومة الإسرائيلية بخط الهدنة المعروف بـ”الخط الأخضر” داخل القدس، فإن تحديد النطاق الدقيق للنشاط الأثري الإسرائيلي في المناطق التي احتُلّت عام 1967 يستلزم إعادة بنائه اعتماداً على البيانات المنشورة والخرائط التي تعود إلى ما قبل العام 1967.
أما في الضفة الغربية، فقد أُسندت إدارة الشؤون المدنية، مع بدء السيطرة الإسرائيلية في حزيران 1967، إلى ممثلين مدنيين عن مختلف فروع الحكومة الإسرائيلية، عُرفوا باسم “ضباط الإدارة المدنية”. ويعين وزير التربية والتعليم ضابط الإدارة المدنية المسؤول عن الآثار، حيث كانت صلاحيات الوزير تشمل آنذاك دائرة الآثار والمتاحف. ويشغل هذا المنصب حالياً الدكتور يتسحاق ماغن منذ العام 1981. [يشير النص إلى الدكتور يتسحاق ماغن بوصفه “ضابط الآثار في الإدارة المدنية”، وهو ما يعكس المرحلة التأسيسية لهذا المنصب منذ العام 1981. وشهد هذا الموقع لاحقاً تعاقب عدد من المسؤولين ضمن وحدة الآثار في الإدارة المدنية، من بينهم بنيامين هار إيفن الذي يشغل المنصب حالياً، بعد مرحلة انتقالية مرّت باسم حنانيا حزمي في العقد الثاني من الألفية حتى نيسان 2023. ويعكس هذا التسلسل تحولاً إدارياً تدريجياً داخل البنية نفسها دون تغيير جذري في الإطار المؤسسي.-المترجم]
وبحسب قرار وزير الدفاع والحكومة الإسرائيلية في العام 1967، بقي القانون الأردني نافذاً في الضفة الغربية، وبالتحديد قانون الآثار لعام 1966. وقد تضمّن هذا القانون أحكاماً تفصيلية نسبياً تناولت قضايا مثل تسجيل المواقع، وترخيص الحفريات، وتجارة الآثار، وتعويض ملاك الأراضي (Civil Administration 1997) واعتمد القانون كما هو تقريباً، مع تعديل وحيد تمثل في استبدال تسمية “المدير” (للدائرة) بـ”ضابط الإدارة المدنية لشؤون الآثار في يهودا والسامرة”. أما القسم (ب)، المتعلق بالمجلس الاستشاري للآثار، فقد بقي دون تغيير. ونظراً لأن رئاسة هذا المجلس كانت ستؤول إلى وزير أردني، وأن أعضاءه كانوا سيشملون ممثلين عن الجامعات الأردنية، لم يُعقد المجلس الاستشاري في السنوات الأولى من الاحتلال.
جرت في العام 1986 عملية مطوّلة لمراجعة أنظمة ولوائح الآثار، انتهت بإصدار مرسومين لقانون الآثار (رقم 1166 و 1167، انظر الملحق II ) أبقت هذه المراسيم، في ظاهرها، على قانون 1966 كما هو، لكنها استبدلت عدداً كبيراً من أحكامه بصياغات جديدة، خصوصاً ما يتعلق بترخيص الحفريات وتنظيم التجارة القانونية بالآثار، وهي تجارة أحيطت بإجراءات تنظيمية معقدة جعلتها شبه مستحيلة عملياً. ويتضمن هذان المرسومان بندين لافتين:
(1) أعيد تشكيل المجلس الاستشاري، بحيث أصبح يضم نائب رئيس الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي بوصفه رئيساً، وضابط الآثار في الإدارة المدنية نائباً للرئيس، ومدير دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية، إضافة إلى اثنين من أبرز علماء الآثار الإسرائيليين، واثنين آخرين من مسؤولي الإدارة المدنية. وبينما كان ينص القانون الأردني على أن “المدير يجب أن يستشير المجلس في كل مسألة ذات أهمية”، جاء مرسوم 1167 ليقرر أن “الضابط [أي ضابط الآثار] يستشير المجلس في أي مسألة ذات أهمية يراها مناسبة” (المرسوم 1167، الفقرة 4؛ والتشديد مضاف). كما أن القانون الأردني كان يفرض عقد المجلس اجتماعاً شهرياً بدعوة من الرئيس، مع إمكانية عقد اجتماعات إضافية عند الحاجة، بينما نص المرسوم الجديد على أن “المجلس يعقد اجتماعاته العادية أو الخاصة بدعوة من نائب الرئيس [أي ضابط الآثار]” (المرسوم 1167، الفقرة 5؛ والتشديد مضاف).
(2) تتضمن الفقرة 3 من المرسوم 1166 البند التالي: “لا تنطبق أحكام هذا القسم [القسم B: الحفريات والمسوح الأثرية] على الحفريات التي يجريها الضابط أو التي تُجرى باسمه وفقاً للفقرة 8 أو وفقاً للقسم H من قانون [الآثار]”. وتنص الفقرة8C من قانون الآثار على أن “للمدير، بموافقة الوزير، أن يجري حفريات في أي مكان في المملكة الأردنية الهاشمية”.
وقد ترتب على هذا المرسوم أن أُتيح لضابط الآثار حرية شبه كاملة في إدارة أعمال الحفريات في مختلف أنحاء الضفة الغربية، دون الخضوع لإشراف المجلس الاستشاري أو للقيود التي يفرضها القانون فيما يتعلق بترخيص الحفريات، أو متطلبات النشر العلمي، أو توزيع اللقى الأثرية. وعملياً، لم يكن ضابط الآثار خاضعاً لأي شكل من أشكال المساءلة داخل الإدارة المدنية أو ضمن الحكومة الإسرائيلية.
وفي حين أن القوانين والمراسيم المشار إليها تنظّم الممارسة داخل الضفة الغربية، فإن الإشكال الأوسع-المتمثل في وظيفة وحدة ضابط الآثار بوصفها إحدى أدوات إدارة الاحتلال الإسرائيلي-يحتاج إلى توضيح إضافي. فإسرائيل لم تعترف رسمياً بوصفها قوة احتلال من الناحية القانونية (Einhorn 1996). غير أن سياسة ضابط الآثار، من الناحية العملية، طُرحت أحياناً باعتبارها منسجمة مع أحكام اتفاقيات لاهاي المتعلقة بسلوك القوى القائمة بالاحتلال. وقد أكد الضابط، في مناسبات مختلفة (بما في ذلك حديث مع الباحثين في كانون الأول 2005)، أن عمله يتركز أساساً على حماية الآثار وإنقاذها من التدمير الناتج عن النهب أو أعمال البناء أو العمليات العسكرية وغيرها.
كما أن جميع اللقى الناتجة عن الحفريات في الضفة الغربية (باستثناء المناطق التي ضُمّت إلى إسرائيل ضمن القدس الكبرى) تُحفظ في مخازن تابعة لوحدة ضابط الآثار، دون نقلها بشكل دائم إلى مؤسسات إسرائيلية، رغم وجود عدد كبير منها على سبيل الإعارة طويلة الأمد. ومن المفارقات أن معظم هذه المخازن تقع في القدس الشرقية، التي يُنظر إليها دولياً باعتبارها أرضاً محتلة، في حين لا تعترف إسرائيل بهذا التوصيف.
ثانياً. الحفريات والمسوحات
مقدمة: الحفريات في القدس والضفة الغربية
حتى تاريخ إعداد هذا التقرير المؤقت، نقدّر عدد المواقع المختلفة التي جرى التنقيب فيها في الضفة الغربية والقدس الشرقية الكبرى على يد علماء آثار إسرائيليين منذ عام 1967 بنحو 900 موقع، يقع حوالي 170 منها في القدس ومحيطها.
ويمثل ذلك ما يقارب 1500 ترخيص وإذن حفريات في المنطقتين. أما المعطيات المتوفرة حالياً، كما سيجري توضيحه لاحقاً، فلا تغطي سوى نحو ثلثي المواقع التي يُقدَّر أنها خضعت للتنقيب في الضفة الغربية. ويستند تقدير العدد الإجمالي للحفريات إلى الإشارات العرضية لأرقام تصاريح ضابط الآثار الواردة في بعض التقارير الأولية الحديثة، وإلى استقراء معدل النشاط الأثري منذ آخر تقرير صادر عن ضابط الآثار عام 1997. ومع وجود إجراءات قانونية جارية، قد تتوفر بيانات جديدة قريباً. وينبغي الانتباه، عند قراءة هذه الأرقام، إلى إشكالية تعداد المواقع؛ إذ إن تقسيم المواقع الكبيرة، مثل نابلس أو القدس، إلى حفريات منفصلة يبقى في كثير من الأحيان أمراً اعتباطياً وخاضعاً لاعتبارات إجرائية أكثر منه تصنيفاً موضوعياً أو مشروطاً. كذلك تتراوح الحفريات المرخّصة بين عمليات تنظيف قصيرة في كهوف تستغرق ساعات، وبين مواسم تنقيب كاملة تمتد لأشهر في تلال أثرية متعددة الطبقات.
البيانات الأساسية حول الحفريات
لا يكون ضابط الآثار ملزماً بنشر تقرير شامل عن تراخيص الحفريات الممنوحة في الضفة الغربية، وهو في الواقع لا ينشر قائمة من هذا النوع. وكما أشير سابقاً، لا يشترط مرسوم الإدارة المدنية لعام 1986 حتى منح تراخيص الحفر لضابط الآثار، فضلاً عن عدم إلزامه بالتشاور مع المجلس الاستشاري قبل تنفيذ هذه الحفريات. لكن ضابط الآثار يصدر، من الناحية العملية، تراخيص لحفرياته الخاصة، كما يجري مشاورات مع المجلس في معظم الحالات التي تشمل جهات خارجية، مثل الجامعات الإسرائيلية أو مدارس الآثار الأجنبية في القدس أو البعثات الدولية. وكما هو الحال داخل إسرائيل، تمنح تراخيص الحفر على أساس سنوي (سنة تقويمية)، بحيث تحصل المواقع التي يستمر التنقيب فيها لعدة سنوات أو مواسم متعددة على أكثر من ترخيص واحد.
إن المعلومات التي ينشرها ضابط الآثار حول أعماله وأعمال فريقه إنما هي معلومات متقطعة وغير منتظمة، وغالباً ما تقتصر على تقارير أولية شديدة الإيجاز. وحتى التقارير التي توصف بأنها نهائية لا تتضمن دائماً جميع العناصر التي يفترض أن يحتويها التقرير النهائي وفق المعايير الأكاديمية المتعارف عليها. أما فيما يتعلق بالبعثات الخارجية، فيبدو عدم اختلاف أداء ضابط الآثار في متابعة الحصول على التقارير النهائية عن أداء سلطة الآثار الإسرائيلية في ما يخص الحفريات داخل إسرائيل.
لذلك، تعتمد المعلومات المتاحة عن حفريات الضفة الغربية على مجموعة من المصادر الجزئية، تشمل قوائم محدودة قدّمها ضابط الآثار إلى سلطة الآثار الإسرائيلية عام 1997، وتقارير أولية متفرقة منشورة في نشرات دورية ومطبوعات شعبية أو شبه شعبية، معظمها باللغة العبرية، إضافة إلى عدد محدود من المنشورات النهائية.
أما الحفريات في القدس، فقد مُنحت تراخيصها جميعاً من قبل دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية، ثم من قبل الهيئة التي خلفتها، وهي سلطة الآثار الإسرائيلية ورغم إتاحة السجلات المتعلقة بإدارة هذه الحفريات للباحثين، فثمة عقبات جمة أمام إعداد قائمة نهائية ومغلقة للحفريات المنفذة في القدس الشرقية الكبرى. وتتمثل المشكلة الرئيسة في ضرورة إعادة رسم الحدود الفاصلة بين القدس الشرقية والقدس الغربية وإسقاطها على خريطة الحفريات. وإلى جانب ذلك، لا تتضمن قوائم الحفريات الصادرة عن سلطة الآثار الإسرائيلية معلومات دقيقة عن مواقع الحفر، الأمر الذي يفرض في كثير من الأحيان عملاً استقصائياً معقداً لربط المواقع التي شملتها المسوحات بالتقارير المنشورة وأرقام التراخيص، ولا سيما في الحالات التي صدرت فيها تصاريح متعددة لمواقع متجاورة، أو في ما يتعلق بالأعداد الكبيرة من كهوف الدفن التابعة لمدافن القدس من العصر الروماني. كما أن الحفريات المتتابعة والمتلاصقة في بعض أجزاء المدينة، مثل محيط الحرم وسلوان/”مدينة داود”، تطرح تحديات إضافية أمام إعداد خريطة دقيقة وشاملة للنشاط الأثري في القدس.
توجد مئات المنشورات، الأولية والنهائية، التي تتناول الحفريات المنفذة في القدس ومحيطها. وقد استند الباحثون أساساً في تتبع هذه المنشورات، بل وفي التحقق من وجود عدد كبير من الحفريات نفسها، إلى الجهد الببليوغرافي الضخم الذي بذله أوري كلونر في مسحه الموسوعي للقدس (Kloner 2000–2003). ومع ذلك، لا يزال هذا المجال بحاجة إلى مزيد من العمل والاستكمال.
سجل نشر نتائج الحفريات منذ عام 1967
لا توجد طريقة مباشرة لحساب عدد المنشورات النهائية الخاصة بالحفريات التي أُجريت في الضفة الغربية والقدس منذ العام 1967. فالفاصل بين التقارير الأولية والتقارير النهائية ليس واضحاً دائماً، كما أن بعض الإشارات الأولية إلى الحفريات قد ترد ضمن منشورات تحمل عناوين مختلفة ولا تُعرّف نفسها بوصفها تقارير تنقيب. ولأغراض التقدير الأولي، أظهرت مراجعة شملت 368 موقعاً من المواقع المنقبة في الضفة الغربية- ومعظمها يعود إلى الفترة الممتدة بين 1967 و1997- أن ما يقارب نصفها بقليل (177 موقعاً) لا تتوافر عنه أي بيانات نشر، في حين توزعت المواقع المتبقية بصورة شبه متساوية بين تقارير نهائية (93 موقعاً) وتقارير أولية (98 موقعاً) [ بدأ الباحثون أيضاً بمقارنة هذه القائمة مع دليل المواقع الوارد في “أطلس توبنغن للشرق الأدنى”Bieberstein and Bloedhorn 1994.]
أما في القدس، فتلزم سياسة سلطة الآثار الإسرائيلية بنشر تقارير أولية عن جميع الحفريات، الأمر الذي يجعل نسبة النشر الإجمالية في المنطقتين معاً تقارب 50% من التقارير الأولية، بينما ينقسم النصف الآخر بين مواقع لم تُنشر عنها تقارير مطلقاً ومواقع صدرت بشأنها تقارير نهائية.
تبلغ نسبة المواقع التي حظيت بنشر نهائي نحو 25% من الحفريات التي مضى على تنفيذها أكثر من عشر سنوات، وهي نسبة لا تختلف كثيراً عن المعدلات السائدة داخل إسرائيل نفسها.وتشمل المواقع المصنفة باعتبارها “منشورة نهائياً” عدداً كبيراً من المواقع الصغيرة، مثل عشرات الكهوف التي جرى تنظيفها ضمن “عملية اللفائف”، التي نُشرت عنها تقارير موجزة نسبياً، كما تشمل مواقع كبرى صدرت بشأنها منشورات متعددة المجلدات، مثل حفريات “مدينة داود” بإشراف شيلوه، وحفريات الحي اليهودي بإشراف أفيغاد، وحفريات هيروديوم وأريحا بإشراف نتسر. وفي المقابل، تضم قائمة المواقع غير المنشورة فعلياً عدداً من الحفريات الصغيرة، إلى جانب مواقع كبيرة ومهمة مثل الخليل والنبي صموئيل. كما توجد حفريات امتدت على مدى مواسم عديدة ولم تنتج سوى تقارير موضوعية محدودة النطاق، كما هو الحال في جبل جرزيم ونابلس.
في حين يبدو الاتجاه العام لنشر نتائج الحفريات في الضفة الغربية مشابهاً لما هو سائد في علم الآثار الإسرائيلي بصورة عامة، فمن المهم الإشارة إلى أن ضابط الآثار الحالي انتهج-كما نرى- توجهاً متزايداً نحو العمل المؤسسي المنغلق داخل وحدته. فقد أُنشئ قسم نشر مستقل ضمن الوحدة يتولى ضابط الآثار نفسه الإشراف عليه. وبذلك أصبح ضابط الآثار الجهة التي تمنح التراخيص لوحدته، وتضع الضوابط الناظمة لأعمال الحفر التابعة لها، ثم تتلقى التقارير العلمية الناتجة عنها، وتوافق عليها، وتحررها، وتتولى نشرها. وفي ظل غياب أي آليات للمساءلة العامة، ونرى أن ثمة ما يدعو إلى القلق بشأن مستوى الجودة العلمية ومدى شمولية التقارير الصادرة عن هذه الوحدة.
اللقى الأثرية
أسفرت الحفريات التي أُجريت منذ العام 1967 عن كميات هائلة من اللقى الأثرية. وأنشأت وحدة ضابط الآثار مخازن واسعة لحفظ جميع القطع المستخرجة من المواقع الواقعة ضمن نطاق صلاحياتها. تقع هذه المخازن في مقر الوحدة بحي الشيخ جراح في القدس الشرقية، إضافة إلى منشأة أخرى تقع بالقرب من خان السامري الصالح على الطريق الواصل بين القدس وأريحا. كما تُعرض بعض القطع الأثرية الآتية من مواقع في الضفة الغربية داخل إسرائيل. وتوجد هذه القطع هناك على سبيل الإعارة طويلة الأمد من وحدة ضابط الآثار، التي أفاد الباحثون، استناداً إلى إفادة شخصية من د. ميفوراخ، بأنها تبذل جهوداً حثيثة لاستعادة القطع التي لم تعد معروضة للجمهور.
أما اللقى الأثرية التي استُخرجت من حفريات القدس الشرقية منذ العام 1967، فتُعرض أعداد كبيرة منها داخل البلدة القديمة وفي مواقع أخرى داخل إسرائيل، ولا سيما في متحف إسرائيل بالقدس. وبما أن هذه القطع مسجلة ضمن سجلات سلطة الآثار الإسرائيلية، فإن فصلها إدارياً أو إحصائياً عن بقية المجموعات الأثرية المحفوظة في مخازن السلطة ليس أمراً يسيراً.
الخرائط
1). نطاق الحفريات
شهدت معظم مناطق الضفة الغربية أعمال تنقيب أثرية. ويبلغ العدد المعروف للمواقع التي خضعت للحفريات نحو 640 موقعاً، رغم أن الباحثين يقدّرون العدد الفعلي بحوالي 900 موقع. وعند النظر لأول وهلة إلى الخريطتين 1.1 و1.2، اللتين تُظهران العلاقة بين المواقع الأثرية والتجمعات السكانية الفلسطينية والإسرائيلية، لا يبدو أن ثمة نمطاً عاماً واضحاً يحكم توزيع الحفريات. إلا أن التمعن في البيانات يكشف عدداً من الملامح الجديرة بالانتباه:
- بصورة عامة، يوجد عدد محدود من المواقع الأثرية الواقعة داخل المستوطنات الإسرائيلية نفسها. ولم يعثر الباحثون على أدلة تشير إلى وجود توجه منهجي منتظم يستخدم علم الآثار لإثبات أسبقية يهودية في موقع بعينه.
- يوجد، في المقابل، عدد كبير نسبياً من المواقع المنقبة داخل المناطق الفلسطينية المأهولة، ولا سيما في نابلس والخليل. ويبدو أن معظم هذه الحفريات ارتبط بأعمال إنقاذ فرضتها عمليات التوسع العمراني والنمو الطبيعي في تلك المناطق.
- يسجل الباحثون عدداً من الظواهر غير الاعتيادية:
1.وجود تركز ملحوظ للحفريات داخل الكتل الاستيطانية الإسرائيلية، ويظهر معظمها على هيئة “ألسنة” جغرافية يحدها جدار الفصل، مثل منطقة أريئيل، ومنطقة قرنيه شومرون إلى شمالها، وكتلة عتصيون جنوب القدس. ويرجح أن هذا التركز يرتبط بأعمال البنية التحتية والإنشاءات داخل المستوطنات، وخصوصاً تلك التي تربط بينها.

