المملكة المنسية، علم الآثار وتاريخ مملكة إسرءيل الشمالية: حين يغمس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن

تمهيد

يمثّل علم الآثار إحدى ساحات معركة حرب السرديات بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ تتواجه فيها الهُويات حسب مقتضيات التوقعات والافتراضات والخطاب، وتغذي التحيزات النظرية منظور تأويل البيانات وطرق تشكيلها. وعادةً ما يجري الحديث عن مقارنات للثقافات المحلية المتداخلة وتقصي آثارها على الجوانب الاجتماعية والسياسية  لدى كلا الطرفين. ونخص هنا مستوى علم الآثار الكتابي في إسرائيل بما يوازي ما شهدته بعض المجتمعات الأخرى من تشابكات وتوترات لجهة استحالة فصل البحوث والتفسيرات النظرية عن الهُويات والانزياحات الإيديولوجية وانعكاساتها.

على أن ساحة الصراع تتخطى الحقول الأكاديمية البحتة لتنتقل إلى مطارح تتجاوز حدود التأويل الأكاديمي فتتغلغل في بنية التحليل ذاتها، حين تلعب الهُوية السياسية والثقافية دوراً في صياغة الفرضيات، وجمع المعطيات، وتوجيه نتائج البحث واستنتاجاته.

فعلى سبيل المثال، تجاوز علم الآثار التركي هذا التصعيد بدعم من علمانية الدولة، وآلياتها الحازمة، وسياسة التتريك خلال مرحلة تأسيس الجمهورية؛ وافترض الباحثون “القوميون” هناك وجود روابط تجمعهم بالثقافات السومرية والحثية، فأضفوا عليها الطابع الدولتي الأناضولي، في مقاربة جيو-قومية نالت دعماً مباشراً من كمال أتاتورك. وينسحب الأمر ذاته على علم الآثار الألماني إبان الحكم النازي حين استدعت الحاجة تثبيت رؤى “علمية” ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتأويلات الإثنية والقومية لتعزيز شرعية الرايخ الثالث. وجرى استحضار المنجز الثقافي للجرمان القدماء لتأكيد التفوق العرقي والثقافي.

1.علم الآثار القومي الصهيوني

وظّفت الصهيونية، منذ البداية، الماضي لصياغة هُوية قومية تشرعن  مشروعها ووجودها. وسرعان ما انهمكت في إعادة بناء الذاكرة التاريخية انطلاقاً من رموز الماضي الكتابي لترسيخ تصور محدد عن استمرارية دينية وسياسية مفترضة. وكانت الجهود الآثارية، مع أواخر القرن التاسع عشر، شرعت في تنقيب تاريخ فلسطين القديم، بإشراف بعثات غربية ذات خلفية دينية مسيحية، في الغالب، لتأكيد صدقية الروايات الكتابية. الأمر الذي أسهم في تطور علم الآثار الفلسطيني ، منذ منتصف القرن التاسع عشر (وتحديداً منذ تأسيس صندوق استكشاف فلسطين في لندن في العام 1865)، ليصبح مجالاً علمياً منظماً.

بيد أن هذا المسعى حاد عن مساره  لاحقاً واتخذ منحىً معايراً، حين تقاطع مع المشروع الصهيوني الصاعد والساعي إلى تعزيز ادعاءاته بـ “الحق اليهودي”. فتحول من ساحة بحث إلى ميدان صراع، ومن أداة معرفية إلى آلة تنتج تصون المشروع الاستعماري وسردية تتحول إلى ذريعة لتعزيز الادعاءات بالحق في الأرض، على أساس حضور تاريخي متواصل مزعوم.

رفعت الصهيونية علم الآثار الكتابي إلى المستوى السياسي بما يخدم  مساعيها تلك، وغرس جذور هُوية قومية جديدة بين اليهود أنفسهم. ويفصح تتبع هذه العلاقة عن تداخل عميق يجمع البحث الأكاديمي بالمشروع السياسي، تخللته انتقائية واضحة؛ فركّز المنقبون الصهاينة على الآثار المرتبطة بالممالك العبرية القديمة؛ “إسرءيل” و”يهوذا”، وتغافلوا عن حقب تاريخية اتسمت بتعقيد أكبر أو بانسجام أقل مع سرديتهم القومية الحديثة. وطال التجاهل أيضاً السياقات الثقافية الواسعة التي احتضنت هذه الكيانات السياسية الصغيرة، كالتأثيرات الكنعانية والآرامية والفينيقية التي أظهرت تداخلاً حضارياً ينقض فكرة “الاستثناء اليهودي” التي سعت الصهيونية إلى ترسيخها.

ليبرز، هنا، تمييز منهجي بين مملكتي “إسرءيل” و”يهوذا” في السرديات الأثرية والتاريخية، فحصل تصوير يهوذا بصفتها الأكثر شرعية وأصالة التي تحمل التراث الديني والتاريخي الذي اعتنقته الصهيونية لاحقاً. ولهذا الغرض، تركزت الحفريات في القدس ومحيطها، بما يشاع أنه مركز تلك المملكة، فأمست المدينة، في المنظور الصهيوني، رمزاً يجمع الدين والسيادة والمشروعية التاريخية معاً.

وفي المقابل، هُمشت “إسرءيل” ونُظر إليها بنوع من التحفظ، كما جرى وصفها مراراً بضآلة توحيدها الديني، والتداخل والاختلاط الثقافي بالشعوب المجاورة.

أفرز هذا الانتقاء في تمثيل الماضي صورة مشذبة للهُوية اليهودية، تعلي من شأن سلالة يهوذا -داود وسليمان- وتعد هذه الهُوية امتداداً “أصيلاً” لهما، وتقلّل، في ذات الوقت، من شأن تجربة “إسرءيل” رغم ثقلها الجوهري في “التاريخ” الكتابي.

ولا ينفصل هذا التفضيل عن غايات المشروع الصهيوني المباشرة؛ فتطلب السعي لـ “إعادة تأسيس” دولة يهودية في فلسطين نموذجاً تاريخياً يجسّد شرعية الحكم الذاتي، ويضمن استمرارية السيادة، ويجذر الانتماء. وهو ما تجلى بوضوح أكبر في نموذج مملكة “يهوذا” الصغيرة المحصنة، مقارنة بمملكة “إسرءيل” الأوسع والأكثر انفتاحاً وتعدداً.

وواصل المؤرخون والآثاريون الصهاينة، قبل قيام إسرائيل (1948) وبعده، تطوير البناء الإيديولوجي لفكرة الأمة اليهودية، لصياغة وثيقة قومية تاريخية، تدعمها سجلات ضئيلة أسفرت عنها الحفريات الأثرية. فصار علم الآثار جزءً من السياسة، والسياسة جزءً منه، وانعكس السرد الكتابي لمرويات غزو يشوع لكنعان وتأسيس مملكة داود وسليمان في الروح القومية الحديثة. وتبنى علماء الآثار الصهاينة منهجية الآثاري الأمريكي وليم ف. أولبرايت والآثاريين المسيحيين، ممارسة “الكتاب بيد والمعول بيد”.

أثبتت حفريات عديدة -وإن لم تكن جميعها- أن تأويل النص عقدياً، ومقاربته بمعول الآثاري، يفترقان في مسارات إعادة بناء الماضي وكتابة التاريخ؛ فيتمايز الحدث “التاريخي” عن الحكايات والأساطير الشعبية المتواترة ذات المغزى والقصص الديني الوعظي.

ولئلا يميل قولنا إلى الانحياز، فإن إعادة التفكير في النصوص الدينية استناداً للمعطيات الآثارية تنضج الإيمان ولكن لا تنهيه بالضرورة، فهناك العديد من التقنيات، مثل تقنية الكربون لتأريخ البقايا العضوية مثلاً، ستلعب دوراً في توفير مرجع مستقل عن النص يفصل في هذا السجال حول فرز “التاريخي” من “اللاتاريخي” في النص الكتابي.

استحالت المواقع الأثرية ساحات صراع رمزي. وأمسى التنقيب فعلاً سياسياً يبتغي استعادة “الحق”، و”الذاكرة”، و”الجذور”. وتحوّل إلى حفر في طبقات الهُوية، فتماهى الموقع مع السردية القومية، واختلط الاكتشاف الأثري بالتأويل الإيديولوجي. وتجاوز وظيفته في فهم الماضي، ليصبح أداة مركزية تبني سردية قومية حديثة، وتسبغ شعور الانتماء إلى الأرض.

تغلغل هذا التوظيف الإيديولوجي في السياسات الإسرائيلية المعاصرة، متجاوزاً أروقة البحث الأكاديمي وبات سلاحاً فاعلاً في النزاعات السياسية، لاسيما في قضايا السيطرة على الأرض وتعيين الهُويات. وأسهمت الحفريات المكثفة في القدس الشرقية، مثلاً، في تكريس ادعاء تبعية المدينة الحصرية للتاريخ اليهودي، وطمست طبقاتها العربية والإسلامية والمسيحية العميقة، مستندة إلى تأريخ قومي صاغه مفكرون يهود لتعزيز هذه الرؤية.

مثّل علماء الآثار الصهاينة جزءً من النخبة الحاكمة، وأفضى وجودهم في الحقل الأكاديمي إلى فرض نوع من الاستخدام الانتقائي للتاريخ وتحويل الفضاء التاريخي إلى حقل تأويلي تسيّره رغبات الإيديولوجيا باستثمار علم الآثار لإعادة تشكيل الجغرافيا الرمزية للأرض لإنتاج الحاضر انطلاقاً من الماضي.

ورغم ظهور تيارات نقدية داخل الوسط الأكاديمي الآثار الإسرائيلي والكتابي، ما تزال السردية الرسمية تبسط هيمنتها على الفضاء العام، تسندها سطوة المؤسسات السياسية والدينية. بما يطال أيضاً طرق العرض والتفسير في المتاحف والمناهج والإعلام، تزكي الرواية القومية، وألصقت بالأصوات النقدية- من إسرائيليين وأجانب- اتهامات تبدأ بـ “تسييس العلم”  ولا تنتهي عند “معاداة السامية”.

يوجه بعض أهل الاختصاص نقداً صريحاً لعلم الآثار الكتابي، يطال الروح اللاهوتية الاستبعادية  الكامنة في أصوله وفي المنهجية الكتابية التقليدية. وفي يتأكد استحالة فصل البحوث والافتراضات النظرية عن الآراء السياسية والهوية الثقافية، فثمة مآخذ تكاد لا تحصى على الباحثين الإسرائيليين في مجال علم الآثار الكتابي، لعل أهمها السعي المحموم لنزع الطابع العربي عن الطبوغرافيا  الفلسطينية.

يقارب البعض هذا الطرح محذرين من خطورة صهينة البحوث الكتابية لما تسببه من دمار للهُوية الفلسطينية، فالتركيز على حقبة وجيزة من تاريخ طويل يكرس نوعاً من استعمار الماضي، بأثر رجعي مما يجعل الفلسطينيين المعاصرين غرباء في وطنهم مقيمين أرض غيرهم، فالخطاب الكتابي جزء من المشكلة وليس من الحل.

ترى ناديا أبو الحاج أن علم الآثار الإسرائيلي مكوناً مركزياً في المشروع الصهيوني يوظف لتثبيت سردية تدّعي أصالة “الوجود اليهودي” في فلسطين. وتشير إلى التناقض بين الخطاب الأكاديمي، وممارساته التي تؤطره ضمن المنظومة الاستعمارية؛ فهو، إذن، مشروع مادي تسنده عمليات التنقيب وتفرضه سردية سياسية نوعية انتقائية تسوقه كحقيقة تاريخية، بينما يظل في جوهره أداة  لصنع هُوية استيطانية على أرض مأهولة بالآخر. وتكشف هذه العلاقة عن غياب الحياد في العمل الميداني  بما يسمح بتعزيز الرواية الكتابية وإقصاء الأدلة المناقضة وتحويل المعطى القابل للتأويل إلى “دليل دامغ” لصناعة أسطورة قومية  إقصائية حديثة (1).

وعليه، فإن أي مشروع تاريخي-آثاري يروم إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني القديم ، سيعاني من الهواجس السياسية التي تظلل الواقع الراهن. لا سيما إذا علمنا أن مثل هذا البحث سينطلق من أفق الألفية الثالثة الميلادية ليكتب تاريخ بقعة جغرافية صغيرة يمتد عمرها لأكثر من خمسة آلاف عام.

 سوف يهدد ثقل الأجندات السياسية والإيديولوجية  التي تقف خلف هذه المشاريع، مصداقيتها. ويعجز أي جهد بحثي عن صون موضوعيته متى خضع لتأثيرات خارجية، سواء نبعت من دوافع دينية (يهودية، مسيحية، إسلامية) أو هُويات قومية وإثنية (إسرائيلية أو عربية).

