الصهيونية و«عيد النصر على النازية»

من وحي الاحتفال الذي جرى أخيراً، بيوم «النصر على الفاشية»، الذي يحييه الروس في التاسع من أيار كل عام، واستناداً إلى القاعدة التي تقول إن «التاريخ يكتبه المنتصرون»، يلفت الانتباه التركيز على الهوية الإيديولوجية والأخلاقية للطرف المنهزم (الفاشية)، في حين يبقى «المنتصر» مستتراً أو غامضاً، بل يتم تجنب الحديث عنه وكأنه أمر بديهي، ويُترك للمتلقي مسألة استنتاج هويته، أو هويتها عندما يكون الحديث عن منظومة منتصرة مقابل الفاشية المهزومة. لو كان عنوان الاحتفال «يوم النصر على ألمانيا»، أو «يوم النصر على المحور»، لكان الأمر هيناً وأقرب إلى الحقيقة. فالدول التي انتصرت على ألمانيا والمحور هي دول الحلفاء؛ الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤها، أما عندما يتم الحديث عن منظومة «أيديولوجية» مهزومة، فتحديد المنتصر يصبح أمراً أكثر تعقيداً.

امتلك كل من الفريقين المنتصرين روايته ورؤيته للحرب خاصة من حيث المعنى: ففي حين ركز الاتحاد السوفياتي على الجانب الذي «يخصه» منها (1941_1945)، بعد أن هاجم هتلر الأراضي السوفياتية، كحرب «وطنية عظمى»، وأعطاها بعداً وجودياً وتعبوياً وأخلاقياً، واعتبرها (ومن بعده روسيا) جزءاً من هويته الوطنية، ومصدراً لشرعيته الأخلاقية، التي قدّم بها نفسه كمنقذ للعالم من «الوحش» النازي، اعتبرها الغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا)، الذي يحتفل بنصره على ألمانيا يوم الثامن من أيار وسماه «يوم النصر في أوروبا»، صراعاً استراتيجياً على المصالح والنفوذ، لكنه لم يُعر ذلك «اليوم» الاهتمام الكبير، ولم يُقم الاحتفالات الكبيرة، ولم يجعله عطلة رسمية، كما فعل الاتحاد السوفياتي وتفعل روسيا حالياً.

بالعادة، لا يوجد بُعد واحد لأي حرب، ويكون ذلك أكثر وضوحاً عند الحديث عن الحروب الكبرى التي تعتبر الحرب العالمية الثانية، أهمها وأشملها في التاريخ المعاصر. فهي حرب قومية، وجيوسياسية، واستعمارية واقتصادية وأيديولوجية معقّدة ومركّبة.
في ما يتعلّق بالبعد الأيديولوجي، فمن الواضح أن الاتحاد السوفياتي اعتبر الجانب الذي يخصه من الحرب يمثل معركة «أيديولوجية» وأخلاقية كبرى، وهذا يمكن لمسه من تسمية النصر بأنه «نصر على الفاشية»، أمّا الطرف الغربي، فتبدو تسميته «يوم النصر في أوروبا» جافة أيديولوجياً، وخالية إلى حد بعيد من ذلك البعد، رغم أنها، بشكل أو بآخر، تظهر نصرها على أنه انتصار للقيم الليبرالية الغربية.

لقد كان الغرب أكثر تركيزاً على البعد الاستراتيجي للحرب، إذ رأت بريطانيا في ألمانيا تهديداً استراتيجياً لإمبراطوريتها، ولم تُعر البعد الأيديولوجي الفكري الأخلاقي كثيراً من الاهتمام، ذلك الجانب الذي جاءت الولايات المتحدة في ما بعد لتعوّض بعض النقص فيه، بشعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.

حاول المنتصرون في الحرب العالمية الثانية إظهارها كحرب بين الخير والشر، لكن إلقاء نظرة على نتائج الحرب بأبعادها المختلفة، الاقتصادية والاستراتيجية والفكرية، تُظهر أن ذلك بعيد عن الحقيقة تماماً، وأنه إذا كان المهزوم شراً فلا يعني أن المنتصر خير بالضرورة، بل هو شر من نوع آخر، أثبتت الوقائع أنه أكثر وحشية وخُبثاً وخطراً على الإنسان والبشرية عموماً.