صورة الخريطة 1.1
2.وجود كثافة استثنائية للحفريات في محيط القدس، وهي كثافة ترتبط مباشرة بمشروعات بناء الأحياء الاستيطانية اليهودية التي أُنشئت شرق الخط الأخضر.
3.وجود مجموعات من الحفريات بعيدة عن التجمعات السكانية الفلسطينية والإسرائيلية على السواء. وترتبط هذه المواقع بمشروعات بحثية أطلقها ضابط الآثار في الإدارة المدنية أو مؤسسات أكاديمية إسرائيلية في مناطق تحظى بأهمية خاصة لدى الباحثين الإسرائيليين أو الأجانب، مثل قصور هيرودس في أريحا، وكهوف صحراء يهودا، وساحل البحر الميت، ولا سيما المنطقة المحيطة بموقع قمران.
يبلغ العدد الإجمالي المعروف للمواقع المنقبة الواقعة حالياً خلف جدار الفصل، أو التي أصبحت غير متاحة للفلسطينيين بوسائل أخرى، 225 موقعاً، منها 166 موقعاً في منطقة القدس وحدها. وسنعود إلى هذه المسألة لاحقاً عند مناقشة العدد الإجمالي للمواقع التي شملتها المسوحات الأثرية في الضفة الغربية.

صورة الخريطة 1.2
(تظهر الخرائط 1.1، 1.2. إجمالي المواقع المحفورة المعروفة حتى الآن في الضفة الغربية ومنطقة القدس الشرقية الكبرى، مع إظهار علاقتها بالتجمعات السكانية الفلسطينية (باللون الوردي) والمستوطنات الإسرائيلية (باللون الأصفر). ويمثل الخط المنقط مسار جدار الفصل)
من المفيد للغاية تتبع تطور أعمال الحفر الأثري عبر العقود الأربعة من الإدارة الإسرائيلية. ويُظهر الشكلان البيانيان 1.1 و1.2 التغيرات التي طرأت على الأعداد المطلقة لتراخيص وتصاريح الحفر الصادرة عن ضابط الآثار في الإدارة المدنية في الضفة الغربية، وعن سلطة الآثار الإسرائيلية في القدس الشرقية. قسّم الباحثون هذه التراخيص إلى فئتين: الأولى تشمل التراخيص التي أصدرتها وحدة ضابط الآثار وسلطة الآثار الإسرائيلية لمشروعاتهما الخاصة، التي تُصنف عادةً ــ وإن لم يكن ذلك دائماً ــ ضمن الحفريات الإنقاذية؛ أما الفئة الثانية فتشمل التراخيص الممنوحة لجهات خارجية، في مقدمتها الجامعات الإسرائيلية. ويبين الشكل البياني 1.1 العلاقة بين حفريات ضابط الآثار والحفريات التي نفذتها جهات أخرى خلال فترات متعاقبة من خمس سنوات بين عامي 1967 و1998، علماً بأن المعلومات المتعلقة بنشاط ضابط الآثار بعد عام 1998 ما تزال متفرقة ومحدودة. فبعد مشاركة خارجية محدودة خلال السنوات الخمس الأولى للاحتلال، شهدت نهاية العقد الأول ذروة ملحوظة في كل من الحفريات الإنقاذية والمشروعات الأكاديمية خلال الفترة 1978–1982. واستمر النشاط الأكاديمي المكثف خلال السنوات الخمس التالية، قبل أن يتراجع على نحو حاد نتيجة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987 (انظر أيضاً الجدول 1.1).

الشكل البياني 1.1: العلاقة بين حفريات ضابط الآثار والحفريات الأخرى
خلال مراحل زمنية متعاقبة من خمس سنوات بين 1967 و1998.