ولئن كان استرداد الماضي ضرباً من المحال، كما يؤكد ميشيل فوكو، فإننا نملك على الأقل مقاربته عبر إعادة بناء صور ذهنية له وتأويلات متعددة تحاكيه. ويجسد هذا التمثيل مسعى أولياً لفهم الواقع التاريخي عبر أُطر معرفية متنوعة، تدمج الآثار والتراث الشفهي والسجلات غير النصية، دون الارتهان للنص الكتابي، لتتيح رؤية أوسع وأدق.

وتتجلى هنا إخفاقات البحوث المستندة حصرياً إلى المصادر الكتابية، والتي أفرزت وهم “إسرءيل القديمة” كمجتمع متجانس، وهو وهم يجافيه الواقع الفعلي للمجتمع الفلسطيني القديم كما تثبته الأدلة الأثرية. ويؤكد هذا التباين أن الركون إلى النصوص الدينية وحدها يفضي إلى سرديات ضيقة تهمل تنوع ذلك المجتمع وتعقيده.

وفي ميزان المؤرخ الموضوعي، تبدو “إسرءيل القديمة” كياناً مصطنعاً، أفرزه خيال الرواد من الباحثين اللاهوتيين المهتمين بالآثار، ومدرسة النقد التاريخي التي راجت بين مؤرخي النصوص الكتابية خلال القرنين الماضيين. وورّث هذا التصور الوهمي الفكر الكتابي، ثم الصهيوني والإسرائيلي، إشكاليات جوهرية؛ أبرزها الإصرار على تغييب الفلسطينيين عن “المكان” (الأرض). فتصبح الأرض رمزاً مقدساً يوظفه المثقفون الإسرائيليون لتمرير تعبيراتهم الاستشراقية (2). وتفرض هذه المعطيات حتمية مراجعة منهجيات البحث التاريخي، واعتماد مقاربات متعددة المصادر تتجاوز عيوب القراءة الأحادية للنصوص. ويشكل الهوس بإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني، انطلاقاً من مفهوم “إسرائيل القديمة”، جوهر كتابة التاريخ “الجديد”.

ورغم هيمنة هذا الهوس راهناً، فإنه يقود المشروع الآثاري الكتابي في فلسطين إلى إخفاق بيّن؛ ذلك أن الباحثين المرتهنين للنصوص الكتابية لا ينتمون أصلاً إلى حقل علم الآثار.

ويصف نيلز بيتر لامكه هذا الواقع بدقة؛ فيشبّه اعتماد المؤرخين على الإرث الكتابي، بوصفه مصدراً أساسياً لتاريخ نشأة إسرءيل، بأنه “تكريس لوضع يائس يواجهه المؤرخ الساعي إلى كتابة تاريخ نقدي، لا تاريخ عفا عليه الزمن” (3).

يصعب، واقعياً، أي نوع من مواءمة عقلانية بين صورة إسرءيل الكتابية والماضي التاريخي الموضوعي للمنطقة، وفق ما يؤكده لامكه نفسه. وتتسم طريقة مجادلة المختصين في علم الآثار الكتابي والقومي الإسرائيلي بإشكالية حادة؛ لتوظيفهم الماضي على نحو سياسي وإيديولوجي، وتحويله إلى “ماضٍ قومي”. حيث تتحول الدراسة الآثارية إلى مطية لسرديات تعكس أحكاماً مسبقة عن الأرض [المقدسة]، وتصوّرها دولة قومية عتيقة وخالدة، بغية شرعنة وجود دولة إسرائيل القومية المعاصرة.

2.المملكة المنسية

يُطلق اسم “إسرءيل”، وفق الفهم التقليدي الكتابي لتاريخ فلسطين القديمة، على الإقليم والكيان السياسي الذي قام في فلسطين في وقت ما من العصر الحديدي. ويعزز علماء الآثار الكتابيون والإسرائيليون رؤيتهم بتأويل كلمة وردت في لوح مَرِنْبتاح (الذي اكتشفه السير ويليام بيتري عام 1896)، معتبرين إياها إشارة إلى جماعة تُدعى “إسرءيل” سكنت أرض كنعان أواخر القرن الثالث عشر ق.م. ورغم خلو النقش من أي تفاصيل فعلية عن هذه الجماعة حصراً، لا تعرف -فعلاً وقولاً- كيف تطورت جماعة ما على مدة ثلاثة قرون لتمنح اسمها لمملكة كاملة. ويزيد من تعقيد الأمر غياب أي نص يسد الفجوة الفاصلة بين الحملة العسكرية المصرية وظهور هذه المملكة.

يستند الباحث الآثاري إسرائيل فنكلشتين [مؤلف الكتاب موضوع البحث هنا] إلى الممارسة الأثرية لتقديم الإجابات والتفسيرات المقنعة؛ فيرى ضرورة البحث عن “إسرءيل مَرِنْبتاح” بين الجماعات المستقرة في الهضاب الغربية والشرقية لوادي الأردن بدءاً من أواخر القرن الثالث عشر ق.م. ويعتقد أن هذه الجماعات هي النواة التي شكّلت الممالك الجهوية لاحقاً في العصر الحديدي، ومن ضمنها “إسرءيل” الكتابية.

يقدم هذا الطرح مثالاً جلياً على القراءة الانتقائية لنصوص العهد القديم، وعلى طريقة تفسير اللقى المكتشفة. وتكمن إشكالية الروايات الكتابية لدى فنكلشتين في رداءة سرد قصص المملكة الشمالية التي تبناها الأدب اليهوذي لاحقاً، وتشويهها من الناحية الإيديولوجية لخدمة سردية يهوذا المنتصرة. فهو يرى أن نهاية شاؤول لم تقع على يد الفلستيين، بل جاءت نتيجة حملة شيشنق الأول؛ لعجز الفلستيين عن حشد جيش يبلغ “بيت شان” أواخر العصر الحديدي الأول. ويذهب أبعد من ذلك، فيربط التحصين المكتشف حديثاً في خربة قيافة في وادي إيلة بعمران الأسرة الشاؤولية، مرجحاً تدمير هذا الموقع، أيضاً، على يد شيشنق الأول.

غير أن اختزال روايات المملكة الشمالية بوصفها “منحرفة إيديولوجياً”، والركون إليها في الوقت عينه لتحديد موقع مقتل شاؤول في جبل جلبوع أو مقر يَرُبْعام في تِرْصَة، يثير الشكوك حول نهج فنكلشتين التأويلي ولا يعزز الثقة به. ويتعمق هذا الشك مع غياب النقاش الجاد حول المفاهيم الأساسية؛ فتكثر الإشارات إلى “ذكريات تاريخية”، و”ذكريات غامضة”، و”ذكريات أصيلة”، وأخرى “قوية”، دون توضيح لمعنى هذه الذاكرة لدى المؤرخ، أو سبل التمييز بين أنماطها، أو تحديد وضعها المعرفي وأهميتها التاريخية.

ولعل اللافت في هذا كله، عنوان الكتاب ذاته الذي يستحضر “النسيان”؛ بينما تغيب الدوافع التاريخية لهذا النسيان ودلالاته المحتملة عن النقاش في أي موضع. ولئن لم يمل فنكلشتين من تكرار رفضه لتفسيرات الآخرين القائمة على إسقاط الأحداث على عصور سالفة، فإنه لا يمانع زلق تجارب عصر العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م) نحو حاضر تجربة العصر الحديدي (القرن العاشر ق.م). فيختلق “كيانات سياسية” يستلها من قائمة المدن التي استهدفتها حملة الملك المصري شيشنق الأول، ليمهد لظهور تلك المملكة المنسية في الهضاب الغربية الشمالية لفلسطين. ولا يتورع، بلوغاً لغايته، عن تقديم زمن الحملة المصرية أو تأخيرها عبر تقنيات التحليل الكربوني المخبري.

ويرى البعض أن تفنيد “أصول إسرءيل” يحمل طابعاً جدلياً صامتاً رغم انحيازه، ويمثل مقاربة تعتريها عيوب جمة رغم “الرصانة الأكاديمية” لروادها. فالاحتجاج بغياب الأدلة الأثرية المادية الداعمة للحدث الكتابي عبر التساؤل عن صحة “الأوامر المقدسة”، يفضي إلى منهجية “مشكوك فيها”. إذ إن القاعدة تقر بأن “غياب الدليل لا يثبت عدم وقوع الحدث”، غير أن هذا المنطق الدائري يواصل دورانه عبر تسويغ “عقلاني” أو “تفسيري” لتبرير غياب تلك الأدلة.

يطلق فنكلشتين مصطلح “الأدلة السلبية” للتعبير عن غياب البقايا الأثرية، ويشير إلى ذلك في سياق حديثه عن التنقيب في تل الفارعة؛ فبدلاً من العثور على بقايا واضحة، غابت الآثار الدالة على وجود نشاط أو توطن خلال تلك الحقبة في بعض الحقول المنقبة. ويُفهم من مصطلح “الأدلة السلبية” غياب الدليل أو الطبقات الأثرية في المناطق التي توقعت الفرق الأثرية وجود لقى فيها. ويُعد هذا الغياب دليلاً بحد ذاته؛ إذ يرجح محدودية التوطن الجغرافي في الموقع، أو صغر حجم التجمع البشري وتفرقه، مما حال دون ترك آثار كافية في نطاق التنقيب.

بيد أن مقاربة “غياب الدليل لا ينفي الحدث” تشكل مثالاً كلاسيكياً لطبيعة الجدل الصامت؛ إذ توحي بضرورة التمسك بوقوع الأحداث الكتابية واعتقاد حقيقتها، وإن افتقرنا إلى اللقى الأثرية المادية التي تسندها.  ويغيب عن هؤلاء، ومنهم فنكلشتين بصورة أو بأخرى، أن القاعدة المنطقية الصالحة لإثبات شيء، تصلح أيضاً لإثبات نقيضه وإن شابهه ظاهرياً. ويتجلى هذا التناقض في تشبث فنكلشتين بجملة من القضايا، معتبراً إياها حقائق راسخة لمجرد توافقها مع هواه ومنطلقاته الفكرية، لتتحكم في آرائه وتوجه رؤيته للعالم. فيعتقد بجدوى الدفاع عن فكرة ما وصحتها متى أثبتت صلاحيتها ضمن شروط تجريبية متباينة؛ مما يوقعه في مغالطة تفصح عن سذاجة وقصور في فهم المنهج التجريبي ذاته الذي يسعى لتبنيه.

3.التقاليد الكتابية وتاريخ فلسطين القديم

ماذا لو قيض لأحدنا أن يطل على المشهد الفلسطيني إبان القرن العاشر ق.م؟ من عساه يرى، وماذا؟ من هم السكان؟ ما المدن الكبرى، وما العاصمة أو العواصم؟ كيف غدت طرق التجارة، وأنماط الزراعة والرعي، وأشهر المحاصيل، وحال الموانئ؟ ما شكل العبادة وثقافتها وطقوسها؟ وأي إله، أو آلهة، عبدوا؟ وهل تباين دين القرية عن دين المدينة؟ وأخيراً، هل يملك علم الآثار سبيلاً لتقديم إجابات “مشروعة” عن هذه التساؤلات؟

يرى فنكلشتين أن الإجابة، أو الإجابات، لا تكمن في النص، أو ليس في النص وحده على أقل تقدير؛ إذ تقع مهمة فرز التاريخي عن اللاتاريخي على عاتق المؤرخ. بل يمضي بصفته آثارياً إلى أبعد من ذلك، مؤكداً ضرورة الحفر عميقاً تحت كل صخرة، وفي جوف كل واد، وفوق قمة كل تلة، وبين أنقاض كل خربة؛ للتيقن مما إذا كان “الإسرءيليون”، على سبيل المثال، قد خرجوا فعلاً من مصر، وتاهوا في سيناء، ثم غزوا كنعان وفتحوها، وهدموا أسوار أريحا، وأقاموا مملكتهم. أما ما عدا ذلك فينبغي عزله في دائرة الفرضيات، كالزعم بأن رعمسيس الثاني هو “فرعون الخروج”، أو ربط الهكسوس بالإسرءيليين، كما فعل المؤرخ اليهودي القديم يوسيفوس فلافيوس مستنداً إلى نصوص مانيتو.

ويبدو الأسلم هنا، في منظور فنكلشتين، اعتبار تقاليد الخروج تراكماً لإرث وذكريات موغلة في القدم، تضمنها “الكتاب العبري” صياغة سردية مركزية يلتف الشعب حولها. وربما تستند هذه السردية القديمة إلى حدث طرد الكنعانيين من دلتا النيل في القرن السادس عشر ق.م، حتى مع تراكم طبقات أخرى لاحقة؛ إذ يجسد الوصف الجغرافي لمنطقة الدلتا في النص، مثلاً، دراية المؤلفين بوقائع القرنين السابع والسادس ق.م (حقبة الأسرة الصاوية في مصر).

