وليد دقة ” بائع التذاكر”

” بائع التذاكر : رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية ” ( 2026 ) هو عنوان السيرة الذاتية للمرحوم الأسير وليد دقة ، وقد صدرت عن دار الآداب ، كما صدرت طبعة خاصة بفلسطين عن مكتبة العم صالح / المكتبة الشعبية .

ما إن تقرأ الفصل الأول منها ( صفحة 5 إلى 12 ) وعنوانه ” جاييك يا تل أبيب ” حتى تعود بك الذاكرة إلى كتابات سابقة عديدة مثل كتاب ” أن تكون عربيا في إسرائيل ” لفوزي الأسمر و ” الصورة الأخيرة في الألبوم ” لسميح القاسم و ” تمويه ” لعدنية شبلي وكتب أخرى تشابهت بعض مضامينها لتشابه حياة كتابها وتجاربهم ، فتشعر للوهلة الأولى أنك تقرأ معادا مكرورا ، ولكن أسلوب القص يدفعك إلى مواصلة القراءة إذ يوفر لك متعة ولذة قد تكون بحاجة إليها من جديد .

يكتب وليد دقة في هذا الفصل عن شبابه المبكر يوم أن أنهى امتحان التوجيهي وذهب مع ابن قريته باقة الغربية مراد إلى تل أبيب المدينة العبرية ، ليعمل في مطعم يملكه الإسرائيلي روني .

من القرية العربية إلى المدينة العبرية ومن اللغة العربية إلى اللغة العبرية ، ومن مجتمع قروي محافظ يعرف الناس فيه بعصهم بعضا إلى مدينة كبيرة يغدو فيها المرء فردا ، من منزل يتشارك فيه كل عشرة في غرفة واحدة إلى غرفة خاصة ، وفي المدينة عليك أن تتخلى عن اسمك العربي وعن لغتك أيضا ، ليغدو لك اسم آخر وتتكلم لغة ثانية بلكنة مختلفة عن لكنة أبنائها ، وإن اكتشف أمرك وفضحك لون بشرتك أو لكنة لغتك فسوف تذهب إلى مخفر الشرطة .

ولأنني من أسبوعين فقط انتهيت من قراءة ” تمويه ” فلم يقل لي إنني أقرأ في كتابين مختلفين سوى أسلوب السرد .

الفصل الأول من ” بائع التذاكر ” سيقول لك :

– واصل القراءة

و

– اقرأ واستمتع .

البرانيط للزلام

تحت العنوان السابق يكتب وليد عن معاناته في طفولته من مرض عصبي حرصت أمه على اصطحابه لمعالجته في مدينة يهودية هي الخضيرة ، فيصف لنا رحلة الذهاب والإياب وما يفعله المواطنون العرب حين يقتربون من المدينة ، بخاصة بعد حرب حزيران 1967 حيث انتصر الإسرائيليون ف ” قويت عينهم أولاد الميتة ” كما سمع العبارة من خاله .

ينزع الرجال عن رؤوسهم الحطة والعقال ، ويلبس بعضهم ” البرانيط ” وبعضهم يظل ” مفرع ” مكشوف الرأس ” لكن جميعهم يخفون عقلهم العربية بين ملابسهم أو يدفنونها عميقا بين حاجاتهم التي يحملونها في صرر ، أما أبو العبد / السائق فقد كان يهتم بتغيير المحطة إلى إذاعة تنطق باللغة العبرية ” .

– لماذا يخلعون الحطات والعقل ويلبسون ” البرانيط ” ؟

يسأل وليد أمه ويضيف :

– يمه ليش ما تشلحي الخرقة ، وتلبسي برنيطة ؟

لقد كانت نساء القرية يرتدين كامل زيهن الفلاحي المزركش والمطرز .

كان الرجال يقومون بما يقومون به لكي يخفوا هويتهم القومية في بلد انشيء على أنقاض شعب آخر ؛ بلد يشعر فيه سكانه الجدد القادمون من أوروبا بالتعالي ، ولكن الإخفاء الذي قد ينجزه الرجال العرب لا تقدم عليه النسوة القرويات ، فثيابهن كلها تمنحهن هويتهن المختلفة ، وفي عيادة الطبيب يميز اليهود وليد وأمه وينفرون منهما كما لو أنهما مرض .

لقد لاحظ وليد هذا فصار ، كلما ذهب إلى المدينة مع أمه ،يبتعد عنها ولا يلازمها في المشي . أي اغتراب هو هذا الاغتراب ؟

مرة راقب وليد طفلا تعلم الخطو سار نحوه من مقعد يرتدي البرانيط ، فما كان من أم الطفل إلا أن قامت ” وانتزعته من منتصف الطريق وجذبته لصدرها مذعورة .. فأذعرتتي ” .

منذ الحادثة السابقة تعلم وليد تجنب السير إلى جانب أمه . هل بدأ يخشاها أم يخجل من ملابسها وما تستدعيه من توتر أعصابه ” كنت كلما ذهبنا لمراجعة الطبيب في المدينة اليهودية ، أبتكر وسائل جديدة للابتعاد عنها ، إما التأخر بالتلهي في النظر إلى واجهات المحال والكارمات ووجوه المارة ، وإما بالسير بخطى سريعة تاركا إياها ورائي بعيدة .”

في القرية هي أمه وفي المدينة اليهودية هي ظله أو هو ظلها .

لاجيء في وطنه

يكتب وليد في فصل عنوانه ” أرض عطا ” ، وهي أرض امتدت على شاطيء المتوسط ، جنوب غرب وادي الحوارث ، عن زواج أبيه من أمه فريدة وتشارك أبيه مع أبيها علي في ضمان أرض عطا من شلومو فرانك ” مالكها الجديد ” .

كما لو أننا نقرأ عن رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) ” أرض قديمة جديدة ” 1902 ، مع فارق ، فرشيد بك باع أرضه بإرادته لليهود ليستأجرها منهم ، فيثرى ، أما جد وليد ووالده فقد فقدا الأرض بسبب حرب 1948 ، ليغدوا لاجئين في وطنهما .

ولد وليد في العام 1961 وتعلم العبرية وأتقنها وصار يكتب بها فصارت له مثل زوجة الأب، فيما كانت لغته العربيةاللغة الأم ، ومع ذلك أتقن لغة زوجة الأب أكثر ، حتى إنه عندما سجن وأخذ يشارك في النقاش السياسي كان يفكر بها ويحكي بالعربية ، ما اضطره أحيانا إلى مضاعفة قراءاته بالعربية ليتمكن منها ، وهذه قضية ذات حضور في السيرة . ” متسلحا بلسان العبرية التي أجدتها مبكرا قبل العربية ، أو بالتوازي معها ” .

ومع ما سبق لم يحب لغة زوجة الأب . لقد كانت علاقته بها قاسية تراوحت بين الانجذاب والنفور ، بين الإعجاب والكراهية . ( 24 ).

يحكي وليد عن قهر الفلسطيني الباقي في أرضه في علاقته مع اليهودي ، وليس أمامه إلا أن ينفذ .

كان جده بعد أن فك الشراكة مع أبيه يزرع أرضه بالبطيخ ، وذات يوم جاءه إسرائيلي وطلب منه ، مقابل مبلغ من المال ، إتلاف محصوله ، للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية الخاصة بالمستوطنات في ظل الكساد الاقتصادي بعد حرب سنة 1967 .

كيف سيتصرف وليد إزاء ما رأى ؟

بكى لمشهد جده الحزين الغاضب الحائر بين القبول بالأوراق النقدية ومقاومة إبادة المحصول ، وركض بأقصى سرعة نحو بركة شلومو فرانك وتبول فيها ” منذ ذلك الحين ، ومنذ أن صار لي لسان ولدولتهم عيون وآذان ، تعلمت التبول في بركهم سرا ” . ( 27 )

أطرف ما قرأته في هذا الفصل هو أنه حين شاهد في طفولته الإسرائيليين العسكريين المنتشين بالنصر يستحمون عراة جلس القرفصاء يشاهدهم ، فإذا بجده علي يصرخ في وجهه غاضبا يسأله عما يفعل .

