جون شتاينبك
ترجمة محمود الصباغ
الأفعى
أوشك الظلام على الحلول حين طوّح الدكتور فيليبس كيسه على كتفه وغادر البركة وقت الجزر. تسلق الصخور منتعلاً حذاءً مطاطياً وسار على طول الشارع. أضيئت مصابيح الشارع حال وصوله إلى مختبره الصغير في شارع مصانع التعليب في مونتيري. وهو مبنى صغير ضيق، يقوم جزء منه على ركائز فوق مياه الخليج، والجزء الآخر على اليابسة،. وتتزاحم مصانع تعليب السردين الكبيرة، المبنية من الحديد المموج، على كلا الجانبين كما لو أنها تطبق عليه.
تسلق الدكتور فيليبس الدرجات الخشبية وفتح الباب. هرولت الفئران البيضاء في أقفاصها صعوداً وهبوطاً على الأسلاك، وماءت القطط الحبيسة في حظائرها طلباً للحليب. أضاء الدكتور فيليبس المصباح الساطع فوق طاولة التشريح وألقى كيسه الرطب على الأرض، ثم سار نحو الأقفاص الزجاجية بجوار النافذة حيث تعيش الأفاعي المجلجلة، انحنى ونظر إلى الداخل.
“كانت الأفاعي متكومة وتستريح في زوايا القفص، لكن كل رأس كان ظاهراً بوضوح؛ وبدت العيون المغبرة وكأنها لا تنظر إلى شيء. وحالما انحنى الشاب فوق القفص، حتى اندفعت الألسنة المشقوقة الوردية ذات الأطراف السوداء، تتماوج ببطء لأعلى وأسفل، وما إن عرفته الأفاعي حتى سحبت ألسنتها.
خلع معطفه الجلدي وأشعل ناراً في موقد الصفيح، وضع فوقه غلاية مليئة بالماء وأسقط فيها علبة فاصولياء، ثم وقف يحدق لأسفل في الكيس على الأرض. كان شاباً نحيلاً، بعينين وديعتين شاردتين كعيني من يطيل النظر في المجهر، وتكسو وجهه لحية شقراء قصيرة.
اندفع تيار الهواء بصوت يشبه الأنفاس عبر المدخنة، وانبعث وهج من الدفء من الموقد، وغسلت الأمواج الصغيرة الركائز تحت المبنى بهدوء، وعلى الرفوف المحيطة بالغرفة، ترتبت طبقة تلو أخرى من أوعية حفظ زجاجية تحتوي على العينات البحرية المحنطة التي يتعامل معها المختبر.
فتح الدكتور فيليبس باباً جانبياً ودخل إلى غرفة نومه؛ وهي زنزانة تكسو الكتب جدرانها، تحوي سريراً عسكرياً، ومصباح قراءة، وكرسياً خشبياً غير مريح. خلع حذاءه المطاطي وانتعل خفين من جلد الغنم. وعندما عاد إلى الغرفة الأخرى، كان الماء في الغلاية قد بدأ يئزّ بالفعل.
رفع كيسه إلى الطاولة تحت الضوء الأبيض وأفرغ منه دستتين من نجوم البحر العادية. رصفها جنباً إلى جنب على الطاولة. التفتت عيناه الشاردتان إلى الفئران المنشغلة في الأقفاص السلكية. أخذ حبوباً من كيس ورقي، وصبها في أحواض التغذية. وعلى الفور، تدافعت الفئران نزولاً عن الأسلاك وانقضت على الطعام. استقرت زجاجة حليب على رف زجاجي بين أخطبوط صغير محنط وقنديل بحر. أنزل الدكتور فيليبس الحليب وسار إلى قفص القطط، ولكن قبل ملء الأوعية، أدخل يده في القفص والتقط برفق قطة شوارع مرقطة، كبيرة وضامرة. داعبها للحظة ثم أسقطها في صندوق صغير مطلي بالأسود، أغلق الغطاء وأحكمه، ثم أدار صماماً الغاز إلى حجرة القتل. وبينما دار الصراع القصير الناعم في الصندوق الأسود، ملأ الصحون بالحليب. قوّست إحدى القطط ظهرها نحو يده، فابتسم وداعب رقبتها.
سكن الصندوق الآن. أغلق الصمام، فالصندوق المحكم الإغلاق سيكون ممتلئاً بالغاز. وعلى الموقد، كان وعاء الماء يغلي بشدة حول علبة الفاصولياء. رفع العلبة بملقط كبير، فتحها، وأفرغ الفاصولياء في طبق زجاجي. وبينما كان يأكل، راقب نجوم البحر على الطاولة. ومن بين أذرعها، تسربت قطرات صغيرة من سائل حليبي.”
التهم طعامه، وحين انتهى، وضع الطبق في الحوض واتجه إلى خزانة المعدات. أخرج منها مجهراً وكومة أطباق زجاجية صغيرة. ملأها بماء البحر، واحداً تلو الآخر، من الصنبور ورتبها في صف بجانب نجوم البحر. أخرج ساعته ووضعها على الطاولة تحت الضوء الأبيض المنهمر. وما انفكت الأمواج تحت الأرضية ترتطم بالركائز بتنهدات صغيرة. أخذ قطارة من الدرج وانحنى فوق نجوم البحر.
سمع في تلك اللحظة وقع خطوات سريعة وناعمة على الدرج الخشبي، تلاها طرق قوي على الباب. بدت على وجهه تكشيرة انزعاج طفيفة وهو في طريقه ليفتح الباب؛ وكانت تقف في المدخل امرأة طويلة ونحيلة ترتدي بدلة داكنة خالية من الزينة- وشعرها الأسود المنسدل، المنحدر على جبهة ضيقة، أشعث كما لو أن الريح عبثت به. لمعت عيناها السوداوان في الضوء القوي.
تحدثت بصوت خفيض آتٍ من عمق حنجرتها: “هل يمكنني الدخول؟ أريد التحدث إليك.”
قال بفتور: “أنا مشغول جداً الآن. علي إنجاز بعض الأمور في أوقات محددة” . لكنه ابتعد عن الباب، فتسللت المرأة الطويلة إلى الداخل وقالت: “سأبقى هادئة حتى تفرغ وتستطيع التحدث إلي”.
أغلق الباب وأحضر الكرسي غير المريح من غرفة النوم، وقال معتذراً: “كما ترين، بدأت العملية ويجب متابعتها”. كان الكثير من الناس يتجولون في المكان ويطرحون الأسئلة، وكان لديه روتين صغير من التفسيرات للعمليات الأكثر شيوعاً، يمكنه سردها دون تفكير
“اجلسي هنا. في غضون دقائق قليلة سأكون قادراً على الاستماع إليك”.
انحنت المرأة الطويلة فوق الطاولة. جمع الشاب سائلاً بالقطارة من بين أذرع نجوم البحر ورشه في وعاء من الماء، ثم سحب بعض السائل الحليبي ورشه في الوعاء، وحرك الماء برفق بالقطارة، وشرع في ثرثرته التفسيرية المعتادة.
“عندما تبلغ نجوم البحر نضجها الجنسي، فإنها تطلق الحيوانات المنوية والبويضات حين تنكشف عند الجزر. في هذه الأثناء أكون قد اخترت العينات الناضجة وأخرجتها من الماء، لأحاكي لها ظروف الجزر. وكما ترين، خلطت الآن الحيوانات المنوية والبويضات. سأضع بعضاً من الخليط في كل زجاجة من الزجاجات العشر هذه. وبعد عشر دقائق سأقتل العينة في الزجاجة الأولى بالمنثول، وبعد عشرين دقيقة سأقتل المجموعة الثانية، ثم مجموعة جديدة كل عشرين دقيقة. هكذا سأكون قد أوقفت العملية على مراحل، وسأركب السلسلة على شرائح مجهرية لدرس في علم الأحياء.” توقف لحظة وتابع: “هل ترغبين في النظر إلى هذه المجموعة الأولى تحت المجهر؟”
“لا، شكراً لك”
“التفت إليها بسرعة. لطالما رغب الناس في النظر عبر العدسة. تجاهلت الطاولة تماماً وركزت نظراتها عليه. صوّبت عينيها السوداوين نحوه، لكنهما بدتا غافلتين عن وجوده. أدرك السبب؛ فالقزحية تطابق الحدقة في دكنتها، ويغيب الخط اللوني الفاصل بينهما. أثار ردها استياءه. ورغم ضجره من الإجابة عن الأسئلة، كان تجاهلها لعمله يثير غضبه، فتنامت في داخله رغبة في استفزازها.”
فقال: “بينما أنتظر الدقائق العشر الأولى، لدي أمر أفعله. لا يطيق بعض الناس رؤية ذلك. ربما من الأفضل دخولكِ إلى تلك الغرفة حتى أنتهي”
قالت بنبرتها الخفيضة الرتيبة: “لا. افعل ما تشاء. سأنتظر تفرغك للحديث إلي.” استقرت يداها متجاورتين في حجرها. كانت في حالة سكون تام، وعيناها تلمعان، لكن جسدها كان تقريباً في حالة سبات. حدث نفسه: “معدل أيض منخفض، منخفض كمعدل أيض ضفدع تقريباً، هكذا يبدو”. تملكته الرغبة مجدداً في صدمها وإخراجها من خمولها. أحضر مهداً خشبياً صغيراً إلى الطاولة، ورتب مباضع ومقصات ومحقنة زجاجية كبيرة. ثم اتجه نحو حجرة القتل، وأخرج القطة الميتة الرخوة، وضعها في المهد وربط قوائمها بخطافات من الجانبين. رمق المرأة بطرف عينه، لكنها لم تتحرك، وبقيت ساكنة تماماً.
كشرت القطة مبتسمة نحو الضوء، وبرز لسانها الوردي بين أسنانها الإبرية. قص الدكتور فيليبس الجلد ببراعة عند الحلق؛ وشق بمشرطه نزولاً حتى عثر على شريان. أدخل الإبرة في الوعاء الدموي وربطها بخيط. أوضح قائلاً: “هذا سائل التحنيط. سأحقن بعد قليل مادة صفراء في الجهاز الوريدي ومادة حمراء في الجهاز الشرياني -لتوضيح الدورة الدموية- من أجل دروس علم الأحياء.”