غير أن السؤال لا يبدو جوهرياً في حقيقته، أو في واقع وجود جماعة أو قبائل رعوية تدعى “عابيرو” أو “شاسو” Shasu أطلق قسم منها على نفسه اسم “إسرءيل”؛ بل يتخذ السؤال منحىً ومظهراً إقليمياً أوسع، ليبحث في حقيقة قيام كيان سياسي يسمي نفسه “إسرءيل”، يرى سكانه أنفسهم إسرءيليين ويدينون للإله “يهوه”، كما تدوّن قصص التاريخ التثنوي. وقد اختلطت بمجاميع “العابيرو والشاسو” بقايا المزارعين المضطرين لهجرة أوديتهم الخصبة، إما هرباً من الجفاف أو الغزو (شعوب البحر؟)، ليتمركزوا في الهضاب الآمنة.

وثمة نصوص تشير إلى وجود إله يُدعى “يهوه” في أرض الشاسو، ما يوحي عرضاً بضرب من التواصل مع مناطق جنوب كنعان. ويرد ذكر الإله “يهوه” هذا في نصوص ترقى إلى أوائل القرن الثامن ق.م، عثر عليها في كونتيلة عجرود، ويُعرف باسم “يهوه تيمان”، أي يهوه الجنوب. وحمل العديد من الملوك الكتابيين (سواء في المملكة الشمالية أو الجنوبية) أسماء ترتبط بهذا الإله بدءاً من القرن التاسع ق.م.

كما يرد ذكر “يهوه” في نصوص مصرية تعود للقرن الثالث عشر ق.م؛ ما يعني أنه كان جزءً من مجمع آلهة، ولم يستأثر بصفة الإله الوحيد الحقيقي إلا بعد عام 586 ق.م (تاريخ سقوط أورشليم) لاعتبارات غير دينية قطعاً.

وعليه، لا يبدو فنكلشتين، من موقعه هذا، مغالياً في تأويل حرفية النص الكتابي لتتبع تاريخ إسرءيل القديم ترتيباً من الأقدم للأحدث بحثاً عن معطيات الحدث الكتابي، كما يفعل العديد من الآثاريين الكتابيين أتباع مدرسة أولبرايت الحدّية (Maximalist). ولا هو، في الوقت عينه، محسوب على المدرسة التقليلية (Minimalist) التي تنكر “تاريخية” الكتاب إجمالاً، وترفض الإملاءات النظرية الممهدة لذلك؛ كما تتجلى في أبحاث نيلز بيتر لامكه، وتوماس تومسون (المعروفين بجماعة كوبنهاغن)، أو فيليب ديفز، وكيث ويتلام، الذين يبدون شكوكاً قاطعة إزاء “الإرث الكتابي”. وذلك رغم إسهام كلا الاتجاهين في رفد الدراسات والبحوث الأكاديمية الآثارية والتاريخية.

وغني عن البيان تمتع فنكلشتين بذكاء حاد، وملكات بحثية هائلة، وقدرات سجالية لافتة، فضلاً عن خيال واسع يقتضيه عمله؛ حتى ليبدو وكأنه خُلق آثارياً ولا شيء سوى ذلك. فيلجأ مراراً إلى لغة بعيدة عن التعقيد ليطرح سرديته وأفكاره حول “ممالك العهد القديم” بأسلوب بلاغي، منتقلاً بين الأفكار والموضوعات بخفة وسهولة. ويرى أن التيار الذي يمثله اكتسب راهناً أنصاراً كثراً، ويحمل رؤية تستحق قدراً موازياً من الدراسة والاهتمام؛ فيؤدي التصنيف بين “اليمين” و”اليسار” هنا إلى ترتيب نتائج تأويل النص الكتابي (ويشمل ذلك بالطبع “تاريخ إسرءيل”).

فالأصوليون يتبعون في تأويلهم الوصف الكتابي لتاريخ “إسرءيل القديمة” منطلقين من إيمانهم بحدود النص، وهو ما يلخصه عالم الآثار الفرنسي الأب رولاند دوفو بقوله: “إذا انتفى الوجود التاريخي للإيمان بإسرءيل من التاريخ، فهذا الإيمان خاطئ، وعليه تكون عقيدتنا خاطئة أيضاً”.

يتردد صدى أفكار دوفو عند ويليام أولبرايت، عميد علم الآثار الكتابي، الذي يصر على أن “صورة الأحداث في سفر التكوين تاريخية في عمومها، ولا مبرر للتشكيك في صحة تفاصيل السيرة الذاتية التاريخية”. ويبدو جلياً استحالة قراءة مرويات “الآباء والخروج والغزو”، التي تصف التاريخ التكويني لـ “شعب إسرءيل”، على أنها سرد تاريخي مباشر ومتسلسل من الأقدم للأحدث؛ بل يحتم السياق فهمها من منظور الحقبة التي دُوّنت فيها.

ويجادل رواد المدرسة التقليلية بأن انتقاء القصص وترتيبها يمرر رسالة واضحة أرادها محررو الكتاب إبان جمعه، ولا يعكس بالضرورة حفظه لتاريخ موثوق للأزمنة المبكرة، وإن حملت النصوص المتأخرة ومضات من تقاليد سالفة. ويُحتمل احتفاظ العديد من هذه القصص بذكريات قديمة، وحكايات فلكلورية، وأساطير ومرويات سببية، تتجلى كإطار جامع للقصص الكتابية الراصدة لظهور المملكة الداودية والسليمانية (تلك السرديات التي زاوجت بين الآباء والخروج، ودمجتها بمرويات السبي وما تلاه).

علاوة على ذلك، تفضح طريقة تجميع هذه السرديات غاياتها الإيديولوجية الرامية لخدمة مؤلفيها أواخر العصر الحديدي الثاني. ولعل هذا ما دفع الآثارية الألمانية هيلغا زيدن للقول: “في كل مرة نأتي فيها على ذكر فلسطين، يشهرون في وجوهنا توراتهم.. لقد ألحق علم الآثار (التوراتي) دماراً وضرراً بالغين بدراسة تاريخ المنطقة العربية. إسرائيل برمتها تقوم على (التوراة)، ولا يفترون عن ترديد مقولة مجيئهم إلى فلسطين تحقيقاً لوعد (التوراة)؛ وهو أمر محال، ولا يسوغ تمريره تحت أي ذريعة أو وهم”.

تتقاطع رؤية فنكلشتين لـ “علم الآثار الكتابي” إلى حد بعيد مع رؤية الأب دوفو في المبالغة بالتركيز على الطابع الإثني لدور إسرءيل. فهو يهمل، على غرار دوفو، وجود “بنية مستدامة غير إسرءيلية” في فلسطين خلال العصر الحديدي؛ حتى حين يُسلّم، مثلاً، بالتوجه الفينيقي لساحل فلسطين (من عكا حتى دور/الطنطورة)، وبالروابط الثقافية الآرامية في الجليل والأغوار الشمالية، بما فيها بيسان (بيتشان) وتل العريمة (قنريت) وتل القاضي (تل دان)، والكثير من مواقع شمال شرق الأردن.

تفصح النتائج المستخلصة من الكتاب الذي بين أيدينا هنا عن المأزق المنهجي الذي يواجه المشتغلين في حقل الآثار الفلسطيني؛ ألا وهو الدوافع السياسية و”القومية” المحركة لإنتاجهم المعرفي. وحين يشرع في إعداد مسرح الأحداث، كمخرج سينمائي محترف، يضع نصب عينيه مبكراً ضرورة التخلص من الحجج والأدلة المعيقة لتصوره عن نشأة “مملكة إسرءيل”.

ورغم عدم البوح بذلك صراحةً، يتجلى هذا المسعى في إصراره على بناء سرد “موازٍ” لسير الأحداث وتطورها في شمال فلسطين وما تلاها جنوباً نحو المرتفعات الوسطى (قلب العهد القديم وروحه كما يخلو للبعض وصفها). فيوظّف مقاربة تمزج بين علم الآثار والتأويل النصي، ليفسر حضور اللقى “الإسرءيلية” أو غيابها في وسط فلسطين وشمالها؛ متخذاً من ذلك دليلاً على وجود كيانات يصح وصفها بـ “الإسرءيلية”، تتشابه في تكوينها وظهورها وأنشطتها العسكرية مع أحداث سالفة في عصر العمارنة إبان القرن الرابع عشر ق.م، أو مع مآلات لاحقة كصعود فخر الدين المعني أوائل القرن السابع عشر الميلادي، وظاهر العمر في القرن الثامن عشر الميلادي.

وهكذا، يحصر تركيزه في المشهد المكاني لفلسطين وحدها عبر أطوار العصر الحديدي المختلفة [وهو عصر يكتسب، وفق التحقيب التقليدي، أهمية قصوى لمن يدرك آليات صياغة التأويلات الكتابية الساعية لاحتكار الحدث لصالح جماعة وكيان بعينهما].

ولا ريب أن أطروحته حول أورشليم في القرن العاشر ق.م ستجد مناصرين لها؛ تلك الأطروحة التي تجرد المدينة من أهميتها، وتصورها موقعاً فقيراً على مرتفعات نائية، بل وتنسب الأنشطة العمرانية السليمانية في الرواية الكتابية إلى الأسرة العُمْريّة. غير أنها تواجه، في الوقت عينه، معارضة شديدة من طيف واسع من الباحثين المتخصصين. وتؤكد هذه التباينات أن تفسير الثقافة المادية لأورشليم إبان القرن العاشر ق.م أبعد ما يكون عن الحسم أو البداهة، خلافاً لما توحي به لهجة فنكلشتين القاطعة.

لذا، يصبح الحذر واجباً عند التعاطي مع الادعاءات النصية حول مكانة أورشليم في القرن العاشر ق.م فتُظهر رسائل العمارنة (العائدة إلى أواخر العصر البرونزي)، مثلاً، أن العلاقة بين الدليل الأثري والنفوذ الذي مارسته أورشليم آنذاك لا تطرد دائماً.  ولفهم الصورة على نحو أوضح، يجادل ألبرت غلوك باستحالة دراسة تاريخ فلسطين “القديم” دراسة وافية ما لم ينعتق علم الآثار في الشرق الأوسط من ربقة “الأسطورة الكتابية”(4).

أدرك غلوك بحق أن المضامين السياسية لعلم الآثار، ولا سيما نزعته القومية، تُفضي إلى عواقب وخيمة تهدد بتقويض بنيانه كتخصص يرمي إلى تأويل الماضي. وتكاد هذه التحيزات المعرفية تنحصر في معالجة الصلات التي تربط آلية عمل البحوث الأثرية بمناهج البرامج السياسية والدينية المتمركزة إثنياً.

ولعل ما تشهده فلسطين يمثل أوضح تجلٍّ لهذا الاضطراب الديني/القومي بصبغته السياسية، والذي يتبدى عبر النقاشات المتكررة حول الأثر العميق للبحوث الأثرية.

ويخلص إلى أن العديد من القصص الكتابية محض خيال؛ فما من جماعة بشرية تُدعى إسرءيل خرجت يوماً من مصر، ولا أثر لدليل يثبت أن شخصاً يُدعى يشوع حاصر أريحا أو احتلها، ناهيك عن تدمير أسوارها بالصورة التي يصفها العهد القديم.

وقد أسهم غياب علم آثار “إسلامي” موازٍ في تمهيد الطريق لهيمنة رؤية أحادية على آثاريات المنطقة. ولانتفاء بحوث آثارية تسعى لإثبات التفسيرات الحرفية للقرآن، سعت المقاربات الآثارية التي قدمها غلوك (طوال إقامته في فلسطين حتى اغتياله) لتلبية هذه الاحتياجات، ولا سيما لمجتمع الفلاحين الفلسطينيين المهمشين. ورغم ذلك، فإن تجربة الدكتور غلوك في تعاطيه مع المآزق الفكرية لعلم الآثار الكتابي، والتي استنسخت تقاليد معرفية قائمة على الإقصاء والتحيز وتدمير الطبقات الإثنية الآثارية غير المرغوب فيها، كانت محكومة بالفشل لا محالة.

كما لم يظهر في أي عصر ملك عظيم يُدعى داود فتح أورشليم واتخذها عاصمة له، ليورّث حكمها من بعده لابنه سليمان الذي بنى بدوره معبداً أو هيكلاً للرب على تلك الرابية.

يصف النص الكتابي كيف استولى الملك داود على حصن صهيون الصغير (مقر اليبوسيين) وحوّله إلى عاصمة لدولته، وهي المكانة التي احتفظ بها الحصن طيلة عهد المملكة المتحدة الكتابية (القرن العاشر ق.م تقريباً). وبعد وفاته، ارتقى ابنه سليمان العرش، فبنى -والعهدة على العهد القديم- عدة قصور ومعبداً فخماً. ويمضي النص في وصف المدينة متغزلاً بجمالها وغناها كعاصمة لإمبراطورية عظيمة، حتى إن ملكة كبلقيس حبست أنفاسها انبهاراً بثرائها.