” قلت ببراءة وصدمة : ” بدور على عشوش ” . أفلتني ، وانفجر ضاحكا وهو يقول :” أي عشوش منهم يا عرص ” .

لقد ذكرني المشهد السابق بكتاب مالك المصري ” نابلسيات ” وصيد العصافير في الحمامات العامة ، ودال العصفور هنا ذو مدلول مجازي ، واسألوا كبار السن في نابلس وابحثوا عنه في أغانيهم الفولكلورية ، ورحم الله الشاعر علي الخليلي .

لعنة الأزرق : الطفولة الشقية

ما الذي جره إنشاء الدولة الإسرائيلية بعلمها ونجمته السداسية ذات اللون الأزرق على وليد والأطفال الذين ولدوا بعد العام 1948 ؟

في صفحتين ونصف الصفحة نقرأ عن الطفولة الشقية ، نقرأ ما يذكرنا بعبارة ” تلم خطه ثور ” ، كما كتب توفيق فياض في قصته ” الحارس ” ، تلم منع الأب من رؤية ابنته واحتضان طفلها وحول الحياة إلى جحيم . أو كما كتب ، قبل توفيق ووليد ، إميل حبيبي في قصته ” بوابة مندلباوم ” 1954 – القصة التي طالما كتبت عنها وأنا أتابع دال البوابة والجدار وما شابه – ؛ البوابة التي لم تحل دون أن تندفع طفلة جاهلة جرت وراء جدتها متجاوزة الحد الفاصل بين القدس الغربية والقدس الشرقية

“- أفهمت لماذا نصحتك ألا تأتي بوابة مندلباوم وفي صحبتك أطفال ؟ إن منطقهم بسيط غير مركب . ما أسلمه ! ” .

وهكذا كان الحال بين باقة الغربية وباقة الشرقية :

” كان جدار مدرستي عبارة عن شيك مهتريء ، وهو ذاته الجدار الحدودي الذي يفصلنا عن المنطقة الحرام لحدود العام 1967 ، المزروعة بالألغام . كانت الكرة التي نلعب بها حين تسقط في هذه المنطقة نخسرها إلى الأبد ، فقد منعنا من دخولها وحذرنا مرارا بعد أن فقد أحد الفتية الذين يكبرونني سنا ساقه من جراء لغم أرضي ” .

في آذار من العام 2023 زرت باقة الغربية وكتبت المنشور الآتي :

[ تلم في الأرض خطه حمار أو ثور : مأساة الفلسطينيين الناجمة عن التلم

الليلة مساء وقفت أمام السور الفاصل بين باقة الغربية وباقة الشرقية ، وتذكرت برطعة الشرقية وبرطعة الغربية وبيت صفافا وبوابة مندلباوم وسور برلين .

عندما سألت الدكتور ياسين كتانة عما كان يفصل الباقتين عن بعضهما قبل إقامة السور في انتفاضة الأقصى ، بل وقبل حرب حزيران 1967 ؛ يوم كانت الغربية تقع في دولة الاحتلال الإسرائيلي والشرقية تقع تحت سيطرة الحكم الأردني فيما عرف بالمملكة الأردنية الهاشمية ، أجابني الدكتور ياسين بالآتي :

– أسلاك شائكة .

في كتاب الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان ” الزمن الأصفر “( 1989 ) يكتب عن البرطعتين وتشاركهما في الأفراح والأتراح بواسطة الميكروفانات . العرس يتم على جانبي الوادي الذي يفصل بين القريتين . هنا ثمة حاد وهناك حاد ثان يتحاوران ، وفي الأتراح يقام بيت أجر هنا وبيت أجر هناك . كأن القريتين قرية واحدة على الرغم من أنهما تخضعان لحكمين يبدوان في حالة نزاع .

هل اختلف الأمر في بيت صفافا ؟

في القدس فصلت بوابة مندلباوم بين القدس الشرقية والقدس الغربية وتوحد القسمان بعد حزيران 1867 وأزيلت البوابة ولم يعد لها ذكر إلا في بعض القصص الفلسطينية القصيرة وبعض الروايات . صار السور / الجدار ؛ جدار العزل العنصري هو الفاصل بين القدس الموحدة وما يحيط بها من أماكن لا ترغب الدولة العبرية في مواطنيها .

وأنا أقف في باقة الغربية أمام جدار العزل الذي يفصل بين الباقتين تذكرت قصة الكاتب توفيق فياض ” الحارس ” من مجموعة ” الشارع الأصفر ” وفيها يشير إلى ما يفصل بين بوعلي وابنته بسبب النكبة ” تلم خطه ثور ” .

نعم فإن ما كان يفصل بين الباقتين بعد نكبة 1948 هو تلم خطه ثور ، وقد صار هذا التلم أساسا للجدار الاسمنتي ، ولكي تزور العائلات بعضها البعض بين الباقتين تحتاج إلى تصاريح وهويات ممغنطة ورضا الاحتلال والسفر واجتياز المعابر و … و … و … .

في العام 1988 زرت برلين الغربية وبرلين الشرقية ووقفت على سور برلين ، وفي العام 1990 زرتها ثانية وقد صارت حجارة السور قطعا أثرية تباع للذكرى ، وليس فقط حجارة السور ما بيعت للذكرى . ملابس الجيش السوفييتي وأوسمه ضباطه وجنوده بيعت أيضا .

إنهم يدفعوننا لكي نكرههم :

قد يكون السطر الذي يعلق بذاكرتك ، كخلاصة لتجربة وليد دقة في السجون الإسرائيلية ، هو السطر الآتي :

” إنهم يفعلون كل شيء ليدفعونا كي نكرههم … ” ( 185 ) .

إنهم يأخذون بمقولة ” لا تفرح قلب عدوك ” – ( أل تسمييح ألباب أوييفخاه” .( 195).

عندما اقتربت سناء زوجة وليد من وضع ابنتهما ميلاد تقرر نقله إلى سجن يتعذر فيه الحصول على جهاز اتصال .

” فإن كان من المستحيل منع الولادة والحيلولة دون أن يفرح الأهل وشعبنا بميلاد ، فعلى الأقل ألا يكون والدها الأسير جزءا من هذا الفرح ” .

ما جرى ويجري منذ طوفان الأقصى في غزة ، وفي الضفة الغربية وفي جنوب لبنان، يعزز ما سبق .

العلاقات العربية اليهودية بعيدا عن الشاباك والموساد وأمن الدولة

هل اليهود كلهم يدفعوننا لأن نكرههم ؟

ربما يخلص القارء إلى الإجابة عن السؤال السابق ب ” نعم ” ، غير أن في السيرة ما يحكي غير ذلك .

في مفصل عنوانه ” الأب والابن ” نقرأ عن صورة الأب [ نمر ] في مخيلة الابن [ وليد ] . الأب يسبق وعيه علمه ويمتاز بالأمانة والرجولة ، وعلى خطاه صار الابن الذي اكتسب ، من تجربته وتثقيف نفسه ، وعيا مضاعفا وسار على خطى أبيه ..

يكتب وليد عن ثلاثة مواقف مؤثرة في علاقته بأبيه هي :

– ضرب أبيه له يوم تصرف تصرفا صبيانيا مع أخته رسمية فتسبب بحرق يدها .

– عدم موافقته على إعطاء يد ابنته للجاهة ، في مجتمع قروي الرأي فيه للرجل ، قبل أن يأخذ رأيها ورأي أمها ، وسيعود إلى هذا الجانب ليفصل فيه .