الشكل البياني 2. 1: العلاقة بين حفريات سلطة الآثار الإسرائيلية والحفريات الأخرى
خلال مراحل زمنية متعاقبة من خمس سنوات بين 1967 و1998.
ونرى أن هذه التحولات تعكس تأثيرات السياق السياسي في حجم النشاط الأثري واتجاهاته. إذ ترتبط هذه التطورات بسياقات سياسية واضحة: فالارتفاع العام في حجم الحفريات تزامن مع وصول حكومة مناحيم بيغن من حزب الليكود إلى السلطة، ومع النشاط الاستيطاني المكثف الذي رعاه وزير الزراعة آنذاك، ووزير الدفاع لاحقاً، أريئيل شارون.
| 1993-1998 | 1978-1992 | 1967-1977 | المنطقة |
| 5% | 33% | 14% | الضفة الغربية |
| 13% | 16% | 25% | القدس |
| 8% | 29% | 18% | المجموع |
الجدول 1.1 الكمية النسبية للحفريات الأكاديمية في الضفة الغربية والقدس
أما الانخفاض الحاد في أعمال الحفريات الإنقاذية بعد عام 1982، فيُحتمل أن يكون مرتبطاً بتراجع زخم أجندة الليكود عقب حرب لبنان الأولى، وما تبعها من استقالات شارون وبيغن. غير أن ازدهار البحث الأكاديمي في الفترة نفسها يرتبط، بحسب هذا التحليل، بتعيين يوڤال نئمان وزيراً للعلوم عام 1983، إذ كان هذا العضو في حزب “هتحيا” اليميني المتطرف من الداعمين المتحمسين للبحث الأثري في الأراضي المحتلة.
وكما أُشير سابقاً، حدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى من المشاركة الأكاديمية في حفريات الضفة الغربية، ولم يعد هذا النشاط إلى مستوياته التي بلغها في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، حتى خلال سنوات الهدوء النسبي التي أعقبت اتفاقيات أوسلو عام 1993. للافت هنا على نحو خاص الارتفاع الكبير في نشاط ضابط الآثار بعد العام 1992؛ إذ يرتبط هذا الارتفاع إلى حد كبير بسلسلة “عمليات” واسعة النطاق أحادية الجانب ميّزت سياسة إسرائيل في العقدين الأخيرين وما تلاهما. ومن بين هذه العمليات ما عُرف بـ”عملية اللفائف” في العام 1994، وهي حملة مركّزة لمسح وتنظيف محتويات الكهوف في منطقة أريحا. ويذهب مؤيدو هذه العملية إلى أنها هدفت حصراً إلى استباق أعمال النهب والسرقة الأثرية، في حين يرى بعض المراقبين الأكثر تشككاً أنها كانت تهدف أيضاً إلى منع وصول أي أجزاء من مخطوطات قديمة من النوع الذي عُثر عليه في منطقة البحر الميت إلى أيدي السلطات الفلسطينية.
يختلف الوضع في القدس كثيراً(الشكل البياني 1.2). فقد اقترن النشاط الأثري هناك بسياسة البناء المكثف التي انتهجتها حكومات حزب العمل في إطار مشروع “القدس الموحدة”، والذي شمل الحي اليهودي في البلدة القديمة، والأحياء الاستيطانية المحيطة مثل التلة الفرنسية، ورمات أشكول، وجيلو، وراموت، ونيفيه يعقوب. تجسد هذا التلاقي بين السياسة العمرانية وعلم الآثار في طفرة كبيرة من الحفريات خلال العقد الأول من السيطرة الإسرائيلية. جاءت هذه الطفرة نتيجة تضافر نوعين من النشاط الأثري: حفريات أكاديمية ارتبطت غالباً بمشروعات واسعة النطاق مثل حفريات منطقة الحرم القدسي والحي اليهودي، وأعمال حفر إنقاذي كانت في معظمها أصغر حجماً.
مع وصول الليكود إلى السلطة تغيّرت الأولويات. ويبرز بشكل خاص التراجع الذي شهدته الفترة 1983–1987، حيث لم يُسجَّل سوى ست حفريات أكاديمية في القدس، مقابل 58 في الضفة الغربية خلال الفترة نفسها. أما الارتفاع الحاد في عدد الحفريات بعد عام 1992 فيحتاج، باعتقادنا، إلى مزيد من البحث. ونجرح أنه يعكس عاملين متداخلين: أولاً، الطفرة العمرانية المرتبطة بموجة الهجرة الروسية الواسعة في أوائل تسعينيات القرن العشرين؛ وثانياً، سياسة هدفت إلى “تعزيز” الطابع اليهودي للقدس قبيل مفاوضات الوضع النهائي، من خلال إنشاء أحياء جديدة مثل هار حوما. كما أن الزيادة الكبيرة في أعمال الحفريات الإنقاذية تعود جزئياً إلى إعادة تنظيم المنظومة القانونية والإدارية لعلم الآثار بعد إنشاء سلطة الآثار الإسرائيلية بصيغتها الجديدة.
وثمة طريقة أخرى لفهم دلالة الانخراط الأكاديمي الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، تتمثل في مراجعة موضوعات أطروحات الدكتوراه التي أُنجزت في هذا المجال (الجدول 1.2). فبين عامي 1967 و2006 استقبلت مكتبة سلطة الآثار الإسرائيلية 108 أطروحات دكتوراه. ومن بين هذه الأطروحات، تناولت 24 أطروحة (22%) موضوعات ترتبط بصورة مباشرة بالأبحاث الإسرائيلية المنفذة شرق الخط الأخضر.
ظهرت أول أطروحة من هذا النوع عام 1977، وهو ما يعكس الفاصل الزمني الطبيعي بين انطلاق فرص البحث الميداني الأولى وبين تبلورها في صورة مشاريع أكاديمية تنتهي بالحصول على درجات الدراسات العليا. وعند حصر الفترة الممتدة بين 1977 و2006، ترتفع نسبة الأطروحات المتعلقة بالضفة الغربية والقدس الشرقية إلى 26% من مجموع الأطروحات. وضمن هذا الإطار الزمني، تمثل السنوات 1988–1998 ذروة هذا النوع من الإنتاج الأكاديمي، بما يعكس ارتباطاً واضحاً بفترة الازدهار الأكبر للحفريات الأكاديمية التي سبقتها بنحو عقد من الزمن.
| النسبة المئوية | المدة الزمنية |
| 6% | 1967-1977 |
| 25% | 1978-1982 |
| 25% | 1983-1987 |
| 33% | 1988-1992 |
| 29% | 1993-1998 |
| 12.5% | 1999-2006 |
الجدول 1.2. الكمية النسبية للرسائل الجامعية في إسرائيل المخصصة لآثار الضفة الغربية أو القدس الشرقية.
2). الانتماء الثقافي للمواقع المنقبة
تتمثل إحدى الطرق التي تُحدث بها الحفريات الأثرية أثراً ثقافياً في أنها تنشئ نقاط تماس مادية بين الحاضر والماضي. ففي أغلب الحالات، تبقى المواقع التي خضعت للتنقيب محفوظة جزئياً في حالتها الأصلية؛ أي إن الجزء الذي جرت فيه الحفريات يتعرض للتغيير أو الإزالة، بينما تظل أجزاء أخرى غير منقبة من الموقع سليمة على حالها. كما قد تُحاط البقايا المكتشفة بالحماية، أو تُحفظ، أو تُصان بوصفها معلماً تاريخياً. وفي كل واحدة من هذه الحالات، تمنح الرواية الأثرية الموقع شكلاً من أشكال الدلالة الثقافية لم يكن يتمتع بها قبل أعمال التنقيب. فيجري فصل الموقع رمزياً عن محيطه، ويكتسب مكانة خاصة داخل المشهد الثقافي، ليغدو جزءً من الخريطة الذهنية والمعرفية التي تُشكّل فهم المجتمع للمكان وتاريخه.
يعرض الجدول 2.1 والخريطتان 2.1 و2.2 محاولة لرسم الكيفية التي يمكن من خلالها إضفاء دلالة ثقافية على المواقع المنقبة في الضفة الغربية، استناداً إلى أكثر التقسيمات الإثنية والثقافية شيوعاً. ويهدف هذا التصنيف إلى بيان المواقع التي قد تُعد جزءً من “تراثنا” في نظر جماعات مختلفة: المواقع التي قد يراها اليهود (الإسرائيليون أو غيرهم) ذات أهمية خاصة لهم، والمواقع التي قد ينظر إليها المسيحيون (الفلسطينيون أو غير الفلسطينيين) بالطريقة ذاتها، وكذلك المواقع التي تحظى بأهمية خاصة لدى المسلمين (الفلسطينيين أو غيرهم). كما يوضح التصنيف المواقع التي تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة لأولئك- من اليهود أو المسيحيين- الذين تشكل الرواية الكتابية الإطار المرجعي الأساسي لخريطتهم الذهنية والثقافية للضفة الغربية. أما “المواقع المحايدة” فهي تلك التي لا يُرجَّح أن تربطها بالسكان الأحياء رابطة إثنية أو قومية أو دينية مباشرة، بحيث لا تنتمي بصورة واضحة إلى أي سردية جماعية معاصرة محددة. ويبين الجدول2.1 في أقسامه الانتماء الثقافي للمواقع التي نقبها ضابط الآثار (الضفة الغربية)، وسلطة الآثار الإسرائيلية (القدس الشرقية) والمؤسسات الأخرى.
القسم الأول: الانتماءات الثقافية الفردية الأساسية
| سامري (S) | يهودي (J) | إسلامي (I) | مسيحي (C) | كتابي (B) | المؤسسة المنقبة |
| 2 | 13 | 28 | 22 | 13 | ضابط الموظفين (SO) |
| – | 2 | 9 | 1 | 3 | سلطة الآثار (IAA) |
| – | 13 | 22 | 28 | 13 | جامعة تل أبيب (TAU) |
| – | 3 | 1 | 9 | 2 | الجامعة العبرية (HUJ) |
| – | 4 | – | – | 2 | جامعة حيفا (HAI) |
| – | 7 | – | 12 | 5 | جامعة بار إيلان (BI) |
| – | – | – | – | 1 | مؤسسات أخرى |
| – | – | – | – | 2 | جهة غير معروفة |
القسم الثاني: الانتماءات الثقافية المشتركة والمزدوجة 1 2 3 4 5 6 -9
| J/ I | J/C/I | C/J | C/S | C/I | B/J | B/I | B/C | المؤسسة المنقبة |
| 4 | 1 | 5 | 1 | 9 | – | 1 | 1 | ضابط الموظفين (SO) |
| – | – | 1 | – | – | 3 | 3 | سلطة الآثار (IAA) | |
| – | – | 1 | – | – | – | – | – | جامعة تل أبيب (TAU) |
| 1 | – | 6 | – | – | 1 | – | 1 | الجامعة العبرية (HUJ) |
| – | – | 2 | – | – | – | – | – | جامعة حيفا (HAI) |
| – | – | – | – | – | – | – | – | جامعة بار إيلان (BI) |
| 1 | – | 1 | – | – | 1 | – | – | مؤسسات أخرى |
| – | – | – | – | 1 | – | – | – | جهة غير معروفة |
القسم الثالث: المواقع الخالية من الانتماء والمجموع الكلي
| المجموع الإجمالي | مواقع بلا انتماء ثقافي | مواقع كبرى غير تابعة (*) | المؤسسة المنقبة |
| 400 | 286 | 14 | ضابط الموظفين (SO) |
| 156 | 125 | 5 | سلطة الآثار (IAA) |
| 13 | 5 | 1 | جامعة تل أبيب (TAU) |
| 52 | 17 | 2 | الجامعة العبرية (HUJ) |
| 5 | 1 | 1 | جامعة حيفا (HAI) |
| 14 | 10 | 2 | جامعة بار إيلان (BI) |
| 19 | 3 | 3 | مؤسسات أخرى |
| 27 | 24 | 1 | جهة غير معروفة |
تجدر الإشارة إلى التحفظات الآتية:
1.تمثل النقاط الواردة على الخرائط، والتي أُسندت إليها دلالات ثقافية، في معظمها مواقع سكن، وليس قبوراً أو مواقع دفن، باستثناء عدد محدود من المقابر البارزة. ويعود ذلك إلى أن المقابر، باستثناء المقامات الإسلامية، لا تحفظ عادة بوصفها معالم أثرية قائمة. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة فيما يتعلق بالحفريات التي أجرتها سلطة الآثار الإسرائيلية في القدس، إذ لم يُدرج ضمن إحصاء المواقع عشرات المقابر اليهودية العائدة إلى العصر الروماني المبكر.
2.يستند تحديد الانتماء الثقافي، في معظم الحالات، إلى نتائج الحفريات. غير أنه في بعض الحالات، ولا سيما عندما لا تتوافر معلومات عن اللقى الأثرية، أُسند هذا الانتماء تبعاً لارتباط الموقع بمواقع أخرى منقبة. فعلى سبيل المثال، أُدرجت الكهوف التي نقّب فيها ضابط الآثار أو مؤسسات أخرى ضمن سياق حفريات قمران باعتبارها مواقع ذات دلالة يهودية/مسيحية (J/C). كما صُنفت المواقع المحيطة بقصر هيرودس في أريحا ضمن المواقع ذات الانتماء اليهودي (J)، في حين أُلحقت كهوف النساك الواقعة بالقرب من الأديرة الكبرى بالانتماء المسيحي (C).
3.لم تُجر سوى حفريات قليلة بهدف دراسة البقايا الإسلامية، رغم أن هذه البقايا تمثل أحدث الطبقات في عدد كبير من المواقع الأثرية. ونظراً إلى غياب التقارير التفصيلية، اعتمد الباحثون تصنيف الموقع بوصفه ذا انتماء إسلامي (I) عندما كان معروفاً أنه يضم مسجداً، أو مقام شيخ، أو دلائل على استيطان كثيف يعود إلى الفترات الإسلامية أو ما بعد الكلاسيكية. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن هذه البقايا كانت موضوعاً للحفريات الأثرية فعلاً (انظر أدناه: قسم “المسوحات”، ولا سيما ما يتعلق بتأريخ المواقع وتعريف الآثار).
تعرض الخريطة 2.1 المواقع التي نسب إليها الباحثون انتماءً ثقافياً، والتي خضعت للحفريات على يد ضابط الآثار في الإدارة المدنية.
الخريطة 2 .1. الانتماء الثقافي للمواقع التي نقّب فيها ضابط الآثار في الإدارة المدنية.
وتمثل هذه المواقع المئة نحو 25% فقط من إجمالي المواقع التي نقبتها الوحدة، في حين تتألف النسبة المتبقية، وقدرها 75%، من مواقع لا تُنسب إلى انتماء ثقافي محدد، وتشمل مواقع تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، والعصر البرونزي، والمراحل الوثنية، أو الفترات الكلاسيكية وما بعد الكلاسيكية غير المحددة، إضافة إلى المقابر والمنشآت الزراعية.
ويُظهر الجدول 2.1 أن المواقع تتوزع بصورة متقاربة بين الانتماءات الثقافية الرئيسة، ولا سيما إذا جُمعت المواقع ذات الدلالة الكتابية (B) مع المواقع ذات الانتماء اليهودي (J) غير أن الخريطة تكشف في الوقت ذاته عدداً من الأنماط اللافتة، منها تركز المواقع ذات الانتماء اليهودي في النصف الجنوبي من الضفة الغربية، والطبيعة الثقافية المتنوعة للغاية للمواقع في منطقة السامرة. وتبرز الخريطة، في مجملها، الطابع التراكمي الكثيف للتراث الثقافي في الضفة الغربية، حيث تتعاقب آثار حضارات وثقافات متعددة فوق الرقعة الجغرافية نفسها، مشكلةً ما يشبه “رقائق تاريخية” متعددة الطبقات.