ولكن، ماذا تخبرنا اللقى الآثارية؟

في الواقع، لم يُعثر في القدس الحالية (أورشليم المفترضة) على أي أثر للمباني الموصوفة؛ فلا قصور، ولا هيكل، ولا بناء مستدير كالذي ذكره محرر سفر صموئيل الثاني (الإصحاح الخامس: “وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ وَسَمَّاهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ». وَبَنَى دَاوُدُ مُسْتَدِيرًا مِنَ الْقَلْعَةِ فَدَاخِلًا”). ورغم إعلان بعض علماء الآثار بين الفينة والأخرى العثور على مبانٍ، يسارعون لتبرير غياب البقية باحتمال تآكلها، أو اندثارها، أو وجودها في موقع آخر قيد البحث. والحقيقة أننا قد لا نعثر على مدينة العهد القديم الفخمة من القرن العاشر ق.م لسبب بسيط: لم تكن موجودة قط. أو لعلها كانت مدينة أشد تواضعاً؛ فكل ما نُقب عنه من تلك الحقبة لا يتعدى مباني عامة وتحصينات. كانت القدس مجرد بلدة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها 12 هكتاراً، ولا تقطنها سوى 2000 نسمة تقريباً، بله النقاش حول “تاريخية” و”صحة” اسمها المفترض “أورشليم”، وهو مبحث مستقل بذاته(5).

وليس ثمة ما يقطع بوجود ملكين اسمهما داود وسليمان، ولا حتى مملكة  موحدة عاصمتها “أورشليم” في كنعان القرن العاشر ق.م، والتي امتدت حدودها لتلامس مشارف حماة وميناء عصيون جابر الذي ضاهى موانئ العالم القديم اتساعاً ونشاطاً. وفي أحسن الأحوال، لم تكن تلك الشخصيات -إن وجدت حقاً- سوى شيوخ قبيلة رعوية صغيرة تتنقل في السهول الصحراوية، أو على حواف البوادي وتخوم الحواضر. وما نصوص العهد القديم سوى ذاكرة تضخمت وتأسطرت إبان القرن السابع ق.م لتخدم أجندات سياسية وعسكرية محددة.

يعجز علم الآثار عن إعادة خلق تلك الرموز التأسيسية، أو غيرها من الرموز الدينية التي يختلط فيها التاريخي بالأسطوري (بل إن أقصى ما يملكه هو تأويل مروياتهم، وهو أمر لا يخلو من الخلاف) لكن، في الوقت عينه، لا يمكن القطع بنفي تاريخية تلك الشخصيات، أو إنكار وجودها في عصور موغلة في القدم، وإن كان العثور على لقى تخصها أمراً غير متوقع. وعليه، يستحيل مثلاً الجزم بما يمكن نسبته شخصياً إلى إبراهيم؛ فهذا ضرب من المحال والخيال معاً.

وحتى النص الديني بصورته النهائية الماثلة بين أيدينا، والذي يحظى بمصداقية وإجماع بين المؤمنين، يعجز عن تقديم معلومات وافية وصلبة حول جماعة تُدعى “إسرءيل” عاشت في سياق الألفية الثانية ق.م في بقعة ما من جنوب بلاد الشام.

فما يقدمه النص لا يعدو كونه شذرات مبتسرة وذاكرة مضطربة غير واضحة المعالم، تفتقر إلى أي دعم خارجي، ويعكس في جوهره وقائع عصر تدوينه، معبراً منطقياً عن احتياجات معاصريه. أما التوصيفات المرتبطة بأحداث أقدم، فتقبع مطمورة بين ثنايا النص الأحدث.

وتبرز الصعوبات بمرور الوقت جراء التأويل المتحيز للقى الآثارية؛ فالآثاري لا يقارب النص بوصفه بنية أثرية، بل ينصبّ اهتمامه على الثقافة المادية المندثرة التي ربما تتجسد لاحقاً في نص مدوّن أحدث.

وبناءً على ذلك، يمكننا إعادة بناء “المادة التاريخية” لمدن مثل حَاصُور ولَخِيش وجَزَرْ ومَجِدّو، بمنأى عن التفسيرات الإيديولوجية القومية المحافظة (كتفسيرات يغال يادين)، التي تفترض، مثلاً، أن تدمير حَاصُور وقع إبان حقبة الغزو الكتابي (حوالي 1225 ق.م افتراضياً) استناداً إلى الإصحاح الحادي عشر من سفر يشوع: “10ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ وَأَخَذَ حَاصُورَ وَضَرَبَ مَلِكَهَا بِالسَّيْفِ، لأَنَّ حَاصُورَ كَانَتْ قَبْلًا رَأْسَ جَمِيعِ تِلْكَ الْمَمَالِك”.

في حين يميل باحثو اليوم إلى مقاربة هذا “الغزو” بوصفه بناءً إيديولوجياً وعظياً يعود لزمن الملك يوشيا.

وعليه، ينتفي مسوغ النظر إلى أحداث سفر الغزو باعتباره توصيفاً تاريخياً حقيقياً، أو نقلاً دقيقاً لما حل بحَاصُور. ويُرجح هنا أن سقوط المراكز الحضارية الكنعانية كان صيرورة ممتدة، لم تقع بغتة بين ليلة وضحاها، بل استغرقت قرابة قرن ونصف، كما تشي الدلائل الآثارية في حَاصُور ومَجِدّو ولَخِيش وغيرها؛ بدءً من دمار حَاصُور منتصف القرن الثالث عشر ق.م، وصولاً إلى تدمير لَخِيش ومَجِدّو قرابة 1130 ق.م.

وهذا ما تؤيده السجلات التاريخية والنصوص غير الكتابية، إذ يُجمع المختصون على أن الدمار يندرج ضمن سلسلة أحداث عصفت بالساحل الشرقي للمتوسط بأسره أواخر العصر البرونزي.

وحتى لو تفاءلنا بافتراض استقرار الجماعات المسؤولة عن هذا الدمار لاحقاً في هضاب فلسطين الوسطى ومرتفعاتها، سعياً لربط حَاصُور بـ “طلائع الإسرءيليين”، فلن يعدو الأمر كونه تصوّراً باهتاً يزخرفه المخيال الديني القومي. إذ لا نملك دليلاً يثبت وجود جيش بالحجم المذكور في النص، يأتمر بأمر قائد واحد، ويفلح في غزو “كنعان” وفتحها وتدمير مدنها؛ خاصة وهو جيش قاسى التيه في صحراء قاحلة لقرابة نصف قرن، وعانى الأهوال قبل بلوغه مشارف كنعان وموت نبيه وملهمه الأول هناك!

وللخروج من هذا المأزق، يلجأ البعض (ومنهم يادين نفسه) إلى الاستدلال الدائري[6.الهوامش] تأسيساً على قاعدة “غياب الأثر لا يعني غياب الحدث”. فاليهود، مثلاً، يحرمون أكل لحم الخنزير، ولذا إن عُثر على عظام خنزير، يصح القول إنها تعود لموقع غير إسرءيلي/يهوذي.

ولكن، ماذا لو عُثر على عظام خنزير في موقع يُعتقد أنه إسرءيلي؟

هنا يتدخل التأويل الدائري، كما فعل يادين تماماً حين عثر على عظم خنزير في قلعة “مسادا” (تل الصبة)، فصنّفه كأضحيات قدمها الرومان المهيمنون على المنطقة. وحين اكتشف ضمن اللقى عظام شخص دُفن بطقوس معينة، استرشد بما أورده يوسيفوس في “حروب اليهود” ليثبت تاريخية الحدث. وما هذا إلا تفكير رغبوي يُسقط ما في الخيال على النص، ثم يسحب ما في النص على أرض الواقع.

وينسحب هذا على مطالعتنا تاريخ مدينة مَجِدّو، التي عُدت كبرى المواقع المحصنة في العصر البرونزي بمساحة تناهز 60 هكتاراً (وإن كان تاريخ المدينة يعود، في حقيقته، إلى مشارف الألفية الرابعة ق.م).

إن بروز مدينة بحجم مَجِدّو، وفق توصيف علم الآثار الكتابي والقومي الإسرائيلي، يستدعي حتماً وجود كثافة سكانية معتبرة لإنجاز المهام المتنوعة وتدبير شؤون المعيشة اليومية؛ إذ لا يُعقل أن ينهض 400 أو 500 شخص، مثلاً، ببناء صروحها الشاهقة. وعليه، لا بد أن مَجِدّو امتلكت صلات وثيقة بالريف المحيط بها، بل ومارست هيمنة عليه لاستجلاب العمال المهرة لبناء التحصينات وصيانتها والدفاع عن المدينة وقت الملمات. وتُظهر المعطيات الأثرية أن المدينة ازدهرت إبان العصر البرونزي المتأخر (1550-1150 ق.م) ضمن ما يُعرف بـ “مَجِدّو الكنعانية”، قبل أن يطالها الدمار في القرن الثاني عشر ق.م.

غير أنه لا يمكن القطع بهُوية مدمر المدينة؛ أكانوا شعوب البحر؟ أم جيشاً كنعانياً آخر؟ أم غزواً داهماً من بعيد أو من مملكة مجاورة؟

ومهما تكن الإجابة، فالأرجح ألا يكون الفاعلون هم الإسرءيليون القدماء؛ إذ يتعذر الجزم بوجودهم أصلاً في ذلك الحين، أو حتى تمييزهم كجماعة، سواء طابقناهم مع العابيرو أو الشاسو أو أي من سكان القرن الثاني عشر ق.م. وإذا استقام الحال على هذا، توجب علينا، إذن، التخلي عن أمل إعادة بناء تاريخ الحقبة ما قبل الهلنستية في فلسطين بالاستناد إلى مرويات العهد القديم وحدها. فأي تاريخ يُكتب وفق هذا المنظور سيكون تاريخاً مختلقاً جرى تجميعه من إشارات معدودة، تروي “أشياء” ربما حدثت حقاً أو كانت قائمة، وربما لا.

ويتطرق فنكلشتين، في هذا الصدد، إلى ما يسميه “الأدلة الظرفية” Circumstantial Evidence (أي الأدلة غير المباشرة)، وهي التي تتيح للباحث الاستنتاج أو الافتراض استناداً إلى السياق المحيط في حال غياب الأدلة المباشرة أو الصريحة.

ويوظف هذا المفهوم عند الحديث عن تلك الأدلة في تقويم طبيعة موقع “شِيلُوه”، مستنداً إلى المعلومات المتاحة حول المواقع المحيطة، وأنماط البناء، والتحليلات التاريخية، لتعويض غياب دليل مادي مباشر مثل هيكل معبد واضح أو نقوش تؤكد الاستخدام الطقسي للموقع… وما إلى ذلك.

وبالمقاربة ذاتها، يستند فنكلشتين إلى نقش ميشع لبيان وجهة نظره حول مؤاب إبان القرن التاسع ق.م، والتي خاضت صراعاً وتنافساً مع بيت عُمْري/إسرءيل، ومع آرام دمشق، ومَجِدّو، وتْعَنِّك للسيطرة على سهول الجليل/يَزْرَعِيل. ورغم كون هذه المناطق بؤرة نزاع آنذاك، يصعب القول بـ “إسرءيليتها”. لكنه يزعم بعبارات قاطعة عن عظمة إسرءيل التي لا مثيل لها، ويعتقد بإمكانية تفسير توسع أورشليم العمراني نحو التلال الغربية، في حقبة ما من القرن السابع ق.م، عبر استقراء موجة لجوء جماعية من السامرة المحاصرة آنذاك، والتي ما لبثت أن سقطت في الربع الأخير من القرن الثامن ق.م.

يؤمن فنكلشتين بأن قصة الملك داود في نصوص العهد القديم تمثل بالنسبة لليهود “رمزية السيادة الإقليمية على الأرض، تماماً كما تمثل أسطورة الإمبراطورية بالنسبة للمسيحيين؛ فضلاً عن أن داود، في المنظور الإسلامي، نبي صالح مهّد لمحمد ويرتبط مباشرة بيسوع والمسيحية. وعليه، فإن قصة هذا الملك العبراني لا تشكل الحدث الأهم في الكتاب المقدس فحسب، بل في (ثقافتنا) بأسرها”(6).

