إفرائين فيلاسكيز
ترجمة محمود الصباغ
الملخص
ارتبطت مسألتا التوطن وأصول إسرءيل، في غالب الأحيان، بالعصرين البرونزي المتأخر والحديدي، إذ عُدّت هاتان المرحلتان موطناً للنصوص الكتابية الأولى. غير أن هذه الافتراضات، سواء ما تعلق منها بأصول النصوص الكتابية أو حتى بصحة الوقائع والأحداث التي ترويها، باتت موضع تساؤل في الآونة الأخيرة. ومن هنا، انتقل النقاش حول أصول إسرءيل إلى العصر الفارسي. ورغم ما ينطوي عليه هذا التوجه الأحدث من قدر من التكلف، وما يميل إليه من تكرار بعض الأخطاء المؤسفة التي وقع فيها مفسرون سابقون، فما انفك الجدل الدائر حول إسرءيل في العصر الفارسي قادر، مع ذلك، على إضاءة مسألة نشأتها في العصور الأسبق.
المقدمة
لو دعي، طوال معظم القرن الماضي، فريق من الباحثين إلى مؤتمر لمناقشة المسائل المتعلقة بأصول إسرءيل، لانصبت جميع أبحاثه على العصرين البرونزي المتأخر والحديدي، من دون تجاوزهما.[1] فلطالما كان الرأي السائد أن الفصول المهمة من تاريخ إسرءيل وقعت في هاتين المرحلتين (Albright 1935, 1939; Wright 1952; Bright 1981) أما البداية الزمنية لظهور إسرءيل بوصفها كياناً سياسياً، فكانت، وفق هذا التصور، غزواً دموياً أعقبه توطن واسع النطاق للإسرءيليين في جنوبي بلاد الشام، خلال القرن الخامس عشر ق.م أو الثالث عشر ق.م.
غير أن التوجه السائد في العقد الأخير أخذ ينقل البحث في أصول إسرءيل إلى العصر الفارسي.[2] وصار الافتراض السابق، القائل بنشأة إسرءيل ككيان اجتماعي قبل القرن السادس ق.م، يوصف بأنه “أسطورة”.[3] كما باتت المؤتمرات التي تتناول تاريخ إسرءيل في مراحله المبكرة تقتصر، في أوساط بحثية كثيرة اليوم، على أوراق تتناول العصرين الفارسي والهلنستي.
تبحث هذه المقالة في الحجج التي يستند إليها بعض أهل الاختصاص في تأييد الرأي القائل إن العصر الفارسي ربما كان المرحلة التي نشأت فيها إسرءيل. وقد يتساءل بعضهم: هل أخطأت معظم الأوراق المقدمة في هذا المؤتمر وجهة البحث؟ وهل نبحث عن أصول إسرءيل في العصر الخطأ؟
إن مصطلح “أسطورة”، المستخدم في النقاشات الراهنة حول نشأة إسرءيل، محمّل بإيحاءات خطابية شتى.[4] والمقصود به في هذه المقالة ليس القصص الكتابية أو التاريخ الوارد في الكتاب المقدس، وإنما معناه الواسع الدال على أي إعادة بناء تاريخية تعجز المعطيات الأثرية و/أو النصية عن إسنادها.
يرى طومبسون (1992a) وبارستاد (1996) أن من يرجح تاريخاً مبكراً لنشأة إسرءيل، وهم جملة من يُطلق عليهم اسم “الأصوليين” Maximalists، يكرّسون “أسطورة إسرءيل” و”الماضي الأسطوري” الوارد في الكتاب المقدس العبري. وفي المقابل، يصف عوديد (2003: 55–56) من يُسمّون “التقليليين” Minimalists بأنهم “صانعو الأساطير” Mythographers، لأنهم يقترحون إرجاع نشأة إسرءيل إلى عصور متأخرة، أي العصرين الفارسي أو الهلنستي.
لا أرغب في الانخراط في سجال اتهامي لن يخدم البحث في أصول إسرءيل. فقد ألحق إطلاق الأوصاف التحقيرية والانفعالات الخطابية أضراراً كبيرة بهذا النقاش، ولم يساعدا على إحراز أي تقدم فيه. والكثير مما يُنشر اليوم تحكمه ردود الفعل، من دون إضافة شيء إلى فهمنا للمسألة. وربما يفضي تناول الموضوع من وجهات نظر مختلفة، وما ينشأ عن ذلك من تفاعل بين الآراء، إلى نتائج مثمرة، كما أن اللغة الحادة ذات النبرة الانفعالية التي تطبع هذه النقاشات تضفي عليها قدراً من الجاذبية. وسأبدأ بعرض الخلفية التي نشأ فيها الجدل الراهن حول أصول إسرءيل، ثم أنتقل إلى بحث الآثار المنهجية المترتبة على المواقف المطروحة.
تحدي الأساطير المبكرة
لا تنسجم كثيراً صورة جحافل الإسرءيليين وهي تجتاح مرتفعات كنعان، وتحرق كل مدينة تعترض طريقها، مع الشواهد الأثرية أو النصوص القديمة. وقد استند بعض قراء الكتاب المقدس العبري إلى ما وصفوه بـ “النتائج المؤكدة” لعلم الآثار، تأييداً لتصوراتهم عن الغزو الإسرءيلي المدمّر لأرض كنعان. غير أن هذه الأنواع من إعادة البناء التاريخي لم تصمد أمام الفحص الدقيق للمعطيات الأثرية. وقد أدى تعارضها مع نتائج البحث الآثاري الراهن إلى تنامي الشكوك بقوة في القيمة التاريخية للأسفار العبرية. وفي هذا السياق، أشار كارتر ومايرز (Carter and Meyers 1996: 3) إلى ما يلي: قبل جيل من الزمن، كان علماء الكتاب المقدس يتحدثون بثقة عن “النتائج المؤكدة للدراسات الكتابية”. وحظيت هذه الآراء بمكانة تكاد تكون مقدسة، ويسلَّم بصحتها بوصفها أساساً تنطلق منه جميع الدراسات اللاحقة للنصوص المقدسة. غير أن كثيراً من هذه التوافقات البحثية باتت، في الآونة الأخيرة، موضع تمحيص دقيق، حتى إن ما عُدّ في الماضي “نتيجة مؤكدة” صار يُشكك اليوم في مشروعية اعتباره “نتيجة” من الأساس.
استند بعض ما عُدّ من “النتائج المؤكدة” لعلم الآثار، واستُخدم لإثبات إعادة البناء التاريخي المعروفة باسم “الغزو”، إلى قراءات خاطئة للنصوص ومعطيات أثرية محدودة (Albright 1935, 1939; Wright 1952; Bright 1981) وبهذا المعنى، ووفق التعريف الذي أعطيه للمصطلح، فرضت أسطورة على التاريخ الكتابي.
في المقابل، شدّد زيفيت (Zevit 2002a: 36) على أن “الأجيال السابقة من الباحثين ينبغي ألا تلام لبذلهم قصارى جهدهم؛ “فقد اختلفت الأسئلة التي طرحوها على الشواهد، مع محدودية المعلومات المتاحة لهم”.[5] ومع ذلك، سنطلق في سياق هذه المقالة وصف “الأساطير” على عمليات إعادة البناء التاريخي التي تستند إلى مناهج مشكوك في سلامتها.
أما “نموذج الغزو” الذي اقترحه أولبرايت، فلم يعد في وسع الباحثين المعاصرين الدفاع عنه. ومع ضرورة الاعتراف بإسهامات هذا النموذج، فقد أظهر ميرلينغ (Merling 1997b: 59–62) مثير للشكوك، سواء من الناحية الأثرية أو النصية. ولاحظ يونغر (Younger 1999: 200–201) أيضاً أن “الإجماع الوحيد الظاهر[اليوم] هو ثبات بطلان نموذج الغزو الذي قدمه أولبرايت. “وبات معظم الباحثين ينأون بأنفسهم عن هذا النموذج الأسطوري وعن المنهج الذي يتوخى “إثبات صحة الكتاب المقدس”[6]
ومن الأساطير الأخرى التي تبناها كثير من الباحثين الاعتقاد بأن جماعة من أهل يهوذا قدمت إلى مرتفعات يهوذا في القرن السادس ق.م، فوجدت أرضاً خالية، واستقرت فيها وشرعت في إنشاء إسرءيل جديدة. وعُرف هذا الخروج والغزو “الجديدان” باسم “الاستعادة”، وكان يفترض أن السجل الأثري يؤيد وقوعهما.