– رد الأمانة إلى أصحابها حتى لو كانوا يهودا ، فقد جاءه ( مايير سابير ) قبل حرب حزيران 1967 وأمن عنده أهله ونقوده ، مفضلا نمرا على أخيه ” لماذا أنا ؟ شقيقك جارك ، فلماذا لا تتوجه إليه ؟ ” سأله نمر ، فرد مايير بما معناه إن أخاه طماع وإنه لا يثق به .

بعد انتصار إسرائيل في حربها واسترداد مايير أهله ونقوده عرض على نمر وكالة تجارية فرفض نمر :

” يوم جئت إلي بزوجتك وأطفالك قبلتهم كنمر الإنسان . اليوم تعرض علي مقابلا . الآن بهذه الوكالة تحولني من نمر الإنسان إلى نمر المتعاون معكم ” .

بعد سنوات سيعمل وليد في محطة محروقات ، وسينسى مايير محفظته فيها ، فيردها وليد كما هي ، وحين عاد مايير سأل عن الشاب الذي ردها إليه ، ولما عرف أنه من باقة سأله عن عائلته وعرف أنه ابن نمر ، ثم ابتسم وقال لوليد :

” الآن أعرف تماما لماذا عادت إلى محفظتي بالكامل دون أن ينقص منها فلس واحد . أنا لم أعرف في حياتي رجلا صادقا وأمينا مثل أبيك ” .

عموما فإن ” بائع التذاكر ” تأتي على شخصيات يهودية كثيرة ، وتحفل بمفردات وعبارات عبرية ، وهي في الجانب الثاني تختلف عن رواية عدنية شبلي ” تمويه ” .

دلالة العنوان

في صفحة 94 و 95 نقرأ مدلول دال العنوان الذي يعود ويتوسع فيه لاحقا في الصفحات 211 و 212 و 213 .

يكتب وليد عن الأمية الوطنية التي تجبره على أن يكرر نفسه مع كل جيل ، شاعرا بالإحباط الذي يزداد حين يسود خطاب مضاد يجزيء الهوية الفلسطينية . بدلا من الحديث عن هوية فلسطينية لأبناء الشعب الفلسطيني كله صرنا نحكي عن فلسطيني وفلسطيني حسب البقعة الجغرافية التي يقيم فيها الفلسطيني ، وربما اختار الله له الرحمة قبل أن يصغي إلى تجزيء جديد بدأ يسود مع طوفان الأقصى ” أنا غزاوي ” .

كان وأقرانه ممن لم يحالفهم الحظ وبقوا في السجون ، ممن يدركون الهوية وأهميتها ، أشبه ب ” بائع التذاكر ” في محطة قطارات ضخمة :

” يأتي جيل ، ويذهب جيل وأنا أكرر الكلمات نفسها . ولأنني أعرف من التجربة وجهة المسافرين ، أناولهم تذاكرهم قبل أن ينطقوا اسم المدينة والمحطة التي يقصدونها . إنه التكرار أو هي علكة بغل [ علكة بغي ] وطني عنيد ، أو هو ربما تعلم البغلنة – الصبر ، لأن اليأس ظل رفاهية لا أملكها ” ( 95 )

يعود وليد ليكتب تحت الدال ” بائع التذاكر ” ويحكي عن تجربته في الحركة الوطنية الفلسطينية . كيف بدأت وإلى أين انتهت . بدأ يقاتل من أجل فلسطين ثم اختصرت هذه بمناطق محددة ولم يلتفت إليه وإلى أسرى آخرين من فلسطين التاريخية .

كيف كان الثوري في زمن الثورة – زمن الطهارة ، وكيف غدا في زمن التنسيق الأمني- زمن الصفقات . لقد وجد نفسه بين زمنين وباع التذاكر فيهما .

” أنا بائع التذاكر ذاك … أعرف أنني ما عدت أجيد قراءة الوجوه ، ولا أعرف وجهة المسافرين وغايتهم … أنا بائع التذاكر بدأت عملي مجانا في زمن حركات التحرر ،ف أجدت لغتها إلى أن ألصقوا بكل شيء تسعيرة ، فغدا للشرف ثمن وللمروءة والأمانة والصدق سعر شأن أي بضاعة أخرى كالكعكة والنعال والواقي الذكري “

” محطتنا لم تعد مجرد ممر للمسافرين ، وإنما ملجأ للنشالين وتجار المخدرات والهاربين من شرطة الهجرة وهم في وطنهم ، ومن جاعوا في زمن التنسيق الأمني فلجؤوا إلى المحطة حتى يقدم لهم حساء مجاني كان قد طبخ بدموع أطفالهم وزوجاتهم وعلى نار حرقة قلوب الأمهات … أنا بائع التذاكر أعترف أنني ما عدت أتقن عملي .. “

والذي تخلص إليه مما يريد قوله هو كيف بدأت الثورة وكيف انتهت ” من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات ” ، من تحرير فلسطين إلى غزة أريحا أولا ، ومن جماهير الأرض المحتلة إلى جماهير الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومن تحرير الأسرى كلهم إلى الفصل بين أسرى مناطق ومناطق ، فلم يعد ينظر إلى الأسرى الفلسطينيين من مناطق 1948 الذين سجنوا من أجل الوطن وبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية ، لم يعد ينظر إليهم على أنهم أسرى فلسطينيون ، بل أسرى إسرائيليون تحل مشكلتهم في الكنيست الإسرائيلي ، ولهذا لم يحرر وليد وآخرون ، وهكذا تم التخلي عنهم . إنه تجزيء الهوية الفلسطينية ، وهذا ما أحزنه حقا .

[ ملاحظة : أرجح أن قوله ” علكة بغل ” هي من محفوطه لسطر شعري لمظفر النواب ، وكنت أحفظه أيضا كذلك ، ولكني عندما قرأت القصيدة قراءة تكوينية ونظرت في طبعات مختلفة ذهبت إلى أن العبارة ” علكة بغي ” فالبغي تظل تعلك العلكة ، وهو في تكراره الحديث عن الهوية صار أيضا يكرر ] .

عار تل أبيب

افتتحت السيرة بفصل عنوانه ” جاييك يا تل أبيب ” وفيه أتى الكاتب على تصوير مشاعره حين غادر القرية وهو في الثامنة عشرة إلى المدينة .

في تل أبيب رأى غير ما طمح إليه ، فالانفتاح الذي تطلع إليه هربا من القرية المحافظة كان يخفي وراءه عوالم لم تخطر له ببال تلخصها حكاية العامل الغزاوي فارس الذي عمل في محل بيتزا ونام في أماكن عاش فيها الجحيم ، إذ تعرض للتحرش الجنسي ، وسيغدو ( غوي شبات ) يعمل لدى اليهود أيام السبت .

سيختفي فارس ولا يعود وليد يراه . وبعد عامين لمحه يقطع ميدان ” ملوك إسرائيل ” وسأله عما يفعل . بعد أشهر سيعرف أن فارس كان في الواقع يعمل ” جيغلو ” لا في مطعم كما أخبره – يعني يقدم خدمات جنسية للعجائز والأرامل والمطلقات الثريات مقابل نفحات جيدة من المال ” إلى أن أدمن المال السهل الذي ظل يرسله إلى والدته “

عندما سجن وليد كان معه في الزنزانة رفيق من نفس مخيم فارس ، فسأله عنه وعرف أنه نفذ عملية أدت إلى استشهاده ” ثم أضاف هذا الرفيق :” مات الله يرحمه ،ونظف سمعته ” .

يعقب وليد على عبارة الرفيق :

” لا أعرف إذا كان فارس هو الذي بحاجة إلى أن ينظف سمعته أم هي ” تل أبيب ” التي تتمارى في مرآة نرجسيتها ، فلا ترى احتلالها الذي دنس جسده واغتال روح الطفولة والشباب فيه ” .