“نظر إليها مرة أخرى. بدت عيناها الداكنتان كأنهما يغشاهما الغبار. نظرت، بوجه خالٍ من أي تعبير، إلى حلق القطة المفتوح. كان الشق نظيفاً ولم تفلت قطرة دم واحدة. نظر الدكتور فيليبس إلى ساعته، وقال: “حان وقت المجموعة الأولى.” هز بضع بلورات من المنثول في الطبق الزجاجي الأول. كانت المرأة تثير توتره. تسلقت الفئران أسلاك قفصها مرة أخرى وأصدرت صريراً خافتاً. ضربت الأمواج تحت المبنى الركائزَ بضربات خفيفة. ارتعش الشاب قليلاً، وضع قطعاً من الفحم في الموقد وجلس. وقال: “ليس لدي الآن ما أفعله لعشرين دقيقة”. لاحظ مدى قصر المسافة بين شفتها السفلى وطرف ذقنها المدبب. بدت كأنها تستيقظ ببطء، وتنهض من بركة وعي عميقة. ارتفع رأسها، وجالت عيناها الداكنتان المغبرتان في الغرفة، ثم استقرتا عليه. قالت:
“كنت أنتظر.” وظلت يداها متجاورتين على حجرها. وأردفت: “ألديك ثعابين؟” قال بصوت عالٍ بعض الشيء: “نعم. لدي نحو دزينتين من الأفاعي المجلجلة. أستخلص السم منها وأرسله إلى مختبرات مضادات السموم.” واصلت النظر إليه بعينين شاردتين شملتاه بالكامل، وبدت وكأنها تنظر في دائرة كبيرة تحيط به. “هل لديك ثعبان ذكر، أفعوان مجلجل ذكر؟” “حسناً، نعم، أنا متأكد من وجود واحد. جئت إلى المختبر ذات صباح لأجد ثعباناً كبيراً في… في وضعية تزاوج مع ثعبان أصغر حجماً. قلما يحدث هذا في الأسر. لذا -كما ترين- بت أعرف أن في مخبري ثعباناً ذكراً.”
“أين هو؟”
“إنه هناك، في القفص الزجاجي بجوار النافذة.”
مال رأسها ببطء، لكن يديها الساكنتين لم تتحركا. استدارت نحوه مرة أخرى، وقالت: “هل لي برؤيته؟”
نهض ومشى إلى القفص بجوار النافذة، حيث ترقد في قاعه الرملي عقدة متشابكة من الأفاعي المجلجلة. بدت رؤوسها للعيان، وكانت ألسنتها قد برزت ورفرفت للحظة، ثم لوحت صعوداً وهبوطاً تتحسس الهواء بحثاً عن الاهتزازات.
أدار الدكتور فيليبس رأسه بعصبية. كانت المرأة تقف بجانبه. لم يشعر بها وهي تنهض من الكرسي، ولم يسمع سوى دفقة من رذاذ الماء بين الركائز، وهرولة الفئران على شبكة أسلاك القفص.
قالت بهدوء: “أي منها الذكر الذي تحدثت عنه؟”
أشار إلى ثعبان رمادي مغبر، غليظ الجسم، يرقد منفرداً في إحدى زوايا القفص. “ذاك هو. يبلغ طوله حوالي متر ونصف. أتاني من تكساس. عادة ما تكون ثعابين ساحل المحيط الهادئ أصغر حجماً. وهو يلتهم جميع الفئران أيضاً؛ لذا أضطر لإخراجه عندما أريد إطعام الأفاعي الأخرى.”
حدقت المرأة في الرأس الجاف، ولاحظت اللسان المشقوق ينزلق للخارج، ليظل معلقاً في الهواء ويرتعش للحظة طويلة. “أمتأكد من أنه ذكر؟”
قال بطلاقة: “الأفاعي المجلجلة غريبة. لا أستطيع التعميم في هذا الأمر. لا أحب قول أي شيء قاطع عن الأفاعي المجلجلة، لكن – نعم – أؤكد لكِ أنه ذكر.” لم تتحرك عيناها عن الرأس المسطح. وقالت: “هل تبيعه لي؟”
فصاح: “أبيعه؟ لكِ؟”
“ألا تبيع العينات؟”
“أوه – نعم. بالطبع أبيعها.. لمَ لا؟”
“بكم؟ خمسة دولارات؟ عشرة؟”
“أوه! ليس أكثر من خمسة. لكن – هل تعرفين أي شيء عن الأفاعي المجلجلة؟ قد تلدغكِ.”
نظرت إليه للحظة وقالت: “لا أنوي أخذه معي. سأتركه هنا، لكن – أريده لي… ملكي. سأحضر إلى هنا وأنظر إليه وأطعمه وأعرف أنه لي.”
ثم فتحت حقيبة صغيرة وأخرجت ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات وقالت: “هاك نقودك! صار لي الآن.”
بدأ الخوف يتسلل إلى الدكتور فيليبس، فقال:
“يمكنكِ المجيء للنظر إليه دون امتلاكه.”
“أريده لي.”
صاح فجأةً: “يا إلهي! لقد داهمني الوقت ونسيت أمر الأطباق الزجاجية”. ثم ركض إلى الطاولة قائلاً: “تأخرت ثلاث دقائق. لن يهم ذلك كثيراً.” هز بلورات المنثول في الطبق الزجاجي الثاني، وعاد إلى القفص حيث لا تزال المرأة تحدق في الثعبان. فسألته
“ماذا يأكل؟”
“أطعمها فئراناً بيضاء، فئراناً من القفص هناك.”
” “هل تضعه في القفص الآخر؟ أريد إطعامه.”
“لكنه لا يحتاج إلى طعام. لقد التهم جرذاً هذا الأسبوع. أحياناً لا تأكل هذه الأفاعي لثلاثة أو أربعة أشهر. أذكر أن واحداً منها لم يأكل لنحو عام أو أكثر.”
سألت بنبرتها الرتيبة الخفيضة: “هل تبيعني فأراً؟”
هز كتفيه وقال: “الآن فهمت قصدك. تريدين مراقبة كيف تأكل الأفاعي المجلجلة. حسناً. سأريك. سيكلف الفأر خمسة وعشرين سنتاً. من زاوية معينة، سيكون هذا مشهداً أفضل من مصارعة الثيران، ومن زاوية أخرى، لا يعدو الأمر كونه ثعباناً يتناول طعامه.” غدت نبرته لاذعة حين نطق جملته الأخيرة؛ فهو يمقت من يتخذون من العمليات الطبيعية رياضة للتسلية. لم يكن يمارس القتل كرياضة، هو عالم أحياء؛ في وسعه قتل ألف حيوان في سبيل المعرفة، لكنه لا يقتل حشرة من أجل المتعة. طالما جالت هذه الأفكار في ذهنه من قبل.
أدارت وجهها نحوه ببطء، وبدت ملامح ابتسامة على شفتيها الرقيقتين تتشكل للتو، وقالت: “أريد إطعامه. سأضعه في القفص الآخر.” ثم فتحت الجزء العلوي من القفص وأدخلت يدها، قبل أن يدرك ما تفعله. قفز إلى الأمام وجذبها إلى الخلف، فانغلق الغطاء بقوة. وخاطبها بقسوة: “ألا تعقلين؟ ربما لن يقتلكِ من الوهلة الأولى، لكنه سيؤذيكِ حتماً وبشدة، مهما حاولتُ مساعدتكِ.” قالت بهدوء: “ضعه في القفص الآخر إذن.”
كان الدكتور فيليبس مصدوماً من تصرفها، ووجد نفسه يتجنب النظر إلى عينيها الداكنتين اللتين تبدوان كأنهما تحدقان في لا شيء. أحس أنه من الخطأ الفادح وضع فأر في القفص، وأنه إثم عظيم، ولم يدرك السبب. طالما وضع الفئران في القفص تلبية لرغبة شخص ما في مشاهدة ذلك، لكن هذه الرغبة الليلة أصابته بالغثيان، قال هذا في داخله كأنه يحاول تفسير الأمر لنفسه للخروج من هذا الشعور.
“مشاهدة ذلك أمر جيد؛ فهذا يريكِ كيف تصطاد الأفاعي المجلجلة، ويجعلكِ تحترمينها. ثم إن كثيراً من الناس تراودهم كوابيس مرعبة عن ثعابين تقتل فرائسها، وأعتقد أن السبب يعود إلى التماهي الذاتي مع الفأر؛ إذ يضع المرء نفسه مكانه. وما إن نشاهد الأمر بتجرد، حتى يصبح موضوعياً بالكامل؛ فالفأر ليس سوى فأر، وبذلك يزول الهلع.”
تناول من الحائط عصا طويلة مزودة بأنشوطة جلدية. فتح القفص، وأسقط الأنشوطة فوق رأس الثعبان الكبير وشد الحزام. ملأت الغرفة خشخشة جافة، وتلوى الجسد السميك وضرب مقبض العصا بعنف بينما رفعه الشاب وأسقطه في قفص التغذية. وقف الثعبان مستعداً للهجوم لبعض الوقت، لكن طنينه توقف شيئاً فشيئاً، فزحف إلى زاوية، ورسم بجسده رقم ثمانية كبيرة، وتكوم ساكناً.
“كما ترين، هذه الثعابين المجلجلة مروضة تماماً. فهي هنا منذ زمن. أظنني قادراً على التعامل معها لو أردت، لكن كل من يقوم بذلك معها يتعرض للدغ عاجلاً أم آجلاً. ولا أرغب في المخاطرة.”
نظر نحوها قبل إنهاء جملته الأخيرة، ومقت فكرة وضع الفأر في قفص الأفعى. اقتربت المرأة من القفص الجديد، وصوبت عينيها السوداوين نحو الرأس الحجري للثعبان مرة أخرى، وقالت: “أدخل فأراً.”
اتجه الدكتور فيليبس نحو قفص الفئران على مضض. شعر بالأسف على الفأر، وهو إحساس لم يراوده من قبل قط. جالت عيناه على كتلة الأجساد البيضاء المزدحمة المتسلقة نحو الشبك، وحدث نفسه: “أي منها سيموت الآن؟”
استدار نحوها بغضب، وصاح: “هل تودين إدخال قطة؟ عندها سترين قتالاً حقيقياً. قد تفوز القطة، وإذا فازت فقد تقتل الثعبان. سأبيعك قطة إن أردتِ.”
تجاهلته تماماً، وقالت: “أدخل فأراً… أريد إطعامه.”
فتح قفص الفئران وأدخل يده. وجدت أصابعه ذيلاً، فرفع فأراً ممتلئاً أحمر العينين من القفص. قاوم الفأر محاولاً عض أصابعه، ولما فشل، تدلى متمدداً بلا حراك.