في المقابل، يجادل أصحاب الاتجاه التقليلي) بأن معظم المواد الكتابية، إن لم يكن كلها، هي من نتاج الحقبة الفارسية أو الهلنستية (القرنين الرابع والثالث ق.م)، ولا تمت بصلة لما يمكن وصفه بـ “التاريخ الحقيقي لإسرءيل المبكرة”. وعليه، ليس لهذه النصوص أي قيمة تاريخية في فهم إسرءيل خلال العصر الحديدي. وبين هذا الطرح وذاك، يرى فنكلشتين أن مادة النص دُوّنت في أواخر “الحقبة الملكية للإسرءيليين القدماء” لتعكس وقائع ذلك العصر المتأخر (أي القرن السابع أو ربما الثامن ق.م)، وتخللتها نصوص تحمل ذكريات وتقاليد من عهود سابقة تسربت إلى المتن.

ووفقاً لهذا الرأي، فإن أقدم نصوص الكتاب المقدس العبري لابد أن تكون قد تشكلت في أوائل القرن الثامن ق.م. وبلغت الذروة (في يهوذا أواخر العصر الملكي وإثر تدمير أورشليم) مداها الأقصى في بابل على الأرجح، كما توجد نصوص عديدة تعكس فعلياً وقائع القرن الثاني ق.م.

ويزعم فنكلشتين (على غرار الآثاري الكتابي الأمريكي وليم ديفر) النأي بالنفس عن “علم الآثار الكتابي” الذي أرسى دعائمه الأمريكي ويليام أولبرايت. وأياً يكن التقدم الذي أحرزه علم الآثار منذ إسهامات أولبرايت الأولى قبل قرن من الزمان؛ فإننا بالكاد نلمس ابتعاد فنكلشتين المنهجي “المزعوم” عن مسارات “علم الآثار الكتابي”. فمساعيه الحثيثة في استنساخ أساليب أولبرايت لربط علم الآثار الفلسطيني بالمرويات الكتابية أنتجت تناقضات ذات مغزى سياسي.

ويضعنا هذا الاستنباط إزاء تساؤلات ملحة، خاصة إذا وضعنا في الحسبان إصرار فنكلشتين الدؤوب على هذا الزعم ذي النزعة الكتابية: لماذا كان على  لاجئي الشمال(إن وجدوا حقاً) البحث -إثر سقوط مملكتهم- عن ملاذ آمن في أحضان ألد أعدائهم وأكثرهم غدراً؟

لا يسعنا هنا، مهما حسنت النوايا تجاه فنكلشتين وغيره، أن نغض الطرف عن التناقض العميق -والمثير للشفقة والسخرية معاً- الذي يرسموه (راجع في هذا الخصوص كتاب فنكلشتين وسيلبرمان: التوراة مكشوفة على حقيقتها)؛ ألا وهو التناقض بين الأدلة الأثرية التاريخية المحدودة التي تدل على مملكة يهوذية سابقة للقرن الثامن ق.م، وبين القصة الكتابية المتضخمة حول المملكة المتحدة لداود وسليمان. وربما حريّ بنا الإشارة إلى أن سردية سفري الملوك، التي نسجت القصة التراجيدية حول جنون سليمان، تستمد حبكتها الأساسية من ثيمة مألوفة في تراث الشعوب القديمة وأساطيرها: ثيمة الوحدة والانقسام، وفق ما قرأها توماس طومسون (7).

فجزئية “العظمة” -سواء تعلقت بالمملكة أو ملوكها أو شعبها- لا تشكل محلاً هندسياً قابلاً للسحب والإسقاط على قصة داود، كما هو الحال في القصة المأساوية لصعود سليمان وسقوطه. وتتجاوز قصة داود مسارات الاستيلاء على السلطة المعهودة في سفري الملوك؛ ولا سيما الجزئية التي توظف “عذاب الماضي” كصورة نمطية متكررة في ثيمة “شهادة الملك الطيب” أو “المستبد العادل”.

ويعزز هذا كله التناقض الذي يساور فكر فنكلشتين حين يقارن بين أدلة التوطن المحدودة في مرتفعات “يهوذا” في القرن العاشر ق.م ومطلع القرن التاسع ق.م، وبين التوطن الواسع في الهضاب التي رفدت باكراً حاضرة بيت عُمْري

4.عن هذا الكتاب

في هذا الكتاب، يبني إسرائيل فنكلشتين معماره الجدلي على سلسلة محاضرات ألقاها في “كوليج دو فرانس” (Collège de France) في شباط 2012، لتُنشر في العام التالي بعنوان “المملكة الكتابية المنسية” (Le Royaume biblique oublié). وتتوزع مادة الكتاب على سبعة فصول تستقصي حقبة حاسمة من تطور المشرق القديم، تمتد من أواخر العصر البرونزي الثاني والثالث حتى انقضاء العصر الحديدي الثاني (IIB) (بين 1350 و720 ق.م تقريباً).

نشر إسرائيل فنكلشتين، منذ تسعينيات القرن الماضي، مؤلفات جمة تتقاطع مباشرة مع آثار فلسطين القديمة وتاريخها. ويوظف بصفته آثارياً، الحجج الميدانية لفك شيفرات التأويل الكتابي. غير أنه لا مناص من الإقرار بقصور يعتري مقاربته حين يتناول رموزاً كتابية مفصلية كسليمان ويوشيا وغيرهما من جهة، وعندما يناقش “آثاريات المشهد المكاني” وتصنيف المواقع من جهة أخرى. فسرعان ما يضع معول الآثاري ليتلقف قلم المؤرخ، مطلقاً العنان لخياله الخصب في “إعادة” كتابة تاريخ إسرءيل القديمة كما رسمته الإيديولوجية “اليهوذية” في القرن الثامن ق.م.

ويخلص -وإن انطلق من افتراضات آثارية ونصية وتاريخية- إلى أن “ظهور” فكرة “عموم إسرءيل” (بني إسرءيل) يستند إلى أساطير قومية مؤسسة؛ يتصدرها، في رأيه، سلسلة قصص سيرة يعقوب المبكرة في سفر التكوين، والتقاليد المرتبطة بنزوح جماعي وتيه صحراوي يرجح وقوعه أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد. (الفصل السادس).

تهيمن على محتوى الكتاب الذي بين أيدينا-في معظمه على الأقل- أطروحة مركزية ترجع أصول ما حفظته النصوص الكتابية عن مملكة إسرءيل الشمالية إلى القصص الشفوية والمرويات التي حملها اللاجئون الفارون جنوباً نحو يهوذا أواخر القرن الثامن ق.م، هرباً من الزحف الآشوري.

وتؤطر هذه الفرضية مسعى المؤلف لإعادة بناء التاريخ السياسي والاجتماعي للمملكة الشمالية؛ إذ يؤكد أن هذه التقاليد التاريخية، المتناقلة شفاهياً عبر الأجيال، جُمعت وأعيدت صياغتها ضمن أعمال أدبية خطّها كتّاب يهوذيّون من “أورشليم” أواخر العصر الحديدي. لتكتسي بذلك لبوساً إيديولوجياً يهوذياً مهيمناً، يروّج لشرعية بيت داود، ويُفكك منهجياً المزاعم السياسية والثقافية الأصلية المنسوبة للتقاليد الشمالية بغية إضعافها.

ويستوجب هذا “التحريف”، في نظر فنكلشتين، الاحتكام إلى السجل الأثري بوصفه خياراً أجدى، بل والشاهد الزمني الحقيقي الأوحد لتدوين تاريخ إسرءيل تدويناً يقارب الوقائع، خاصة ما اتصل منها بالأطوار التكوينية للمملكة الشمالية. ويزعم إمكانية بناء تاريخ لهذه المملكة بمنأى عن المؤثرات الإيديولوجية اليهوذية، مستنداً إلى معطيات أثرية تحدّ من سطوة التأويل اللاهوتي  الكتابي المفروض.

ومتى تضافرت هذه المقاربة الأثرية مع نصوص الشرق الأدنى القديم، وإشارات كتابية “أصيلة ومجردة من الدعاية”، أمكن للمؤرخ إنتاج سردية تاريخية أكثر توازناً لـ “إسرءيل القديمة”، ولتاريخ المملكتين العبريتين عموماً، عبر الاستنطاق النقدي للثقافة المادية.

ويسوق فنكلشتين ثلاثة أمثلة تبرز إسهام علم الآثار في تقصي “إسرءيل التاريخية” في بواكيرها:

  • الدليل الأثري على أهمية موقع شِيلُوه (أواخر القرن الحادي عشر ق.م ومطالع القرن العاشر ق.م) واندثاره لاحقاً إثر العصر الحديدي الثاني.
  • بروز جماعات مهاجرة خلال العصر الحديدي الأول، جابت حواف المناطق الحضرية النامية، قبل أن تتوارى في العصر الحديدي الثاني تزامناً مع الكثافة السكانية التي شهدتها تلك المناطق.
  • معطيات الثقافة المادية الموثقة لصعود مدينة “غَتْ” الفلستية (تل الصافي) في القرن التاسع ق.م، واضمحلالها خلال القرنين التاليين.

ويستخلص من هذه الأمثلة ما يُثبت “أقدمية” أجزاء بعينها من القصص الكتابية المرتبطة بها؛ دلالة على احتفاظ النص بروايات متأخرة أعادت صياغة أساطير وحكايات، لتصبح لاحقاً (وعبر حِقب متباعدة) منطلقاً لسرديات “كتابية” تعكس طبقات زمنية وذكريات عن ماضٍ أقدم. وتماهت تلك التقاليد تدريجياً ضمن إيديولوجيا المؤلفين، على نحو يصعب عزلها وتحليلها دون جهد وأدوات نقدية بالغة الصرامة.

ومن هنا، يقترح فنكلشتين منهجاً أولياً يقرأ التاريخ الكتابي انطلاقاً من “نقطة الالتقاء”؛ المتمثلة برأيه في زمن جمع النص أواخر الحقبة الملكية (المرجح في عهد الملك يوشيا). وينأى بذلك عن مقاربات التقليليين التي تُرجع النص للأزمنة الفارسية أو الهلنستية، كما يفترق عن المدرسة الأنكلو-أمريكية التقليدية التي تعود به إلى مطلع القرن العاشر ق.م.

ويستند في ترجيحه هذه اللحظة، كمنطلق لبناء التاريخ المبكر للمنطقة (لا سيما سوريا الكبرى وفلسطين)، إلى أدلة أثرية تثبت ازدهار يهوذا إبان عهد يوشيا، وتطور مؤسسات الدولة، وتنامي أنشطة الكتابة والتدوين.

يسلط الفصل الأول الضوء على الكيان السياسي لمدينة شَكِيم خلال العصر البرونزي المتأخر، وعلى دويلات المدن الكنعانية أواخر العصر الحديدي الأول؛ بغية تعميق فهم أنماط التوطن والسيرورات الإقليمية السابقة لظهور المملكة الشمالية في العصر الحديدي الثاني (IIA).

وتبرز هنا بوضوح ملامح “الكرونولوجيا المنخفضة” (Low Chronology) التي يتبناها المؤلف(وهو نظام تأريخي تصحيحي اقترحه فنكلشتين؛ يزيح المرحلة الانتقالية للعصرين الحديدي الأول والثاني نحو أواخر القرن العاشر ق.م (بدلاً من 1000 أو 980 ق.م)، ويؤخر نهاية العصر الحديدي الثاني (A) إلى أواخر القرن التاسع ق.م عوضاً عن 925 ق.م التقليدية)؛ إذ يحدد نهاية العصر الحديدي الأول في العقود الأخيرة من القرن العاشر ق.م، مؤكداً تعافي مواقع شمالية (مَجِدّو، وتل قِنِّيرِت، وتل رَحُوب) من دمار العصر البرونزي المتأخر. وعاودت نهوضها ضمن نظام سياسي محلي جديد لدويلات مدن كنعانية، أطلق عليه “كنعان الجديدة” (New Canaan).

بيد أن هذا النظام سرعان ما تفكك خلال القرن العاشر ق.م، مرجحاً أن غارات شنتها جماعات غامضة قادمة من المرتفعات المجاورة قد أضعفت البنية السياسية ومهدت لتحولات المشهد الإقليمي.

يحرص فنكلشتين، منذ البداية وإن على نحو غير مباشر، في إزاحة الحجج والروايات المناهضة لتصوره عن نشأة “مملكة إسرءيل”، ليبني مشهداً بديلاً لتاريخ فلسطين القديمة؛ يبتعد فيه عن شكل الرواية الكتابية التقليدية دون المساس بمحتواها. فيعيد ترتيب الوقائع وفق المعطيات المادية والآثارية، عبر سرد موازٍ يبدأ شمالاً وينحدر نحو الهضاب الوسطى (مركز السردية الكتابية)، متتبعاً أطوار العصر الحديدي وفق التقسيم التقليدي.

وتكتسب هذه الحقبة أهميتها الحاسمة من دورها في إنتاج التأويلات الكتابية؛ فيجري احتكار الحدث التاريخي -غالباً- لمصلحة جماعة معينة وكيان محدد تُنسب إليه جذور السردية المقدسة.