يرى وليد في تل أبيب مدينة تتوضأ بالقيم الليبرالية صباح مساء ولكن ليبراليتها ويساريتها تنتهي عند العرب ” فلم تسمح لآلاف العمال الفلسطينيين بدخولها الا من الأبواب الخلفية لمطابخها ، فيعملون ليل نهار ولا يسمح لهم بالمبيت في فنادقها وشققها ، فتتكرم عليهم بالإيواء ، بعد يوم عمل شاق في مخازنها وورش البناء . هذه ” تل أبيب ” ذاتها التي ستخرج لاحقا في مظاهرة ضد مذبحة صبرا وشاتيلا لتغسل عارها ، عار الصهيونية ” .

ما كتبه وليد عن العمال الفلسطينيين يضاف إلى ما قرأناه في متشائل حبيبي وكتابات سحر خليفة وغريب عسقلاني وسعاد العامري وأحمد رفيق عوض وآخرين ، وما كتبه عن ( غوي شبات ) هو ما فصل فيه الكتابة الروائي عارف الحسيني في روايته ” كافر سبت ” .

تجربة وليد في عمله في تل أبيب ، وقد تعلم من التجربة الحياتية أكثر مما تعلم من الكتب والحلقات التنظيرية هي التي دفعته لأن يكون ” خالد ” في رواية غسان كنفاني ” عائد إلى حيفا ” لا أن يكون دوف – أي أن يلتحق بالمقاومة لا أن يتأسرل ، وكانت مقاربته لشخصيتي خالد وخلدون / دوف في الرواية مقاربة تستحق الوقوف عندها .

الولاء لفلسطينيته لا لهويته الإسرائيلية :

” فلسطينيو المناطق المحتلة 1948 ” / ” عرب الداخل ” / ” عرب إسرائيل ” ، ثم ماذا ؟

رحم الله الكاتب سلمان ناطور الذي كرر على مسامعي غير مرة أن ما بين فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطينيي المنافي هو هويتهم الثقافية ، وأن علينا أن نركز عليها ، بغض النظر عن الهوية السياسية لكل جهة

عندما كتب أنطون شماس روايته ” عربسك ” باللغة العبرية قال بعض قرائها في العالم العربي :

– لقد تأسرل ، وانتصر دوف في رواية غسان كنفاني ” عائد إلى حيفا ” .

لقد ذهب بعض القراء إلى أن أنطون هو دوف الذي نجحت إسرائيل في سلبه هويته الفلسطينية .

حضرت رواية كنفاني في كتابات وليد دقة واختار هو أن ينتصر خالد على دوف . وخالد هو الابن الثاني لسعيد . س بعد خلدون الذي نسيه والداه في حيفا ، ولما عادا بعد هزيمة حزيران 1867 ليسترداه رفض وأصر على البقاء مع والديه اللذين ربياه . لقد اختار الأسرلة .

يكتب وليد في الموضوع متبنيا خيارا آخر هو انتماؤه لفلسطينيته .

” آمل اليوم أنني ، وبعد كل هذه العقود من النضال ، توقفت عن السير على ذلك الحبل المشدود بين ” دوف ” و ” خلدون ” ، فقد حسمت خياري لأكون ” خالد ” ” .

ويتابع :

” وآمل أيضا أن يدرك أيضا المتقوقعون في رام الله أن خالدا بلغ من العمر والتجربة ما يؤهله أن يكون جزءا من صياغة المستقبل الفلسطيني ، وليس متضامنا مع الشعب الفلسطيني ، وليس يسارا ” إسرائيليا ” على الرغم من أنه يجيد العبرية ، فهل يحسمون خياراتهم كما فعل ؟ وإن فعلوا فليخاطبوه بالعربية الفلسطينية . الحراك والهبة الأخيرة [ في العام 2021 ] أكدا لي أن الأجيال الشابة في حيفا واللد والرملة أظهروا أنهم ينتمون إلى ” خالد ” بعد أن دفنوا فيهم الحنين إلى خلدون … ” .

ولست متأكدا مما سيكون عليه خيار وليد لو امتد به العمر إلى أيامنا وشاهد ما نشاهد وعاش ما نعيش وسمع أشرطة فيديو يصرخ فيها بعض أبناء قطاع غزة بأنهم ” غزاويون ” .

والجدل في الموضوع سيكون كثيرا !

هل سنستحضر قصة توفيق فياض وما كتبه إميل حبيبي في المتشائل عن سعيد المقيم وسعيد الفدائي ؟

نقطة التحول المركزية ” [ وينك يا الله !]

عندما وقعت حرب حزيران 1982 على الجبهة اللبنانية كان وليد في الحادية والعشرين من عمره . يومها كان في [ طابا – <<ايلات >>] وهناك شاهد حياة العمال الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وتشغيل أحد عملاء روابط القرى لهم واستغلاله لهم . ما شاهده يتقاطع مع ما كتبه ( ديفيد غروسمان ) في كتابه ” الزمن الأصفر ” عن ” الواسطة ” وثراء العملاء وموظفي الإدارة المدنية الإسرائيلية ومع ما قرأناه عن ضيق العيش في المخيمات الفلسطينية حتى في المنافي ، كما في رواية سامية عيسى ” حليب التين ” فلا فضاء إنساني لممارسة الأزواج حياتهم الزوجية .

هل كان ما سبق هو نقطة التحول المركزية في حياته ؟

” كانت مذبحة صبرا وشاتيلا نقطة التحول المركزية في حياتي ،كانت حدثا هزني من الداخل ، وحول كل الملذات التي وصفتها في ” تل أبيب ” إلى قرف ، وإلى إحساس بالذنب ، ورغبة شديدة في التكفير عنه ” .

كان الفيلم الذي صور داخل مخيم صبرا وشاتيلا بعد المذبحة بأيام قليلة وشاهده بعد أن عرضه الحزب الشيوعي ” الإسرائيلي ” في نادي الحزب ، كان ذا تأثير كبير بالغ عليه :

” في الفيلم تصل امرأة محجبة تبحث بين كومة من الجثث عن أحد أقاربها ، وربما كان زوجها أو شقيقها ، وقالت ، وهي تقلب الجثث وكأنها كومة غسيل . ” ليس قميص بني !” كانت في حالة هستيرية تتحدث إلى نفسها ، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى السماء ، وصرخت وهي تجهش بالبكاء : ” وينك يا الله ، وينك !؟” .

ولسوف يشارك في مظاهرة اليسار الإسرائيلي في تل أبيب ، وسيغادر هذه المدينة باحثا عن عمل في طولكرم أولا ، على الرغم من تدني الدخل ، مدخنا السجائر الفلسطينية مقاطعا الإسرائيلية ، ثم سينتقل للعمل في جريدة ” الشعب ” المقدسية ، بعد أن تعرف إلى الشاعر والمترجم محمد حمزة غنايم الذي كان يومها يترجم ويحرر فيها .

وسيعود في صفحة 185 ليكتب في الموضوع ثانية .

كان من الممكن لوليد أن يواصل حياته كأكثر فلسطينيي 1048 ” كل هذا كان ممكنا إلى أن شاهدت ما شاهدت من فظائع حرب لبنان وما أعقبها من مذابح صبرا وشاتيلا … خلقت في نفسي ذهولا وصدمة ” .

حصان طروادة الفلسطيني :

ما يجرى في المناطق المحتلة في العام 1948  عزز ما كتبه وليد دقة في ” بائع التذاكر ” وكنت أمس كتبت عنه . لقد اختار وليد أن يكون خالد لا خلدون / دوف .

فاجأ الفلسطيني عمر ياسين ، وهو في الحادية والعشرين من عمره ، وهو من فلسطين المحتلة في العام 1948 ، الجميع واختار ، مثل وليد ، خطى خالد في رواية كنفاني ، رافضا أن يكون ( دوف / خلدون ) . لقد فضل وطنيته على مواطنته .