سار الشاب مسرعاً حاملاً الفأر من ذيله. فتح قفص التغذية وأسقطه على الأرضية الرملية، ثم قال بصوت عالٍ: “راقبيه الآن.”
تجاهلته تماماً. تركزت عيناها على الثعبان الراقد بسكون، بينما ينزلق لسانه ذهاباً وإياباً ليتذوق هواء القفص. هبط الفأر على قدميه، واستدار ليتشمم ذيله الوردي العاري، ثم هرول عبر الرمل دون اكتراث متابعاً استكشاف طريقه، لتنتشر رائحته في المكان مع كل خطوة.
خيّم الصمت ثقيلاً على الغرفة. لم يدرك الدكتور فيليبس ما إذا كان الماء يتنهد بين الركائز أم أن المرأة هي التي تنهدت. ورأى، بطرف عينه، جسدها ينحني ويتصلب.
زحف الثعبان إلى الخارج بسلاسة وبطء، وانزلق لسانه ذهاباً وإياباً. غدت حركته شديدة الانسيابية والسلاسة، وزادت من انزلاقه الناعم على أرضية القفص حتى بدا ساكناً لا يتحرك. وفي الطرف الآخر من القفص، انتصب الفأر جالساً على قائمتيه الخلفيتين، وشرع يلعق الشعر الأبيض الناعم على صدره. واصل الثعبان زحفه، محتفظاً بثنية هجومية عميقة في عنقه، على عادة هذا النوع من الأفاعي.
ومع اشتداد وطأة الصمت، أحس الشاب بدمه يغلي ويتدفق في عروقه، فصاح: “انظري! إنه يحتفظ بثنية الهجوم في عنقه ويبقيها جاهزة للدغ؛ هذه طريقته في الانقضاض. فالأفاعي المجلجلة حيوانات حذرة، وتكاد تكون جبانة، وتملك آلية شديدة الحساسية. عليها اقتناص طعامها بعملية دقيقة، غاية في المهارة والرشاقة، بمهارة جراح. فهي لا تجازف البتة، ولا تترك شيئاً للمصادفة.”
انزلق الثعبان حتى بلغ منتصف القفص. وفي الأثناء، نظر الفأر لأعلى ورأى الثعبان، ثم عاد دون اكتراث يلعق صدره. قال الشاب بصوت مسموع كأنه يحدث نفسه: “هذا أجمل شيء في العالم.” وكانت عروقه تنبض، فتابع: “إنه أفظع شيء في العالم.”
كان الثعبان قريباً الآن. ارتفع رأسه مسافة قليلة عن الرمال، وتمايل ببطء ذهاباً وإياباً… يصوّب، يقدّر المسافة، ويصوّب. نظر الدكتور فيليبس مرة أخرى إلى المرأة وانتابه الغثيان؛ فقد كانت تتمايل هي الأخرى، تمايلاً خفيفاً، مجرد إيماءة.
نظر الفأر لأعلى ورأى الثعبان، فهبط على قوائمه الأربع وتراجع، وبعدها… الخطفة. كان من المستحيل رؤيتها، مجرد ومضة. ارتجّ الفأر كما لو أنه تلقى ضربة غير مرئية، وانفلتت منه صرخة.
تراجع الثعبان مسرعاً إلى الزاوية التي جاء منها واستقر، ولسانه ينزلق خروجاً ودخولاً بلا توقف. صاح الدكتور فيليبس: “مدهش! عمل مثالي! بين لوحي الكتف تماماً. لابد أن الأنياب كادت تبلغ القلب.”
تسمر الفأر في مكانه ساكناً، يعلو صدره ويهبط أشبه بمنفاخ أبيض صغير. وفجأة قفز في الهواء وهبط على جانبه. رفس بقائمتيه متشنجاً لثانية، ثم همد ميتاً.
استرخت المرأة، استرخت بنعاس، وقالت: “حسناً، لقد كان أمراً فظيعاً، أليس كذلك؟” ثم أدارت عينيها الضبابيتين نحوه وسألت:
“هل سيأكله الآن؟”
“بالطبع سيأكله. لم يقتله من أجل الإثارة، بل قتله لأنه كان جائعاً.”
ارتفعت زاويتا فمها قليلاً مرة أخرى، ونظرت إلى الثعبان من جديد وقالت: “أريد رؤيته يبتلعه.”
في تلك اللحظة خرج الثعبان من زاويته مرة أخرى. غابت الثنية الهجومية عن عنقه، واقترب من الفأر بحذر، مستعداً للوثب إلى الخلف في حال تعرضه لهجوم. لكز الجسد برفق بخطمه المسطح، وتراجع. ولما اطمأن إلى موته، لمس جسد الفأر بذقنه من الرأس إلى الذيل؛ بدا ذلك كعملية قياس واسترضاء. وأخيراً، فتح فمه وخلع فكيه من زاويتيهما.
أصابه الموقف بالغثيان، فبذل كل إرادته لتحاشي الالتفات نحوها، وقال في نفسه: “سأتقيأ إن فتحت فمها بكلمة.” وأفلح في إشاحة بصره عنها.
أطبق الثعبان فكيه على رأس الفأر، وبنبض تموجي بطيء، شرع يبتلعه؛ ينطبق الفكان، ويزحف الحلق بأكمله إلى الأعلى، ثم ينطبقان من جديد.
استدار الدكتور فيليبس وتوجه إلى مقعد عمله، وقال بمرارة: “لقد أفسدتِ إحدى العينات… ولن تكتمل السلسلة.” وضع أحد الأطباق الزجاجية تحت مجهر منخفض التكبير وتفحصه، ثم سكب محتويات الأطباق كلها في الحوض بغضب.
هدأت الأمواج حتى لم يعد يُسمع عبر أرضية المختبر سوى همس رطب. رفع الشاب باباً أرضياً صغيراً عند قدميه، وأسقط نجم البحر في الماء الداكن. وتوقف عند القطة المصلوبة في المهد، تبتسم ابتسامة عريضة هزلية تحت الضوء، وقد انتفخ جسدها بسائل التحنيط. أوقف الضغط، سحب الإبرة، ربط الوريد، وسألها
: “أترغبين في بعض القهوة؟”
“لا، شكراً. سأغادر في الحال.”
مشى إليها حيث كانت تقف أمام القفص. كان الثعبان قد ابتلع الفأر، باستثناء جزء صغير من ذيله الوردي البارز من فمه أشبه بلسان ساخر. اتسع الحلق مرة أخرى فاختفى الذيل، وارتد الفكان إلى مفصليهما، ثم زحف الثعبان الكبير بتثاقل نحو الزاوية، والتف مكوناً أنشوطة ضخمة، وأراح رأسه على الرمال.
قالت المرأة: “ها هو ينام الآن… سأذهب، لكنني سأعود لإطعام ثعباني بين الحين والآخر. سأدفع ثمن الفئران؛ إذ أريد توفير الكثير منها له. وفي يوم من الأيام، سآخذه معي.”
أفاقت عيناها من حلمهما المغبر للحظة، وتابعت: “تذكر أنه ملكي. لا تستخلص سمه. دعه يحتفظ به. تصبح على خير.”
سارت بخطى سريعة نحو الباب وخرجت. سمع وقع أقدامها على الدرج، لكنه لم يسمعه يبتعد على الرصيف. سحب كرسياً وجلس أمام قفص الثعبان، محاولاً تهدئة أفكاره وهو يراقب الثعبان الخامل. وحدث نفسه قائلاً: “لقد قرأت الكثير عن الرموز الجنسية النفسية، لكنها لا تفسر ما حدث للتو. لعلي وحيدٌ أكثر مما ينبغي. ربما يجدر بي قتل الثعبان. لو كنت أعرف… لا، لا يسعني التضرع لأي شيء.”
توقع عودتها لأسابيع عدة، ولما لم تعد، عقد العزم على تركها وشأنها إن عادت، قائلاً: “لن أشاهد هذا الشيء اللعين يتكرر أمامي مرة أخرى.”
لكنها لم تأتِ. شرع يبحث لعدة أشهر أثناء تجواله في البلدة، وركض مراراً خلف نساء طويلات القامة ظناً منه أنها هي.
لكنه لم يرها بعد ذلك قط.
………….
تعقيب
يسجل الكاتب الأمريكي جون شتاينبيك (1902-1968) في مقال له من العام 1951 بعنوان (About Ed Ricketts)، ضمن كتاب “سجل من بحر كورتيز” The Log from the Sea of Cortez ، إرهاصات قصة “الأفعى”، باعتبارها تداعيات لواقعة حدثت في مختبر صديقه عالم الأحياء إدوارد ريكيتس، بحضور أصدقاء جاؤوا لمشاهدة الأفاعي المجلجلة. ويصف شتاينبيك المشهد بقوله كيف وقف يتأمل الأفعى وهي تفترس فأراً، بينما كان الدكتور ريكيتس يشرح في لحظة عبثية: “انظروا ماذا سيفعل الآن… سيهضمه بسهولة بلعابه”[1].