يتخذ المؤلف من القرن العاشر ق.م نقطة انطلاق لكرونولوجيا المملكة الشمالية المبكرة، مكرساً اهتمامه لبيت شاؤول (الفصل الثاني) بوصفه التجلي الأول لكيان إقليمي شمالي إسرءيلي. ويُفرد مساحة لمنطقة الهضاب، من جبعون إلى بيتئيل، فيرصد فيها الظهور المباغت لتحصينات ذات غرف متجاورة على هيئة استحكامات دفاعية (casemate fortifications) ترقى لأواخر العصر الحديدي الأول وبواكير العصر الحديدي الثاني، وسرعان ما تهجر هذه المواقع.

ويربط ظهور هذه الاستحكامات بـذكريات كتابية غامضة عن الأسرة الشاؤولية، فيعتبر التخلي المفاجئ عنها نتيجة لحملة الفرعون شيشنق الأول.

كما يحلل تمدد كيان جبعون/جبع المرتبط ببيت شاؤول شمالاً نحو سهل يَزْرَعِيل كتهديد للمصالح المصرية، مما استجلب حملة التدمير الفرعونية. ويرى في معركة جبل جلبوع (صموئيل الأول 30–31) انعكاساً لهذه الحملة، نافياً مقتل شاؤول على يد الفلستيين، كما تروي النصوص، مؤكداً سقوطه في سياق الهجوم المصري. كما يدحض الإشارة الكتابية لتقديم رَحَبْعَام الجزية لشيشنق (الملوك الأول 14: 24–25)، ويعدها اختلاقاً متأخراً.

ويمتد تشكيكه للتسلسل الزمني لحكم شاؤول وداود وسليمان؛ مفترضاً معاصرة بيت شاؤول (شاؤول وإِيشْبَعْل) مع الفرعون شيشنق الأول، ومرجحاً تنصيب يَرُبْعَام الأول في تِرْصَة بأمر مباشر من شيشنق.

ويتناول في الفصلين الثالث والرابع حقبة كيان تِرْصَة وسلالة العُمْرِيين (بين 931 و842 ق.م تقريباً). ويستنتج من خلو العاصمة تِرْصَة من العمارة الضخمة والتحصينات، اقتصارها على كونها مركزاً لزعيم محلي بسط نفوذه على المرتفعات من تلال بنيامين إلى سهل يَزْرَعِيل وجزء متواضع من شرق الأردن.

في حين يمثل صعود العُمْرِيين التبلور الأول لكيان إقليمي شمالي قوي، تجلى أثرياً بعمران ضخم شمل السامرة ويَزْرَعِيل، وامتد لسويات حَاصُور (X) وجَزَرْ (VIII) ومواقع أخرى. ويُنسب للعُمْرِيين بناء مواقع في شرق الأردن، وتأسيس مملكة امتدت من ساحل المتوسط إلى عمق الأردن، وربما توغلت شمالاً في الأراضي الآرامية، ولم يكسر شوكتهم سوى حَزَائِيل ملك دمشق.

كما يزاوج بين المعطى الأثري والتأويل النصي، ليستدل بحضور اللقى “الإسرءيلية” أو غيابها في وسط فلسطين وشمالها على نشوء كيانات سياسية “إسرءيلية”؛ تُحاكي في نشأتها وعسكرتها أحداث عصر العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م)، أو مآلات لاحقة كصعود فخر الدين المعني وظاهر العمر.

ويستعرض مواقع العصر الحديدي (القرن التاسع ق.م) فيصفها بلسان آثاري خبير، ويضفي عليها سمات يربطها بطريقة تعسفية بالتأسيس العُمْري للمملكة الشمالية وعاصمتها السامرة (سبسطية).

وإن اعترف بتضارب النص الكتابي حول تلك الحقبة، فيفسره بالبون الزمني الشاسع بين الحدث وتدوينه مما تسبب في تشويه الذاكرة الجمعية،  فضلاً عن أنه يغمز من قناة المؤلف “اليهوذي” بتحامله على المملكة الشمالية وحكامها.

غير أن مقاربته للولاءات السياسية آنذاك تفضحه؛ إذ ينظر إليها بعين سياسي صهيوني معاصر-وإن لم يصرح بذلك-. فحين يصف سعي الأسرة العُمْرية لإحكام السيطرة وإثبات الشرعية بـ “التغلب على السكان المحليين وحتى الإفراط في تخويفهم”، يخال القارئ أنه يستمع لأحد قادة مجالس المستوطنات في الضفة الغربية، وليس إلى  “عالم” آثار رصين.

يفرد الفصل الخامس للقرن الأخير من عمر المملكة الشمالية، خلال النظام الجديد الذي أرساه حَزَائِيل. فمع انحسار هيمنة دمشق مطلع القرن الثامن ق.م، إثر حملات أَدَدْ-نِيرارِي الثالث الآشوري، حظيت المملكة الشمالية بتوسع وازدهار استثنائيين؛ ولا سيما في عهد يَرُبْعَام الثاني (788–747 ق.م). فأعيد تنظيم الطقوس، وازدهرت التجارة، وتطورت البيروقراطية الإدارية مما تتطلب تطوراً في التدوين. ولكن بوادر الأفول لاحت أواخر عهده، لتُتوج بالنهاية على يد آشور (بين 722 و720 ق.م).

ويواصل المؤلف، وسط هذا الزخم، بحثه المحموم عن أصول إسرءيل، متجاهلاً النقد الأثري والتاريخي. ورغم إخفاقه في العثور على كسرة فخار واحدة تدل على مملكته الشمالية والجنوبية تباعاً، يُصر على إسباغ صفة الثقافة المادية الإسرءيلية على سويات حَاصُور (VI–V) ودان (III–II). بل ويجزم بـ “أسرلة” دان في النصف الأول من القرن الثامن ق.م، متخذاً من تحطيم نصب تل دان الذي أقامه حزائيل دليلاً على دعواه!

تنفرد فصول الكتاب الأخيرة (السادس والسابع والخاتمة) بتأملات موجزة في شرح الدلالات الأوسع لإعادة البناء التاريخي المقترحة، خاصة تقاليد الكتاب العبري. فيسلط الفصل السادس الضوء على أساطير التأسيس للمملكة الشمالية، من خلال الحديث عن سيرة يعقوب وتقاليد الخروج.

ورغم تدوين سيرة حياة يعقوب في القرن الثامن ق.م، لكن فنكلشتين يردها إلى أواخر العصر الحديدي الأول (القرن العاشر ق.م)؛ حين تبلورت الهُويات في الهضاب الوسطى  للمملكة.

أما تقاليد الخروج، فيعدها انعكاساً لذكريات من القرن العاشر ق.م، امتزجت بالتجربة التاريخية لغزو شيشنق الأول لجنوب بلاد الشام.

يطرح في الفصل السابع تساؤلاً محورياً عن سبب تبني الأدبيات اليهوذية روايات اللاجئين الشماليين، رغم تمجيدها إسرءيل على حساب يهوذا؟ ليجيب بأن هذا العمل أملته حاجة الكتّاب اليهوذيين لمخاطبة الكتلة الديموغرافية الشمالية الواسعة التي استوطنت يهوذا عقب دمار مملكتهم.

ولئن بدت معظم الأفكار مألوفة لمتابعي فنكلشتين، فإن إسهامه الأبرز هنا يكمن في تقديمه توليفة كبرى ومتماسكة لحججه الممتدة عبر مسيرته. إذ تتجلى درايته العميقة بالسجل الأثري لشمال فلسطين، وبراعته في قراءة الثقافة المادية، كحِرفي ماهر يُعيد صقل أفكاره القديمة وتأطيرها بعد عقود من البحث (انظر ملاحظاته الشخصية في المقدمة). كما لا تخلو استنتاجاته من جرأة تصادمية؛ كاعتقاده بانعدام نشاط التدوين في إسرءيل أو يهوذا قبل القرن الثامن ق.م، ما يعني أن الإشارات الكتابية للأزمنة الغابرة تستند لتقاليد شفوية “مبهمة” أو ذكريات “مشوشة”.

غير أن نبرته الواثقة تصطدم بتساؤلات جوهرية؛ فرغم شح النقوش في العصرين الحديدي الأول والثاني (I–IIA)، إلا أن اللقى المكتشفة تؤكد وجود نشاط تدوين. وحصرها في أسطح متينة (رؤوس السهام وشظايا الفخار والصخور) يُوجب التروي قبل إصدار أحكام واسعة بشأن طبيعة وحجم الكتابة آنذاك، خاصة أن العديد من النصوص دُوّنت على مواد قابلة للتلف كالبردي، لم تترك أثراً في السجل الأثري.

كما أن غياب النقوش الملكية باللغات “السامية الغربية” قبل القرن التاسع ق.م لا ينفي التدوين برمته، بل يعكس ببساطة غياب الدافع لتقليد الخطابة الإمبراطورية الآشورية حينها.

يزداد موقفه التباساً إقراره وجود جهاز بيروقراطي في تِرْصَة مطلع العصر الحديدي الثاني (IIA)، بدلالة الأختام المكتشفة هناك (الفصل الثالث). وتثير أحكامه التاريخية الواسعة حول مصادر النص وتاريخ تدوينه دهشة حقيقية، لا سيما أن عملية التدوين ذاتها تظل غير مرئية لنا جزئياً. ويضاف إلى ذلك اضطراب تسلسله الزمني المقترح للقرن العاشر ق.م؛ فتارةً يبدأ العصر الحديدي الثاني المبكر في “العقود الأخيرة” من هذا القرن، وتارةً في “مطلع النصف الثاني” منه، تبعاً لإعادة تأريخ حملة شيشنق. وتتعقد الصورة بالعودة لأعماله الأخرى، حيث يُنهي العصر الحديدي الأول في سهل يَزْرَعِيل خلال النصف الأول من القرن العاشر ق.م (8).

وتغيب سمات التدرج والدقة عن هذا العمل؛ إذ يجري إضفاء صفات “الموضوعية” و”التوازن” على علم الآثار، وأما النصوص الكتابية فتوسم بالشحن الإيديولوجي المطلق. والنتيجة هي سرد تاريخي جاف، يُختزل في تحركات قادة مثل شيشنق وحزائيل وتغلات بلصر، بوصفهم المحركين الفعليين للتاريخ ومُلهمي النصوص الكتابية، لا سيما في الحقبة السابقة لسقوط إسرءيل.

يحيل التركيز على “الدولة القومية” و”الشخصيات” الكبرى عمل فنكلشتين إلى قوالب التأريخ المبكر لإسرءيل القديمة؛ فالحكاية ذاتها تُروى، لا تتغير فيها سوى أسماء الفاعلين. ولعله كان أجدر به الإفصاح عن التزاماته التأويلية (الهرمنيوطيقية)، لتبيان مقاربته لمزالق تمثيل الماضي، والتوترات الكامنة بين المعطى المادي وادعاءات النصوص.

5.حين يغمّس الآثاري خارج صحن التاريخ

يُقال، على سبيل العظة، إن هذا العالم المتحول يلفظ الأفكار الجامدة والمفاهيم والتعميمات المطلقة؛ إذ لم يعد التشبث بالمسلّمات الذهنية، وادعاء نهائيتها، مقبولاً في الميزانين الأخلاقي والمعرفي. وأمست مراجعة تصوراتنا ومفاهيمنا ضرورة إنسانية ونفسية؛ تحتمها الحاجة إلى صياغة الذات الاجتماعية الفاعلة كائناً يحضر في قلب العالم، وذاتاً تتخلق بالتفاعل مع الواقع، لا بالانفصال عنه.

ونفهم من هذا المنطلق مقولة بول فاليري: “نحن لا نفكر إلا على أساس النماذج”. ويُقصد بها التمثل الذهني لفكرة أو أفكار عدة، وآلية عملها في العقل والحيز متى نضعها في قالب أو نموذج. وتضطرنا هذه الحالة إلى محاكاة هذا النموذج اصطناعياً، لننظم فكرنا ونبلغ غايتنا، محتكمين إلى صور ذهنية تتيح لنا تركيبه وتقليده. فينحصر النسق المدروس افتراضياً (وهو هنا تاريخ فلسطين القديم) بآلية تمكّن الباحث من إعادة تشكيله، متى عجز عن البرهان على صحته، أو واقعيته، أو “تاريخيته”.

ولعل هذا الأساس عينه هو ما شيّد عليه المؤرخون والآثاريون فهمهم وتصورهم لمملكة “إسرءيل القديمة”؛ فتخيلوها دولة “قومية” تضاهي دولهم الحديثة، تسيّجها حدود طبيعية أو جمركية، وتجمع سكانها رموز مشتركة (اللغة، والدين، والتاريخ السردي بقِسميه التاريخي والأسطوري، والمركز الديني أو القومي الاقتصادي المقدس).