في ” بائع التذاكر ” يكتب وليد ، تحت عنوان ” القصة الساترة ” وعنوان ” الدرب والتدرب ” ، عن التحاقه بالمقاومة وسفره إلى سوريا للتدرب في معسكرات تابعة للجبهة الشعبية :

” لم تزعجني ، في حينه هذه البلبلة في هويتي في نظر هؤلاء المقاتلين ، أو كوني مجرد متضامن ، فقد اعتدت موضعتي عند الحدود وفي المنطقة الحرام بين اليهود والعرب ، فأنا سأواجه ذلك مرات عديدة داخل السجن ، وربما لم أعر هذا الموضوع أهمية ، لأنني كنت منشغلا في حسم الارتباك بين مواطنتي ووطنيتي لصالح الأخيرة …. ” .

في المعسكر الذي تدرب فيه سمع من يصفه بأنه عربي يهودي ” هناك عرب يهود متضامنون مع قضيتنا وهذا أحدهم ” . هذا ما سمعه ، ولم يكن من قال يعرف أنه فلسطيني من باقة الغربية .

ربما احتاجت إسرائيل إلى ما يقارب الأربعين عاما حتى تدرك معنى قول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد ” واوي بلع منجل ” الذي ورد في مقطوعاته التي كتبها إثر هزيمة حزيران 1967 .

كان زياد في حينه كتب المقطع الآتي :

” أمثال “

– ١ –

عن جدنا الأول ،

قد جاء في الأمثال :

واوي ..

بلع ..

منجل .. !!

كل ما تجلبه الريح

ستذروه العواصف

والذي يغتصب الغير

يعيش ..

العمر

خائف .. !! ” .

وورد قوله في ديوانه ” كلمات مقاتلة ” .

أول منجل بلعته إسرائيل تجسد في الفلسطينيين الباقين على أرضهم في العام 1948 ، وثاني منجل تمثل في العام 1967 حيث احتلت المزيد من الأراضي ولم تتمكن من طرد سكانها ، على الرغم من التضييق عليهم ، ومع بداية القرن الحادي والعشرين أدركت أن منجل غزة قد يخنقها ، فعملت على لفظه حتى لا يقتلها ، وهكذا خرجت من غزة .

مع الأيام بدأت الدولة تدرك أنها بلعت مناجل أخرى ، فماذا تفعل ؟ ماذا تفعل بسكان القدس الباقين ؟ وماذا ستفعل بسكان الضفة الغربية أيضا ؟

 وقد مر على حزيران 1967 أربع وخمسون عاما لم تتمكن إسرائيل الدولة البلاعة خلالها من هضم ما ابتلعت .

في حزيران 2021 نستحضر مقطوعات الشاعر توفيق زياد ، فنعرف بعد النظر الذي امتاز به .

كنت من قبل ضمنت في إحدى اليوميات قوله :

” إن من يسلب حقا بالقتال

كيف يحمي حقه يوما

إذا

الميزان

مال “

وأمس ، بل ومنذ بداية حزيران وأنا أكرر قوله :

” والذي يغتصب الغير

يعيش العمر خائف ” .

هل شعرت إسرائيل منذ تأسيسها يوما بالأمان ؟

انظروا إلى حدودها الشرقية والجنوبية والشمالية و …. واقرأوا أدبيات أدبائها لتلحظوا عقدة الخوف فيها .

إن لم تخني الذاكرة فقد كتب أحد روائييها ، وهو ( عاموس كينان ) ، رواية عنوانها ” الطريق إلى عين حارود ” ، وقد نقلت إلى العربية ونشرت في مجلة ” الكرمل ” في ثمانينيات ق ٢٠ وكتب لها مقدمة الشاعر سميح القاسم ، وفيها يعاني بطلها من الخوف القادم من الشمال .

منذ العام ١٩٧٨ وما بعده حتى ٢٠٠٧ كان الخوف الدائم يأتي إسرائيل من الشمال ، وها هو منذ العام 2007 يأتي من الجنوب ، فكيف إذا تساقطت الصواريخ في لحظة واحدة من الشمال والجنوب ؟

هل ستشكل معا كماشة تخنق روح الدولة ؟

ربما احتاجت إسرائيل الآن إلى بعض حكمائها مثل الفيلسوف ( يشعياهو لايبوفيتش ) الذي تنبأ في العام 1968 بأن استمرار الاحتلال سيقود إلى دمار المجتمع الإسرائيلي .

في حزيران 2021 نتذكر حزيران 1967 وكنا في حزيران 1982 أعدنا حزيران 1967 وفي حزيران 2017 كتبت كتابي ” حزيران الذي لا ينتهي ” ، وما زال خالد الفدائي الأول في رواية غسان كنفاني ” ما تبقى لكم ” يسير .

غسان كنفاني

في بائع التذاكر يحضر غسان كنفاني مرارا ، يحضر تارة بالإشارة إلى بعض نصوصه ، وقد أتيت على هذا ، ويحضر طورا دون إشارة .

في الفصل الذي عنوانه [ خبز أمي ] تحضر أسطر لمحمود درويش من قصيدته ” أحن إلى خبز أمي ” ، ففي السجن يحن وليد إلى خبز أمه ، ولكن قاريء غسان كنفاني سرعان ما يستحضر قصته ” الصغير يذهب إلى المخيم / زمن الاشتباك ” من مجموعته ” عن الرجال والبنادق ” ، ولطالما كتبت في يومياتي ودفاتري عنها ، وفي طوفان الأقصى ذكرتها ، وأنا أكتب عن الجوع في قطاع غزة ، مرارا .

هل ثمة فضيلة في زمن الاشتباك أهم من فضيلة البقاء على قيد الحياة ؟

لعلني أقارب الموضوع في مقالي القادم في جريدة الأيام الفلسطينية .

[ خربشة قديمة :

الفضيلة الأولى في زمن الاشتباك : ” مذكرات كلب “

وأنا أقرأ في رواية (؟) نادية حرحش ” نيتشة في القدس ، مذكرات كلب ” ( 2021 ) تذكرت قصة غسان كنفاني ” الصغير يذهب إلى المخيم ” / ” زمن الاشتباك ” وما يرد فيها عن الفضيلة .

الفضيلة الأولى في زمن الاشتباك أن نبقى على قيد الحياة ، فكل الفضائل الأخرى كالصدق والإخلاص والوفاء والحب و … تأتي لاحقا ، ففقدان الحياة على وجه الأرض لا يبقي فضائل .

هل ثمة فضائل حقا إن انتهى الجنس البشري ؟

هل الفضيلة الأولى للفلسطينيين في فلسطين كلها أن يظلوا صامدين في أرضهم أولا ، ثم بعد ذلك يفرجها الله ؟

هل تتصرف قيادة السلطة الفلسطينية بناء على هذا الأساس ؟

هل كان الشيوعيون في فلسطين المحتلة في العام 1048 يعملون وفق هذا المبدأ ، وهو ما كان يردده إميل حبيبي ، بعبارات مشابهة تقريبا ” باق في حيفا ” ؟

يورد الكلب نيتشة في مذكراته :

” ولأني شهدت تعذيب كلاب حاولت المقاومة وكان نصيبهم الحرق والتنكيل ، وحوش هؤلاء كالبرابرة يتفننون بالتعذيب والتنكيل ، لا أهل لهم على ما يبدو ، يجتمعون في أماكن رثة بعيدة عن المباني السكنية يمارسون التخريب والتعذيب كهواية ، وأنا بدوري مع كل مرة كنت أنجو بها ، كنت أقول لنفسي ” مليون مرة جبان ولا مرة الله يرحمه ” . ما قيمة الكرامة وعزة النفس أمام خسارة الحياة ؟ ” .

شو رأيكم ؟

هل كلب نادية حرحش ( 2021 ) مثل دجاجة اسحق موسى الحسيني ( 1943 ) ؟

يعني بعد 78 وأكثر من النضال والمقاومة نصل إلى النتيجة التي توصل إليها الحسيني .