أمّا في الاقتصاد، فالحرب لم تكن بين اقتصاد إنساني وآخر غير ذلك، بل هو بين رأسمالية قومية صناعية مقابل رأسمالية مالية معولمة. فالنظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ بعد الحرب، والذي ترسخ باتفاقية بريتون وودز (1944)، حيث تم اعتماد نظام نقدي عالمي يقوم على ربط العملات بالدولار، هو نظام اقتصادي تقوده المؤسسات المالية والتجارية الغربية (الصهيونية إلى حد بعيد)، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث برز التمويل العالمي والبنوك والهيمنة على طرق التجارة والعملة والأسواق المفتوحة.

كثيرون هم أولئك الاقتصاديون الذين فسروا «هجوم» هتلر على «اليهود» كهجوم على الرأسمال المالي العالمي الذي رأت فيه ألمانيا عدوّاً لمصالحها.
استراتيجياً، أعقبت انتصارَ الحلفاء في الحرب، حربٌ باردة ممتدة، وسباق تسلح نووي، وحروب بالوكالة، واستمر الاستعمار بأشكال مختلفة، واحتفظت القوى الغربية المنتصرة بمناطق نفوذ وهيمنة في كثير من بقاع العالم، وأهم من ذلك كله، أقيمت دولة إسرائيل، ليس فقط برضى المنتصرين في الحرب، كل المنتصرين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا، بل بدعمهم وإصرارهم على تجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبتبريرات أيديولوجية مفرغة من الإنسانية.

وتسبب ذلك الانتصار في النكبة الفلسطينية الكبرى، وقامت الأمم المتحدة التي تم تأسيسها لإقامة «السلم والعدل» في العالم، بإضفاء الشرعية على تلك الدولة الناشئة بلا أدنى مبرر أخلاقي، حيث نشأت بقرار منها، وهو ما لم يحدث مع أي دولة أخرى في العالم.

فكرياً، كان انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أكثر ضبابية، وبقي تطبيق المبادئ انتقائياً. ففي حين ركز الاتحاد السوفياتي على هزيمة الفاشية، وعلى ضرورة التحرّر من الاستعمار والرأسمالية، شنّ الغرب هجوماً على الدولة «الشمولية» والاستبداد، لكنه احتفظ بهيمنته وإن بدّل من أشكالها أحياناً، ولم يكن عنده أي حرج عندما دعم نظماً استبدادية وحارب قوى تحررية.

لم يكن الحديث عن هزيمة الفاشية يعني أن شيئاً ما ليس فاشياً قد انتصر. والحديث عن الجرائم النازية لم يكن موقفاً من الجريمة ككل بل بشكل منها، وذلك طبقاً لهوية مرتكبها وهوية الضحية، فلا جريمة إبادة جماعية سوى الهولوكوست، ولا ضحية حقيقية سوى اليهود.
لقد كان من أهم نتائج نصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إن لم تكن الأهم، بناء السردية الصهيونية بشكلها المكتمل، وجعلها جزءاً من النظام القانوني الدولي. فلأوّل مرة في التاريخ، يرتبط تعريف الجريمة بهوية مرتكبها، وتعريف الضحية مرتبط بهويتها، وتم ترسيخ ذلك على شكل بديهيات وقوانين عنوانها العداء للسامية، التي استخدمت ضد كل من حاول انتقاد الصهيونية أو دولة إسرائيل، أو حاول المس بالسردية الصهيونية بشكل أو بآخر.

اعتبر المنتصرون أن النصر على النازية حرر البشرية من مشروع عنصري توسعي، قائم على التفوق العرقي هو المشروع النازي. لكن الذي جرى لم يكن سوى استبدال ذلك المشروع بآخر، ثبت أنه أكثر عنصرية، وقائم على التفوق الديني و«العرقي» اليهودي، ولديه كل وسائل الهيمنة وهو المشروع الصهيوني. لقد استُبدلت العنصرية الفاشية بالعنصرية الصهيونية «المقدسة» التي تستمد قداستها من «السماء»، وتبني على تلك السماء كامل سرديتها.