اقترح نلسون غلويك (Nelson Glueck 1934; 1935; 1939) وجود انقطاع في التوطن أعقب الغزوات البابلية للمنطقة[7] وظلت استنتاجاته الخاطئة تتردد في الدراسات الأكاديمية طوال ما تبقى من القرن العشرين (انظر, Alt 1940; Noth 1960). غير أن الأبحاث الآثارية التي أُجريت خلال العقود القليلة الماضية في كل من المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن وشرقه، أفضت إلى إعادة النظر في الدمار الذي شهدته المنطقة في القرن السادس ق.م، وفي نظرية “الانقطاع”(انظر، Pratico 1985: 26). فقد ظل سكان المنطقة المعنية خلال القرن السادس ق.م، حتى بعد الدمار الذي خلّفته الغزوات البابلية الحديثة. ومن ثم، لا يعدو نموذج “الاستعادة”، القائم على افتراض وجود أرض خالية، أن يكون أسطورة. ومرة أخرى، أفضت تأويلات بعينها لبعض النصوص الكتابية والمعطيات الأثرية إلى استنتاجات خاطئة.
الأساطير والمناهج
تقتضي أي إعادة بناء تاريخية سليمة لأصول إسرءيل إقامة صلة بين تأويل النصوص الكتابية والشواهد المادية. وركّز نموذجا الغزو والاستعادة التقليديان، وما قدّماه من تصورات لنشأة إسرءيل، على التحقق من صحة تأويل بعينه للروايات الكتابية بالاستناد إلى النتائج الأثرية. وهكذا عُلّقت سلامة النص على شواهد خارجية. ولما عجزت معطيات التوطن عن “إثبات” أن ملايين الإسرءيليين أحرقوا المدن الكنعانية في القرن الخامس عشر ق.م، أو الثالث عشر ق.م، أو أن جماعات من أهل يهوذا قدمت إلى مرتفعات خالية من السكان، وصفت الروايات التاريخية الكتابية بأنها أسطورية.
وتبدو ملاحظات ديفيز (2000: 27) مشابهة لملاحظات ديفر، حيث يشير الأول إلى إسهام التأكيد الجوهري على مساواة إسرءيل الكتابية وإسرءيل التاريخية واعتبارهما شيئاً واحداً، “في تقييد إسرائيل الكتابية بعلم الآثار، وترك الكتاب المقدس عرضة للتقليل من قيمته، فيما لو ثبت عدم موثوقيته من الناحية التاريخية”… “فإذا سقطت الأساسات الأثرية، سقط اللاهوت أيضاً”.
في منتصف القرن الماضي، مُنح علم الآثار قدراً أكبر من “الموضوعية” مقارنة بالدراسات النصية. وكان المنهج المتبع بسيطاً: إذا قاد اكتشاف أثري إلى نتيجة تخالف تصوراً معيناً لتاريخ الكتاب المقدس، فلا بد أن يكون النص الكتابي خاطئاً. لكن المشكلة الأساسية لم تكن، في معظم الأحيان، في النص، وإنما في إعادة بناء تاريخه. وأفضى هذا المنهج إلى اعتبار النص الكتابي وإعادة البناء التاريخي معاً ضرباً من الأساطير. وقد أشار عدد من المتخصصين إلى العيوب المنهجية التي شابت محاولات إعادة بناء تاريخ أصول إسرءيل في الدراسات السابقة. ففي نقده اللاذع، وصف ديفر علم الآثار الكتابي بأنه “قائم على ما يُفترض أنها “حقائق”، ليتبين لاحقاً أنها مجرد أقوال منقولة، لا أدلة”؛ ثم يضيف: “وليس من المستغرب، إذن، أن تقابل اليوم عمليات إعادة البناء المستندة إلى علم الآثار بقدر من الشك يماثل ما قوبلت به “النتائج المؤكدة للنقد الكتابي” لدى الجيل السابق من الباحثين”[8] (Dever 1983: 577)
وتتقارب ملاحظات ديفيز(Davies 2000: 27) مع نقد ديفر، إذ يقول: “الإصرار تماهي إسرءيل الكتابية وإسرءيل التاريخ، من حيث الجوهر، قيّد إسرءيل الكتابية بمنهج علم الآثار، وجعل الكتاب المقدس عرضة لاتهامه بانعدام القيمة إذا لم يكن موثوقاً من الناحية التاريخية”. ويضيف: “فإذا ما انهار الأساس الأثري، انهار معه اللاهوت”. ورغم أن ديفر وديفيز يريان أن موقفيهما متباعدان إلى حد كبير، فإنهما ينتهيان إلى نتائج متشابهة: اختزال القيمة التاريخية للكتاب المقدس إلى الحد الأدنى، بحيث لم يتبق منه سوى مقدار ضئيل من الأهمية اللاهوتية.
أفضى نقد القراءات الساذجة للكتاب المقدس العبري إلى دراسات أكثر جدية لمادته. وينبغي تجنّب العيوب المنهجية التي شابت محاولات إعادة البناء السابقة، وعدم إعادة إنتاج استنتاجاتها في الدراسات الأكاديمية أو حتى في المؤلفات الموجّهة إلى الجمهور العام. ومن ثم، لا بد من رفض نموذجي الغزو والاستعادة الخاطئين، وعدّهما من الأساطير. ومهما كانت الإيحاءات التي تصاحب مراجعة الاستنتاجات السابقة، ينبغي الاعتراف بقيمة النقاش العلمي. غير أن الدراسات الكتابية أُعلنت عن وجود “أزمة” في الدراسات الكتابية متمثلة في “البحث عن الأسطورة”(Childs 1970; وانظر أيضاً Lemche 2000; Long 2002a)
مطاردة الأساطير
لم يعد ثمة اليوم إجماع بين معظم أهل الاختصاص بشأن روايات الآباء الأوائل، والخروج، والغزو، والملكية، والسبي، والعودة (قارن Garbini 1994; Person 1993; Van Seters 1992) وتكمن المشكلة في أن المقاربات المفرطة في نقد الكتاب المقدس تجاوزت حدود النقاش العلمي السليم، حتى غدا البحث في أصول إسرءيل شبه مستحيل. ويلاحظ عوديد (Oded 2003: 55) أن الكتاب المقدس العبري، في نظر الباحثين الذين يُطلق عليهم اسم “التقليليين” مادة دعائية وُضعت لخدمة أغراض سياسية ودينية”. ثم يصف الكيفية التي يُنظر بها إلى مؤلفي الكتاب المقدس العبري: (2003: 55–56) اخترع اليهود في العصر الهلنستي سلسلة من الأساطير؛ أسطورة الأصول، وأسطورة الآباء الأوائل، وأسطورة الأرض الموعودة، وأسطورة تدنيس الكنعانيين للأرض، وأسطورة الغزو والقضاة، وأسطورة الملكية الموحدة، وأسطورة السبي والعودة، وأسطورة عزرا، وأسطورة الأرض الخالية؛ أسطورة تلو أخرى، “تمتد الآن من سفر التكوين إلى سفر الملوك الثاني على الأقل” [9] (Carroll 1991: 84). وأُعيد استخدام بعض الحجج التي استخدمت في “دحض” الأصول المبكرة لإسرءيل، هذه المرة لوصف الدمار الذي ألحقه البابليون بالمنطقة وعودة أهل يهوذا بأنها مجرد أسطورة. فما النتائج التي تترتب على هذا المنهج عند بحث تاريخ مرتفعات يهوذا في القرنين السادس والخامس ق.م؟
إن دراسة البقايا الأثرية العائدة إلى العصر الفارسي في يهوذا تلقي الضوء على أصول إسرءيل في العصور الأسبق.
تسعى عملية إعادة بناء التاريخ الكتابي، الموصوف أعلاه، إلى إثبات أن الكتاب المقدس العبري أُلّف في العصر الفارسي.[10] وأصبح أواخر القرن السادس ق.م المرحلة المحورية في البحث عن أصول إسرءيل. أعاد هذا التوجه السائد في الدراسات الراهنة الاهتمام بدراسة العصر الإخميني. وكما سبقت الإشارة، بات الافتراض السائد أن من يريد بحث أصول إسرءيل ينبغي له وضع العصرين البرونزي المتأخر والحديدي جانباً، والتركيز على العصرين الفارسي والهلنستي.