مذكرات دجاجة ومذكرات خروف ومذكرات حمار ومذكرات كلب . و … والحمد لله أن كلب توفيق فياض ” الكلب سمور ” مختلف . إنه كلب مقاوم ومتمسك بأرضه ويدافع عن صاحبه ويهاجم قوات الانتداب البريطاني ، وربما لهذا لم يكن له وقت ليكتب مذكراته وإلا لكانت الصورة أكثر قتامة .

مع الأسرى الجنائيين

يأتي وليد على سجنه في بداياته وتركه ، في سجن نتسان ، مع سجناء يهود جنائيين لاحظهم وهم يجهزون سجائر الحشيش ، بعد أن أعدوا قهوتهم .

كان السجناء يقرؤون الصحيفة التي على الطاولة ، فلاحظوا صورته فيها ، وقال أحدهم :

” هذه صورته ” ،

واقترح أحدهم ، وكان ضخما ، أن يضربوه ، فتحسب وليد واستعد ، ولكن آخر طلب منهم أن يغيروا الموضوع ” فهذا ليس شأننا ” .

ولسوف يقترح الضخم على وليد ، بتودد ، أن يدخن الحشيش معهم ، ومد سيجارة نحوه ” لكن أسيرا آخر أمسك ذراعه وأنبه على هذه الدعوة وقال :

” أنت لا تعرف الأسرى الأمنيين ، فكيف تدعوه لتناول المخدرات . هذه إهانة لهم ” .

سيعتذر الضخم عن قلة خبرته وسيتبين لوليد أن النحيف هو معلم القعدة وهو الأكثر تجربة وخبرة .

بعد فترة سيروي الضخم لوليد ، مفترضا أنه يعرف الرفيق عمر القاسم – وسيخصه وليد بصفحات – أن عمر رعاه وحماه من الأسرى المدنيين حين كان في الثامنة عشرة من عمره .

” سأسمع لاحقا قصصا كثيرة سيرويها لي سجناء يهود وهم يشيدون بأخلاق الرفيق عمر القاسم وإنسانيته . كان السجناء الجنائيون اليهود غالبيتهم من المغرب العربي ومن سكان ما يسمى ” بلدات التطوير في إسرائيل ” .” .

مصائد العصافير

قبل أشهر قليلة توفي عبد الحميد الرجوب مؤسس غرف العصافير في السجون الإسرائيلية ، ولا أظن أن أحدا ممن يهتمون بأخبار الأسرى لم يسمع باسمه أو لم يصغ إليه شخصيا يحكي عن تجربته .

ولست متأكدا من عدد الأعمال الأدبية التي أتى كتابها على تجارب الأسرى في إيقاع العصافير – الأسرى المتعاونين- بهم . والعصافير كانوا قاوموا الاحتلال ثم ضعفوا وتعاونوا معه وصاروا يوقعون بالأسرى الجدد .

يحكي وليد في صفحات عنوانها ” مصائد العصافير ” عن تجربته الشخصية ، إذ حين لم ينتزع المحققون الإسرائيليون منه اعترافا بدوره ، بخطف مجند إسرائيلي وقتله، اقتادوه إلى غرفة العصافير عل هؤلاء يفلحون فيما لم يفلح فيه المحققون .

يستقبل وليد استقبالا حسنا ويهيأ له الحمام ويعطى الملابس ثم يطلب منه عصفور ، يتحدث باسم الجبهة الشعبية، أن يكتب تقريرا عما حدث معه ، من أجل أن يرسل إلى قيادة الجبهة ، فتأخذ احتياطاتها وتحول دون مزيد من الاختراق .

سينتبه وليد متأخرا ولا يكتب إلا ما كان كتبه للمحققين ، وحين يفشل العصافير في مهمتهم يقتاده المحققون إلى غرف التحقيق ثانية ، وعلى الطاولة يرى التقرير الذي كتبه للعصافير .

في الجدل الدائر حول اقتباس فيلم ” فلسطين 36 ” من رواية ” زمن الخيول البيضاء ” كتبت وكتب غيري أن تشابه التجربة تؤدي إلى تشابه الكتابة . كم كاتب أديب سجن واقتيد إلى غرفة العصافير وكتب ، أو كتب عن تجربة سجناء قصوا عليه قصصهم في غرف العصافير فكتبها ؟!

في رواية وليد الهودلي ” وهكذا أصبح جاسوسا ” (2018) نقرأ تحت عنوان ” عصافير على الحد الفاصل ” ( ص 101 إلى 107 ) ما كتبه عن غرف العصافير .

يفشل المحققون في انتزاع اعتراف من مقاوم فيخبرونه أنهم قرروا إبعاده إلى غزة . يقتادونه في سيارة جيب إلى نقطة قريبة من الحدود أعدوها لتكون غرفة عصافير ، على أمل أن يعترف المقاوم ، ظانا أنه الآن بأيد فلسطينية ، وينتبه المقاوم ويكون ذا فطنة ويتذكر قصة مقاوم لعبوا معه لعبة الإبعاد بطائرة إلى الحدود اللبنانية ، وهناك ينتزع منه ما أخفاه ، ظانا أنه صار بالفعل في لبنان مع رجال المقاومة ، وهكذا أعادوه إلى السجن .

ماذا لو تتبع باحث قصص العصافير في الأدبيات الفلسطينية ؟

طفل من صلبي

لعل من أطرف ما سيقرأه المرء في ” بائع التذاكر ” وأعجبه هو ما كتبه كاتبها عن زواجه داخل السجن وإنجابه طفلته ” ميلاد ” التي كتب على لسانها رسالة تفيض مشاعر إنسانية تعبر عن طموحات الفلسطيني لمستقبل أطفاله .

لم يبدأ تفكير وليد بالزواج متأخرا ، فقد خطر على باله في لحظات التعذيب التي تعرض لها في أيام اعتقاله الأولى ، وهو ما نقرأه في الصفحات التي أشرت إليها تحت عنوان ” خبز أمي ” .

يصف وليد لنا أنه في لحظات التعذيب الشديد القاسي الذي تعرض له فكر في الإنجاب . هذا يعني في آذار العام 1986

إنه بعد أن يصف ما تعرض له من تعذيب ، حيث أحس أنه انشطر إلى نصفين ” حتى بدأت تتهيأ لي لحظة الموت ” ” بكيت على حالي وأنا ما زلت حيا ، خشيت من الموت ، وحين سلمت في هذه اللحظة أنه آت لا مفر ، عزت علي نفسي وسالت دموعي ، لا لأني سأموت ، وإنما لأنني سأموت من دون أن يكون لي طفل من صلبي . لا أعرف لماذا فكرت بالإنجاب ، فأنا لم أكن متزوجا ، ولم يخطر لي قبل هذه اللحظة يوما أن أكون أبا . ربما هي غريزة البقاء ” .

العنف معكوسا : بتر العضو الذكري

في العام 1991 أصدر اتحاد الكتاب الفلسطينيين في القدس رواية الأسير هشام عبد الرازق ” الشمس في ليل النقب ” وفيها تعرض لجانب من حياة الأسر بقدر من الوضوح لم نقرأه في أدبياتنا وهو تحقيق الأسرى مع أسرى شك في تعاونهم مع الاحتلال الإسرائيلي ، بعد أن أسقطهم بطريقة ما .

وقد حضر الموضوع في الواقع المعيش أكثر من حضوره في النص الأدبي ، فكنت تصغي إلى الأسرى يحكون فيه أكثر مما كنت تقرأ عنه في نتاجهم .

يأتي وليد دقة على هذا الجانب وهو يكتب عن [ السجن والانتفاضة] ويرى ” أن ظاهرة الهوس الأمني والتحقيق مع أسرى من قبل أسرى آخرين بتهمة العمالة التي راح ضحيتها عدد من الأسرى بين التشويه الوطني والتشويه الجسدي من جراء خضوعهم لتحقيق عنيف ، والموت إعداما بتهمة العمالة ” ظاهرة تفشت .