تعتبر “الأفعى” من أكثر أعمال شتاينبيك غموضاً، لرمزيتها المنفتحة على تأويلات عديدة تتأرجح بين الصواب والخطأ. كما تكشف بذات الوقت قدرة شتاينبيك على صهر الحادثة الواقعية في ثقب أسود غامض داخل ذهنه، ليسبغ عليها طابعه الشخصي. ومن الأسلم إدراك عدم مطابقة ما جرى في القصة مع واقعة د. ريكيتس، غير أن احتفاظ شتاينبيك بمنهجية صديقه، أي عرض الحدث مجرداً، سوف يترك القارىء أما عبء استنباط المعنى من الغموض والالتباس اللذان يلفان القصة، حتى أنه، أي القارىء، قد يعجز عن الوصول إلى أي معالجة نقدية وتحليلية نهائية لها. لكن القصة تتجاوز مسألة التوثيق لواقعة غريبة شهدها صديقه ريكيتس، لتمثل محاولة جادة لاستكشاف منطقة رمادية في النفس البشرية. وتتحدد دوافعه في ثلاثة محاور هدس لها التفكير اللاغائي حيث آمن شتاينبيك وصديقه ريكيتس بالملاحظة الحيادية الجافة وبفلسفة ترتكز على رؤية الأشياء “كما هي” وتجنب إطلاق الأحكام الأخلاقية، في محاكاة لمراقبة العالِم لخلية تحت المجهر، وهي الروح ذاتها التي ستنسحب لاحقاً على مواقفه السياسية[2]. ويكمن دافع شتاينبيك هنا في اختبار هذه “البرودة المخبرية” بالسؤال عن مدى قدرة في الإنسان الحفاظ على حياده إزاء مشاهدة أفعى يبتلع فأراً، هب يبقى دون حراك، أم تنتفض طبيعته البشرية؟
وسواء كان الدكتور فيليبس يعيش هواجسه المكبوتة، أو كانت المرأة مدفوعة بغريزة جنسية، أو دينية، أو دافع انتقامي؛ فهي أمور تستعصي على التحديد النهائي. وإذا كانت الأفعى تمثل -في أحد مستويات التأويل- حقيقة الطبيعة العارية المجردة من الأخلاق، وأداة رابطة لتوحد المرأة مع فعل الافتراس. فيمكن تأويل الفأر (وهو الجانب الهش والمستسلم) بالضحية والضعف الخفي وما يتضمنه ذلك من ترميز نفسي واضح للتعبير عن “الأنا الضعيفة” المسحوقة تحت وطأة الغرائز الكبرى (الأفعى/المرأة). في مزيج من صراع الشهوة والرغبة والإيحاء بالإحباط المرافق، أو العجز عن بلوغ الغايات. يؤكده ما يرد على لسان الدكتور فيليبس في إشارته إلى “الرموز الجنسية النفسية” (كان شتاينبيك على دراية بنظريات التحليل النفسي الفرويدي وأعمال كارل يونغ)، فثمة تلميحات فرويدية ترجّح كفة التفسيرات الجنسية، كالدلالات المزدوجة للأفعى (الرمز القضيبي Phallic [كتجسيد للقدرة الجنسية البدائية] ومبدأ أو غريزة الموتThanatos [وفق التعريف الفرويدي]).
تتجاوز القصة أطر الحكاية الغرائبية لتشكل مختبراً معرفياً يشرح أزمة العقل الغربي الحديث، وتواطؤ المثقف، وإشكالية التشييء السياسي والعلمي، وصولاً إلى فلسفة اللغة وتأثيرها النفسي، دون الإغراق في التحليل الفرويدي المدرسي السطحي. وقد كتبت بلغة بسيطة لا نعهدها في كتابات أخرى، ويظهر فيها التأثر بتقنية الكتابة الصحفية من حيث الاقتصاد اللغوي الصارم والبرود الظاهري المبطن بكثافة نفسية بالغة، وأسلوب تقريري وواقعي. بعيداً عن العمارة اللغوية البلاغية في التفجع وإظهار العاطفة في مشاهد الموت، فيظهر الحدث بجمل قصيرة وفواصل دقيقة خالية تقريباً من الجمل الاعتراضية، دون مفردات معقدة أو مصطلحات غامضة، حتى أن لحظات التحدي النفسي يجري وصفها بلغة باردة تصل إلى القارىء مباشرة، لتمر منها وبها التوتر النفسي المكتوم والانهيار الداخلي الوشيك بالإيقاع وتتابع الجمل.
في الحقيقة يبدو أسلوب شتاينبيك أقرب إلى عدسة كاميرة تصف الحركة البصرية بدقة متناهية، فتنساب الأفعال لتلتقط المشهد. فالجمل مقطوعة وواضحة، وترتكز المفردات على الوصف الحسي المباشر والأفعال الحركية، بعيداً عن التراكيب المعقدة أو الزخرفة اللفظية الفائضة. وينسجم هذا الوضوح مع سلاسة المعنى وسهولة نقله من ثقافة أخرى[3].
يوقعنا شتاينبيك في مأزق بتعميته طبيعة العلاقة بين الطبيب والمرأة؛ فهي غريبة عنه، يجهل هويتها (ونجهلها نحن أيضاً). يلفها الغموض والعتمة، فثيابها داكنة، وشعرها أسود، وعيناها سوداوان، ولا نكاد نتبين ملامحها وكأن الظلام يطوقها. فتتجسد -على سبيل التأويل وليس الجزم- “الطبيعة الخام” في شخصية المرأة القادمة لكسر حياد العالِم (الدكتور فيليبس الي يراقب عيناته بصرامة وبرود).. وفي صراع “العقل” ضد “الغريزة المظلمة، سعى شتاينبيك لتصوير المواجهة بين العقل العلمي المنضبط (المختبر) والقوى الغامضة واللاعقلانية (المرأة). وتجلت غايته في إبراز عجز العلم، على دقته، أمام “السلوك الشاذ” المفتقر للمنطق. فقد تجاوزت رغبة المرأة دراسة الأفعى، لتندفع نحو “التوحد” مع فعل القتل[4].
يحيلنا هذا إلى تأويل مشروع: هل المرأة حقيقة أم حلم؟ … واقع أم وهم؟
هل هي هلوسة ناتجة عن وحدة الدكتور فيليبس العميقة وانعزاله بين حيواناته وأدواته وما يرافق ذلك من إحباط ورغبات مكتومة، فتتحول الأفعى إلى رمز لشهوة فجة يصعب إخفاؤها، وتتحول المرأة إلى معادل موضوعي لواقعه المحبط؟. وبلغة التحليل النفسي: معادلاً لرغباته المظلمة واندفاعاته المتخفية، تلك الآتية من العدم لتتلاشى في العدم… ولا ننسى استهلال القصة بحلول الظلام، واختتامها بذهاب المرأة دون ترك أي أثر لخطواتها على الرصيف.
وإذا قرأنا هذا التأويل من زاوية أخرى، نجد في الرغبات المقموعة تجسيداً للجانب الحسي العاطفي لدى الدكتور فيليبس، وهو جانب طمسه انغماسه في الدراسة والبحث. فوجود المرأة في مختبره -هذا الوجود المظلم اللاعقلاني المستعصي على التفسير- يبث فيه الرعب، فيستجيب لمخاوفه حينئذ، بالاتكاء، مثلاً، على التجرد الموضوعي لتبديد هلع الناس من منظر الأفاعي المرعب أثناء الصيد: “لو نظرنا إلى الموقف برمته نظرة مجردة، لن نرى سوى فأر… مجرد فأر… وبذلك يزول الهلع”.
ولكن، هل ينطبق الأمر عليه؟
لعل الدكتور فيليبس، بتبريره الافتراس، يحاول إخفاء مخاوفه من التحول إلى ضحية للأفعى (أو للمرأة). يتجلى هذا السقوط في فخ الخوف اللاعقلاني، لرجل يحتكم إلى العلم، في تناقض انفعالاته بين “هذا أجمل شيء في العالم” و”إنه أفظع شيء في العالم”. وما هو لافت هنا، ثبات المرأة النفسي؛ فبينما يتوقع القارئ ظهور شخصية عصابية، أغدق شتاينبيك عليها هالة رمزية بتجريدها من أي أبعاد أخرى (نجهل مهنتها، وتفاصيل حياتها، وسبب اختيارها لهذا المختبر… وغيرها من مفاتيح المعرفة).
بقيت المرأة طوال القصة شخصية مسطحة مجردة من العمق، تستمد قوتها من نظرة الدكتور فيليبس إليها، ومن سمات السواد والظلام التي أسبغها الراوي عليها. احتفظ شتاينبيك بغموض مشاعرها عبر صياغة وصفية محايدة، فأبقاها لغزاً مجهولاً. ويسعنا النظر إلى وجودها كنتاج للتفاعل الديناميكي بين مهنة الدكتور فيليبس بوصفه عالماً، وبعده العاطفي بوصفه إنساناً. وبتعمق أكبر، تمثل المرأة قوة شريرة تهدد الدكتور الشاب لرفضه الاعتراف بالجانب المظلم والفوضوي في أعماقه. وبذلك، نفهم إعادة تدويره لخوفه من الهدوء العقلاني إلى الرعب اللاعقلاني -متجاهلاً تناقضهما الفرويدي- وصولاً إلى ذروة الإغواء الجنسي (على المستوى الرمزي)، وانتهاءً بتمرده النفسي العقلاني ورفضه القاطع للمجهول.
ويلخص شتاينبيك ذلك في إحدى مقالاته: “كان لا بد من كتابة قصة الأفعى. لا أعرف مغزاها، لكنه مغزى فظيع جداً ولاعقلاني. سأكتبها ببطء، وبطريقة لا واعية. أراها الآن قصة مروعة وبغيضة؛ ولا أعرف دلالتها الدقيقة. سأكتب هذا الشيء المخيف رغم ذلك… لا بد من كتابتها، وإلا التهمتني” .
العُصاب في المختبر
المختبر هو المكان المثالي لاشتباك -بالأحرى اصطدام- العقل بالغريزة، وتمثل البرودة لدى شتاينبيك، من منظور التحليل النفسي، محاولة لـ”قتل الفأر” (الآخر/المختلف) إرضاءً لـ”الأفعى” (السلطة/الأمن) داخل مختبر الدولة البارد، لمنع خطر “المرأة” (الفوضى/الثورة/اللاوعي) المهددة لاستقرار عقولهم “المنضبطة”. وتشكل العلاقة بين الدكتور فيليبس والمرأة نموذجاً مثالياً للعُصاب الناجم عن اصطدام العقلانية الجافة بالغرائز البدائية المكبوتة. ويتجلى هذا التوتر العُصابي المستمر في الصراع بين الرغبة في السيطرة (العلم) وخشية الانقياد (الغريزة). وليس صعباً الاستنتاج أن الدكتور فيليبس يعاني من عُصاب الانفصال؛ إذ تقتصر قدرته على مقاربة الحياة عبر عدسة المجهر أو زجاج المختبر. وتخترق المرأة هذه المسافة، متجاوزة حدود المراقبة نحو “المشاركة الوجدانية” في فعل القتل (إطعام الأفعى).
يثير سلوك المرأة البارد قلقه العُصابي لأن هذا البرود يعكس حقيقته المكبوتة؛ إذ يحلل الطبيب القتل بوصفه “عملية بيولوجية”، في حين تعيشه المرأة “طقساً غريزياً”. يلاحظ بذهول تطابق حركات رأسها وتوقيت أنفاسها مع الأفعى وكأن هناك نوع من التماهي العُصابي بينها وبين والأفعى، مما يثير الرعب في داخله؛ لإدراكه حيوية “العلم” المدروس ورعبه، وقدرته على التجسد في إنسان، متجاوزاً كونه مادة ميتة. وينبع عُصابه من عجزه عن تصنيف “المرأة-الأفعى” داخل أدراجه المنظمة.