يرى ديفيز(Davies 2002: 2) أن العصر الفارسي هو الذي شهد “وضع الأسس التي قام عليها المجتمع اليهودي في عصر الهيكل الثاني”، وأن “كثيراً من الباحثين المنخرطين في دراسة عصر الهيكل الثاني يرون فيه بالفعل “العصر الكتابي” الحقيقي” ( ما تحته خط من ديفيز). ويستند في قوله إلى “أن السياق الاجتماعي الذي اكتسبت فيه جميع الأسفار المقدسة صيغتها الكتابية، والذي أُلّفت فيه غالبيتها بالفعل، حتى وإن استند بعضها في حالات كثيرة إلى مواد مصدرية أقدم، يتعذر الوصول إليها” (Davies 2002: 2) [11]
أما كنوبرز (Knoppers 2001: 15)، فرغم مخالفته لديفيز في آرائه، يلاحظ أن “العصرين الفارسي والهلنستي المبكر حظيا في السنوات الأخيرة باهتمام كبير، بوصفهما مرحلتين تأسيسيتين، إن لم تكونا المرحلة التأسيسية، في تأليف عدد من الأسفار العبرية وتحريرها وتفسيرها” (التشديد مضاف في الأصل)
وثمة مقاربات راهنة تتسم بالعدائية، من بينها مقاربة غرابّه وهاك (Grabbe and Haak 2001: 91)، اللذين يعدّان الكتاب المقدس العبري مجرد دعاية خالصة (بروباغاندة) تخدم قضية اليهودية. وهما يصوّران الباحثين الذين “يتبنون” و “يوسّعون” “الدعاية التي يبثها النص” على أنهم قادرون على إطلاق تكهنات جامحة، إلى حدّ قد يدفع أحدهم، في المستقبل القريب، إلى القول إن “قورش تبيّن أنه من سبط بنيامين، وداريوس من عبدة يهوه، أما أحشويروش فقد خُتن في اليوم الثامن من ولادته”.[12]
ومع ذلك، ينبغي للباحثين ألا يعرضوا عن دراسات العصر الفارسي، وإنما عليهم أن يدركوا أنه كان أحد العصور التأسيسية التي شهدت تطور الأسفار العبرية. وينبغي أن تتناول دراسات أصول إسرءيل، بمزيد من الجدية، التحولات التي شهدتها إيهود Yehud في القرن السادس ق.م.[13] غير أنه لا دليل يشير إلى انتماء جميع مواد الكتاب المقدس في أصولها إلى القرن السادس ق.م. ومع أن على الباحثين المعاصرين إيلاء العصر الفارسي اهتماماً أكبر،[14] والتعمق في دراسة ما جرى في مرتفعات يهوذا خلال القرنين السادس والخامس ق.م، فعليهم تجنب مطاردة الأساطير والميل إلى التمسك بمسلّمات مطلقة، سواء أكانت معادية للكتاب المقدس العبري أم مؤيدة له. فقد كانت الإيديولوجيا تحديداً وراء نشوء الأساطير السابقة عن أصول إسرءيل، وهي ذاتها القوة الدافعة وراء الأساطير الأحدث التي تروّج لها الدراسات الراهنة.
أسطورة أم ليست أسطورة؟
هل القول بأن الأسفار العبرية نشأت في العصر الفارسي هو الآخر أسطورة؟
أسطورة أم ليست أسطورة؟
ينبغي أولاً امتلاك القدرة على تحديد ما الذي يجعل تصوراً تاريخياً ما أسطورة.
لا يزال التعريف المعتمد لتصنيف أي إعادة بناء تاريخية تتجاوز الشواهد الأثرية و/أو النصية أو تحجبها كأسطورة تعريفاً صالحاً.
ومن أسباب تصنيف نموذجي الغزو عند أولبرايت والاستعادة عند غلويك ضمن الأساطير، غياب الشواهد “المتوقعة” على الوجود العبري في التجمعات السكانية خلال القرنين الثالث عشر ق.م والسادس ق.م. فقد كان من المفترض بتدفق الإسرءيليين أو أهل يهوذا إلى ظهور حقب جديدة يمكن تمييزها. وتنعكس هذه الافتراضات في بعض التقسيمات الزمنية القديمة التي تطلق على نهاية العصر البرونزي المتأخر تسمية العصر “الإسرءيلي”، وعلى نهاية العصر الحديدي تسمية العصر “اليهوذي”.
فكيف ينبغي التمييز بين الحقب التاريخية؟
يلاحظ يونكر (Younker 2003b: 367) إمكان الاستناد إلى معيارين لتحديد الحقب الأثرية: وجود حدّ فاصل واضح في البقايا المادية، أو “وقوع حدث تاريخي كبير أفضى إلى تحول اجتماعي وسياسي مهم”(فيما يتعلق بالتزمين التاريخي، انظر Croce 1921: 112–16; Morris 1997: 96– 131; Ritter 1985: 313–19). وتُعرف الأحداث التاريخية من المصادر النصية. ويعتمد معظم الباحثين الأحداث التاريخية في تقسيم الحقب، إذ نادراً ما تتزامن الأحداث التاريخية مع التحولات في الثقافة المادية. وفي بعض الحقب العائدة إلى العصرين الإخميني والهلنستي، استُخدم المصطلحان يهود أو إيهود (yhd أوyhwd ) للدلالة على هذا الكيان السياسي.
كانت أراضي يهود في العصر الفارسي أصغر من أراضي مملكة يهوذا السابقة، وما تزال حدودها الدقيقة موضع نقاش (انظر Lipschits 2005: 154, 183). أما التغيرات المادية الظاهرة في السجل الأثري، فقد تعود إلى عوامل لا ترتبط مباشرة بحدث سياسي كبير.[15] ويُعدّ تصنيف الفخار بحسب أنواعه من أهم المصادر التي يعتمد عليها علماء الآثار في تأريخ طبقات التوطن. فاللقى الفخارية هي أهم المعطيات المستخدمة في تأريخ المجتمعات التي لم تخلّف نصوصاً مكتوبة، وكذلك المواقع التي تندر فيها الشواهد الكتابية. فهل توجد حدود مادية فاصلة كافية للدلالة على بدء حقبة مختلفة عند نهاية العصر البرونزي المتأخر؟
التصنيف الفخاري والأساطير
تستند حجج كثيرة في السجال حول الطبيعة الأسطورية للروايات الكتابية، سواء ما تعلق منها بأصول إسرءيل في العصر البرونزي المتأخر أو بالمرحلة اللاحقة للعصر البابلي، إلى تصنيف الفخار بحسب أنواعه. ففي معظم المواقع القديمة، تُعدّ اللقى الفخارية أكثر المكتشفات الأثرية شيوعاً. واستخدمت علامات دالة على الانتماء الإثني، كما استعان بها الباحثون في التمييز بين الحقب الأثرية. ولو نشأت إسرءيل في العصر البرونزي المتأخر، لتوقع البعض تغيراً في الطابع العام لفخار تلك المرحلة. وينطوي هذا الافتراض على الاعتقاد بإمكان تحديد الشعوب ببساطة استناداً إلى فخارها. غير أن الصلة بين الأواني الفخارية والجماعات البشرية أعقد من ذلك
يحذّر كلتر، في دراسته التي تجمع بين الإثنوغرافيا والبحث الأثري (Kletter 1999: 21)، من الاستدلال بتوزيع الفخار على الغزوات أو الهجرات؛ فهذا التوزيع لا يتوافق معها دائماً. ويشير إلى احتمال استخدام جماعات اجتماعية مختلفة الفخار ذاته، مع احتفاظ كل جماعة بلغتها ونظام كتابتها المستقل. لذلك، لا تكفي استمرارية التقاليد الفخارية وحدها للحسم في أصول إسرءيل.