يورد وليد قصصا لافتة منها قصة السوري رحمون الذي هرب من الخدمة العسكرية في لبنان فلوحق من المخابرات السورية وفضل الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية ، وفي إحدى العمليات الفدائية يؤسر وفي السجن تدور حوله الشكوك بتهمة التخابر مع الموساد بهدف تصفية أعضاء المجموعة أثناء الاشتباك . سيعدم رحمون وسيفر ابن شقيقته إلى أقسام المحميين ” مع أن المعلومات التي أدلى بها تحت الضرب لم يكن بالإمكان التيقن من صحتها وإدانته بالاستناد إليها ” ( 105 ) .

كان وليد يكتفي بالمراقبة وعدم القيام بأخطاء حتى لا تحسب عليه ملاحظة أمنية في هذه الأجواء المتوترة .

القصة الطريفة التي يوردها هي قصة الأسير عطوة أبو سمهدانة من حركة فتح .

يعرض عليه ضابط إسرائيلي الارتباط ويغريه بأنه ، مقابل المعلومات التي سيقدمها لهم ، سبحضر له فتيات يمارس معهن الجنس ، فيرفض عطوة ولا يكتفي بالرفض ، وسيعود إلى زنزانته ويأخذ شفرة حلاقة ويدخل الحمام ويقطع عضوه الذكري ” وقال للأسرى قبل أن يغمى عليه إنه فعل ذلك حتى لا يضعف يوما من الأيام ” ( 106 ) .

وسيعالج عطوة ويعاد له عضوه . إن عنف السجان مع الأسرى كان أحيانا ينعكس على علاقاتهم ببعضهم فيمارس قسم منهم العنف على قسم آخر ، وكان الاختلاف في البيئة بين السجناء يسهم في ذلك ، وهذا ما سأكتب عنه لاحقا .

فضيلة الحياة الأولى : خبز أمي

وأنا أقرأ السيرة الذاتية لوليد دقة ” بائع التذاكر : رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية “( 2026 ) التفت إلى مفصل [ خبز أمي ] وفيه يحكي عن تجربة اعتقاله والتحقيق الذي مر به ورائحة خبز أمه الذي ، بسبب الجوع ، جعل من حاسة الشم لديه حاسة مفترسة .

ما التفت إليه ذكرني بقصة غسان كنفاني ” الصغير يذهب إلى المخيم ” التي ركز فيها على أن الفضيلة الأولى في الحياة هي البقاء على قيد الحياة ، ثم يأتي ، بعد ذلك ، كل شيء لاحقا . وهذا ما ورد ، على لسان الكلب أيضا في رواية نادية حرحش ” نيتشة في القدس ، مذكرات كلب ” ( 2021 ) .

” ولأني شهدت تعذيب كلاب حاولت المقاومة وكان نصيبهم الحرق والتنكيل ، وحوش هؤلاء كالبرابرة يتفننون بالتعذيب والتنكيل ، لا أهل لهم على ما يبدو ، يجتمعون في أماكن رثة بعيدة عن المباني السكنية يمارسون التخريب والتعذيب كهواية ، وأنا بدوري مع كل مرة كنت أنجو بها ، كنت أقول لنفسي ” مليون مرة جبان ولا مرة الله يرحمه ” . ما قيمة الكرامة وعزة النفس أمام خسارة الحياة ؟ ” .

يأتي وليد ،وهو يكتب عن اعتقاله في آذار 1086 ، على علاقته ، وهو يعمل في محطة وقود في الخضيرة ، مع (خاريتون ) اليهودي الروماني الذي يقترب من الستين من عمره .

نجا ( خاريتون ) في صباه من المحرقة وفقد أسرته كلها وتعلم أن الكرامة تعني أن ينهض كل يوم في الصباح ويذهب إلى العمل ” كرامتي هي كل يوم أعيشه لأنتقم لأسرتي التي أبادها هت لر ” ، وهذا ما لم يكن وليد قبل اعتقاله يراه ، فهو إذ يأنف من تلبية رغبات السائقين بمسح سياراتهم ، مقابل بقشيس ، يلحظ إقدام ( خاريتون ) على تلبيتها ، ما يدفعه مرة لأن يخاطبه :

” أنت رجل مريض ومسن ، ما حاجتك للمال ؟ تمتع بيومك وبما تملك . لماذا عليك أن تمتهن كرامتك ، فتمسح لهم زجاج سياراتهم ، مقابل ماذا ؟ مقابل بضعة قروش يناولونك إياها وكأنك متسول ؟” .

ينظر ( خاريتون ) إلى وليد مبتسما وساخرا ويسأله :

” ماذا تعرف أنت عن التسول وامتهان الكرامة ؟ أترك لي موضوع كرامتي . كرامتي هي كل يوم أنهض فيه في الصباح وآتي إلى العمل ، كرامتي هي كل يوم أعيشه لانتقم لأسرتي التي أبادها هت لر

وكان وليد وهما يتناولان الطعام في العمل يلاحظ أنه لا يفرط بشيء ، فمرة تناولا الطعام معا وبقي منه بعض خبز لفه وليد بالجريدة ووضعه في سلة المهملات ، ما أثار حنق ( خاريتون ) وغضبه .

عندما يعتقل وليد في آذار 1986 يحضر (خاريتون) جلسات التحقيق ، وذات جلسة يستدعى وليد فيحضر المحقق حقيبته ويقلبها ويفرغها مما فيها ، وكان ساندويشات خبز ولبنة وبندورة وما شابه ، فيشم رائحة الخبز . ولا يناوله المحقق بعضه ، بل إنه أخذ يتشمم رغيف الخبز ويردد ساخرا : ” أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ” ثم أخذ منه قطعة ورماها في سلة المهملات .

كان (خاريتون ) ، في هذه اللحظة ، يجوب غرفة التحقيق ، وكلما رمى المحقق قطعة خبز ، تناولها من السلة وقضمها وهو ينظر إلى وليد مبتسما وكأنه يقول له :

” كرامتك أن تحافظ على حياتك ، كرامتك الآن في سلة المهملات ، ف “كل” ما استطعت ، كرامتك أن تبقى حيا ، وأن تحافظ على سلامتك العقلية ” .

إلقاء المحقق قطع الخبز في السلة أعاد (خاريتون ) إلى صباه في رومانيا . وكما عنف وليدا في العمل لفعله ، يخاطب المحقق :

” لقد أعدتني إلى رومانيا ، فبعد أن اقتيدت أسرتي إلى المحرقة ، بقيت أنا ومجموعة من الأطفال مختبئين في إحدى المزارع ، ننام ببن التبن ، نتناوب على مراقبة حاوية النفابات لالتقاط بعض الخبز والملفوف وبضع حبات من البطاطا . أترى هذه القطعة من الخبز ؟” ، قال وهو يدفع بها في وجه المحقق :

“ت هذه وجبتي لأسبوع ، أراقب الحاوية لأيام حتى أحصل عليها ” .

مؤتمر البوس . هل يجوز للأسير أن يبوس زوجته / خطيبته / أخته / أمه ؟

من أطرف الصفحات التي قرأتها في سيرة الكاتب الصفحات التي كتبها تحت عنوان [ كونفرانس البوس ] .

كانت الصفحات التي تسبق عقد مؤتمر لمناقشة الموصوع أتت على قصة عطوة أبو سمهدانة الذي بتر عضوه الذكري حتى لا يضعف أمام السجان الذي أغراه إن تعاون معه أن يحضر له فتيات يمارس معهن الجنس .