يتجاوز مختبر الدكتور فيليبس كونه حيزاً مكانياً لدراسة الأحياء، ليغدو تمثيلاً دقيقاً للعقل الغربي المهووس بالتصنيف، والتبويب، وإخضاع الطبيعة للمنطق الصارم. فيحاكي بنية “الدولة الحديثة” الساعية لتدجين الغرائز والفوضى داخل أقفاص زجاجية محكمة. ويجسد الدكتور فيليبس صورة “المثقف الأبيض” المحتمي بخطاب العلم التجريبي، متوهماً امتلاكه حصانة ضد الفوضى. ويمثل اصطدامه بالمرأة الغامضة انهياراً حتمياً لهذا النموذج العقلاني إزاء الواقع الخام المفتقر للمنطق؛ فتقتحم الطبيعة، بعبثيتها وقسوتها، مساحة التجريد الفكري، محطمة جدران العزلة النفسية للمثقف.
تسقط القصة وهم الحياد وأسطورة “المراقب النزيه”[5].
في معنى البعد الفرويدي للتلصص Voyeurism
تعد مراقبة الطبيب لعملية الابتلاع ضرباً من التلصص (Voyeurism)؛ فيختبأ خلف مجهره لاستراق النظر إلى الموت. ويقع في القصة رموز عدة يمكن حسابها في ميزان التحليل النفسي، فتكشف، من زاوية التحليل النفسي، صراعاً بدائياً محبوساً داخل جدران المختبر. ويكون الدكتور فيليبس تجسيداً لـ “الأنا” الواعي والمنطقي الساعي للسيطرة على الغرائز بوساطة العلم والتصنيف. يعيش داخل مختبره (منطقته الآمنة فكرياً)، غير أن بروده العلمي يمثل آلية دفاعية للهروب من المشاعر العميقة. وسيفقد استقراره حين تقتحم المرأة منطقته تلك وتواجهه بما يخفيه خلف مجهره. أما المرأة غريبة الأطوار، فتمثل الـ “هو” و “الأنيموس” التدميري Dark Animus ، في مدرسة علم النفس التحليلي لكارل يونغ، أي الجانب الذكوري اللاواعي الكامن في نفس المرأة (مقابل “الأنيما” أو الجانب الأنثوي لدى الرجل). ويتخذ هذا الجانب، في عجزه عن التكامل مع شخصية المرأة الواعية، شكلاً تدميرياً وتتجلى خطورته في طغيانه على وعي المرأة، محولاً إياها إلى قوة قهرية مجردة من المشاعر، لجهة البرود العاطفي والميل لاتخاذ أحكام قطعية والنزعة السادية الافتراسية . عموما، تشكل المرأة الرمز الأقوى للغريزة البدائية غير المروضة. وتجسد، في القصة الظل القابع في أعماق الدكتور فيليبس الذي ينكره. أما المختبر والشارع فيمثلان حالة (الوعي واللاوعي) فالمختبر هو قشرة الوعي الخارجية والمساحة المنظمة الساعية لتدجين الطبيعة، في حين يمثل المحيط وشارع تعليب السردين حالة اللاوعي الجمعي بما يشتكلان على الروائح النتنة والفوضى والمد والجزر. ويقبع المختبر على حافة المحيط، في محاكاة دقيقة لوقوف العقل البشري على حافة هاوية الغرائز المظلمة. من ناحية أخرى، يرمز المحيط إلى الرحم و”المجهول”، ونعلم أن المحيط يجري تفسيره بصفته “الأم الكبرى”، أو اللاوعي السحيق.
يتسم الدكتور بـالسادية” وفقاً لطبعه العلمي (يقتل الحيوانات لحفظها)، وتتسم المرأة بالمازوخية باستمتاعها بمشهد الفناء (ابتلاع الفأر). ويكمن التصادم العُصابي هنا في إجبار المرأة إياه على رؤية “بشاعة” مهنته. فبطلبها إطعام الأفعوان، تدعوه لارتكاب “جريمة مشتركة” متجاوزة نطاق “التجربة العلمية”. ودفعته هذه المشاركة للشعور بالاشمئزاز والغثيان؛ متمثلاً في رد فعل عُصابي جسدي رافض للحقيقة. غير أن المرأة تمثل في النهاية معنى “الأنثى البدائية” التي تهدد “المنطق الذكوري” المنضبط، ولعل هذا عو منبع خشية الدكتور فيليبس لها لأنها تخدد بنيته العقلية العميقة، بعيداً عن الخوف من الأذى الجسدي؛ فهي تجسد “الفوضى” المستعصية على التعليب داخل صفيحة سردين. ويتمثل الفعل العُصابي في محاولة الدكتور فيليبس طرد المرأة من مختبره، سعياً لإعادة الهدوء إلى عيناته الميتة.
يمثل غياب المرأة، وتخليها عن الأفعى، ذروة التوليد الفلسفي في القصة. ويؤكد هذا الغياب انعدام الغاية النفعية لحضورها، مثبتاً طبيعته الطقسية. فقد حضرت لتمارس سلطة المشاهدة، وتدنس نقاء المختبر، وتجبر العقلانية الجافة على التوحد مع فعل القتل. ويترك غيابها الدكتور فيليبس (والقارئ) في حالة تسمم معنوي. لقد لوثت عالمه، فاستعبدته ذهنياً بتركها أداة الموت في عهدته، وجعلته شريكاً في سادية المراقبة، ورحلت وتركت خلفها الأفعى في مختبره كذكرى دائمة لسقوطه الأخلاقي، تغيب ويبقى وحيداً يتخبط في عُصابه وتناقضاته. وكما يغيب المثقف الانتهازي تاركاً نصوصه المحببة ممزوجة بسم الوشاية المستعصي على التجاهل، حضرت الحقيقة في حياة الطبيب لمرة واحدة كاشفة استعلاءه، ثم غابت تاركة إياه يتخبط في التناقض، يحاكي هذا المصير انزلاق المثقف الانتهازي وتماهيه مع السلطة؛ حيث تتجلى الحقيقة لمرة واحدة لتكشف هشاشة استعلائه.
ويكون التساؤل عن سبب مجيئ المرأة لابتياع الأفعى وعدم عودتها لاحقاً السؤال الجوهري، بمنزلة الناقل للقصة من حكاية غرائبية إلى نص فلسفي وسياسي عميق، ليربطها بجوهر أزمة إنسان الحرب الباردة. كما يشير عدم عودة المرأة في القصة إلى تبخر الفعل بعد اكتماله. أما عند المستوى النفسي فيؤكد غيابها الطبيعة الطقسية لحضورها، بعيداً عن الغرض السردي المباشرة (شراء حيوان). فبمجرد حدوث المواجهة ومشاهدة الافتراس والتوحد معه، تلاشت حاجتها للطبيب والمختبر.
ولكن، لماذا حضرت أصلاً؟
هل كانت تستدرج الدكتور فيليبس لاكتشاف حقيقته بقصد “تدنيس” نقاء مختبره. عندما أرادت كشف حقيقة علمه الذي يفاخر به وهو في الحقيقة سيرك للموت. أم أن حضورها يجسد لحظة اقتحام “السياسة القذرة” صومعة “المثقف المترفع”، حين تجبر الدكتور فيليبس على لمس الفأر بيده وتقديمه للموت. كما يمثل امتلاكها للأفعى نوع من امتلاك القوة بالوكالة، ويمثل هذا قمة العلاقة العُصابية؛ فبامتلاكها أداة القتل، تجبر العالِم على إطعام هذه الأداة ومراقبتها[6].
الهروب من الفخ الفرويدي: نحو تفسير وجودي وسلوكي
يحول الإفراط في الإسقاط الفرويدي النص الأدبي إلى حالة إكلينيكية جامدة، فيجرده من جماليته وغموضه الإنساني. وتبرز، هنا، ثلاثة أسباب جوهرية تدعونا للحذر من هذا الإسقاط (أ) يؤدي تحويل المرأة إلى مجرد “هُو”، والأفعى إلى رمز جنسي صرف، إلى تسطيح القصة وسلبها أبعادها الوجودية والبيولوجية والطبقية. فقد قارب شتاينبيك الحياة بزخمها الكامل، متجاوزاً كراسات التدريب النفسي.(ب) تختلق مدرسة التحليل النفسي أحياناً المعنى المبحوث عنه؛ فرؤية الأفعى تستدعي الرمز القضيبي، والمحيط يستدعي الرحم. يطمس هذا التفكير الدائري قصد شتاينبيك الأساسي المتمثل في تصوير الدهشة والاشمئزاز إزاء الواقع الخام.
لقد انصب اهتمام شتاينبيك على البشر ضمن سياقهم الاجتماعي والسياسي. ويتجاوز الدكتور فيليبس كونه مجرد “أنا”، ليمثل مثقفاً في ثلاثينيات القرن العشرين، متوهماً لأن العلم يمنحه حصانة ضد الفوضى. وتقليص هذا الصراع إلى أبعاده الغريزية الداخلية يفقد القصة سياقها التاريخي.
يمكن-في هذه الحالة- اللجوء إلى التفسير السلوكي الوجودي كبديل أكثر دقة.
إذ يعرض هذا التفسير القصة بوصفها صراعاً بين المراقب (الساعي للبقاء خارج الحدث) والمشارك ( المنجذب لقلب الحدث). ولإعادة تمركز الشخصيات بعيداً عن القوالب الفرويدية الجاهزة، يبرز علم النفس التحليلي (اليونغي) وعلم النفس الوجودي؛ لتركيزهما على المواجهة والظلال متجاوزين الغرائز الجنسية البحتة، وهنا تظهر لنا أربع سمات أساسية تشكل جوهر ومحور القصة: الدكتور فيليبس والمرأة والأفعى وأخيراً الفأر. ويكون الدكتور فيليبس بمنزلة مثقف منعزل يعاني عُصاب الانفصال؛ فيعيش وهم السلطة على الواقع بفضل المعرفة التي يمتلكها، مما يقيه من التلوث بهذا الواقع. ويتمثل تمركزه النفسي في الهروب نحو العقلنة لجهة تحويل الرعب الإنساني إلى بيانات علمية باردة، فيحمي بهذا البرود شعوره .
أما المرأة فتمثل الحقيقة العارية الكاشفة لجوهر الغريزة. ويهدف تمركزها النفسي لكسر الحصانة المحيطة بالطبيب، فتجبره على المشاركة الوجدانية في فعل القتل. ويشكل حضورها في المختبر اقتحاماً واقعياً لمساحة التجريد الفكري.