الخريطة 2 .1 تفصيل يوضح الانتماء الثقافي للمواقع الواقعة في محيط نابلس.
وتعرض الخريطة 2.2 المواقع التي أُسند إليها انتماء ثقافي، والتي نُقبت من قبل مؤسسات غير تابعة لضابط الآثار في الإدارة المدنية، وتشمل أساساً الجامعات الإسرائيلية الأربع الواردة في الجدول 2.1. وفي هذه الحالة، تحمل أكثر من 55% من أصل 103 مواقع دلالة ثقافية محددة، بينما تمثل المواقع غير المنسوبة إلى أي انتماء ثقافي نحو 45%، ويعود ما يقارب نصفها إلى عصور ما قبل التاريخ أو إلى مواقع لم يُحدد انتماؤها الثقافي. كما يبين الجدول 2.1 أن جميع المواقع المصنفة ثقافياً اختيرت بسبب أهميتها الكتابية أو اليهودية أو المسيحية، في حين لم يظهر عنصر إسلامي متراكب إلا في موقعين فقط. أما من حيث التوزيع المكاني، فهو يشبه إلى حد كبير ما أظهرته الخريطة 2.1، لكنه يكشف بصورة أوضح ثلاثة أنماط رئيسة:
*امتدد سلسلة من المواقع ذات الأهمية الكتابية، التي نقبتها مؤسسات مختلفة، على طول المحور الجبلي الأوسط للضفة الغربية.
*تركز الحفريات في المنطقة الوسطى، حيث نفذت معظمها مؤسسات مقرها القدس، مثل الجامعة العبرية ومدارس الآثار الأجنبية العاملة في القدس، وهي التي تندرج غالبية مواقعها تحت فئة “مؤسسات أخرى”.
*تركيز خاص على المواقع المرتبطة بالتراث اليهودي–المسيحي في المناطق الصحراوية الواقعة شرق القدس.
الحفريات ورسم الخرائط الذهنية الثقافية
تتشكل الخرائط الذهنية لدى السكان المقيمين في الضفة الغربية وفق الكيفية التي يدركون بها “العُقد” أو النقاط ذات الدلالة في المشهد الطبيعي. وقد تكتسب هذه النقاط أهميتها على المستوى الشخصي، من خلال ارتباطها بالسيرة الذاتية للفرد، أو على المستوى الجماعي، من خلال صلتها بتاريخ الأسرة أو القرية أو الجماعة المحلية، أو على المستوى القومي أو الإثني. أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون خارج الضفة الغربية، فإن المستوى الثالث هو الذي يحدد، في الغالب، بنية خرائطهم الذهنية. وفي هذا السياق، يضيف علماء الآثار روايتهم الخاصة إلى هذه التصورات المتعددة للمشهد الطبيعي. وعملياً، ولا سيما عندما يكون الباحثون مقيمين خارج المنطقة التي يدرسونها، فإن إسهامهم ينصرف غالباً إلى المستوى الثالث المشار إليه، أي مستوى الجماعة الإثنية أو القومية أو الدينية.
وتوضح الخريطتان 2.1 و2.2 الكيفية التي يمكن أن تُستخدم بها المعلومات الأثرية من قبل من ينظرون إلى علم الآثار بوصفه وسيلة لإثبات الأسبقية التاريخية أو “اكتشاف الجذور”. والمقصود من هاتين الخريطتين بيان مدى تداخل الخرائط الذهنية الثقافية التي تتشكل وفق هذا المنطق، وإظهار مدى صعوبة الفصل بينها أو رسم حدود فاصلة بينها.

الخريطة 2.2 الانتماء الثقافي للمواقع التي نقبت فيها مؤسسات غير تابعة لضابط الآثار في الإدارة المدنية.
ومن الواضح أن ثمة طرائق أخرى للتعامل مع المواقع الأثرية وتقدير قيمتها. فلو أُتيحت لهم حرية الاختيار، لاختار كثير من الإسرائيليين والفلسطينيين، بمن فيهم علماء الآثار المحترفون، الابتعاد عن المصطلحات المشحونة بالدلالات الثقافية، واعتماد مفاهيم أكثر حياداً تضع مواقع جميع الفترات التاريخية على قدم المساواة. غير أن تجاهل الكيفية التي تستوعب بها التصورات الشعبية الروايات الأثرية وتعيد توظيفها ليس سوى ضرب من خداع الذات.
3). المسوحات الأثرية
تشكل المسوحات السطحية الأثرية المتعددة التي أُجريت في الضفة الغربية الإسهام الأهم لعلماء الآثار الإسرائيليين في جردها الثقافي. فقد أُدخل ما يقارب 5400 موقع حتى الآن في قاعدة بياناتنا، بينما يتجاوز العدد الكلي للمواقع التي شملتها المسوحات 6000 موقع على الأرجح. ويتناسب هذا الرقم مع العدد المقدر للمواقع داخل إسرائيل نفسها، والبالغ 20,000 موقع (وفق ما ورد على موقع سلطة الآثار الإسرائيلية)، وهو ما يشير إلى اعتماد معايير متقاربة في تحديد المواقع على جانبي الخط الأخضر.
وبصورة عامة، تُعرَّف المواقع الأثرية بوصفها بقايا مادية متميزة مكانياً لنشاط بشري أو توطن سابق. وهي تتراوح بين تلال مواقع التوطن الكبيرة (التلول الأثرية) ومواقع التوطن الصغيرة، ولا تشمل في معظم الحالات-وفق تعريف “الآثار” في قانون الانتداب البريطاني-المواقع التي بدأ توطنها بعد عام 1700.

الخريطة1.3 تغطية المسوحات المنشورة وتقدمها، مع الإشارة إلى الجهة المؤسسية المشرفة
الخريطة1.3 تغطية المسوحات المنشورة وتقدمها، مع الإشارة إلى الجهة المؤسسية المشرفة (TAU = جامعة تل أبيب؛ HAI = جامعة حيفا؛ HUJ = الجامعة العبرية؛ SO = ضابط الآثار في الإدارة المدنية؛ IAA = سلطة الآثار الإسرائيلية).
أُجري أول مسح إسرائيلي في هذا المجال عام 1968 تحت مسمى “المسح الطارئ”، بإشراف موشيه كوخافي، وذلك تحسباً لعودة “الأراضي” إلى الحكم الأردني. شمل هذا المسح أكثر من 800 موقع معروف أو مفترض جرى تحديدها مسبقاً اعتماداً على الخرائط البريطانية. ومع نهاية السبعينيات، بدأ طور جديد من المسوحات الأثرية، حين أطلق طلاب كوخافي سلسلة طويلة من الدراسات ركزت أساساً على منطقة المرتفعات الوسطى (الخريطة1.3). وتعكس أسماء هذه المسوحات-مثل منسى وأفرايم في الشمال، ويهوذا وسهول يهوذا (الشفيلة) في الجنوب-الإطار الكتابي الذي جرت ضمنه أعمال المسح. ومع ذلك، وكما سنبين لاحقاً، لم يقتصر إسهام هذه المسوحات على العصور الكتابية.
وبالتوازي مع هذا الجهد المركزي، نُفذت مسوحات محدودة على يد باحثين أفراد باستخدام الخرائط القياسية (1:20,000) مقسمة إلى مربعات 10 × 10 كم، وهي الخرائط المعتمدة في “مسح إسرائيل الأثري”، تحت إشراف ضابط الآثار في الإدارة المدنية، رغم أن بعضها شكّل جزءً أساسياً من برامج بحث أكاديمية. كما ينبغي الإشارة إلى المسوحات التي صُممت خصيصاً للبحث عن شظايا مخطوطات في صحراء أريحا ومنطقة البحر الميت. وتشكل المسوحات المكثفة المنشورة نحو 80% من مساحة الضفة الغربية، غير أن ضابط الآثار يشير-بحسب إفادة شخصية (كانون الأول 2005)-إلى أن التغطية المكثفة تصل عملياً إلى 100%.