ويشدّد آخرون على أوجه التشابه بين الطابع الفخاري للعصر الحديدي ونظيره في العصر البرونزي المتأخر. فترى إيدلمان (Edelman 2002: 44) “استمراراً مباشراً للتقليد الفخاري “الكنعاني” العائد إلى العصر البرونزي المتأخر”. غير أن هذا التقدير لا يأخذ في الحسبان التغيرات التي طرأت على تركيب الفخار في العصر الحديدي وأشكاله الزخرفية.[16] ثم إن استمرار بعض التقاليد الفخارية، حتى لو ثبت، لا يعني تجانس السكان.[17] وينبغي ألا نغفل تخصص حرفة صناعة الفخار، ولا بد أن صانعي الفخار الجوالين كانوا يتنقلون بين جماعات بشرية مختلفة.
أما أبرز التغيرات في مجموعة الأواني الفخارية خلال العصر الحديدي، فيتمثل في ظهور الجرار ذات الحافة المطوّقة. وأُطلقت على النوع المكتشف في مرتفعات غرب نهر الأردن، صفة الفخار الإسرءيلي المميّز (Aharoni 1970b) . غير أن العثور عليها في مواقع مثل أفيق، وتل ميڤوراخ [تل المبارك جنوب حيفا- المترجم]، وتل زرور، وتل قصيلة، والعفولة، وسحاب، خارج المناطق التي يُسلّم تقليدياً بأنها إسرءيلية، أثار الشكوك في هذا الافتراض. ويبدو أن انتشارها يرتبط باستخدام جهوي، أكثر من ارتباطها بهُوية إثنية؛ فشاعت في المناطق الجبلية، بينما قلّت في الجنوب (النقب) والشمال، في الجليل، حيث ظهرت أنماط مختلفة قليلاً من جرار التخزين. ولعدم وجود صلة نصية أو تصويرية تربطها بجماعة إثنية بعينها، تظل العلاقة بين هذه الجرار وبين الإسرءيليين غير مؤكدة.
لا يمكن إثبات نشأة إسرءيل في تلك المنطقة من بلاد الشام خلال العصر البرونزي المتأخر، أو نفيها، استناداً إلى الأواني الفخارية. غير أن شواهد أخرى تؤيد وجود كيان يُدعى “إسرءيل” في زمن مبكر، منها ذكر إسرءيل في لوحة مَرِنْبَتاح والمناظر المصوّرة في الكرنك.[18] ومن جهة أخرى، إذا أراد أحدهم توظيف التصنيف الفخاري في بناء أسطورة، أمكنه الاستناد إلى استمرارية التقاليد الفخارية للدفاع عن فكرة استحالة نشأة إسرءيل في العصر الفارسي، بحجة عدم وجود أدلة كافية على حدوث تغير في المجموع الفخاري خلال القرنين السادس ق.م أو الخامس ق.م. فقد استمرت الثقافة المادية للعصر الحديدي من دون تغير يُذكر، طوال العهد البابلي الحديث، وامتد هذه الاستمرارية إلى زمن بعيد من العصر الفارسي.[19] وظلت أشكال الأواني الفخارية التي تعود إلى العصر الحديدي الثاني مستخدمة في أجزاء من منطقة غرب نهر الأردن (Barkay 1993: 106–109)، وفي شرقه أيضاً (Hendrix, Drey, and Storfjell 1997: 1; Herr 1995: 619, 1999a: 234; Ray 2006: 76) وهذه الاستمرارية هي السبب الرئيس وراء شيوع استخدام التسمية “العصر الحديدي الثاني/العصر الفارسي” عند دراسة الفخار العائد إلى القرنين السادس والخامس ق.م .[20]
شهدت الثقافة المادية في بلاد الشام تغيرات، لكنها تركزت أساساً في المدن الساحلية، حيث ظهرت مجموعات فخارية مختلفة وابتكارات متعددة في مجال التصوير والزخرفة. فقد أدخل الفينيقيون عناصر من ثقافات الغرب ومصر، ومن بلاد الرافدين بدرجة أقل. غير أن هذه التغيرات لا تظهر في الثقافة المادية لمرتفعات إيهود. وظلت التقاليد الفخارية تتغير ببطء في يهود، فضلاً عن ندرة الشواهد التصويرية ذات التأثيرات الغربية في السياقات المرتبطة بعبادة يهوه.
فهل يكفي تصنيف الفخار بحسب أنواعه لتحديد أصول إسرءيل، سواء في العصر البرونزي المتأخر أم في العصر الفارسي؟
ينبغي الحذر من اختزال المسألة في تسميات ونماذج إثنية مبسطة. ففي بعض الأحيان، يمكن الربط بين ظهور تقاليد فخارية مختلفة في السجل الفخاري وبين قدوم جماعات بشرية جديدة و/أو اعتماد أنماط جديدة لكسب العيش (انظر أعلاه). غير أن استمرار التقاليد الفخارية لا ينفي حدوث تغيرات في السكان. وينبغي لتعقيد التصنيف الفخاري حملنا على التريث قبل إصدار أحكام متسرعة بشأن ما هو أسطورة وما هو حقيقة.
يزعم بعضهم بأن العثور على علامة فخارية مميزة shibboleth شرط لا غنى عنه قبل ربط الأواني الفخارية بجماعة بشرية معينة. في المقابل، يكتفي آخرون باعتبار بعض السمات الفخارية دليلاً على الانتماء الإثني. وينبغي استكمال الدراسات المتعلقة بالفخار والثقافة المادية بالاستعانة بالمصادر التاريخية التي ترسم حدود الكيانات السياسية.[21] ويقرّ كلتر (Kletter 1999: 27) باستحالة “الاعتماد على الأدلة الأثرية وحدها، من دون الاستعانة بالمصادر التاريخية”. ومن الضروري الاعتراف بقيمة الوثائق القديمة من الشرق الأدنى، بما فيها الكتاب المقدس العبري. لكن قبل الرجوع إلى هذه الوثائق، لنتناول أحد أكثر “كواشف الأساطير” شيوعاً في الدراسات الراهنة.
كواشف الأساطير
أضفي على المسوحات الاُثرية دور كواشف الأساطير، وكأنها قادرة على تحديد ما هو أسطوري وما هو حقيقي. وينبغي الاعتراف بالتقدم الذي أحرزته هذه المسوحات.[22] فهي مفيدة جداً في تحليل أنماط التوطن، والدراسات الإقليمية، والمواقع التي تعود إلى حقبة واحدة، فضلاً عن إسهامات أخرى أتاحتها نتائجها .[23] ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الاستنتاجات المستخلصة من هذه المسوحات، مهما بلغت قيمة ما قدمته من نتائج. وقد وثّق كلينغبايل (Klingbeil 2003a) بعض مواطن الخلل في منهجية المسح الأثري، مشيراً إلى غياب الشفافية في عرض المناهج المختلفة المستخدمة فيها. وأسهمت استنتاجات مسوحات غلويك في ترسيخ التصورات الخاطئة عن أصول الوجود الإسرءيلي في كنعان وعن مرحلة ما بعد السبي؛ (انظر أعلاه).
تحتل المسوحات الأثرية موقعاً محورياً في إعادة بناء التقديرات الديموغرافية، وحظيت بمكانة مهمة في النقاشات المتعلقة بأصول إسرءيل. ويشير ليبشيتس(Lipschits 2003: 324–325) إلى استناد معظم الباحثين في تقدير عدد السكان “إلى الجمع بين نتائج التنقيبات والمكتشفات التي تسفر عنها المسوحات في منطقة معينة، خلال حقبة زمنية محددة، ويحاولون انطلاقاً من ذلك تقدير مجموع مساحة الأراضي المأهولة، بوحدة الدونم”. لكنه يقرّ بأن هذه التقديرات تظل في معظمها “تخمينية” (2003: 325). فمعظم المواقع الممسوحة لم تخضع للتنقيب، كما يجعل اختلاف المناهج المتبعة في مسح المناطق من الصعب إجراء مقارنات بين نتائجها. ويضيف ليبشيتس (2003: 325 n. 4) أن “الأرقام تستند إلى الانطباع العام الذي تكوّن لدى القائمين بالمسح”. وثمة متغيرات لا تتضمنها تقارير المسح؛ إذ إن “غياب التجانس في بيانات المسوحات يرجع جزئياً إلى اختلاف طبيعة المناطق التي شملها المسح”.