وتعبر الأفعى عن القوة الكامنة، فتجسد الطبيعة الصامتة اللامبالية بالأخلاق البشرية. وتشكل هذه القوة، الفاعلة والفقيرة للتنظير، نقيضاً تاماً للدكتور المنظِّر والمفتقر للفعل.
أما الفأر فيمثل الموضوع، أي كل ما يتعرض للتشييء في العلم والسياسة. ويحاكي كائناً حياً مجرداً من قصته، فهو مجرد محض “غذاء” أو “بيانات” تخدم نظام أكبر (الأفعى/الدولة).
في النهاية، يحتاج شخص كالدكتور فيليبس لمثل هذه الإيحاءات للفكاك من ذهانه. وهنا نعود إلى المربع النفسي الأول: لعل المرأة شخص حقيقي لا وهم فيه! شخص عادي يعلم بتجارب الدكتور، وأراد اختبار مشاعره بمراقبة ثعبان يلتهم فريسته (ألم نلحظ تفاعلها الجسدي مع لحظة الانقضاض؟)، لتغادر فور إشباع فضولها.
يمثل برود الدكتور فيليبس درعاً روتينياً يقيه فوضى المشاعر. وتضرب استفزازات المرأة في أعماقه، فهي قد قلبت الأدوار بين الفاحص والمفحوص. تحديقها أكثر من فحص علمي، لقد كان تماهياً شهوانياً وغريزياً. تجاوزت به البروتوكول المختبري بنظرتها للأفعى كـ”ذات” لا كـ”نوع”. مثل هذا التحديق الصامت جعل من الدكتور فيليبس عينة غريبة في مختبره هو. حتى أن عبارة “أريده أن يأكل” حكمت عقلانيته، فهو يرى في الإطعام ضرورة بيولوجية (منطق آلي)، بينما هي ترى فيه إرادة ورغبة (تحويل الفعل البيولوجي إلى لذة سادية).
أجبرته مقولتها على إدراك حقيقة ممارسته اليومية كفعل قتل حقيقي، لتجسد الرغبة الكامنة خلف الروتين؛ مما أرعبه سلبها قدرته على الاختباء خلف واجبات المهنة.
ولكن ثمة شرك سردي هنا، ألا يعني هذا أنسنة الفأر وتحطيم التشييء، إذ يمثل الانتقال من عين العالم المجردة إلى كيان الفأر المعذب، الانقلاب الأخلاقي للقصة بتحطيم التشييء حين يعيد شتاينبيك للفأر كينونته الحية بتصوير ذعره وانتفاضته، بعيداً عن نظرة الطبيب إليه كغذاء. ليصطدم القارئ بحقيقة الكائن المعاني.
ثم من خلال تصوير الفأر كمرآة للمثقف (أو الضحية)، حيث يضعنا سرد الفأر في موقع الضحية المنتظرة لافتراسها المحتوم. ويحاكي الفأر المحبوس أسماء ضحايا البيروقراطية التي تبتلعها الدولة (الأفعى)، تحت مراقبة المثقف البارد. وأخيراً من خلال الصمت المرعب مقابل اللغة: فالفأر يفتقر للغة، لكنه يملك جسداً مرتجفاً. ويوظف شتاينبيك اللغة الوصفية لمنحه صوتاً. وهنا تبرز المفارقة في توظيف الطبيب لعلمه ولغته للصمت والفرجة، في حين ينطق الفأر الصامت بالحقيقة الوجودية للموت.
يسحب شتاينبيك المجهر من يد الطبيب بانتقال السرد لداخل القفص؛ فيتحول الفأر من شيء إلى بطل\فاعل يشعر بالخطر. وتعرف الضحية الواعية جلادها قبل لمسها، بجعل الانتظار عملاً أقسى من الموت. ويجبر هذا القرب الوصفي القارئ على السكن في جسد الضحية، ليشعر بألم الافتراس .
تبدو “الأفعى” نصاً بسيطاً من حيث اللغة والحبكة، لكن هذه البساطة تخفي توتراً عميقاً. لا يقدّم شتاينبيك معنى جاهزاً، بل يضع القارئ داخل مشهد مراقبة كل شيء فيه واضح بصرياً، وغامض دلالياً، ولعل هذا التوتر بين الوضوح والغموض هو مفتاح القراءة. إذ يستدعي النص، بطبيعته، أدوات التحليل النفسي عبر دلالات وعناصر محددة، لكن تحويل هذه العناصر إلى رموز ثابتة يفقد النص حركته. فشتاينبيك لا يكتب معادلة، بل يخلق حالة. ومن هنا تتكثف عناصر الغموض فالمرأة لا اسم لها ولا ماضي ولا دافع حقيقي رغم حضورها الكثيف لكنها تفتقد إلى العمق تبدو أقرب ما تكون إلى حدث منها إلى شخصية ( تدخل وتراقب وتطلب، ثم تختفي). تكاد تنعدم رؤيتها لولا أثرها على الدكتور فيليبس.
فيليبس داخل في نظام مغلق يمثل المختبر فيه طريقة للرؤية (يعرضه شتاينبيك وهو “يراقب” و يصنف” و “يفحص” و “يشرح” كأنه يحاول أن يبقي العالم ضمن حدود الفهم. لكن حضور المرأة يخلخل هذا النظام. وهكذا لا يعود المشهد مجرد تجربة بيولوجية، بل يتحول إلى مواجهة. وعند هذه اللحظة سيظهر التناقض في سلوكه. فهو يشرح الافتراس بلغة باردة، ثم يتردد وينفعل ويختل توازنه. (بين عبارتيه: “هذا أجمل شيء” و”هذا أفظع شيء”) لينكشف التمزق الداخلي.
في الحقيقة -وبعكس ما يمكن توقعه- العلم لا يلغي الخوف، وإنما يغطيه فقط. فمشهد ابتلاع الفأر -وهو المشهد المركزي في القصة على كل حال- يقدمه شتاينبيك -إلى جانب صورته الرمزية- كتجربة حسية مباشرة، فـ”نشعر” بالفأر وهو يرتجف، وكذلك الأفعى حين تقترب على نحو صامت، وكيف يتحرك لسانها بسرعة خاطفة.
ينجح شتاينبيك في نقل القارئ من موقع المراقب إلى داخل القفص، وحين يدرك القارىء أن الفأر تحول من غذاء إلى “كائن” يشعر بالخطر، فتنكسر عند القارىء، حيادية المختبر. مجرد تغيير بسيط في زاوية الرؤية يذوّت القارىء الرمز مما يجعله يفهم المرأة كقوة كاشفة لما هو قائم أصلا، دون إغفال رمزيتها المغلقة. فينشأ سؤال داخلي، بالأحرى أسئلة. هل دور المرأة الغامضة في القصة خلق الرغبة أم العنف؟ أم كليهما معاً؛ تدفعهما إلى السطح. إن طلبها
“أريده أن يأكل” يحوّل الفعل من ضرورة بيولوجية إلى إرادة. وهذا ما يربك فيليبس لأنه معتاد على الافتراس ذاته، ولكن ليس الاعتراف به. فهل يكتفي بالمراقبة، أم يشارك؟ وهل يمكن للعلم أن يبقى محايداً أمام مشهد عنف حي؟ علماُ أن المراقبة هنا ليست بريئة. فهناك ثمة انجذاب ونفور وتوتر.
في الحقيقة؛ لا أحد يخرج من المختبر محايداً. حتى اللغة تعكس هذا التوتر، فالقصة تزخر بالجمل القصيرة والوصف المباشر والأفعال الدقيقة. كأن النص يتحول في مرحلة ما إلى كاميرا، لكنه يمرر، في ذات الوقت، توتراً نفسياً دون تعليق، ولعل هذا ما يجعل الترجمة تحدياً خاصاً، فالمشكلة ليست في نقل الكلمات، بل في نقل الإيقاع والصمت بين الجمل. ففي لحظات التوتر، يعتمد شتاينبيك على الحركة أكثر من الوصف. فعلى سبيل المثال حين يصف لسان الأفعى فهو لا يقدمه لوناً، بل فعلاً يضرب الهواء ويتحسس ويختبر. وعلى الترجمة هنا نقل الوظيفة الحسية للصورة وليس شكلها فقط، مع الحفاظ على اقتصاد النص الذي هو سمة القصة. فدلالات اللون الأسود للسام والترجمة الحركية، تبدأ من لحظة “تخدير” الدكتور فيليبس بشاعة الموقف فيلجأ إلى المحاضرة بوصفها آلية دفاع علمية؛ محاولاً عقلنة الموت وتبريره ميكانيكاً وحيوياً. وتخلق الفجوة بين صوته المسترسل وصمت الفأر المذعور توتراً خانقاً. فيأتي وصف لسان الأفعوان الأسود الباحث عن دفء الحياة لإطفائها تجلياً للواقعية القاسية. ويصف شتاينبيك اللسان بالأسود (Black tongue) مستخدماً أفعالاً حركية (Flickering, Testing) تحمل، في الإنكليزية، إيحاءات الآلية والعدمية والخطر الصامت. وتقتضي الترجمة هنا تفكيك هذه الصورة البصرية قبل نقلها إلى لغة أخرى.[7]
يبقى السؤال الأهم بلا إجابة قاطعة: لماذا جاءت المرأة؟ ولماذا اختفت؟
هذا الأثر هو مركز القصة.
في النهاية، لا تقدّم “الأفعى” جواباً، بل تجربة. تضع القارئ أمام مشهد بسيط، وتتركه يواجه ما يثيره هذا المشهد: فضول ونفور وانجذاب، أو خوف. وهذا ما يجعلها نصاً مفتوحاً. كل محاولة لإغلاقه تترك شيئاً خارجها.
يكمن جوهر القصة في مقاربتها لرؤية ريكيتس للعالم، وهي مقاربة تعتمد على مبدأ “التفكير اللاغائي” بمعنى مراقبة الأحداث والظواهر موضوعياً، دون افتراضات مسبقة بوجود غاية أو هدف خلفها (أي التركيز على إدراك “ما هو كائن” بدلاً من البحث عن “لماذا كان”)، تاركاً للسياق حرية خلق المعنى.
ولعل الحل الأمثل يكمن في قراءتك الشخصية -عزيز القارىء-، لتقرير ما أراد شتاينبيك إيصاله في النهاية.
………..