كان الأسرى في السجون يدرسون كراسة عنوانها ” الدوائر الهندسية ” ملخص فكرتها ” أن الانحراف الاجتماعي يؤدي إلى الانحراف الأمني ” وهي كراسة كتبها ” كاتب ذو عقلية محافظة جدا ، على الرغم من أنه ينتمي إلى فصيل يساري ” فالانحراف الخلقي في نظره قد يعني علاقة مع الجنس الآخر ، حتى لو كانت هذه العلاقة لا تتعدى إمساك يد حبيبته أو تقبيلها ” .

كان هذا قبل أن تكون الفصائل الإسلامية قد انطلقت .

يكتب وليد عن الفرق بين بيئة سجناء فلسطينيي المناطق المحتلة في العام 1948 ومعها مناطق القدس والضفة الغربية وبين بيئة غزة المحافظة . لقد انعكس هذا الاختلاف في البيئة الاجتماعية على النظر إلى الموضوع . [ الصحيح أن الفصائل الوطنية كانت أحيانا تسخر من رفاق الجبهة الشعبية بترداد شعار نسب إليها : يد تحيط الخصر ويد تحمل السلاح ].

يرى المحافظون أن من يقبل زوجته أو خطيبته في الزيارة ” مش زلمة ” فلو كان زلمة ” ما عمل هالعملة ” . ولكن غير المحافظين من المنفتحين وحملة الأفكار التقدمية لهم رأي مختلف ، ولا بد من أن يحسم الموضوع فيقرر عقد مؤتمر لبحث ” البوس ” ، عدا أنه من خلال البوس يمكن تهريب الأسرى كبسولات لتنظيماتهم في الخارج ، وبذلك يشركون الجنس الآخر في النضال .

هل أنت مع البوس أم ضده ؟ وستوزع قسائم يكتب عليها : [ مع البوس ] [ ضد البوس ] وستكون الأغلبية مع البوس ” ومنذ ذلك الحين يبوس أعضاء الفصيل المذكور بقرار مؤتمر ” .

هل أعيد النظر في القرار مع المتغيرات السياسية الحاصلة منذ العام 1987 ؟

لم يقدم أحد اقتراحا لذلك .

يرى وليد الآتي :

” لكن البوس كأداة أفضل حالا من الأدوات النضالية الأخرى التي لم يعد تقييمها والنظر فيها وفقا للمستجدات السياسية والنضالية والحضارية ، فهو لا يسير بوعي ذاتي لأهميته ، وإنما بدافع الضرورات الموضوعية التي يخلقها السجن ، وما إن يتحرر الأسير الرجل حتى يصبح كالباقين ، لا يبتعد عن البوس فقط ، وإنما يسير بعيدا عن زوجته ويسبقها بخطوات ” .

ربما الأطرف مما سبق هي قصة زواج وليد في السجن ، ثم إنجابه ابنته ميلاد .

الكتابة من داخل السجن

كان الروائي عبد الرحمن منيف في روايته ” شرق المتوسط ” 1975 من أوائل من التفتوا إلى الكتابة عن عالم السجن من داخله ومن خارجه . أي أن يكتب عنه من عاش التجربة ومن كانت له صلة به ، فاقترح رجب شخصيته الروائية على أخته أنيسة أن تكتب عن معاناتها في زيارته وأن يكتب ابنها عادل وزوجها حامد وتمنى لو كانت أمه على قيد الحياة لتكنب أيضا ، ورأي منيف يكمن في أن السجن لا يخص السجين بل من له علاقة به .

في طوفان الأقصى وما تلاه شغلت الكتابة من داخل قطاع غزة وخارجه الكتاب ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي وخيض فيها الكثير ، فمن يأكل العصي ليس كمن يعدها .

وأنا أقرأ سيرة وليد دقة التفت إلى الفقرة الآتية التي تصب في الجدل حول الكتابة من قلب الحدث والكتابة من خارجه ، كتابة من يأكل العصي وكتابة من يعدها :

” عندما تكتب من داخل الجرح ، فأنت بالضرورة لا تصف الواقع كما هو وصفا تقريريا ، وإنما ستؤوله ، وستغدو بحكم التجربة مفسرا لأحلام رفاقك . أنت ، كما يوسف في سجن فرعون ، ولكن حين يصبح وقع الأسر كابوسا مستمرا ، تسأل نفسك : لو بفي يوسف في سجنه دهرا ، أكان سيبقى مفسرا للأحلام ، أم صانعا لها ؟ وأنا في حيرة من نفسي بين تفسير الكوابيس وصناعة الأحلام ” .

إن متابعة لأحلام الكاتب وكوابيسه في تجربته وتجربة السجناء تستحق أن يكتب فيها رسالة ماجستير أو دكتوراه .

ماذا ورد في كتابات الأسرى عن كوابيسهم ؟ وماذا كتبوا عن أحلامهم ؟

جهود فردية تنجح حيث لا تنجح وزارة

في فصل عنوانه [ مقاومة النسيان ] يكتب وليد عن اتفاقات أوسلو في تعاملها مع الأسرى ، فهي لم تشمل الأسرى الذين نفذوا عمليات مسلحة وتسببوا في مقتل ” إسرائيليين ” ، وهذا ما أثار حنق بعض الأسرى فتساءلوا بسخرية :

– شو الصراع صفى علينا أنا وياك ؟

يأتي وليد على قصتين لافتتين ؛ أولاهما قصة السجين محمد رجا نعيرات ( أبو رفعت ) ، وثانيتهما قصة السجين المصري محمود السواركة ( أبو سميرة ) .

أصيب نعيرات بالزهايمر ولم تهتم وزارة الأسرى الفلسطينية بقضيته ، فاضطر وليد ، بواسطة أمه فريدة ، تأمين مبلغ للمحامي اليهودي ( أفيغدور فيلدمان ) للدفاع عنه ، وأسفرت جهوده عن الإفراج عنه ونقله إلى قريته ميثلون قضاء جنين ” بكيت فرحا لهذا الاختراق الذي حققناه كأسرى … لقد مثل الإفراج عن ” أبو رفعت ” لمن أبقتهم اتفاقية أوسلو في السجون ليس بارقة أمل فحسب ، بل أعادت لنا الثقة بأنفسنا أننا قادرون على تحقيق الإنجاز وإن كان الإفراج عن أسير واحد ” .

أما محمود السواركة الذي أمضى أكثر من عشرين عاما في السجن ووجدت ستة قرارات طرد بحقه إلى مصر ، ورفض المصريون تسلمه، بادعاء أنه لا يرد في كشوفاتهم مثل هذا الاسم ولا يعلمون بوجود أسير مصري محتجز في ” إسرائيل ” ، فقد كان على الأسرى إقناع المصريين بالإفراج عنه إلى مصر .

سيتصل وليد بعضو الكنيست هاشم محاميد ليتابع القضية مع السفارة المصرية وسيقنع القنصل المصري بزيارة ” السواركة ” وسيحضر له كيسا فيه أربع علب سجائر امبريال ( والسواركة لا يدخن ) وحذاء ( الفردتان شمال ) ، وهذا جعل السواركة يعقب ” هذه هي قيمتي عندهم ” .

ستتواصل جهود وليد وسيتم الإفراج عن ” أبو سميرة ” ، وبعد عامين من إطلاق سراحه ستسافر سناء زوجة وليد إلى مصر وستحضر له بعض الكتب ومنها كتاب ” عودة البطل ” الذي روى بطولة الرئيس المصري حسني مبارك الذي بذل جهودا جبارة لإطلاق سراحه .

” ولم تستطع سناء التي تابعت القضية وتعرف التفاصيل عن كثب إلا أن تعلق أمام صاحب المكتبة أن الكتاب مليء بالأكاذيب ، الأمر الذي أغضب الرجل ، فأخذت نسختين من الكتاب وغادرت المكان بسرعة قبل أن تلصق بها إحدى التهم الجاهزة التي تجيد هذه الأنظمة صناعتها ” .

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

السيدة صاحبة النزل

رولد دال ترجمة محمود الصباغ استقل بيلي ويفر قطار الظهيرة البطيء من لندن متجهاً إلى …