ويقرّ ليبشيتس بوجود “مشكلات منهجية خطيرة” في نتائج المسوحات، لكنه يشير إلى أن “المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف الرؤى للعالم لدى القائمين بها”. كما يعترف بعدم وجود “وسيلة للتوصل إلى تقديرات دقيقة لمساحة معظم أنواع المواقع”، وعلى الباحثين “معرفة أن مثل هذه التقديرات تنطوي على عناصر تخمينية” (Lipschits 2003: 325 n. 4)
ينبغي عدم التقليل من قيمة المسوحات في الدراسات الأثرية؛ فقد أسهمت في تقديم نتائج مهمة. فكثير من المواقع لم يخضع للتنقيب، ولا يُحتمل إتاحة إمكانات التنقيب فيها خلال المستقبل القريب. ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع المسوحات بوصفها كواشف معصومة عن الخطأ للأساطير. فقد استخدمها بعض الباحثين في إنتاج جيل جديد من الأساطير المتعلقة بأصول إسرءيل، بدلاً من الكشف عن الأساطير القائمة. وينبغي الانتباه إلى هذه المشكلات المحتملة عند إجراء الدراسات الديموغرافية المقارنة. ومن الواضح أن المعطيات النصية ينبغي لها استكمال الشواهد المادية متى توافرت ]24] وهذا ما يتفق مع اقتراح يونكر (Younker 2003b: 367) بالأهمية الكبرى لأحداث التاريخية في تقسيم الحقب الزمنية.
استخدمت المسوحات في الدراسات التي تبحث في نشأة إسرءيل خلال العصر الفارسي، لوضع تقديرات ديموغرافية (انظر Hoglund 1992; Carter 1999a; Lipschits 2003). وأُضفي على هذه التقديرات دور حاسم في تحديد تصورات إعادة البناء التاريخي.[25] فهل كان العصر الفارسي هو المرحلة التي نشأت فيها إسرءيل؟
يتوافق هذا الاستنتاج مع الادعاءات الحديثة التي ترى في العصر الفارسي المرحلة المحورية الحقيقية للتاريخ الكتابي. والسؤال الأول الذي ينبغي الإجابة عنه عند بحث هذا الاحتمال هو:
هل كان في مرتفعات يهوذا خلال العصر الفارسي سكان يمكن أن تنشأ منهم جماعة تُعرف باسم “إسرءيل”؟
أسطورة “الأرض الخالية”
هل خلت مرتفعات يهوذا من السكان بعد الدمار الذي أحدثه البابليون؟. الجواب: لا. فلا المعطيات الأثرية ولا النص الكتابي يؤيدان فرضية “الأرض الخالية”. ويؤكد بارستاد (Barstad 2003: 3) أن “غالبية الباحثين اليوم لا يعتقدون حقاً أن الحياة في يهوذا توقفت خلال “مرحلة السبي” [26] فمنذ سنوات طويلة، أُثيرت الشكوك، استناداً إلى اعتبارات نصية، حول مفاهيم “السبي” و”الأرض الخالية” و”العودة” [27] . غير أن المراجعات الحديثة للتاريخ الكتابي أخذت تتضمن تأملات تاريخية وحججاً تستند إلى بعض الشواهد الأركيولوجية، وتشكك في وجود مرحلة “ما بعد السبي”.[28]
وفي الجدل الدائر مؤخراً، أُطلق وصف “المتمسكين بالأساطير” على الباحثين الذين يؤيدون القول بالطابع الكارثي للغزوات البابلية. غير أن ثمة شواهد نصية في المدونات العبرية والبابلية تثبت وقوع الأحداث التاريخية الحاسمة التي طبعت القرن السادس ق.م (انظر Zadok 1979; 2002; 2003) ومع ذلك، لا يعادل الدمار الذي لحق بأراضي يهوذا خلال القرن السادس ق.م ما يسميه بارستاد “أسطورة الأرض الخالية”.
رفض برايت (Bright 1981: 324) ، قبل عقود، “الفكرة الشائعة القائلة بحدوث ترحيل كامل للسكان، خلّف الأرض خالية مقفرة”. ورأى أن هذا التصور “خاطئ وينبغي التخلي عنه”. وحتى لو بالغ برايت في تقدير حجم الدمار والإبادة، إلى حد الاقتراب من تصور “الأرض الخالية”، فقد استند في إعادة بنائه التاريخي إلى تأويل معين للنص الكتابي والمعطيات الأثرية.[29] ويصعب حسم مسألة التوطن في العصرين البابلي والفارسي، بسبب استمرار التقاليد المادية، كما سبق الإشارة إليه هنا. كما أثار الدليل على دمار المواقع في يهوذا خلافات لا تقل حدة عن تلك التي أثيرت حول مواقع العصر البرونزي المتأخر عند البحث في أصول إسرءيل المبكرة.
وفسرت نتائج التنقيبات التي أجرتها كاثلين كينيون في القدس (Kenyon 1962; 1963; 1964a; 1964b; 1965a; 1965b; 1966a; 1966b; 1967a; 1967b; 1968a; 1968b; 1970; 1974) على أنها تؤيد استمرار السكن في المدينة خلال القرن السادس ق.م. إذ رأت كينيون أن البابليين لم يدمروا المدينة تدميراً كاملاً. وسار باركاي وكلونر( (Barkay and Kloner 1986؛ قارن Barkay 2000) ) على نهجها، وذهبا إلى أن عوائل الطبقة العليا الميسورة ظلت تقيم في المدينة خلال العصر البابلي الحديث.[30] واستند بارستاد (Barstad 2003: 8, 14) إلى هذه النتائج لتأييد قوله إن الحياة استمرت على حالها بعد الغزو البابلي.
غير أن هذه التأويلات واجهت اعتراضات استندت إلى الشواهد الأثرية. فقد عرض ليبشيتس (Lipschits 2003: 328) دراسة شاملة لنتائج التنقيبات في القدس، ولاحظ أن “صورة واضحة تتكشف عن الدمار البابلي في مختلف أنحاء المدينة”.[31] كما انتقد كارتر (Carter 2003) استنتاجات بارستاد.[32] ويرى غيفا (Geva 1993: 717)، في تقريره عن الطبقات الأثرية العائدة إلى العصرين البابلي الحديث والفارسي في القدس، أن وصف الخراب الوارد في سفر الملوك الثاني يتطابق مع المكتشفات الأركيولوجية [33] رغم التعقيد الكبير للمسائل النصية بأكثر مما يعرضه غيفا، وهي مسائل خارج نطاق هذه الدراسة.[34]
تشير المكتشفات الأثرية إلى تعرض القدس للدمار، لكن ذلك لا يعني أن أرض يهوذا بأكملها خلت من السكان (انظر Lipschits 2006: 23–24 ) فقد واصل الناس استخدام مقابر أسلافهم، كما تدل على ذلك القبور المكتشفة في كتف هنوم [ الوادي الغربي-المترجم] وربما استمر بعض السكن بجوار أطلال المدينة خلال العصر البابلي الحديث، كما اقترح باركاي (Barkay 2000)، فيما ظلت المواقع الواقعة في بنيامين مزدهرة. وكانت هناك مناطق لم يمسها البابليون أصلاً (Carter 2003: 307–310; Stern 2001: 321) وعليه، لا توجد أدلة تثبت “فراغ” الأرض من سكانها، أو نشوء إسرءيل “جديدة” بسبب عودة جماعية لأهل يهوذا. كذلك لا يوجد دليل على أن سكان مرتفعات يهوذا اختلقوا أصولهم في القرن السادس ق.م.
ما وراء “الأساطير”
آن الأوان لتجاوز الأساطير، خصوصاً عند البحث في أصول إسرءيل. وينبغي دفن أسطورة وجوب الفصل بين علم الآثار والدراسات الكتابية.
أشار راست مؤخراً (Rast 2003: 48) إلى وجود “إجماع على أن النصوص الكتابية وعلم الآثار مجالان منفصلان للبحث”. ومع ذلك، أقرّ بعض أشد المدافعين عن هذا الفصل بالمشكلات التي يثيرها عزل أحد المجالين عن الآخر”[35] ولا بد من الجمع بين البحث الآثاري والدراسة النصية عند تناول أصول إسرءيل. ومن الضروري فهم التفاعل بين الكتاب المقدس العبري واللقى الأثرية القديمة، كما يؤكد كينغ (King 1993: xxiii) “إن الحوار بين نصوص الشرق الأدنى القديم، والكتاب المقدس في مقدمتها، وبين الشواهد الأثرية، يمكنه الإسهام على نحو كبير في إعادة بناء التاريخ الكتابي” وهذا الحوار حول تأويل النصوص واللقى الأثرية قائم بالفعل، وإن اتخذت نبرته منحى متزايداً في حدته، كما نرى في الجدل بين من يُسمَّون التقليليونMinimalists والأصوليين المحافظين Maximalists، الذي تثقله الأحكام المتحيزة والعبارات المغرضة.