لقد ثبت أن النظام الدولي الذي نشأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأنشأ دولة إسرائيل، واعتبرها فوق القانون الدولي الذي وضعه هو، منحها الحق لاحتكار جريمة الإبادة الجماعية في الهولوكوست، وفي احتكار الضحية باليهود. لقد كان ذلك بمثابة تصريح لها لارتكاب كل الجرائم والفظائع دون أي مساءلة، وبحماية فوق قانونية، وبضمير مرتاح. أظهرت الحرب الإسرائيلية على غزة، والإسرائيلية الأميركية على المنطقة، زيف الشعارات التي ادعى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية أنه جاء بها. لقد استَبدل فاشية بأخرى أشد فتكاً. وبدل النازية جاءت الصهيونية، وبإجماع ورضى كل أطراف النظام الدولي، وبمستوى من الجرائم والهيمنة والابتزاز ونمط من العنصرية فاق كل ما سبق.

نتائج الحرب العالمية الثانية، حيث استُبدلت الفاشية بالصهيونية، سببت حرجاً للمؤرخين والمهتمين الذين باضطرارهم للمقارنة بين الفاشية والصهيونية، يبدون أكثر ميلاً لاعتبار الفاشية هي الأقل سوءاً. فالنازية، بخلاف الصهيونية، لم تسيطر على النظام الدولي والمؤسسات الدولية وتجيّرها لصالحها. ولم تهيمن على أنظمة الحكم في كثير من دول العالم، وإن فعلت في بعض الأحيان فليس بـ«الكفاءة» نفسها. ولم تستخدم، ولم يكن في مقدورها أن تستخدم، طرق الابتزاز التي مارستها الصهيونية. والأهم من ذلك كله أنها لم تحتكر الرواية والمعنى والقوة الثقافية كما فعلت نسختها الجديدة، لذلك استحقت الصهيونية بجدارة الوصف الذي جاء في كتابنا «من فلسطين إلى الفلسطينزم» بأنها أعلى مراحل الإمبريالية.

نعود للسؤال الأساس في هذا المقال، وهو ما دامت الفاشية هي المنظومة التي تمت هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، فمن هي تلك التي انتصرت؟ للإجابة ننظر إلى ما قام به النظام الذي نتج بعد الحرب.
لقد مهد ذلك النظام كل الشروط المادية والأخلاقية لنجاح المشروع الصهيوني في إقامة إسرائيل، وبسْطِ مزيد من الهيمنة الصهيونية. وثبّت نظاماً اقتصادياً يشغل فيه الرأسمال المالي والدولار مركز الريادة. وصمم مؤسسات دولية تعتبر إسرائيل استثناء. لذلك يمكن القول بحق إن المنظومة التي انتصرت في تلك الحرب هي الصهيونية، التي كرست اضطهاد الإنسان، ووضعت الأسس للحروب التي تلت.

لم ينجح الاتحاد السوفياتي، بمحاولته إبراز البعد الأخلاقي لما «يخصه» من الحرب العالمية الثانية (الحرب الوطنية العظمى)، في التقليل من بعدها الجيوستراتيجي (الأهم) لإعادة اقتسام العالم، لصالح بعدها الأخلاقي. فالنتيجة المتمثلة بهزيمة الفاشية وانتصار الصهيونية، أفرغت الحرب من أي «خرق» أخلاقي، وحافظت على موضوع الأخلاق في الإطار نفسه الذي يسوغ الهيمنة ويبررها، وإن كان بمستوى «أرقى» من الحرفية.

أما في الحرب الدائرة الآن، حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على القوى الرافضة للهيمنة، حرب الصهيونية على «الفلسطينزم»، يحضر الجانب الأخلاقي بقوة. ولأول مرة في التاريخ الحديث والمعاصر على الأقل، تطرح حرب «عالمية»، إلى جانب سؤال اقتسام العالم، سؤال إصلاحه أيضاً.

عن إياد البرغوثي

شاهد أيضاً

الفخّ المركّب: الحروب الحديثة كأنظمة متشابكة. لماذا تفشل في الحسم؟

ملخص تنفيذي: تُظهر الحروب الحديثة المعاصرة في منطقتنا “الشرق والأوسط” وفي أماكن أخرى، أن الصراعات …