الخريطة 2.3 إجمالي المواقع التي تم مسحها في الضفة الغربية والقدس الشرقية. المواقع المحصورة بجدار الفصل باللون الأصفر. وهو ما يمثل تحدياً يحتاج إلى معالجته من قبل المخططين.
تُظهر الخريطة 2.3 توزيع المواقع التي شملتها المسوحات في الضفة الغربية. ويعود الاختلاف في كثافة المواقع بين المناطق المتجاورة، في جزء كبير منه، إلى منهجية العمل وإلى اختلاف المقاربات المعتمدة في تعريف “الموقع الأثري”. أما المناطق التي تبدو “فارغة” فهي لا تعكس غياب مواقع أثرية فعلياً، بل تعكس غياب البيانات (راجع الملحق I للنظر في الاعتبارات المنهجية والتوثيقية)
العلاقة بالمراكز السكانية وجدار الفصل
تُظهر الخريطتان 2.3 و 3.3 على التوالي، عدد المواقع المحصورة بين جدار الفصل والخط الأخضر (بما في ذلك القدس)، والذي يبلغ في مجموعه 1196 موقعاً، إضافة إلى أمثلة مختارة تُبرز العلاقة بين المواقع الأثرية والمدن الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية. ورغم أن عدداً مهماً من المواقع يقع داخل النطاق المحصور خلف الجدار، فإن هذا لا ينطبق عموماً على المستوطنات الإسرائيلية؛ إذ لا تظهر علاقة واضحة ومنتظمة بين المستوطنات والمواقع الأثرية، كما أن عدد المواقع الواقعة داخل المستوطنات اليهودية يبقى محدوداً جداً (بضع عشرات من المواقع خارج القدس). في المقابل، تقع مئات المواقع الأثرية داخل المناطق الفلسطينية المأهولة، وهو ما يشكل تحدياً عملياً يتعين على المخططين التعامل معه.
أجندات البحث ونتائج المسوحات
تتقاطع أعمال المسح الأثري، من حيث الدافع والإطار الزمني، بشكل واضح مع ما سبق عرضه بشأن أعمال الحفريات؛ إذ تتوافق مدة كثافة المسوحات مع مدة النشاط المكثف للحفريات التي نفذتها مؤسسات خارجية، كما تتزامن مع مرحلة الصعود السياسي لحزب الليكود في إسرائيل. ورغم أن المسوحات بطبيعتها غير تدميرية، فإنها تتطلب حضوراً طويل الأمد واحتكاكاً مباشراً بالمشهد الريفي، وهو ما يتقاطع بدوره مع اتجاه توسّع الاستيطان الإسرائيلي في ثمانينيات القرن العشرين. ومن الناحية الأثرية البحتة، تعكس هذه المسوحات مستوى عالياً من المعايير المهنية في التنفيذ والتوثيق.
يعرض الجدول 1.3 تقسيماً تقريبياً لعدد “مراحل الإشغال” الأثرية التي تم توثيقها في المسوحات الكبرى. ويُقصد بـ”مدة أو مرحلة الإشغال” وجود حضور بشري في موقع ما ضمن إطار زمني محدد؛ وبما أن المواقع متعددة الطبقات قد تكشف عن أكثر من مدة إشغال واحدة في الموقع نفسه، فإن إجمالي عدد المراحل يتجاوز إجمالي عدد المواقع. وتعرض هذه الإجماليات أيضاً بصيغة نسبية في الرسم البياني1.3. جُمعت مراحل التوطن في عناوين زمنية واسعة على النحو الآتي:
- عصور ما قبل التاريخ (من أقدم العصور حتى نحو 3500 ق.م)
- العصر البرونزي (نحو 3500–1200 ق.م)
- العصر الحديدي (نحو 1200–550 ق.م)
- الفترتان الفارسية والهلنستية (نحو 550–50 ق.م)
- العصر الروماني والبيزنطي (نحو 50 ق.م – 650 م)
- الفترة الإسلامية (نحو 650–1700 م)
إن التنوع الواسع في أنواع المواقع، والتشابه العام في أنماط توزيعها بين المسوحات المختلفة، يعكسان مستوىً مهنياً رفيعاً، فضلاً عن الالتزام بمعايير متقاربة في تسجيل البيانات وعرضها. ومع ذلك، تكشف النتائج عن عدد من الاتجاهات الملحوظة في تمثيل الفترات الأثرية:
(أ) تُعد مواقع عصور ما قبل التاريخ ممثلة تمثيلاً ناقصاً بصورة واضحة في جميع المسوحات، ويُعزى ذلك إلى قصور في منهجيات المسح، وإلى محدودية الخبرة المتخصصة في دراسة الأدوات الحجرية.
(ب) تحظى بقايا الفترة الإسلامية بتمثيل جيد في مختلف المسوحات. ومع ذلك، فإن إدراج المواقع التي بدأ التوطن فيها بعد العام 1700، كما يقترحه المشرّعون الفلسطينيون، من شأنه أن يغيّر على الأرجح الوزن النسبي لهذه الفترة ضمن قاعدة البيانات.
(ج) تشكل مواقع العصر الحديدي نسبة أعلى في مسوحات جامعة تل أبيب (19–26%) مقارنة بمسوحات ضابط الآثار في الإدارة المدنية (14%). وللتحقق مما إذا كان هذا الفارق ذا دلالة، قارن الباحثون هذه النسب مع نسبة مواقع العصر الحديدي في الحفريات التي أجراها ضابط الآثار (12%)، وكذلك مع نسبتها في خرائط «المسح الأثري الإسرائيلي» القياسية للمناطق المجاورة، مثل خريطة اللد (13%)، وخريطة نس هاريم (13%)، وخريطة أمازيا (14%)

الخريطة 3.3 تفاصيل الخريطة 3.2، تُظهر العلاقة بين المواقع التي شملتها المسوحات
، والتجمعات السكانية الفلسطينية، والمستوطنات الإسرائيلية.
جدول 3.1. الكمية الإجمالية لـ “الإشغالات” المحددة في المسوحات الكبرى وفي حفريات ضابط الآثار
| المساح والمؤسسة الراعية | العصر الحديدي | العصر البرونزي | ما قبل التاريخ | المنطقة |
| زرطال (جامعة تل أبيب) | 80 | 425 | 594 | منسى |
| فنكلشتين (جامعة تل أبيب) | 8 | 182 | 553 | أفرايم
|
| باحثون متنوعون (ضباط الآثار) | 17 | 142 | 234 | بنيامين |
| عوفر (جامعة تل أبيب) | 8 | 88 | 372 | يهودا |
| داغان (جامعة تل ابيب وسلطة الآثار) | 9 | 101 | 96 | أمازيا (الجنوب) |
| وحدة ضابط الآثار | 35 | 82 | 104 | حفريات ضباط الآثار |
الجزء الأول: عصور ما قبل التاريخ والعصور البرونزية والحديدية
| المساح والمؤسسة الراعية | إسلامي مبكر-عثماني | روماني -بيزنطي | فارسي-هلنستي | الإقليم المستهدف |
| زرطال (جامعة تل أبيب) | 428 | 1005 | 606 | منسى |
| فنكلشتين (جامعة تل أبيب) | 627 | 864 | 529 | أفرايم |
| باحثون متنوعون (ضباط الآثار) | 265 | 590 | 430 | بنيامين |
| عوفر (جامعة تل أبيب) | 185 | 458 | 298 | يهودا |
| داغان (جامعة تل أبيب وسلطة الآثار) | 39 | 251 | 184 | أمازيا (الجنوب) |
| وحدة ضابط الآثار | 144 | 356 | 170 | حفريات ضباط الآثار |
الجزء الثاني: الفترات الكلاسيكية والمتأخرة حتى العصر العثماني
[أمازيا אמציה تسمية ذات أصل كتابي تُستخدم في خرائط المسح الأثري الحديثة كاسم لوحة (Map Sheet) لتغطية نطاق جغرافي في جنوب الضفة الغربية ضمن جبال الخليل (المرتفعات الجنوبية)، وخصوصاً في الامتداد الريفي الواقع بين الخليل الشمالي ومحيطها الغربي والجنوب الغربي. لا تشير التسمية إلى بلدة أو موقع حضري قائم بذاته، بل إلى إطار مساحي يضم عدداً كبيراً من المواقع الأثرية المتفرقة. ويعود الاسم في أصله اللغوي إلى الجذر العبري (א־מ־ץ) الدال على القوة والشدّة، وقد ورد في النصوص التوراتية اسماً شخصياً قبل أن يُعاد توظيفه في سياق التصنيف الجغرافي الأثري الحديث-المترجم]
ونرى أن خبرة الباحثين في جامعة تل أبيب، إلى جانب اهتماماتهم البحثية، دفعتهم إلى تخصيص جهد أكبر للتعرف على بقايا العصر الحديدي، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل اكتشافها. ويشيرون إلى أن هذه الملاحظة أكدها أيضاً عدد من المشاركين في تلك المسوحات. ونورد هذه الخرائط بوصفها نماذج مرجعية للمقارنة مع نتائج المسوحات في الضفة الغربية.

شكل بياني 1.3 التوزيع النسبي لفترات الإشغال بحسب التقسيمات الزمنية الرئيسة. تستند الرسوم البيانية الثلاثة الأولى إلى المسوحات الرئيسة التي أجرتها جامعة تل أبيب، بينما تستند الرسوم اللاحقة إلى مسوحات ضابط الآثار في الإدارة المدنية، وسلطة الآثار الإسرائيلية، وإلى المواقع التي نقّب فيها ضابط الآثار.

شكل بياني 1.3 (تابع)
الأثر الأكاديمي لنتائج المسوحات
إلى جانب الأبحاث الأكاديمية المتواصلة التي أفضت إلى عدد من أطروحات الدكتوراه المعتمدة على نتائج المسوحات، برز مجالان أحدثت فيهما مسوحات الضفة الغربية تحولاً جذرياً.
أولهما دراسة التوطن في المرتفعات خلال العصر الحديدي المبكر. فقد بدأ الاهتمام بما كان يُنظر إليه عموماً بوصفه توطناً إسرءيلياً مبكراً في المرتفعات خلال خمسينيات القرن العشرين، مع الحفريات الإسرائيلية في تل حاصور، والمسوح الرائدة التي أجراها يوحنان أهاروني في الجليل. وكان لأهاروني تأثير كبير في إطلاق “المسح الطارئ” للضفة الغربية عام 1968، ثم في مسوحات جامعة تل أبيب خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وخلال تلك المسوحات جرى التعرف على ما لا يقل عن 393 موقعاً تعود إلى العصر الحديدي الأول، وكان معظمها ضمن المسوحات التي أشرف عليها آدم زرطال وإسرائيل فنكلشتين (انظر الخريطة 3.4). وقد تُوّجت الدراسات المنبثقة عن هذه المسوحات بكتاب فنلكشتين The Archaeology of Israelite Settlement (1988) ، ثم بالمجلد الذي حرره مع ناداف نعمان بعنوان From Nomadism to Monarchy (1994)، وهما العملان اللذان يمكن القول إنهما رسما الإطار العام للنقاش حول أصول إسرءيل المبكرة. وتستند الأرقام إلى بيانات مستمدة من أعمال Gophna and Beit-Arieh 1997; Weiss, Zissu and Solimany 2004; Dagan 2006

خريطة 4.3 المواقع التي كشفتها المسوحات وتعود إلى العصر الحديدي الأول.
ومن المفارقات أن الدراسات التي استهدفت في الأصل تأسيس قاعدة أثرية لفكرة “إسرءيل المبكرة” ربما أسهمت أكثر من غيرها في تفكيك هذا المفهوم ذاته. فقد كتب محررا الكتاب في مقدمته: “أي مصطلح يجري اختياره لتعريف سكان المرتفعات في العصر الحديدي الأول سيكون غير دقيق” (Finkelstein and Na’aman 1994: 17) وبهذا المعنى، يمكن القول إن هذه المسوحات قدمت إسهاماً أساسياً في نقد المفاهيم التي قامت عليها الآثار الكتابية ذاتها، وهي المفاهيم التي انطلقت منها تلك المسوحات في الأصل.
أما المجال الثاني الذي عززته المسوحات الإسرائيلية بصورة ملحوظة، فهو دراسة التوطن البيزنطي بوجه عام، والرهبنة البيزنطية بوجه خاص. فقد أسهمت أعمال هيرشفلد (1985)، وباتريخ (1994)، ولاحقاً سيون (1996)، في إلقاء الضوء على ظواهر لم يكن بوسع الباحثين الإسرائيليين دراستها إلا في المناطق التي أصبحت متاحة لهم بعد عام 1967. كما أن السجل الواسع للتوطن البيزنطي في مختلف أنحاء الضفة الغربية (انظر الخريطة 3.5) يتيح فرصاً واسعة لدراسة جوانب عديدة أخرى من آثار العصور الكلاسيكية المتأخرة.