Top of Form
وفي النقاش الدائر حول مدى صلاحية الكتاب المقدس كمصدر تاريخي موثوق، يُقرّ بأن “أحد طرفي الطيف يضم من يصرون على الدقة الحرفية للكتاب المقدس في جميع التفاصيل التاريخية، فيما يضم الطرف الآخر من يرونه عديم الفائدة بوصفه سجلاً لتاريخ إسرءيل” (McNutt 1999: 7) وينبغي لنا تشجيع الحوار بين الباحثين، وتجنب الانخراط في سجالات اتهامية تستهدف استنتاجات الباحثين المخالفة (انظر Carter 1999b: 28). كما تبحث ماكنوت McNutt أيضاً العصر البابلي الحديث من منظور تقسيم التاريخ الكتابي إلى حقب (2003: 75–89). أما عوديد (Oded 2003)، فيقدم أدلة مقنعة على استمرارية الإشارات الكتابية إلى السبي، وعلى الآثار القاسية التي خلّفتها الغزوات البابلية في الوقت نفسه.
أسهم الجدل الراهن، وما يُسمّى بالأزمة في الدراسات التأريخية، في إنضاج المجالين معاً. وما دام هذا الجدل لا ينتهي إلى العزلة والتشظي، ينبغي مواصلة الإصغاء إلى الأطروحات الاستفزازية، والعمل على إنضاج الحجج المتينة. أما اتهام الباحثين بأنهم “متمسكون بالأساطير” أو “صانعون للأساطير”، فلا يخدم تقدم البحث في أي من المجالين. وهذا لا يعني التخلي عن السعي إلى التخلص من الأساطير؛ غير أن هذا السعي يقتضي توضيح المنهج المتبع في “مطاردة الأساطير”، والإفصاح عن الافتراضات المسبقة بصورة متسقة.
ينبغي، عند دراسة أصول إسرءيل، تجاوز النماذج التي تغفل أحد المصدرين؛ أي النصوص أو الشواهد الأثرية. فالافتراضات المسبقة لدى الباحثين تحضر دائماً في المنهج الذي يختارونه لدراسة إسرءيل، وتنعكس في استنتاجات أي بحث. وينبغي الحذر من منح نوع من الأدلة أفضلية على نوع آخر. فقد تعامل بعض قراء الكتاب المقدس العبري بسذاجة مع الروايات الكتابية، وانتقوا من المعطيات الأركيولوجية ما يؤيد دعاوى النصوص. وحان الوقت لمزيد من التروي في تأويل النصوص والتلال الأثرية.
وفي المقابل، مال بعض الباحثين المعاصرين إلى “قراءة النصوص بريبة، انطلاقاً من الاعتقاد بأنها تخفي وراء ستار شواغل أوسع، وأشد أهمية، أكثر مما تظهر من الرغبة في عرض مجرى الأحداث ضمن نسق مألوف ومقبول محلياً” (Williamson 1999: 241)
وفيما يتعلق بدراسة أصول إسرءيل، ثمة أسباب تدعو إلى التخلي عن منهج معيب يرفض النص الكتابي. فالمصادر المتاحة عن أصول إسرءيل شحيحة إلى حد يجعل استبعاد أي مادة يمكنها إلقاء بعض الضوء على المسألة ضرباً من الانتحار الفكري. ويقول وليامسون (Williamson 1999: 241) “إن تجاهل أي مادة مصدرية محتملة، أياً كان نوعها، أو التقليل من قيمتها، ضرب من التعسف” وينبغي تجنب الأساطير التقليدية، والحيلولة دون إنتاج أساطير جديدة.
فهل يستحيل التحرر من الأساطير؟
يترك هودر (Hodder 1986: 155)، الذي أسهم بأعماله الرائدة في تطوير تخصص علم الآثار ما بعد الإجرائي postprocessual archaeology، مسحة من التشاؤم في تقويمه لهذا العلم، إذ يقول “تظل النظريات مفتوحة دائماً لمزيد من التساؤلات ووجهات النظر الجديدة. ولا توجد نقطة يمكن عندها إعلان انتهاء البحث، إذ يستحيل التوصل إلى وسيلة نتحقق بها مما إذا كنا قد بلغنا التأويل (الصحيح)”. ونحن نخالفه الرأي، ونرى أن بلوغ تأويل (صحيح) أمر ممكن إذا التزم الباحث الاتساق في افتراضاته المسبقة ومنهجه واستنتاجاته. وهذا هو السبيل الوحيد لدراسة أصول إسرءيل بعيداً عن الأساطير.
فإذا اعتمد الباحث منهجاً يأخذ نتائج العمل الأثري ومضامين المعطيات النصية على محمل الجد، فلا بد من الاستنتاج أن نموذج أولبرايت للغزو أسطورة في حقيقة الأمر. وهذا لا يعني أن أصول إسرءيل لم ترجع إلى العصر البرونزي المتأخر أو العصر الحديدي؛ فنشأة إسرءيل في مرحلة مبكرة لا تقتضي تبني نموذج أولبرايت. كما أن الروايات الكتابية عن الغزو لا تتطابق مع نموذجه للغزو (Merling 1997b) فسفر القضاة يؤكد أن الغزو كان مساراً امتد عبر الزمن، أكثر منه حدثاً وقع في لحظة محددة.
شهدت كنعان، في نهاية العصر البرونزي المتأخر، تحولات كبرى انعكست في السجلات الأثرية والنصية. وينبغي تقويم التحولات التاريخية وتقسيم الحقب الزمنية في ضوء المعطيات النصية التي تصف تلك الأحداث. كما ينبغي الاستعانة بالمعطيات الفخارية ونتائج المسوحات، إلى جانب ما هو متاح من مواد نصية، عند وضع إعادة بناء تاريخية. وينطبق ذلك على دراسة العصر البرونزي المتأخر، والعصر الحديدي، والعصر الفارسي، وسائر الحقب الأخرى.
كذلك القول بقدوم آلاف من أهل يهوذا إلى مرتفعات يهوذا، في العصر الفارسي، لبدء حياة جديدة في أرض خالية، لا يعدو أن يكون أسطورة. ومع ذلك، ثمة أدلة على وقوع دمار واسع في القدس ومحيطها عند نهاية العصر الحديدي الثاني. فقد انتهت مملكة يهوذا في العصر الحديدي خلال القرن السادس ق.م، وسوي هيكل سليمان بالأرض وتركت الغزوات البابلية جروحاً غائرة في نفوس أهل يهوذا لم تندمل قط. وظهرت أنماط فخارية انتقالية في القرن الخامس ق.م، رغم استمرار قدر كبير من تقاليد فخارية سابقة.
أما عبادة يهوه بعد السبي، فقد شهدت انقطاعاً في الممارسات التصويرية، ونضجت مع ترسيخ مدونتها المقدسة.[36] ويؤكد شتيرن (Stern 2001: 29) أن “اليهود طهّروا عبادتهم بعد عودتهم من السبي، وترسخ التوحيد اليهودي أخيراً”. ويفترض هذا القول عدم وجود أي تصوير ليهوه بعد الترحيل البابلي. غير أن الشواهد الأثرية والنصية تؤيد أن عبادة يهوه وفق أسفار العهد القديم كانت الديانة الرسمية المعيارية التي اعتنقتها الأغلبية، مع أن بعض الصور التي تعود إلى العصر الفارسي تستدعي نقاشاً أكثر تفصيلاً. ويبدو أن العصر الفارسي شهد انتشاراً واسعاً، على نحو خاص، للحظر المفروض على تصوير يهوه.
ازدهرت عبادة يهوه وفق أسفار العهد القديم، وغدت المعيار الذي ستتبعه الديانات الكبرى في العالم: اليهودية والمسيحية والإسلام.