[1]. يذكر غروف داي (أحد أصدقاء شتاينبيك) أن والد ريكيتس هو من أحضر الأفعى، وأن سيدة حضرت الحادثة كانت تمسك فأراً أبيضاً، فاقترح البعض إطعامه للأفعى. ورغم تأكيد شتاينبيك تكراراً نقله للحدث “كما وقع تماماً”، يرى غروف أنه لعب بالتفاصيل جميعها؛ إذ تختلف القصة جذرياً في تفاصيلها ومزاجها عن روايات الشهود. يذكر أم شتاينبيك كتب القصة في العام 1934 ونشرها في العام 1935، ثم ضمنها في مجموعة “الوادي الطويل” (The Long Valley) عام 1938.
[2]. تشرح القصة دافع\دوافع “الاستمتاع بالمراقبة”. أي سر متعتنا برؤية القوي يفترس الضعيف وهو التساؤل عينه الذي قاد شتاينبيك لتبرير القوة العسكرية في فيتنام؛ ليتحول من مراقب للضحايا في “عناقيد الغضب” إلى منبهر بـ “الأفعى” المتمثل في آلة الحرب. لقد دفعت هذه “العلموية” (Scientism) به لرؤية العمليات العسكرية والسياسية على هيئة “تفاعلات بيولوجية” حتمية، فانزلق نحو مواقف سياسية بالغة القسوة في أواخر حياته، حين تحول إلى مدافع شرس عن التدخل الأمريكي في فيتنام. كان شتاينبيك صديقاً مقرباً للرئيس ليندون جونسون، ودعم على نحو مطلق “سياسة الاحتواء” في جنوب شرق آسيا، وذهب إلى فيتنام بصفة مراسل حربي لصحيفة Newsday (1966-1967)، وهاجم في تقاريره المتظاهرين المناهضين للحرب والمتمردين في الداخل. وتثبت الوثائق الرسمية المرفوع عنها السرية أن شتاينبيك بعث رسالة في 28 كانون الثاني 1952 إلى مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، الجنرال والتر بيديل سميث، يعرض فيها صراحة تقديم معلومات استخباراتية خلال جولته في أوروبا التي رعتها مجلة Collier’s. وحظي العرض بموافقة سريعة من الوكالة؛ حيث رتّبت له إحاطة أمنية قبيل مغادرته. للاطلاع على المزيد راجع: أمير العمري، “هل كان الكاتب جون شتاينبك عميلاً سرياً للمخابرات الأميركية؟”، ميدل إيست أونلاين، 25 آذار 2020، https://middle-east-online.com، تاريخ الاطلاع: 13 نيسان 2026. لمعلومات وافية، راجع: Brian Kannard .(2013).Steinbeck: Citizen Spy. Grave Distractions Publications, (Chapter 1: The Offer.P1)
[3]. هذه السلاسة هي ما تمنح المترجم القدرة على ترويض اللغة، وهذا ما يؤمن للمترجم معيناً خصباً من المفردات والتراكيب القادرة على حمل أي ثقل غير مرئي. علماً أن الاقتصاد اللغوي في كتابة القصة القصيرة (لا سيما الأنغلوسكسونية) يقوم على فلسفة تتخطى تقنية اختصار الكلمات. فعلامات الترقيم، مثلاً، تبدو أكثر من إشارات مرور نحوية للتوقف والاستمرار، فتعمل كأدوات نفسية وموسيقية بآن معاً، إذ تلعب الفاصلة والفاصلة المنقوطة عند “أليس مونرو” و”نادين غورديمير” -على سبيل المثال-دوراً مذهلاً في تقطيع تيار الوعي، أو ضغط عقود من الزمن والتغيرات النفسية داخل جملة واحدة مكثفة، مما يمنح النص إيقاعاً لاهثاً أو متأملاً حسب الحاجة. بينما نجد “رولد دال” و”أمبروز بييرس” يستخدمان “الشرطة(-)” والنقاط الثلاث(…) لكسر التوقع، أو بناء توتر ساخر، أو إحداث صدمة مفاجئة تشبه اللدغة. تُوجت هذه الفلسفة القصصية، لاحقاً، بنظرية الجبل الجليدي لإرنست همنغواي التي تعتمد على مبدأ الاختزال والتركيز على “المسكوت عنه” أكثر من المكتوب؛ فما هو ظاهر يعبر عن تمثيل للمحتوى المكتوب، فالكاتب ليس بحاجة إلى شرح كل مشاعر الشخصيات أو تفاصيل الأحداث بشكل مباشر؛ إذ تكتفي الكلمة المكتوبة بتصوير الأفعال الخارجية، والحوارات المقتضبة، والتفاصيل المادية المحسوسة، ويترك للقارىء مهمة استشعار الكتلة الضخمة من الحقيقة العميقة والتوتر النفسي والرموز الكامنة التي تشكل “كتلة الجبل” الخفية ليظل القارئ في حالة تتبع مستمر للأثر المتروك، محاولاً فك شفرة الصمت الذي يغلف الشخصيات، حيث تترجم الأفعال اليومية البسيطة صراعات وجودية كبرى لا تحتاج إلى نطق لتكون حاضرة. ومن هنا تعتمد المدرسة الحديثة في كتابة القصة باللغة الإنكليزية (وخاصة تيار الوعي) على الفاصلة لتقطيع الأنفاس، أو إحداث تردد نفسي، أو تسريع الإيقاع البصري عبر سرد مشاهد متلاحقة خالية من أدوات الربط. في المقابل، تميل الذائقة العربية إلى الانسيابية والوصل الدائم باستخدام حروف العطف (الواو، الفاء، ثم). وهنا يجد المترجم نفسه في مأزق الإيقاع؛ فإن استبدل الفاصلة الإنكليزية بـ “الواو” العربية، يكون قد أثقل النص وأفقده لهاثه وتوتره. وإن أبقى على الفاصلة، بدا النص العربي متقطعاً ومبتوراً على نحو يزعج العين والأذن العربيتين المعتادتين على التدفق البلاغي. أما الفاصلة المنقوطة فهي أداة توازن حين تربط بين جملتين مستقلتين تحملان شحنة دلالية متصلة أو متناقضة، وتجبر القارئ على التوقف لبرهة أطول من الفاصلة وأقصر من النقطة، تاركة له مهمة استنتاج الرابط الخفي بين الجملتين. أما في قواعد الإملاء العربية الحديثة، فقد قيدت وظيفتها في كثير من الأحيان لتدل على (التعليل أو النتيجة). وحين يستخدم كاتب مثل بييرس أو غورديمير الفاصلة المنقوطة لدمج صورتين متناقضتين دون تقديم تفسير، يجد المترجم العربي نفسه محاصراً؛ فوضع الفاصلة المنقوطة قد يوحي للقارئ العربي بسببية غير موجودة، وتحويلها إلى نقطة يكسر المشهد ويفصله، واستخدام حرف العطف يسطح المفاجأة ويفقد المشهد صدمته الفنية. لهذا السبب، يتجاوز نقل هذه العلامات مجرد استبدال رمز بآخر؛ فهو محاولة لترجمة “صمت” الكاتب، وإيجاد المعادل الزمني والنفسي لزفراته في لغة تهتم بالوصل والتمدد.
ولا تقتصر هذه المعضلة على النقل إلى العربية؛ إذ يواجه المترجم إلى الإنكليزية تحدياً معاكساً لا يقل تعقيداً. فالنص العربي محمّل بكثافة من الإشارات الثقافية والتاريخية والبلاغية التي لا يمكن اختزالها إلى معانيها المعجمية المباشرة. وتظهر الصعوبة بوضوح عند التعامل مع الأمثال والتعابير الاصطلاحية؛ فعبارة مثل “دونه خرط القتاد” لا تنقل مجرد معنى الصعوبة، بل تستدعي صورة صحراوية كاملة ترتبط بنبات القتاد الشائك وما يقتضيه خرطه من مشقة تكاد تبلغ حد الاستحالة. وكذلك الحال في قولهم “بينهما ما صنع الحداد”، حيث يستحضر التعبير ذاكرة اجتماعية كاملة عن القطيعة والعداوة دون حاجة إلى شرح مباشر. ويجد المترجم الإنكليزي نفسه هنا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما نقل المعنى المجرد فيخسر الحمولة الحضارية للصورة، أو شرح الخلفية الثقافية فيثقل النص ويعطل إيقاعه. لذلك لا تختلف الترجمة من العربية إلى الإنكليزية، في جوهرها، عن الترجمة من الإنكليزية إلى العربية؛ ففي الحالتين لا يترجم المترجم الكلمات وحدها، بل يحاول نقل شبكة كاملة من الإيحاءات والذاكرة الثقافية والصمت الكامن خلف اللغة.
مثل هذه التحديات تنقل النقاش من مستوى «الفاصلة والواو» إلى سؤال أعمق: كيف تُترجم الثقافة. وهذا يفسر سعي المترجم لتجريد النص من الكليشيهات والزوائد التفسيرية، والابتعاد عن العبارات البلاغية الفائضة، والاعتماد على الجمل القصيرة والواضحة ذات التأثير القوي؛ لأن نقل هذا الاقتصاد اللغوي إلى لغة أخرى ( كالعربية، التي تميل فطرياً إلى الإطناب والترادف والتوشية البلاغية) هو التحدي الأكبر لأي ترجمة.
[4]. لعل هذا ما أثار رعب صديقه ريكيتس، وهو أيضاً ما دفعه لكتابة القصة، وربما ثمة دافع خفي يتمثل في الانجذاب نحو “المفترس” وهذا الدافع متصل بسيكولوجية “القوة”؛ فقد سكنت فكرة القوة والضعف مخيلة شتاينبيك كما في رواية “فئران ورجال” Of Mice and Men (1937). فالرواية لا تقتصر على تصوير الصداقة أو الحلم الأمريكي، بقدر ما تستكشف هشاشة الإنسان داخل عالم تحكمه علاقات قوة غير متكافئة. حيث يجسد ليني مفارقة لافتة بوصفه الأقوى جسداً والأضعف وعياً، في حين تمثل شخصيات مثل كروكس وكاندي أشكالاً مختلفة من التهميش والعجز الاجتماعي. ومن خلال انهيار حلم امتلاك الأرض، يكشف شتاينبيك محدودية قدرة الأفراد على مقاومة البنى الاقتصادية والاجتماعية القاهرة. وتساعد هذه الثيمة على فهم قصة “الأفعى” أيضاً؛ إذ يعود الكاتب فيها إلى السؤال ذاته بصيغة رمزية: ما الذي يجعل الإنسان ينجذب إلى القوة، ولماذا يجد نفسه، مراراً، موزعاً بين موقع المفترس والضحية والمراقب؟. كان شتاينبيك مأخوذاً بسؤال: لماذا ينجذب البشر إلى القوة؟ ولماذا يجد الضعفاء أنفسهم داخل دائرة افتراس لا يستطيعون مغادرتها؟ تظهر هذه الفكرة في “فئران ورجال” في العلاقات بين البشر. أما في “الأفعى” فينقلها شتاينبيك إلى مستوى آخر “بيولوجي” يتمثل في مشهد الافتراس نفسه. وفي الحالتين يظل شتاينبيك مشغولاً بالحد الفاصل بين المراقب والضحية والمفترس، وهو حدّ يتبدل باستمرار ولا يبقى أحد على أحد جانبيه طويلاً.