خريطة 5.3 المواقع البيزنطية التي شملتها المسوحات: الأديرة، والكنائس، والمزارع.
وفي سياق الموضوع الأخير، تجدر الإشارة إلى السعي المتواصل للعثور على أدلة كتابية (نقوش أو نصوص) تتعلق بالمسيحية المبكرة، ولا سيما مخطوطات البحر الميت، التي تتمحور حول موقع قمران. ورغم أن الحفريات الرئيسة في الموقع أُجريت قبل السيطرة الإسرائيلية، فإن أعمال المسح والتنقيب في الموقع ومحيطه، سواء على يد باحثين إسرائيليين أو بعثات أجنبية، استمرت دون انقطاع، بلغت ذروتها في العام 1994، مع مشروع المسح والتنقيب المشترك الذي نفذته سلطة الآثار الإسرائيلية بالتعاون مع ضابط الآثار في الإدارة المدنية، والمعروف باسم “عملية اللفائف” Operation Scroll (Wexler 2002)
- قاعدة بيانات آثار الضفة الغربية: الاستخدامات المحتملة
لا تزال قاعدة بيانات آثار الضفة الغربية قيد الاستكمال، وهي تجمع معلومات من طيف واسع من المصادر المنشورة والأرشيفية، يتوفر كثير منها باللغة العبرية فقط، أعدها علماء آثار اعتماداً على Microsoft Excel البسيطة، وصُممت بطريقة تتيح أكبر قدر ممكن من الفائدة لكل من الباحثين في علم الآثار، والمخططين، وصناع القرار. ونعتقد أن إتاحة هذه المعلومات يمثل التزاماً يقع على عاتق مجتمع علماء الآثار الإسرائيلي، سواء تجاه نفسه أو تجاه المجتمع الدولي. كما نرى أن لهذه القاعدة أهمية كبيرة بالنسبة إلى المفاوضين والمخططين الذين قد يكون لهم دور في رسم مستقبل المواقع الأثرية واللقى المكتشفة. ونقدم، فيما يلي، نموذجاً مختصراً لبعض الاستخدامات الممكنة لهذه القاعدة:
1.توضح الخريطتان 4.1 و4.2 بعض العلاقات البيئية التي يمكن الكشف عنها من خلال الجمع بين بيانات المواقع الأثرية وطبقات المعلومات الجغرافية ضمن نظم المعلومات الجغرافية (GIS). تُظهر الخريطة 4.1 العلاقة بين مواقع العصر البرونزي المبكر ومجاري المياه. ويبدو وجود درجة عالية من الارتباط في عدد من المناطق (انظر الشكل الفرعي داخل الخريطة)، وهو ما يشير إلى اعتماد كبير على الزراعة المرتبطة بأودية السيول خلال تلك الفترة. أما الخريطة 4.2، فتُظهر نمطاً مختلفاً تماماً لتوزع المواقع خلال العصر البرونزي الوسيط، حيث يبرز تفضيل واضح للمنحدرات الشرقية شبه الجافة. ويمكن تطوير هذه التحليلات الأولية بدرجة كبيرة، سواء بإضافة طبقات جديدة إلى نظام المعلومات الجغرافية، مثل أنواع التربة، والتضاريس، وخطوط تساوي الحرارة، أو بتنقيح معايير البحث في المواقع، كاعتماد تقسيمات زمنية أكثر دقة أو أنواع محددة من المواقع، أو بالتركيز على أقاليم جغرافية أصغر.

خريطة 1.4 مواقع العصر البرونزي المبكر وعلاقتها بمجاري المياه.
2.تظهر الخريطة 4.3 توزيع بعض أهم أنواع المواقع الأثرية: التلال الاستيطانية متعددة الطبقات (التلول الأثرية)، والكنائس القديمة، والمعابد اليهودية القديمة، مع وضعها في علاقة مكانية مع التجمعات السكانية الفلسطينية.
إن الثروة الأثرية التي تكشف عنها هذه الخريطة تفرض نقاشاً حول قضايا الحماية، والحفاظ، وأولويات البحث المستقبلي، وسياسات التطوير في الدولة الفلسطينية المفترضة. وبما أنها تعكس، في آن واحد، طبيعة الإرث الأثري الواقع غرب الخط الأخضر وشرقه (مع الإشارة إلى أن هذا الحد لا يحمل أي دلالة تاريخية قديمة)، فإن الخريطة تبرز أهمية الاعتراف المتبادل بقيمة التراث الثقافي من قبل كل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

خريطة 2.4 مواقع العصر البرونزي الوسيط بالنسبة لخطوط تساوي هطول الأمطار والمجاري المائية.