لم تنشأ إسرءيل في العصر الفارسي. والحجج التي استُخدمت لتأييد هذا الرأي لا تقنع، ويمكن وصفها بأنها أساطير. غير أن اليهودية المعيارية تبلورت في العصر الإخميني. وينبغي أن ينصب الاهتمام عند دراسة العصر الفارسي على التقاليد التي حفظها أهل يهود عن ماضيهم القبلي، وعدّوها أصولهم.
وفوق هذا، علينا إدراك الأغراض الإيديولوجية التي تخدمها تقاليدنا، والغايات التي تسعى إليها إيديولوجياتنا نحن أيضاً.
عندئذ فقط يمكننا تجاوز الأساطير المحيطة بأصول إسرءيل.
…………..
ا لعنوان الأصليThe Persian Period and the Origins of Israel: Beyond the “Myths”
المؤلفEfraín Velázquez II
المصدر: Hess, Richard, G. A. Klingbeil, and P. J. Ray Jr. Eds. Critical Issues From Israelite History. Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 2008
………….
الملاحظات
- انصبّ معظم البحث الأثري والدراسات الكتابية خلال القرن الماضي على المرحلة الممتدة من العصر البرونزي المتأخر إلى العصر الحديدي الثاني (1550 ق.م- 587 ق.م)
- يظل تعريف “إسرءيل” موضع خلاف في الأوساط الأكاديمية. ويميّز بعض الباحثين بوضوح بين “الواقع” التاريخي القديم المتعلق بهُوية الإسرءيليين، والإيديولوجيا التي حفظها المؤلفون الكتابيون، والتصورات الحديثة عن إسرءيل. ويرى ديفيز، كما لاحظ ديفر (Dever 2002: 28) أن إسرءيل “الكتابية” وإسرءيل “القديمة” ليستا سوى “تصورين اصطناعيين، ابتكرهما اليهود والمسيحيون في عصور لاحقة، إلى حد بعيد، لتلبية احتياجاتهم اللاهوتية”.
- هذا هو الاستنتاج الذي خلص إليه من يُسمَّون التقليليين Minimalists، ومنهم ديفيز (Davies 1992) ، ولامكه (Lemche 1998) ، وطومسون (Thompson 1992a) ، وويتلام (Whitelam 1996). ويقترح طومسون (Thompson 1999: xvii–xix) قائمة بقراءات يوصي بها لعدد من الباحثين الذين يتبنون وجهة نظره. وللاطلاع على بعض منتقديهم، انظر : Dever (2001), Provan (1995) (1995, 1997) Hoffmeier
- لا صلة للمقصود بمصطلح أسطورةMyth هنا بالنوع الأدبي اليوناني الذي يتناول الحكايات الخيالية عن الآلهة.
- يتعذر التحقق من دوافع الباحثين الذين يؤيدون إيديولوجيات دينية.
6.. تقع الاعتراضات الأدبية والنقدية المتعلقة بتأويلات الكتاب المقدس العبري التي تشدد على عنف دخول إسرءيل إلى كنعان خارج نطاق هذه الدراسة. كما لن نتناول، كذلك، الآثار الضارة لاستخدامات علم الآثار في خدمة الأصولية الدينية.
- بعد الغزو البابلي الأول ليهوذا في 605–604 ق.م، عادت جيوش نبوخذنصر إلى أورشليم في 597–596 ق.م لإحباط محاولات أخرى للتمرد. واستولى البابليون على المدينة، ورحّلوا الملك يهوياكين ومعه معظم أفراد الطبقة الأرستقراطية في يهوذا. وبعد عقد من الزمن، تعرضت المدينة لدمار واسع، أعقب حصاراً استمر أكثر من عام( 587 -586 ق.م).
- من جهة أخرى، يشير لونغ (Long 1999: 161) إلى أن “النتائج التي يُطمأن إليها اليوم قد تصبح نظريات مهجورة غداً. وإذا كان ثمة درس ينبغي استخلاصه من سجالات “علم الآثار الكتابي” في الماضي، فهو ضرورة التريث قبل إعلان ما أثبته علم الآثار أو دحضه”.
- يحيل عوديد في عبارته إلى كارول، غير أن فريدمان (Freedman 1963; 1976) هو الذي اقترح تسمية “التاريخ الأولي” Primary History للأسفار الممتدة من التكوين إلى الملوك الثاني، وربطها بالعصر البابلي، عصر السبي.
- يقرّ البعض بوجود تقاليد قديمة دُوّنت في صيغتها النهائية خلال العصر الفارسي، لكنهم يرون أيضاً أن بعض الأسفار الأخرى من الكتاب المقدس العبري لم تكتمل إلا في العصر الهلنستي.
- يرى لامكه (Lemche 2000: 12) أن “الأسفار العبرية بالكاد تتقدم على العصر اليوناني الروماني”، فيما يتحدث طومسون (Thompson 1999: xv) عن “كتاب مقدس هلنستي” ويرى كارتر(Carter 1999a: 438–439) تزايد “الاعتقاد بأن العصر الفارسي هو نقطة التحول في التاريخ الكتابي. ويضع جميع الباحثين تقريباً قسماً كبيراً من عمليات تحرير الكتاب المقدس العبري ونقله في العصر الفارسي، بل إن بعضهم يرى أن أصول جانب كبير منه تعود إلى هذا العصر. وتشدد هذه التقديرات الأحدث على أهمية الظروف الاجتماعية والأيديولوجية التي أحاطت بالجماعة في مرحلة ما بعد السبي”.
12.رغم كل هذه العبارات الحماسية، نشر جوانّيس ولومير(Joannès and Lemaire 1999: 17–34) ألواحاً مسمارية حديثة الاكتشاف تحمل أسماء عبرية، وتعود إلى عهد الأباطرة الإخمينيين الثلاثة الأوائل. ويشير أحد هذه الألواح، المؤرخ بالسنة السابعة من حكم قورش الكبير(532ق.م)، إلى شخص يُدعى “عبدا-ياو”Abda-Yaû، كان يعمل “مُستدعياً” ويصف فاندرهوفت (Vanderhooft 2003: 224) هذه الشهادة بأنها “دليل عرضي على أن اليهود في بابل استطاعوا، في وقت مبكر جداً من العصر الأخميني، الوصول إلى مناصب رسمية” أما شتولبر (Stolper 1985: 283–305)، فقد نشر لوحاً يذكر شخصاً يُدعى “غدالاما” Gadalâma وهذا الاسم نقل صوتي للاسم العبري “غدليا-ياو”Gadalyaw، وكان صاحبه يعمل كاتباً ومستشاراً إدارياً لدى حاكم بابل سنة 486 ق.م. ويورد فاندرهوفت (2003: 226) شواهد عديدة موازية على وجود كتبة يهود في إدارات المرزبانيات والإدارات المحلية للإمبراطورية” ويلاحظ غرابّه وهاك ( (Grabbe and Haak 2001: 113 n. 35، أن تأويلات فاندرهوفت “متحمسة إلى حد بعيد”، لكنها لا تبلغ حد الاعتراف بالطابع الافتراضي لاقتراحاته.
- يشير مصطلح إيهود (Yehud) إلى المقاطعة الفارسية ((539–333ق.م الواقعة في الجزء الأوسط من فلسطين، تمييزاً لها من مملكة يهوذا في العصر الحديدي (930 -585 ق.م).
- يشكو بريان (Briant 2002: 4)، في دراسته الشاملة، من تجاهل علماء الآشوريات للعصر الفارسي، فقد ظل سقوط بابل في يد قورش سنة 539 ق.م يمثل عندهم نهاية التاريخ، كما تخلّى عنه دارسو الكلاسيكيات، الذين “اختطفوا” تاريخ الشرق الأدنى ابتداءً من نزول الإسكندر في آسيا سنة 334 ق.م ويضيف أن العصر الفارسي حُشر بين المركزية الهلنستية والمركزية اليهودية. ورغم المبالغة الخطابية التي تنطوي عليها انتقادات بريان، يقر معظم الباحثين بإهمال العصر الفارسي. وإذا استعَرنا شيئاً من لغة بريان، أمكننا اتهام بعض الباحثين بإقصاء تاريخ إيهود، وحشره بين مملكة يهوذا في العصر الحديدي ويهودا الرومانية. ويفترض هؤلاء انتهاء التاريخ بسقوط أورشليم سنة 587 ق.م، وأن الحقبة التاريخية المهمة التالية لم تبدأ إلا بميلاد يسوع الناصري (انظر Betlyon 2005: 4)
- قد ترجع بعض أسباب الانقطاع في الثقافة المادية إلى تغيرات مناخية، أو إلى اختلاف أنماط كسب العيش داخل الجماعة الإثنية الواحدة. غير أن الأحداث التاريخية تسبق، في معظم الأحيان، التبدلات التي تطرأ على الثقافة المادية.