[5]. يعتقد الدكتور فيليبس (ونظيره في الواقع جورج أورويل) بسلامة موقفه الأخلاقي لاكتفائه بالمراقبة من خلف الزجاج، متجنباً التلوث بدماء الضحية. غير أن النص يولد فكرة أعمق: المشاهدة، في سياق السلطة، هي أقسى درجات السادية والمشاركة بوصفها تواطؤ وفعل إقصائي حين يتورط المثقف أخلاقياً بمجرد توفيره مسرح الجريمة (إطعام الفأر للأفعى / تسليم قائمة الزملاء للمخابرات). يكتفي المثقف بتهيئة ظروف الفناء، تاركاً للنظام (الأفعى/الدولة) مهمة الافتراس، ثم يلبس هذه الجريمة لبوس “الضرورة البيولوجية” أو “الأمن القومي”. ويفضح الاشمئزاز الجسدي، الذي أصاب الطبيب في نهاية المشهد، هذا التواطؤ؛ مؤكداً استحالة الحياد، ومثبتاً انخراط “العقل الأمني” للمثقف في صناعة الموت.
يتقاطع خطاب العلم والسياسة في مسعى دائم لتحويل الكائن الحي إلى رقم، أو بيانات، أو محض “وحدة حرارية/غذاء” لتسهيل إبادته. ويمثل مشهد الافتراس في القصة تمرداً أدبياً على هذا التشييء؛ إذ يسحب شتاينبيك المجهر من يد الطبيب لينتقل بالسرد إلى داخل القفص، مسلطاً الضوء على ارتجاف الفأر وانتفاضته. ويعيد هذا القرب الوصفي للضحية كينونتها الحية ووعيها بالموت الوشيك. يدرك الفأر جلاده قبل لمسه، مما يجعل من الانتظار لحظة أقسى من الموت ذاته. ويجبر هذا الانتقال السردي القارئ على سكن جسد الضحية، محطماً الخطاب الرسمي الساعي لتجريد الضحايا من إنسانيتهم. تتجاوز المراقبة هنا حيز التجربة العلمية لتغدو إدانة أخلاقية صارخة للمنظومة المتعالية.
[6]. يحاكي هذا علاقة المثقف بالدولة حين يمتلك المثقف المعلومة، فيضعها في يد المخابرات لتطعمه من لحم زملائه، وينسحب لممارسة بقية حياته كاتباً نزيهاً، (كما فعل جورج أورويل من قبل، وغيره كثر، للمزيد حول هذا الموضوع، انظر: جورج أورويل، “السياسة واللغة الإنجليزية”، ترجمة محمود الصباغ، موقع الجرمق، تاريخ الدخول: 13 نيسان 2026.https://aljarmaqcenter.com/السياسة-واللغة-الإنكليزية-2/). وسنكتشف لاحقاً في شخصية شتاينبيك نفسه ما يمكن تسميته “التلصص السلطوي” الهارب من جحيم الإيديولوجيا، إذ سيتجسد دافع شتاينبيك في قصة “الأفعى” في الرغبة في التصنيف وفرض السيطرة عبر الملاحظة. ويسيطر عليه الاعتقاد بمراقبة “حقائق مجردة”، في حين يمارس “تلصصاً سلطوياً” على الآخرين. لقد وثّق رحلة شهيرة في كتابه “سجل من بحر كورتيز” (Sea of Cortez) عام 1941، أجراها برفقة صديقه عالم الأحياء إد ريكيتس (البطل الحقيقي لقصة الأفعى)، يظهر فيها رؤيته البشر كمجموعات تشبه “المستعمرات البحرية”، منعدمة القيمة الفردية أمام بقاء المجموع. ودفع به هذا الفكر “البيولوجي” لتقبل فكرة التضحية بالأفراد (أو الوشاية بهم) ضماناً لـ “سلامة الجسم السياسي” للدولة وقد مثل الهروب من الإيديولوجيا نحو الطبيعة هروباً من صراعات الحرب العالمية الثانية الناشئة، لتنتهي بتأسيس “رؤية باردة” للعالم، يترفع فيها المثقف بصفته ملاحظاً فوق الصراع. فشكلت رحلته البحرية تلك “مختبراً إيديولوجياً” صاغت قسوته اللاحقة تجاه القضايا الإنسانية المعقدة. ويعكس توجس شتاينبيك من “المرأة الغريبة” خوفه من “الآخر” المهدد للنظام المستقر. وهنا، يطبق شتاينبيك قواعد الوضوح والتقشف اللغوي، وتوظيفهما لوصف عملية “الافتراس” (ابتلاع الأفعى للفأر).، فتتطابق برودة مراقبة “الفريسة” داخل المختبر مع البرودة المعتمدة لاحقاً في وصف ضحايا حرب فيتنام. ويماثل هذا “المختبر البارد والمنضبط” ذلك “العقل الأمني” المحرك إلى صياغة محاكاة دقيقة لتجريد الآخر من إنسانيته؛ فيصبح الفرد مجرد “أفعى” أو “فأر” في صراع القوى الكبرى.
[7] نعلم أن الأفاعي المجلجلة تمتلك ألسنة داكنة تميل إلى السواد أو الأرجواني الغامق. يركز شتاينبيك على السواد تعزيزاً لرمزية الموت والظلمة؛ إذ يخلق اللسان الأسود المنبثق من الفم الوردي للأفعى تبايناً بصرياً مرعباً، موحياً بكيان شيطاني أو آلي. لا يتحرك اللسان ببطء كما قد نتوقع… شتاينبيك يقول لنا أن (الألسنة المشقوقة، السوداء عند أطرافها والوردية من خلفها، خرجت ترفرف وتتموج ببطء صعوداً وهبوطاً… “…the forked tongues, black on the ends and pink behind, twittered out and waved slowly up and down.”) على هيئة خفقات سريعة وحركات خاطفة تجسد الجس الحراري، وكأن الأمر ليس تذوق عادي غريزي، وكأنه صار جسّاً حرارياً وكيميائياً.
وهذه إحدى تقنيات شتاينبيك السردية للبدء في التمهيد البصري، فمن خلال هذا الوصف التشريحي المحايد، سيدفعنا للتعامل مع هذا العضو الحسي بطريقة مختلفة دون أي حمولة درامية. ليؤسس معياراً لردة فعل القارئ والطبيب على حد سواء؛ فالطبيب المعتاد رؤية هذه الألسنة تتحرك بانسيابية ووداعة نسبية داخل أقفاصها، يُفاجأ لاحقاً بانقلاب هذا العضو البيولوجي إلى رادار فتاك وأداة للموت. وبدخول المرأة واقتحام أنيموسها المظلم مساحة المختبر، تتسارع وتيرة السرد، وتتبدل طبيعة حركة اللسان من التموج البطيء (Waved slowly) إلى الخفقان الخاطف المتلاحق (Flicked) لاصطياد الفأر. وقد تعمد الكاتب تقديم النسخة “المسالمة” للسان الأفعى في البداية، لتعظيم الصدمة النفسية وإبراز حجم الانحراف والتوحش في مشهد الافتراس اللاحق تحت أنظار الزائرة. وبالطبع سيتفاعل القارئ العربي مع الفعل الحركي في لحظات التوتر أكثر من الوصف اللوني الصامت؛ ويمثل تركيز الوصف على “تحسس الحرارة” وسرعة الضربات إبرازاً دقيقاً للوظيفة البيولوجية المرعبة، لتتجسد الأفعى كآلة قتل بالغة الدقة. ويهدف هذا الوصف الأدبي إلى إظهار اللسان كأنه إبرة باحثة عن نقطة الضعف في جسد الفأر. يمكن القول -على سبيل المجاز- إن الأفاعي تبصر الحرارة بلسانها وأعضائها الحسية، وهو ما يصفه شتاينبيك بدقة وبراعة: حين ينسل اللسان لالتقاط جزيئات الرائحة والحرارة المنبعثة من الفأر المذعور. يبعث الفأر حرارة (الحياة)، ويلتقط اللسان الأسود (الموت)…
تلك هي الإشارة.
عموماً توحي صفة السواد في العربية، عند وصف حركة اللسان، بالقذارة أو الشر الأخلاقي المباشر، في حين تحمل لفظة (Black) الإنكليزية في السياق الأدبي، كما قلنا، دلالات الآلية والعدمية والخطر الصامت الذي لا يرحم. ويُحتم هذا التباين اللجوء إلى خيارات تنقل للمتلقي الاضطراب الحسي والموت الوشيك، وحين نصف كلمة (Black) التي في النص بعبارة “ومضات الخطر الصامت السريع كالبرق” فنحن هنا ننقل جوهر المشهد، ونحيل الوصف البيولوجي إلى حالة من الرعب السينمائي المعتمد على عناصر حيوية مثل الومضة والصمت والتوتر, فتمنح -مجتمعة- انطباعاً بصرياً بسرعة انطلاق اللسان واختفائه المفاجئ في الواقع؛ فرعب الأفعوان يكمن في سكونه.
يرتعد الفأر بصمت، ويقترب الأفعى بصمت، ويرفع هذا السكون وتيرة التوتر لدى المتلقي، ولكن على الصعيد التقني والأدبي نرى مشهدية (ومضات الخطر الصامت السريع كالبرق) للتأثير والحركة، كما تساعد في تفكيك الأثر النفسي للصورة، وتفسير كيفية اشتغال خيال الترجمة للتعويض عن الفجوات الدلالية بين اللغات.
ولو آثرنا حشر هذه العبارة البلاغية المكثفة داخل النص، لوقعنا في فخ الإطناب والتوشية، فنكسر الوحدة الأسلوبية للنص القائم على “الاقتصاد اللغوي” والتقشف والبرود الصحفي. وهنا يلعب خيال المترجم دور الوظيفة البلاغية لاستيعاب المشهد لإحراج النص كما كتبع وأراده صاحبه؛ متقشفاً ومكثفاً.
Aljarmaq center Aljarmaq center