خريطة3.4 التلال الأثرية والكنائس القديمة والمعابد اليهودية القديمة والمساجد القديمة أو التاريخية بالنسبة للمحليات الفلسطينية في منطقة الخليل.
- الجدول 1.4 مقتطف من قاعدة بيانات الحفريات، يعرض المعلومات الأساسية المتاحة. وكما ورد في المقدمة، لا توجد قائمة منشورة ومفتوحة الوصول بجميع الحفريات التي أُجريت منذ اعام 1967. لذلك جُمعت هذه القائمة من مصادر منشورة وأرشيفية متعددة. وتشكل بيانات النشر الواردة فيه ببليوغرافيا أولية لمواقع الضفة الغربية.
الجدول 1.4 القسم الأول: البيانات الجغرافية، الفترات الزمنية، والتصنيف البنيوي (مستخرج من قاعدة بيانات الحفريات (الأثرية الأكاديمية والإنقاذية)
| تصنيف وطبيعة الموقع | الأزمنة التاريخية الأخرى الموثقة | الأزمنة التاريخية الرئيسة | الإحداثيات (X, Y) | اسم الموقع الأثري |
| كنيس أثري | Chal, EB1, IA1, IA2a, Rom1, Rom2, Med | IA2b / IA2c | Chal, EB1, IA1, IA2a, Rom1, Rom2, Med | إشتموع (Eshtemoa) |
| خربة وأطلال أثرية | – | IA2c, Rom1, Rom2, Byz, Med, Ott | – | خربة سوسيا (Kh. Susya) |
| تل أثري | EB1, IA2a, Per, Hel, Rom1, Rom2, Byz, Med, Ott | IA2b, IA2c | EB1, IA2a, Per, Hel, Rom1, Rom2, Byz, Med, Ott | خربة معين (Kh. Ma’on) |
| مقبرة أثرية | MB2a, MB2b / MB2c, Byz | IB | MB2a, MB2b / MB2c, Byz | خربة الكرمل (Kh. el-Karmil) |
| كهف أثري | – | Rom | – | طريق الكرمل – معين (Karmil-Ma’on Road) |
الجدول 1.4 القسم الثاني: طبيعة المكتشفات، الأهمية الثقافية، بيانات التنقيب، المراجع (مستخرج من قاعدة بيانات الحفريات (الأثرية الأكاديمية والإنقاذية)
| المراجع البيبليوغرافية للموقع | رقم ترخيص الحفر | اسم المنقب والمؤسسة المسؤولة عن الحفر | الأهمية الثقافية | طبيعة المكتشفات الأثرية بالتفصيل | اسم الموقع الأثري |
| HA 33 (1970) 7-8; 36 (1971) 16, 37 (1971) 24; Z. Yeivin, IEJ 21 (1971) 174-175; ‘Atiqot 48 (2004) | L-1/1968
L-32/1970-0 |
إبراهيم غسولي، زئيف ييفين
(ضابط الموظفين للآثار) |
J/I | كنيس قديم (مكتشف)، أعيد استخدامه كمسجد، العديد من العناصر المعمارية في استخدام ثانوي داخل القرية الحديثة. | إشتموع |
| IEJ 22 (1972) 147–149; IEJ 24 (1974) 201–209; IEJ 35 (1985) 231–252; HA-ESI 3 (1984) 101–102; HA 36 (1971) 17; HA 38 (1971) 21–22; HA-ESI 20 (1998) 121–122; HA 85; Qadmoniot 18 (1972) 47–52; Eretz Israel 17 (1984) 168–180 | تراخيص متعددة من L-30/1970-0 إلى L-832/1999-0 | زئيف ييفين، أبراهام نيغيف، شماريا غوتمان، يهودا غوفرين، يوفال باروخ | J/I | كنيس، بيوت، كهوف، آبار، حمامات طقسية، كهوف دروموس، كتل بناء مزخرفة وأجزاء من جبهة سورية، أعيد استخدامه كمسجد. | خربة سوسيا |
| Hirschfeld 1979; Qadmoniot 46-47 (stronghold); D. Amit and Z. Ilan, ESI 7-8 (1988-1989) 123-125 (synagogue) | L-427/1987-0
L-444/1988-0 |
تسفي إيلان، ديفيد عميت
(ضابط الموظفين للآثار) |
J | حصن بيزنطي، كنيس (من القرن 4 إلى 7 م)، طبعة ختم “لميلخ”، منشآت وبنى، كهوف دروموس، كولومباريوم. | خربة معين |
| Eretz-Israel 12 (1975) 18*-33* | N/A | و.ج. ديفر (معهد أولبرايت) | * | مقبرة ضخمة تضم ما لا يقل عن 400 قبر بئري (ذات عمود). | خربة الكرمل |
| ESI 13 (1993) 109 | L-519/1992-0 | شافيت تسيون
(ضابط الموظفين للآثار) |
– | كهف دفن يعود إلى العصر الروماني. | طريق الكرمل – معين |
(ملاحظة: الرموز المستخدمة في خانة الانتماء الثقافي تطابق تماماً الاختصارات الأكاديمية المعتمدة في متن دراسة غرينبرغ وكينان، حيث تشير J إلى يهودي، و I إلى إسلامي، وتدل النجمة * على المواقع الكبرى الخالية من التبعية العرقية أو الدينية المباشرة)
الخلاصة الختامية علم آثار احتلال مديد
خلافاً للصورة الشائعة، فإن الجرد الأثري ليس بنية ثابتة، بل هو في حالة نمو دائم من جهة، مع انكشاف مواقع جديدة، ومع تطور أدوات المنهج التي تعيد تعريف ما يُعدّ “موقعاً أثرياً” وتوسّع نطاقه. وفي المقابل، يتقلص هذا الجرد من جهة أخرى، تحت ضغط التوسع العمراني والنشاط البشري الذي يبتلع المواقع أو يدمّرها تدريجياً. وبناءً على التفسير الأكثر صرامة لمفهوم المسؤوليات، يُفترض بإسرائيل أن تتولى إدارة الآثار في الأراضي الفلسطينية، وأن تعمل على تحديد المواقع وحمايتها، وتنقيب تلك المهددة بالتدمير بفعل البناء أو النهب. ووفق هذا المنطق، يمكن النظر إلى أعمال تحديد المواقع عبر المسح السطحي، وإلى عمليات التنقيب في المواقع المهددة بالتطوير أو النهب، بوصفها أنشطة مشروعة.
وقد أظهر بحثنا أن السلطات والباحثين الإسرائيليين استثمروا جهداً كبيراً في تحديد وتوثيق وإنقاذ التراث الأثري، خصوصاً أن دراسة آثار الضفة الغربية، من الناحية التخصصية، متصلة اتصالاً عضوياً بعلم الآثار الإسرائيلي داخل حدودها المعترف بها. لكن على مستوى الممارسة، تظهر عدة مناطق فراغ وإشكالات أخلاقية رمادية في النشاط الأثري الإسرائيلي في الضفة الغربية، لا يمكن تجاهلها:
* لا توجد رقابة عامة على أعمال ضابط الآثار في الإدارة المدنية، ولا تصدر تقارير دورية منتظمة عن حجم الحفريات التي تنفذها وحدته. ومن الواضح أن جزءاً كبيراً من نشاطه مبادر ذاتياً، إلا أنه لا توجد، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، بيانات دقيقة تحدد نسبته من مجمل عمل الوحدة.
** لم تُبذل جهود جدية لبناء قدرات علمية محلية داخل المجتمعات الفلسطينية، أو لتطوير مدارس أثرية فلسطينية. ويعود ذلك جزئياً إلى الجاذبية القوية التي تمارسها آثار الضفة الغربية على الباحثين الإسرائيليين، ما قلّص مساحات التعاون المشترك، خصوصاً مع الباحثين ذوي المواقف الوطنية الحادة. وبصورة عامة، يُنظر إلى التراث الأثري في إسرائيل بوصفه أقرب إلى مصالح القائم بالاحتلال منه إلى المجتمع الواقع تحت الاحتلال.
***تشير بياناتنا إلى أن البحث الأكاديمي في الضفة الغربية والقدس الشرقية قد جرى إلى حد كبير دمجه داخل البنية الأكاديمية الإسرائيلية، بحيث أصبح جزءً طبيعياً من منظومتها البحثية.
إن حقيقة ارتباط هذا النشاط البحثي، من حيث التوقيت، باتجاهات سياسية سائدة داخل إسرائيل نفسها، تُبرز مدى التصاقه بالروح العامة للمرحلة التاريخية التي أُنجز فيها. وبالمقابل، فإن تراجع حضور الأكاديميا في مشاريع الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة يعكس التحول السياسي نحو الانفصال التدريجي، بدءاً باتفاقيات أوسلو عام 1993، وصولاً إلى الانسحاب من غزة عام 2005.
إن حجم العمل المنجز حتى الآن، وضخامة التراث الأثري في الضفة الغربية وتنوعه، ينبغي أن يُؤخذ بعين الاعتبار في أي تفكير بمستقبل المنطقة السياسي. وكما يذكر ديفيد لوثنتال: “سياسة الماضي ليست لعبة أكاديمية ثانوية؛ بل هي جزء لا يتجزأ من سعي كل شعب الجاد نحو تراث ضروري للاستقلال والهوية” (Lowenthal 1990: 302)
يشكل علم الآثار عنصراً محورياً في بناء الخرائط الذهنية لدى الأطراف المنخرطة في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. فهو يوفّر رأس مال رمزياً مهماً على جانبي الجدار، ويملك في بعض الحالات قدرة كامنة على التأثير في مسار العملية السياسية، بل وحتى تعطيلها.
ومن هذا المنطلق، يأمل هذا العمل الإسهام في إدماج البعد الأثري ضمن نطاق اهتمام الجهات التي تحدد قراراتها وسياساتها مستقبل هذه المنطقة.
الملحق I : ملاحظات منهجية
خضعت كامل الضفة الغربية والقدس الشرقية لأعمال مسح أثري منذ العام 1967. وتلا “المسح الطارئ” السريع الذي أُجري عام 1968 (Kochavi 1972) سلسلة طويلة من المسوحات المكثفة، التي نُظمت إما وفق موضوعات بحثية محددة، أو بحسب نظام “الخرائط” الاصطناعي ذي الشبكة 10×10 كم الذي وضعته دائرة المسح الأثري في إسرائيل. وفي حين تغطي المسوحات المنشورة ذات “التغطية الكاملة” (انظر أدناه) أكثر من 70% من المنطقة، يشير ضابط الآثار إلى أن كامل مساحة الضفة الغربية قد خضعت فعلياً للمسح (في حديث مع المؤلفين).
وتشمل المسوحات المنشورة ما يلي:
-شمال السامرة (“منسى”)، وقد أُجري المسح بين 1978–1998؛ (Zertal 1992, 1996, 2005؛ Zertal and Mirkam 2000)
-جنوب السامرة (“أفرايم”)، 1980–1987؛ (Finkelstein, Lederman and Bunimovitz 1997)
-“أرض بنيامين”، 1982–1986؛ (Finkelstein and Magen 1993)
-القدس الشرقية، 1978–1984؛ (Kloner 2000–2003)
-“يهودا”، 1982–1988؛ (Ofer 1993)
-شمال صحراء يهودا (Wexler 2002)
-خرائط هيروديون، 1981–1982؛ (Hirschfeld 1985)
-مار سابا، 1981–1982؛ (Patrich 1994)
-أماصيا (الشرقية) (Dagan 2006)
يمكن الإشارة بإيجاز إلى خرائط أخرى، من بينها وادي القلط (Sion 1994)، وقليعة (Sion 1995)، والمغير (Spanier 1994)، وبِدْية (Eitam 1981)، إضافة إلى بعض الأوصاف لمسوحات غير منهجية (مثل Dar 1986؛ Fischer, Isaac and Roll 1996).
منهج المسح
تظهر معظم المسوحات في الضفة الغربية، وتعلن عادةً بشكل صريح، التزامها بما يُعرف بـ”منهج مسح الآثار في إسرائيل” (Archaeological Survey of Israel – ASI). وبصياغة مبسطة، يقوم هذا المنهج على المسح الميداني سيراً على الأقدام، غالباً ضمن فرق تتألف من 2 إلى 7 أفراد، يفصل بينهم نطاق يتراوح بين 50 و200 متر. وتُعرّف المواقع وفق معايير معمارية ومادية/أثرية (artifactual). ويتم تثبيت البقايا المعمارية على الخرائط، مع إنشاء نقطة شبكية مركزية عادةً لكل موقع، إذ تعتمد جميع المسوحات نظام الإحداثيات الإسرائيلي القديم، ويضاف إليه أحياناً نظامUTM، علماً بأن هذه المسوحات تسبق اعتماد نظام GPS كما تُقدّر مساحة الموقع بشكل تقريبي. وبعد تحديد الموقع، يُفحص بدقة بحثاً عن الفخار الدال زمنياً، ويُحتفظ به عادةً للدراسة التصنيفية والكمية وغيرها من التحليلات.
ويُوصف هذا المنهج من قبل القائمين عليه بأنه “مكثف” أو “شامل”.
تعريف المواقع
لا يعترف منهج ASI إلا بالمواقع المكانية المنفصلة. ويمكن أن تتراوح هذه المواقع بين تجمعات من الأدوات الحجرية أو الفخارية، وبين معالم معمارية قائمة، وصولاً إلى مراكز قرى قديمة. وتُدرج بعض المسوحات أنماطاً تصنيفية للمواقع، كثير منها يحمل طابعاً تفسيرياً، مثل: “حصن: موقع استُخدم كمنشأة دفاعية دائمة”، أو “مزرعة: موقع لسكن دائم لعائلة من المزارعين مع منشآتهم الملحقة” (Zertal 1992: 24) وفي المواقع متعددة الفترات، لا يمكن غالباً تحديد الامتداد الدقيق أو طبيعة الموقع لكل فترة على حدة، إلا في حالات نادرة.
أسماء المواقع
جرى الاعتماد، في الغالب، على خرائط صندوق استكشاف فلسطين (P.E.F.) وخرائط الانتداب البريطاني في تسمية المواقع. وتستثنى من ذلك مسوحات “أرض يهوذا” وشمال السامرة، حيث جرى تفضيل أسماء قدمها مخبرون فلسطينيون محليون على أسماء الخرائط، وكذلك مسح القدس الذي اعتمد بعد 1967 الخرائط الإسرائيلية وأسماء المواقع العبرية بوصفها معياراً أساسياً، مع تسجيل الأسماء العربية القديمة عند توفرها. وفي بعض الحالات تُسجَّل المواقع وفق إحداثيات التثليث أو مناسيب الارتفاع. كما تظهر تعقيدات إضافية ناجمة عن استخدام أسماء عبرية غير مشكولة في بعض المنشورات.
التأريخ
تقدم المسوحات المنشورة إما نماذج تصنيفية مراجعة، أو عينات غير منتظمة من اللقى التشخيصية من المواقع “الأكثر أهمية”. وتكاد الأدوات الحجرية (lithics) تكون غائبة عن معظم المسوحات، وهو ما أدى إلى تمثيل ضعيف للغاية لعصور ما قبل التاريخ. من ناحية أخرى، أدت محدودية الإلمام بالفخار الوسيط والعثماني إلى تمثيل غير متوازن وغير دقيق لها. وغالباً ما يُستخدم تنقيب مواقع مختارة أثناء المسح أو بعده لتأكيد التصنيفات الزمنية التي وُضعت أثناء عملية المسح، بحيث تعمم نتائج عدد محدود من المواقع ذات الطابع المتشابه لدعم التأريخ المقترح لمجموعة أوسع.
الحفريات
بسبب غياب التعاون من جانب ضابط الآثار، تعتمد قاعدة البيانات التي جمعت هنا على مواد منشورة، وعلى قائمة جزئية بتراخيص الحفريات التي قدمتها وحدة الآثار في الإدارة المدنية إلى سلطة الآثار الإسرائيلية عام 1997. كما أُضيفت بعض المعلومات التي حصل عليها الباحثون قبل نشرها، وأُدرجت ضمن الخرائط الحالية. أما بيانات اللقى الأثرية فقد جُمعت من كل من تقارير المسوحات والمنشورات العلمية. وفي الحالات التي لا تتوفر فيها منشورات خاصة بموقع منقّب، فإن الوصف يعتمد على نتائج المسح الميداني.
قاعدة بيانات المسوحات
تتضمن ورقة البيانات الخاصة بالمسح 19 حقلًا. وفيما يلي تفصيل لبعض الحقول الأساسية:
اسم الموقع: تُدرج أسماء المواقع كما وردت في المسوحات أو كما جُمعت من مصادر أخرى. وغالباً ما تتكرر الأسماء داخل المسح الواحد وفي قاعدة البيانات، ويحدث ذلك حين يُطلق اسم معلم جغرافي مجاور على أكثر من موقع، أو عندما يُقسَّم الموقع الواحد إلى عناصر مستقلة لكل منها إحداثية شبكية خاصة. كما قد تحمل مواقع مختلفة ومتباعدة الاسم نفسه، خصوصاً إذا كان الاسم عاماً أو غير محدد (مثل: القصر، أو خربة الدير). وتستخدم بعض المسوحات أوصافاً مكانية أو تقنية كأسماء للمواقع (مثل: “كهف”، أو “نقطة ارتفاع 614”). وفي جميع هذه الحالات يُنقل المصطلح كما ورد في المصدر إلى قاعدة البيانات.