فيقف الإسرءيليون بمواجهة سكان الأرض الأصليين، الذين وُصم سلفهم “كنعان” بلعنة نوح القديمة. وما إن تصبح كنعان “أرض إسرءيل”، حتى يُختزل الكنعانيون في شعب مطرود من الرحمة، تحيق به لعنة جد قديم مجهول، غابت حتى ملامح مسكنه ومقامه. وقسّم محرر النص هؤلاء السكان جغرافياً وإثنياً لخدمة أغراضه السياسية؛ فجعل بعضهم كنعانياً، وبعضهم الآخر “فلستياً”، ووزّع البقية بين آراميين، أو مؤابيين، أو أدوميين، بل وحتى “عابيرو”… وما إلى ذلك.

سوف تُطلق هذه الأجندة القومية الآثارية مجازَ “ميراث الأرض”؛ فتسبغ على فلسطين العصر الحديدي (وفق التصور الكتابي التقليدي) صفة الإرث الإسرائيلي، وتطبع العصر البرونزي بالإرث “الفلسطيني”. لتجردهم، تبعاً لذلك، من أي حق إرثي في “أرض إسرائيل” (التي تُمثّل هنا فلسطين العصر الحديدي!)، وتجعلهم، في واقع الأمر، مجرد ورثة لكارثة إبادة جماعية وتأريخية، تحظى بمباركة إلهية وأدبية!

ولا يجدي، والحال هذه، أي نقاش حول أسبقية الاسم (للشعب أم للأرض)، سواء في اللغة، أو الأدب، أو النص الديني، أو حتى في النقوش التي أظهرته؛ متى ابتغينا النقد البناء للأفكار المطروحة في هذا السياق، والتي استحالت منهجاً قائماً منذ قرنين تقريباً، ليغدو واقع الحال هنا شديد الالتباس.

يلبس الماضي قالباً سياسياً بخلفيات معاصرة (كما هي حال علم الآثار القومي الإسرائيلي)؛ فيتيح تحويل أسماء كتابية متناثرة إلى علامات تاريخية تُمنح وجوداً حقيقياً “مفترضاً بالنص”. ويُستحضر اسم الكنعانيين في الكتاب المقدس، مثلاً، ليدل على شعب وهوية وتراث بعينه، وفق وصف العهد القديم.

يسهل هذا الافتراض على محرر النصوص تحويل “المجاز الأدبي” إلى حقيقة واقعة، فيرسم “الإسرءيليين” و”الكنعانيين” فرعين لعائلة واحدة، يؤديان وظيفة أدبية فعالة ومفصلية تخدم مجازاً يسميه توماس طومسون: “الشعوب الأصلية”، و”أصل كل شيء”، و”أسبقية شعب على آخر”، و”أحقية” شعب بالأرض دون سواه. فتعرف “الأرض الموعودة” في القاموس الكتابي بوصفها “أرض إسرءيل”.

في هذا الركن من العالم (شرق المتوسط، وفلسطين تحديداً)، تتقاطع السرديات الكبرى، ويتنازع الخطاب السياسي دلالات “القديم” و”الحديث” في إطار لغوي استهلاكي مبتذل يلوك الفكرة ونقيضها. وهنا، ينهض إسرائيل فنكلشتين متجاوزاً عباءة عالم الآثار التقليدي؛ ليقدّم نفسه، بكل وضوح، حارساً أميناً للرؤية الصهيونية الأولى؛ تلك التي تمزج الأسطورة بالتاريخ، وتعيد إنتاج فكرة “أرض إسرائيل” وطناً حصرياً لـ “الشعب اليهودي”.

ورغم إعلانه الانتماء لتيار الوسط في الخريطة السياسية الإسرائيلية، لا ينفك يردد شعارات “السلام مقابل الأرض”؛ وهي صيغة جرى تدويرها سياسياً لتصير أقرب ما يكون إلى تبادل الأدوار بين المعتدي والضحية، منها إلى اتفاق متكافئ يجمع طرفين.

ولما كانت ذخيرة جهده تنصب على تبرير “حق الوجود لدولة يهودية في أرض الكتاب المقدس… الوطن القديم للشعب القديم”، يصبح جلياً أن أشد ما يفزعه، وهو مستلقٍ على أريكة بيته، مشهد الاضطرابات “المرعبة” التي تبثها شاشات التلفزة عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (متغافلاً، بالطبع، عن فظائع جيشه هنا هناك على كامل مساحة الشرق)، وما يرافقها من ردود فعل عالمية.

ويتفاقم قلقه متى وجد نفسه عاجزاً عن “تقديم العون” لهذه البقعة الجغرافية المحفوفة بالمخاطر، والتي بات ينتمي إليها وتذكيرنا بأن هذه الاضطرابات تُشعره بتهديد يطال تراثه التاريخي.

واظب فنكلشتين، طوال العقود الماضية، على تصدر واجهة الدراسات والبعثات الآثارية الميدانية والأكاديمية في فلسطين المحتلة، مسترشداً بما يُعرف في الأوساط المختصة بـ “علم الآثار التوراتي أو الكتابي”. غير أن نشاطه يكتسي صبغة “تجديدية” تتصدى بصرامة لمحاولات إضفاء المصداقية والراهنية المعرفية على نصوص العهد القديم بوصفها وثائق تاريخية.

ويجادل، بذكاء يُحسد عليه، بأن دراسة الاكتشافات واللقى الآثارية المرتبطة بالأحداث الكتابية، وتصنيفها، وتأويلها، لا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان. ويوقن أن المفتاح الأنسب لمقاربة علم الآثار الكتابي وتاريخ نشأته يكمن في إدراك ما يدور في كواليس الأبحاث الكتابية المعاصرة.

وعليه، لا ينبغي قراءة البحوث الآثارية الكتابية بسطحية تماثل قراءة الصحف اليومية؛ إذ تفضح هذه النظرة قصوراً في إدراك تعقيد النص، وتبخس جهود العلماء والباحثين حقها. ناهيك عن تعامي هذا النمط من القراءة عن المسائل الإيديولوجية واللاهوتية التي واكبت نشأة هذا الحقل الآثاري.

في المقابل، لا يستوجب الأمر، كما يزعم فنكلشتين، الغوص المفرط في لجج التحليل والتأويل؛ فالبساطة أمارة الحقيقة. ولئن انتفت الصفة التاريخية عن قصص الخروج من مصر، والتيه، وانشقاق البحر، وغزو كنعان، فإنها تظل، في يقين المؤمنين، إعجازاً ربانياً. وتملك، بصفتك باحثاً، حرية التصديق أو الرفض، بيد أنك تعجز عن مصادرة إيمان المعتقدين بحقيقتها؛ فالإيمان يربض خارج حدود علم الآثار، بل ويتجاوز صلاحيات علم التاريخ في إثبات وقوع الحدث من عدمه.

يقر فنكلشتين بعجزه عن إثبات تاريخيّة تلك الوقائع، لكنه يحجم عن بلوغ الشوط منتهاه؛ فلا يجرؤ، مثلاً، على الإعلان في محاضراته عن انتفاء الوجود التاريخي لشخصيات من قبيل يشوع، أو إبراهيم، أو موسى، أو داود، أو سليمان. بل يعمد إلى قولبتهم (وسواهم) في هيئة رموز قومية تمثله وتمثل شعبه؛ رموز تنبثق من أودية الماضي السحيق، وتستحضر لغايات تتجاوز البعد الديني كلما أزفت الحاجة. ليغدو استدعاؤهم نداءً وظيفياً يتخذ لبوس البروباغاندة القومية/الدينية، ليؤدي أدواراً سياسية وإيديولوجية ولاهوتية في آن واحد.

تأسيساً على ما سبق، ينأى فنكلشتين بنفسه عن البت في المسائل الإيمانية اللاهوتية، متذرعاً بأنها شأن فردي يخرج عن اختصاص “الأكاديميا”. ومهما اجتهد هذا الآثاري أو ذاك في تقمص دور “القابلة”، فإنه سيعجز عن توليد إجابات مقنعة تجلي حقائق عصر انقضت عليه آلاف السنين. فحتى مقارنة أسماء الأشخاص والأماكن تقصر عن منحنا فهماً ساطعاً لشخصية محددة مثل إبراهيم، سواء عاش تلك الأحداث أو عاصر مجرياتها كما هي مروية في نصوص العهد القديم.

من جهة أخرى، يبرز تقليد الخروج جلياً في نبوءات القرن الثامن ق.م لدى بعض أنبياء العهد القديم (هوشع وعاموس مثلاً)، ما يُضاعف تعقيدات تأطير الحدث تاريخياً. ووفق رؤية دونالد ردفورد، فقد انبثقت الطلائع الأولى من الإسرءيليين [هناك إصرار مريب وغير مبرر من الجميع على اصطناع وجود “تاريخي” لهؤلاء القوم] من رحم بدو “الشاسو” في جنوب كنعان، و”عابيرو” العصر الحديدي الأول؛ ممن استقروا في المرتفعات في أعقاب انهيار حضارات العصر البرونزي في كنعان، وتراجع النفوذ المصري في بلاد الشام عموماً.

ولئن جردنا “الكنعانيين” من صفتي الأمة والشعب، واعتبرناهم مجرد جماعة سكنت بقعة ما من الشرق القديم، فهذا يستلزم بالضرورة نفي الوجود التاريخي لـ “الإسرءيليين” أيضاً. فلن يعدو هؤلاء، في أحسن أحوالهم، كونهم قبائل شبه رعوية استقرت يوماً في مرتفعات فلسطين، في مواقع متناثرة على تخوم الصحارى وحواف الحواضر الفلسطينية خلال العصر الحديدي (قرابة 1000 ق.م).

وعليه، يستحيل منطقياً قبول فرضية تطورهم اللاحق لتأسيس مملكة تُدعى إسرءيل، أو يهوذا، أو ما شاكل ذلك. لتصبح سلاسل النسب كافة، وقوائم الشعوب، والكيانات السياسية المنبثقة عنها، مجرد قوالب أدبية تشكلت لغايات الموعظة الدينية لا أكثر.

وما دمنا نوقن بانتفاء وجود أسئلة غير مشروعة، واقتصار الأمر على أجوبة غير مشروعة سواء أكانت للمؤمن أم لغيره، فإنه ينتفي مسوغ تشبث الباحث بالمفهوم الإيماني لتعليل ظواهر طبيعية؛ كالجفاف، أو انشقاق البحر، أو الانهيار المباغت لأسوار مدينة. كما ينتفي مسوغ البحث عن حكمة وعد الرب لشخص دون سواه بأرض لا يملكها، وتوريثها لأحفاده ما امتدت الحياة… إلى غير ذلك من المعطيات الإعجازية المبثوثة في النص الديني.

ويحتفظ علم الآثار بدور حاسم وربما نهائي في بناء السردية التاريخية لإسرءيل القديمة أو إعادة تشكيلها. إذ يناط به تقديم التأويل الأقرب للصواب حول حقبة معينة، متفوقاً على النص ذاته؛ لأن النص وليد مرحلة لاحقة تعكس التحيزات الإيديولوجية لمؤلفه، أو ناسخه، أو الآمر بكتابته. في حين تنطق اللقى الآثارية بحقيقتها مجردة من أي إملاء خارجي. [وتبرز هنا ملاحظة وجيهة حول تأريخ دعامة خشبية في سقف قصر أو باب معبد عبر تقنية الكربون؛ إذ لا يثبت التحليل تاريخ البناء، بل تاريخ اقتطاع الخشبة من شجرتها… ].

غير أن عجز علم الآثار عن تقديم التصور والحكم النهائيين لتلك السردية يبدو جلياً أيضاً؛ لعوامل كامنة في بنيته المعرفية، وخاصة في مقارباته المنهجية.

يطرح فنكلشتين هنا تساؤلاً، يراه محورياً، حول سر تمايز الإسرءيليين كمجموعة في كنعان: هل مرده التوحيد؟

ليسارع إلى النفي؛ فالطرح التوحيدي تأخر ظهوره، ونصوص العهد القديم لا تنكر وجود آلهة أخرى تزاحم إله الإسرءيليين، بل وتشي بأفضلية بعضها. ويعتقد فنكلشتين باستحالة الحديث عن عقيدة توحيدية خالصة قبل مشارف نهاية القرن السادس ق.م (586 ق.م، التاريخ المفترض لتدمير أورشليم)؛ حيث جاز آنذاك نعت ديانة المملكة الجنوبية “يهوذا” بالتوحيدية.

فالتوحيد، بشكله المألوف اليوم، يمثل ثمرة الحقبة الفارسية، أو الحقبة الهلنستية التي تلتها (للدقة)؛ إذ لم يتبلور التوحيد الإسرءيلي إلا في عصر الحشمونيين. بل إن الناس، حتى في عصور لاحقة (وتحديداً العصور المسيحية الأولى في مرحلة العهد الجديد)، استمروا في عبادة آلهة متعددة.