أسماء أخرى: حصل اهتمام بإدراج الأسماء البديلة أو صيغ الكتابة المختلفة، بهدف توسيع إمكانيات البحث والاسترجاع. وعندما تسجل أسماء المواقع بالعبرية فقط، يدرج الاسم العبري (دون نقل صوتي) في هذا الحقل لتجنب أخطاء في حقل “اسم الموقع”. كما تسجل الأسماء العبرية الحديثة ضمن هذا الحقل أيضاً.
العصور والحقب الرئيسة والأزمنة الأخرى: يشير هذان الحقلان إلى الأزمنة الممثلة في الموقع وفق ما ورد في المسح. وجرى التفريق بين “حقب رئيسة” و”حقب أخرى” وفق المعايير الآتية:
*الإشارة النصية المباشرة (مثل: “كان الموقع تلًا من العصر الحديدي، مع إعادة استخدام محدودة في الفترة العثمانية”).
*نسب تكرار الفخار المذكورة في تقرير المسح.
*في حال وجود قطعة أثرية منفردة تُنسب إلى مدة لا تمثلها مواد فخارية، تُدرج تلك المدة ضمن “الحقب الأخرى”.
نوع الموقع: حين يستخدم المصدر تعريفاً لنوع الموقع، يُعتمد كما هو. أما في الحالات الأخرى، فيُحدد النوع بناءً على الخصائص الأساسية كما وردت في وصف المسح.
اللقى: يتضمن هذا الحقل وصفاً مختصراً لأهم المكتشفات في الموقع، بما في ذلك البقايا المعمارية والمنشآت والقبور واللقى الخاصة (مثل العملات والمقابض المختومة وغيرها).
الانتماء الثقافي: يشير هذا الحقل إلى مدى ارتباط المواقع بسمات دينية أو ثقافية يمكن تمييزها، سواء يهودية أو مسيحية أو إسلامية. ورغم الطابع الاختزالي الشديد لهذه التصنيفات، فقد أُبقي عليها ضمن قاعدة البيانات بهدف دراسة نتائجها الخرائطية وتقييم فائدتها لمستخدمي النظام.
الببليوغرافيا المنشورة: يضم هذا الحقل إشارات مختصرة إلى منشورات الحفريات، مع تفضيل التقارير النهائية. وعندما تتضمن التقارير النهائية إشارات سابقة مدمجة، تُستبعد الإشارات الأولية عادة. إضافة إلى المصادر الواردة في المسوحات المنشورة، جرى الرجوع إلى عدد من الدوريات والمجلات المتخصصة، منها
Hadashot Arkheologiyot
Excavations and Surveys in Israel
Eretz-Israel
Judea and Samaria Research
Israel Exploration Journal
Qadmoniot
‘Atiqot
Tel Aviv
New Studies on Jerusalem
Liber Annuus
Niqrot Zurim
Israel – Land and People (Haaretz Museum Annual)
رسم الخرائط بنظم المعلومات الجغرافية (GIS): تجمع قاعدة بيانات GIS بين طبقات ثابتة(مثل نموذج الارتفاعات الرقمية DTM وخطوط تساوي الأمطار وغيرها) وطبقات ديناميكية تعتمد على مجموعة البيانات الأثرية. وجرى توضيح حدود البيانات الأثرية أعلاه، إلى جانب ضرورة بقاء هذا الجزء من النظام مفتوحاً وقابلاً للتحديث المستمر. وينتج عن هذا الدمج أداة مرنة بدرجة عالية يمكن أن تخدم الباحثين في مجالات الآثار والجغرافيا وإدارة التراث الثقافي، كما يمكن أن تفيد صناع القرار ووسائل الإعلام. ونأمل في تحديد الطريقة الأنسب لإتاحة قاعدة البيانات للجمهور، مع إمكانية تصحيحها وتطويرها مستقبلاً.
الملحق II: مقتطفات من أمر الجيش الإسرائيلي بشأن قانون الآثار (رقم 1166)، 5746–1986*
القسم أ: التمهيد
التعريفات 1. في هذه الأنظمة:
“الأمر” – أمر بشأن قانون الآثار (يهودا والسامرة) (رقم 1166)، 5746–1986؛
“القانون”- قانون الآثار رقم 51 لسنة 1966؛
…….
القسم ب: الحفريات والمسوح الأثرية
الجزء 1: عام
التعريفات 2. في هذا القسم:
“الحفريات”- وتشمل المسح الأثري، والحفريات التجريبية، وأعمال المسح؛
“المسح”- البحث عن الآثار على السطح فقط وفي الأماكن المفتوحة.
استثناء 3. لا تنطبق أحكام هذا القسم على الحفريات التي يجريها الضابط أو من ينوب عنه وفق الفقرة 8 من القانون أو وفق القسم H من القانون.
الجزء 2: الترخيص
طلب 4. (أ) يُقدَّم طلب الحصول على رخصة حفر إلى الضابط في ثلاث نسخ على نموذج مطابق لما هو وارد في الملحق أ من هذه الأنظمة.
(ب) يُقدَّم الطلب قبل موعد بدء الحفر بثلاثة أشهر على الأقل.
متطلبات خاصة 5. دون الإخلال بأحكام القانون أو أي نظام آخر، يجب على مقدم طلب رخصة الحفر أن:
(أ) يحصل على موافقة مالكي الأرض التي ستُجرى فيها الحفريات…
(ب) (1) في حال وجود حفريات سابقة أجراها آخرون في الموقع – يجب التشاور معهم بشأن الحفر المطلوب.
(2) يحق للمجلس إعفاء مقدم الطلب من هذا الشرط.
(ج) الوفاء بالالتزامات المتعلقة بتراخيص الحفر أو المسح السابقة الصادرة عن الضابط.
متطلبات خاصة على حامل الرخصة 7. دون الإخلال بأحكام القسم F من القانون، تُفرض على حامل رخصة الحفر أو المسح الالتزامات الآتية:
(أ) عدم بدء أي عمل دون التشاور المسبق مع الحاكم المدني… أو القائد العسكري…
(ب) إجراء الحفريات وفق المعايير العلمية المعتمدة.
(هـ) حماية موقع الحفر وآثاره، وتسييجه، ووضع إشارات تحذيرية، واتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع وقوع أذى… حتى بعد انتهاء الحفريات.
(و) اتخاذ كل ما يلزم لحماية الآثار المكتشفة…
(ز) تخزين الآثار المكتشفة لدى المؤسسة العلمية الراعية أو في مكان آخر يوافق عليه الضابط.
(ح) عدم نقل الآثار المكتشفة إلى أي شخص أو مؤسسة أو متحف، سواء بمقابل أو بدونه، وعدم إخراجها من المنطقة إلا بموافقة خطية مسبقة من الضابط.
(ط) (1) تقديم تقرير مفصل إلى المدير حول نتائج الحفريات…
(2) يُقدَّم التقرير خلال مدة لا تتجاوز سنة واحدة من انتهاء الترخيص.
(ي) السماح للضابط أو من ينوب عنه بالوصول إلى موقع الحفريات وفحص جميع جوانب العمل وحفظ اللقى.
(ل) الالتزام بأي شروط إضافية يحددها الضابط أو الجهة المخولة.
الجزء 3: النشر العلمي
النشر العلمي
8(أ) يجب على حامل رخصة الحفر، خلال ست سنوات من الحصول على الترخيص، نشر دراسة علمية مناسبة عن الحفريات ونتائجها ولقى الموقع، وتقديم نسختين منها إلى الضابط.
9 (أ) يجوز للضابط، بالتشاور مع المجلس الاستشاري، تمديد المدة المذكورة في الفقرة 8…
الجزء 4: تقسيم الآثار
تقسيم الآثار
10(أ) بعد تقديم الدراسة العلمية أو في أي وقت يحدده الضابط، يُلزم حامل الترخيص بتمكين الضابط من إجراء عملية تقسيم للآثار المكتشفة.
(ب) تُجرى عملية التقسيم في الزمان والمكان اللذين يحددهما الضابط.
القسم ج: إعارة الآثار
14يجوز تقديم طلب استعارة آثار من قبل مؤسسة علمية معتمدة أو متحف، أو باحث برعاية إحدى هذه المؤسسات.
القسم د: إخراج الآثار من المنطقة
- يقدم طلب إخراج آثار من المنطقة إلى رئيس الإدارة المدنية عبر الضابط، وفق نموذج الملحق G.
- في حال الموافقة على الطلب كلياً أو جزئياً أو بشروط، يُمنح مقدم الطلب رخصة تصدير.
- إعفاءات من رخصة التصدير:
(أ) إخراج الآثار من المنطقة من قبل الضابط أو أفراد وحدته أثناء العمل.
(ب) إخراج الآثار من المنطقة من قبل صاحب الترخيص وفق الشروط الآتية:
(1) أن تكون اللقى مكتشفة في حفريات مرخصة.
(2) أن تُنقل الآثار إلى المؤسسة العلمية الراعية.
(3) أن تكون المؤسسة العلمية الراعية في إسرائيل.
مقتطف من أمر قوات الجيش الإسرائيلي بشأن قانون الآثار (رقم 1167)، 5746–1986
إنشاء مجلس استشاري
- يُنشأ بموجب هذا أمر مجلس استشاري لشؤون الآثار.
أعضاء المجلس
- يتألف المجلس الاستشاري من الأعضاء الآتية أسماؤهم:
(أ) نائب رئيس الإدارة المدنية في يهودا والسامرة – رئيساً؛
(ب) الضابط المسؤول عن الآثار في الإدارة المدنية في يهودا والسامرة – نائباً للرئيس وقائماً بالأعمال عند غيابه؛
(ج) البروفيسور أڤراهام بيران – عضواً؛
(د) البروفيسور موشيه كوخافي – عضواً؛
(هـ) السيد أڤراهام إيتان – عضواً؛
(و) رئيس فرع البنية التحتية في الإدارة المدنية في يهودا والسامرة – عضواً؛
(ز) رئيس الفرع الاقتصادي في الإدارة المدنية في يهودا والسامرة – عضواً.
ويعمل السيد نابي لطفي، مدير منطقة نابلس ضمن وحدة ضابط الآثار، أميناً للمجلس.
مدة العضوية
- تستمر عضوية الأعضاء المذكورين، وكذلك أمين المجلس، لمدة سنتين من تاريخ هذا القرار.
وظائف المجلس
- (أ) يقدّم المجلس المشورة لضابط الآثار وسلطات الإدارة المدنية بشأن قضايا الآثار التي تُعرض عليه.
(ب) يتشاور الضابط مع المجلس في كل مسألة يراها ذات أهمية، وبخاصة في ما يلي:
(1) طلبات رخص الحفريات الأثرية.
(2) خطط الحفاظ على المواقع التاريخية وتنميتها.
(3) إنشاء متاحف جديدة.
(4) تجارة الآثار.
(5) كل ما يتعلق بحماية الآثار وتعزيز البحث العلمي وتطوير علم الآثار في المنطقة.
اجتماعات المجلس
5.أ) يعقد المجلس اجتماعات دورية أو استثنائية بدعوة من نائب الرئيس.
(ب) يشكّل حضور خمسة أعضاء على الأقل نصاباً قانونياً، وتصدر القرارات بأغلبية الحاضرين.
……………
العنوان الأصلي : The Present Past of the Israeli-Palestinian Conflict: Israeli Archaeology in the West Bank and East Jerusalem Since 1967
المؤلف: Raphael Greenberg and Adi Keinan
الناشرTel Aviv University, the S. Daniel Abraham Center for International and Regional Studies
سنة النشر: 2007
الصورة: الحفريات أسفل الحرم القدسي… من اختيار المترجم
…….
المراجع
Berkowitz, S. 2007. The Legal Status of the Historic Basin. Pp. 233 -248, in A. Ramon ed. The Historic Basin—Problems and Possible Solutions. Jerusalem.
Bieberstein, K. and Bloedhorn, H. 1994. Jerusalem: Grundzuge der Baugeschichte vom Chalkolithikum bis zur Fruehzeit der osmanischen Herrschaft. Wiesbaden.
Civil Administration 1997. Kovetz Huqim ve-Takanot le-Hoq ha-‘Atiqot Mispar-51 Nosah Meshulav [Compilation of Laws and Decrees for Antiquities Law No. 51, Combined Version]. Civil Administration of the Judea and Samaria Region, Staff Officer for Archaeology. (Hebrew).
Dagan, Y. 2006. Map of Amaziya (South). Jerusalem.
Dar, S. 1986. Landscape and Pattern: an Archaeological Survey of Samaria 800 B.C.E.636 C.E. Oxford : B. A. R. International Series 308.
Einhorn, T. 1996. Restitution of Archaeological Artifacts: The Arab-Israeli Aspect. International Journal of Cultural Property 5: 133 -153.
Eitam, D. 1981. Bidiya Map. Hadashot Arkheologiyot 77: 56. (Hebrew).
Finkelstein, I. 1988. The Archaeology of the Israelite Settlement. Jerusalem.
Finkelstein, I., Lederman, Z. and Bunimovitz, S. 1997. Highlands of Many Cultures: The Southern Samaria Survey. Tel Aviv.
Finkelstein, I. and Magen, Y. (eds.) 1993. Archaeological Survey of the Hill Country of Benjamin. Jerusalem.
Finkelstein, I. and Na’aman, N. (eds.) 1994. From Nomadism to Monarchy: Archaeological and Historical Aspects of Early Israel. Jerusalem.
Fischer, M., Isaac, B. and Roll, I. 1996. Roman Roads in Judaea, Vol. II. B.A.R. International Series 628. Oxford.
Gophna, R. and Beit-Arieh, I. 1997. Map of Lod (80). Jerusalem.
Hirschfeld, Y. 1985. Archaeological Survey of Israel: Map of Herodium (108/2) 17-11.Jerusalem.
Hodder, I. 2003. Sustainable Time Travel: Toward a Global Politics of the Past. Pp. 139-148, in S. Kane ed. The Politics of Archaeology and Identity in a Global Context. Boston.
Kloner, A. 2000. Survey of Jerusalem, The Southern Sector. Jerusalem.
Kloner, A. 2001. Survey of Jerusalem, The Northeastern Sector. Jerusalem.
Kloner, A. 2003. Survey of Jerusalem, The Northwestern Sector: Introduction and Indices. Jerusalem.
Kochavi, M. (ed.) 1972. Judaea Samaria and the Golan: Archaeological Survey 1967-1968. Jerusalem. (Hebrew).
Lowenthal, D. 1990. Conclusion: Archaeologists and Others. Pp. 302-314, in P. Gathercole and D. Lowenthal eds. The Politics of the Past. London.
Ofer, A. 1993. The Highland of Judah during the Biblical Period, unpublished Ph.D. Dissertation, Tel-Aviv University. (Hebrew).
Patrich, J. 1994. Map of Deir Mar Saba (109/7). Jerusalem.
Sion, O. 1994. The Survey of Wadi Kelt. Judea and Samaria Research Studies 3: 22 1-232 . (Hebrew).
Sion, O. 1995. Map of Qalya, Survey. Excavations and Surveys in Israel 16: 90-91.
Sion, O. 1996. The Monasteries of the ‘Desert of the Jordan’. Liber Annuus 46: 245-264.
Spanier, Y. 1994. Map of el-Mughayir. Excavations and Surveys in Israel 101-102:78-79.
Weiss, D., Zissu, B. and Solimany, G. 2004. Map of Nes Harim (104). Jerusalem.
Wexler, L. (ed.) 2002. Surveys and Excavations of Caves in the Northern Judean Desert (CNJD) – 1993, Part 2. ‘Atiqot 41. Jerusalem.
Yahya, A. forthcoming. Current Challenges to the Palestinian Cultural Heritage. Journal of Palestine Studies.
Zertal, A. 1992. The Manasseh Hill Country Survey, Vol. I – The Shechem Syncline. Tel-Aviv. (Hebrew).
Zertal, A. 1996. The Manasseh Hill Country Survey, Vol. II – The Eastern Valleys and the Fringes of the Desert. Tel-Aviv. (Hebrew).
Zertal, A. 2005. The Manasseh Hill Country Survey, Vol. IV – From Nahal Bezeq to the Sartaba. Tel-Aviv. (Hebrew).
Zertal, A. and Mirkam, N. 2000. The Manasseh Hill Country Survey, Vol. III – From Nahal ‘Iron to Nahal Shechem. Tel-Aviv. (Hebrew).
Aljarmaq center Aljarmaq center