ألم يتهم المسيح بعض الإسرءيليين بعبادة البعل؟ ألم يدعُ الملك عُمْري جهراً إلى عبادته، بشهادة النص ذاته؟. ويصم العهد القديم صنيع سليمان وعُمْري بالشر في عيني الرب. وتؤكد دراسات عدة تشييد معبد سليمان محاكاة لنموذج معبد عين دارا السوري/الحثي المكرس لبعل وعشتار، والذي يرقى تاريخه إلى قرابة 1300 ق.م.

يملك قارئ النص الديني، أو المؤمن به، حرية انتهاج قراءة انتقائية تسعفه في فهم النص وتأويله. غير أن بنيان المعبد وطرازه المعماري يكشفان نمط عيش الناس في زمنهم الحقيقي وليس المفترض؛ أي يوثقان حياتهم الفعلية بعيداً عن مخيلة محرر النص. ويفسر هذا سياق الإصحاح 11 من سفر الملوك الأول، الذي أتى لتوضيح خطايا أنبياء عظام  مثل داود وسليمان، وما اقترفوه من شرور في عيني الرب (9).

فهل يرمي النص هنا إلى التنديد بسلوكهم تجاه “يهوه” إله بني إسرءيل؟ أم يوجه نقداً لاذعاً لحياة الترف والبذخ التي أسبغتها النصوص على داود وسليمان معاً؟

يمتد هذا النقد ليطال أيضاً عهد عُمْري وأخاب، دون إغفال وطأة التأويل السياسي؛ المتمثل في انحياز محرر النص اليهوذي الجنوبي، وموقفه العدائي المبيت تجاه ملوك المملكة الشمالية “الإسرءيليين”.

لا يعدو التفسير الأصولي لاكتشافات خربة قيافة كونه استنساخاً لمنهج أولبرايت، الذي فقد صلاحيته في تأويل نصوص العهد القديم. فقد أسهم علم الآثار إسهاماً حاسماً في تعرية تهافت المقاربة الأولبرايتية الرامية إلى ربط تاريخ الشرق القديم ونصوصه ونقوشه بالعهد القديم وقصص أنبياء بني إسرءيل وملوكهم وآبائهم. وهي مقاربة جاءت، على الأرجح، للرد على فرضية يوليوس فلهاوزن في نقده للمصادر النصية.

لا يمثل هجوم أولبرايت على فلهاوزن سوى انعكاس لتبعات انحراف البحوث الآثارية والكتابية-التاريخية عن جادتها. وتجلت هذه النزعة في قوالب شتى (وإن تقطعت بها السبل في السنوات الأخيرة)، متخذةً من علم الآثار هراوة تقمع نضج البحوث النقدية.

يرتكز فنكلشتين في رؤيته التاريخية إلى مقاربة مدرسة الحوليات الفرنسية  التي توسع دائرة اهتمامها لتشمل تجليات الأنشطة الإنسانية كافة، متجاوزة الأطر السياسية والدبلوماسية الضيقة، لتنصبها موضوعاً رئيساً للبحث التاريخي. وضمن هذا السياق النظري، يغرس فنكلشتين بذور نشأة إسرءيل القديمة، مستعيداً ما أورده في فصول سابقة حول انبثاق دول وكيانات سياسية تفتقر لعاصمة مركزية حصينة بما يماثل الحالة الإسرءيلية.

ويستشهد بصعود “لابايو” حاكم شَكِيم إبان عصر العمارنة (أواخر العصر البرونزي)، والكيان السياسي في جبعون/جبعة الذي طالته حملة شيشنق الأول. وقد سحقت إمبراطوريات عظمى كلا الكيانين؛ تماماً كما أجهزت الدولة العثمانية، في نهاية المطاف، على دويلة ظاهر العمر.

وحين يتأمل ظروف نشأة دولة إسرائيل المعاصرة (المستفيدة من ضعف الدولة العثمانية وانهيارها، ما مهد السبيل للدول الاستعمارية الغربية لاحتلال المشرق، وأفرز إسرائيل كصنيعة للإمبريالية البريطانية)، يلتفت صوب الماضي ليرقب مآل إسرءيل ويهوذا “القديمتين”. فيربط صعودهما بانحسار الهيمنة المصرية والآشورية، مثلما يرجع انهيار المملكتين الكتابيتين مباشرة إلى عودة تلك القوى الإمبريالية لسابق عهدها.

فكان ظهور المملكة الشمالية، في رأيه، عملية مزدوجة لتطورات مديدة في الهضاب منذ أواخر العصر البرونزي المتأخر؛ أثمرت لاحقاً (القرن التاسع ق.م وأوائل الثامن ق.م) نهوض قوة إقليمية مهيمنة تبسط نفوذها على مناطق واسعة وتدير تنوعاً سكانياً حيوياً. وأكسبها هذا الصعود فرادة تاريخية في جنوب بلاد الشام، لتصبح (في تقديره) الظاهرة اليتيمة الناجحة تاريخياً كوكيل أو قاعدة ارتكاز لإمبراطورية أعظم، أو لملئها فراغ القوى الكبرى.

وانسحب هذا التوصيف على البواكير الأولى للمملكة الشمالية (التي تظللت ربما بالعباءة المصرية أواخر القرن العاشر ق.م)، وعلى الدولة الحشمونية التي اقتنصت وجودها من بين فكي كماشة القوى الهلنستية المتناحرة آنذاك.

ووسط دوامة التناقضات (بين نفي وإثبات)، يرتضي فنكلشتين التمترس كعالم آثار في المنطقة الرمادية، مختاراً معسكر الوسط في أتون السجال المحتدم بين الباحثين الكتابيين. فيصرح: “أعتبر نفسي باحثاً يقف في المسافة الفاصلة بين المعسكر المحافظ والمعسكر النقدي. لا مراء في قسوة الوقوف في المنتصف؛ فحين تنحاز لجانب بعينه، تتلقى السهام من الجانب المضاد فحسب، أما وقوفك في المركز فيجعلك دريئة لنيران الجميع… يتهمني أصدقاء من المعسكر المحافظ باعتناق مقاربة عدمية (أو نهج نقدي) تنكر الوجود التاريخي للمملكة المتحدة. غير أن الأمور لا تختزل بهذه السطحية؛ فأنا لا أنفي، لاعتبارات شتى، وجود داود وسليمان (ولعل نقش تل دان أبرزها)”. ويمضي مبرراً: “تختزن الذاكرة معطيات تعود للقرن التاسع ق.م، تؤكد اسم داود مؤسساً للسلالة في عاصمة يهوذا. أنا لا أنفي البتة الوجود التاريخي لداود وسليمان، وليكن قولي هذا قاطعاً. بيد أنني أتبنى، يقيناً، مقاربة مغايرة حول حجم الكيان الذي اتخذ من أورشليم محوراً له إبان القرن العاشر ق.م وطبيعته. لنقل إن ثمة شيئاً تواجد هناك آنذاك، ولكن، ما ماهيته الدقيقة؟ هنا ينتصب السؤال الأكبر؛ وللإجابة، علينا نبش التحقيب التاريخي لمدينة القدس ذاتها” (10).

وإذا سلمنا بأن المؤرخين لا ينطقون بالحقيقة دوماً، فعلماء الآثار يتفردون بخيال خصب يبيح لهم نسج حكايات رومانسية كلما قلبوا قطعة فخارية، واستنطاق الحجر قبل البشر وفق أهوائهم.

وعليه! لا مناص من الإقرار بقيمة الإضاءات الكثيفة التي نثرها فنكلشتين حول الثقافة المادية في شمال فلسطين. فالخرائط، والصور، والجداول المبثوثة بين دفتي الكتاب، تضخ دماء الحياة في أوصال العالم الذي حاول استحضاره. ويملك القارئ أن يغترف الكثير من فنكلشتين “الآثاري”؛ أما متى واجه فنكلشتين “المؤرخ”، فما أحرى به أن يتسلح بأقصى درجات الحذر.

…………….

الهوامش

(1). للمزيد انظر، Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society

(2). يحضرني هنا شريط فيديو للإسرائيلي إيتمار يوباني بعنوان “القبة أو السرادق” في معرض “العبرانيون الجدد: قرن من الفن في إسرائيل” في ألمانيا عام 2005. يعرض الفيلم (المصور من مروحية) على جدار واسع، لترتحل الكاميرا فوق التلال والكهوف مقتربة من “قلعة مسادا” ودير مار سابا وبقايا مساكن قديمة. ويبرز هنا غياب الوجود البشري، في قطع رمزي مع الحاضر الفلسطيني، لتبدو الأرض فضاءً تاريخياً محايداً وفارغاً، انسجاماً مع الرؤية الصهيونية. وتؤدي قلعة مسادا دوراً محورياً في “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”، كرمز وطني يحضر في الأدب والتعليم والطقوس العسكرية (كحلف اليمين منذ عام 1969)، معبراً عن إحياء الأمة عبر ماضٍ يهودي “مصنوع” يهمش التراث المحلي. ولا يقف هذا التمثيل عند حدود الفن، بل يمتد لممارسات علم الآثار الإسرائيلي التي تصنع “حقائق على الأرض” لشرعنة الاستيطان. ويتقاطع هذا الفن “الوطني”، الذي يختزل الماضي ليناسب حاضر الدولة مستبعداً “الآخر”، مع تحليل ناديا أبو الحاج لدور علم الآثار في بناء السردية الإسرائيلية وصنع الحقائق على الأرض. (للمزيد حول المعرض: https://www.imj.org.il/en/exhibitions/new-hebrews-century-art-israel).

(3). يظهر موقف لامكه في مقالة توماس طومسون هنا،- Thompson, T. L. 1987: The Origin Tradition of Ancient Israel. Journal for the Study of the Old Testament. Supplement Series 55. Sheffield Academic Press, Sheffield

(4). انظر: Glock, A. 1995 Cultural Bias in the Archaeology of Palestine. Journal of Palestine Studies, 24(2): pp.55. وقد شكّل اغتيال الدكتور ألبرت غلوك المفجع صدمة لكل دعاة التوجه العقلاني الرامي إلى تحرير تاريخ فلسطين الآثاري من الهيمنة الكتابية. كما كشف اغتياله، بتلك الطريقة الفجة والسهلة، عن افتقاره للحنكة السياسية، وعجزه عن إدراك المعنى الحقيقي الكامن وراء فعالية البحوث الأثرية والمخاطر المحدقة بها.

(5). للمزيد انظر: Margreet L. Steiner 2009 The “Palace of David” Reconsidered in the Light of Earlier Excavations, 2009. http://www.bibleinterp.com/articles/palace_2468.shtml

(6). للمزيد انظر الملحق، وكذلك: Lori, Aviva (2005) ‘The Greatest Spin in History’, Haaretz.co.il (26 February). English version [‘Grounds for Disbelief’] available at http://www.haaretz.com/grounds-for-disbelief-1.10757

(7). Thompson (1974), 57; ”A Testimony of the Good King: Reading the Mesha Stele”, Ahab Agonistes: The Rise and Fall of the Omri Dynasty, ed. Lester L. Grabbe (London: T&T Clark 2007), 236-292; Biblical Narrative and Palestine’s History: Changing Perspectives 2 (Sheffield: Equinox 2013)

(8). انظر مثلاً: Israel Finkelstein and Eli Piasetzky, “The Iron I/IIA Transition in the Levant: A Reply to Mazar and Bronk Ramsey and a New Perspective,” Radiocarbon 52:4 (2010): 1678–79.

(9). يوثق الإصحاح 11 من سفر الملوك الأول أيضاً تشييد سليمان مذبحاً لـ “كَمُوشَ” إله مؤاب شرقي أورشليم: “33 لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَسَجَدُوا لِعَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَلِكَمُوشَ إِلهِ الْمُوآبِيِّينَ، وَلِمَلْكُومَ إِلهِ بَنِي عَمُّونَ، وَلَمْ يَسْلُكُوا فِي طُرُقِي لِيَعْمَلُوا الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيَّ وَفَرَائِضِي وَأَحْكَامِي كَدَاوُدَ أَبِيهِ. 34 وَلاَ آخُذُ كُلَّ الْمَمْلَكَةِ مِنْ يَدِهِ، بَلْ أُصَيِّرُهُ رَئِيسًا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ الَّذِي حَفِظَ وَصَايَايَ وَفَرَائِضِي”.

(10). انظر: http://individual.utoronto.ca/mfkolarcik/jesuit/finkelstein.html

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

علم الآثار في فلسطين: حياة وموت ألبرت غلوك

كاترين لايمي ترجمة محمود الصباغ استهلال: من قتل ألبرت غلوك؟ في معنى أن تكون باحثاً …