- التغيرات التي طرأت على الثقافة المادية، والتي تفسر الانتقال إلى حقبة جديدة بعد العصر البرونزي المتأخر، تقع خارج نطاق هذه الدراسة.
17.استُخدم فخار شعوب البحر دليلاً على خصوصية إثنية تنعكس في الأواني الفخارية. وينطوي هذا الافتراض على قدر من الصحة، وإن كان من المستحيل التمييز، اعتماداً على الفخار وحده، بين الفلستيين والشكلش والدنيين والوشش والشردان والتيريش؛ إذ لا بد من الاستعانة بالتقاليد النصية.
18.تُعد لوحة مَرِنْبَتاح “أهم نص يقدم معلومات عن إسرءيل في مرحلة ما قبل قيام الملكية” (Edelman 2002: 35)
19.في سياق تحديد المواقع الأثرية، أقرّ بينكوفسكي(Bienkowski 2001: 349) بأن سبب “عدم عثور كثير من المسوحات والتنقيبات على مواد فارسية مميزة، أو عثورها على القليل منها”، قد يرجع إلى “استمرار بعض العناصر من العصر الحديدي الثاني إلى العصر الفارسي، من دون حدوث تغير واضح يُذكر في الثقافة المادية”. ويلاحظ بينكوفسكي (2001: 351) أن صعوبة تحديد المواد الأثرية العائدة إلى العصر الفارسي تجعل “المسوحات غير موثوقة في تحديد مواقع التوطن خلال العصر الفارسي”. ومع أن دراسته تتناول المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن، فإن نتائجها تنطبق أيضاً على المنطقة الواقعة غربيه.
20.يقرّ بينكوفسكي (Bienkowski 2001: 349) بأن استخدام مصطلح “العصر الحديدي الثاني/العصر الفارسي” لا يقتصر على “إخفاء مواطن عدم اليقين”، فهو مصطلح مفيد ينبغي اعتماده في القراءة الأولية للفخار. ويعبّر هذا المصطلح عن استمرار الأشكال الفخارية العائدة إلى العصر الحديدي الثاني خلال العصر الفارسي.
21.استُخدمت البيوت ذات الحجرات الأربع علامةً إثنية على الإسرءيليين في مرحلة ما بعد الغزو. غير أن هذا التأويل موضع تساؤل، لأن جذور هذا النمط المعماري يمكن تتبعها إلى العصر البرونزي المتأخر، وهو أمر لا يتعارض مع نظرية الغزو المبكر. كما أن العثور على بيوت مماثلة خارج الحدود التقليدية لإسرءيل أثار تساؤلات إضافية (انظر Edelman 2002: 44–45 ) وفي بعض منشوراته، دافع فنكلشتين (Finkelstein 1988b: 237–259) عن اعتماد مخطط الموقع ذي التصميم الدائري(دوار)، وهي كلمة عربية تعني “دائرة” علامةً على التجمعات الإسرءيلية. واستند في حججه إلى مقارنات مع مخيمات الخيام البدوية.
22.يقدم كلينغبايل (Klingbeil 2003a) قائمة ببليوغرافية مفيدة لأحدث الدراسات المتعلقة بالمسوحات في بلاد الشام (انظر أيضاً Levy 1995: 101–104; A. Mazar 1990: 10–14, 28)
23.انظر، على سبيل المثال Beit-Arieh 1974, 1981a, 1981b; Gophna and Ayalon 1980; Gophna and Beck 1981; Ben-Tor and Rosenthal 1978; Ben-Tor 1979; Ben-Tor, Portugali, and Avissar 1979, 1981.
24.يحذّر فان دير ستين (Van der Steen 2002a: 4) قائلاً: “غير أن المصادر المكتوبة والبقايا الأثرية تروي كلتاهما شيئاً عن الحقبة ذاتها والناس أنفسهم. فإذا اختلفت روايتاهما، تقع على عاتقنا مهمة تفسير هذا الاختلاف، والتوصل إلى تفسير تاريخي يؤدي فيه كل منهما دوره (انظر Weippert 1967: 133–139 ) ولا يجوز لنا تجاهل أحدهما أو الآخر لمجرد أنه لا يتفق مع فرضيتنا. فإذا حدث ذلك، كانت الفرضية هي الخاطئة”.
25.نظر استنتاجات بارستاد (Barstad 2003)، المستندة إلى دراسة كارتر (Carter 1999a)
26.غير أن بارستاد( (Barstad2003: n. 1 يتهم فاندرهوفت (Vanderhooft 1999: 104–106) وشتيرن (Stern 2001: 303–311) بالتمسك بـ “أسطورة الأرض الخالية”.
- كان توري (Torrey 1898, 1910) أول من شكك في الفهم التقليدي لـ “الاستعادة”. وفتحت مقترحاته الجريئة والمثيرة للجدل آفاقاً بحثية تبناها كثير من الباحثين، إذ أنكر وقوع السبي البابلي ووجود العصر الفارسي على النحو الذي تصوره الرواية التقليدية. ومع ذلك، لم تحظَ أطروحاته الجريئة باهتمام يُذكر إلا في الآونة الأخيرة.
- من الباحثين الذين تبنوا بعض مقترحات توري: بارستاد (Barstad 2003) ، وكارول (Carroll 1991) ، وديفيز (Davies 1992) ، ودريكنارد (Drinkard 1987) ، وغرابّه (Grabbe 1992). ويتفق هؤلاء مع كثير من مقترحاته، وإن لم يتبنوا جميع استنتاجاته. ويعيد دريكنارد (Drinkard 1987: 389) طرح حجج توري الرافضة لاستخدام مصطلحي السبيExilic وما بعد السبي postexilic. ويرى أن مصطلح “السبي” مضلل، لأنه يركز على ترحيل سكان يهوذا إلى بابل، ويجعله العامل الأساسي في تشتت أهل يهوذا. ويقول إن المصطلح “لا يعكس الانتشار الواسع للعبرانيين خلال تلك المرحلة في مصر وفينيقيا وسورية ومناطق العمونيين والموآبيين والأدوميين” (إرميا 40: 11). ويضيف دريكنارد أن هذين المصطلحين لا يشملان أيضاً الجماعة التي بقيت في البلاد. ويرى أن الروايات الكتابية تركز على الأسرة الملكية والنبلاء والكهنة وذوي الثراء الاقتصادي الذين رحلوا إلى بابل. وتتقارب حججه مع ما ذهب إليه ميلر وهايز (Miller and Hayes 1986: 437) ، إذ يزعمان أن الأسفار العبرية كُتبت في بابل، وأن مؤلفيها “يتجاهلون، إلى حد بعيد، الحياة والتاريخ المتواصلين للجماعة اليهوذية التي بقيت في البلاد ولم تختبر السبي قط”.
- ومع ذلك، شدد برايت (Bright 1981: 324) على أن الدمار البابلي كان “مروعاً، وأنه أفضى إلى اضطراب الحياة اليهودية في فلسطين”. وقال: “تشهد الأدلة الأثرية بوضوح على أن جميع المدن المحصنة في الشفيلة والمرتفعات الوسطى (أي يهوذا بأكملها بالمعنى الدقيق) تقريباً قد سُوّيت بالأرض، ولم يُعَد بناء معظمها إلا بعد مرور سنوات طويلة”. غير أن هذا الوصف لا يتطابق تماماً مع الوقائع.
30.استند في استنتاجاته إلى المكتشفات التي عُثر عليها في مقابر كتف هنوم (Barkay 2000) وهذه المقابر، التي أُرّخت إلى العصر الحديدي الثاني استناداً إلى الأدلة النقشية (Barkay and Kloner 1986)، ظلت مستخدمة بصورة متواصلة حتى العصر الفارسي.
31.يستند ليبشيتس (Lipschits 2003: 132–134) إلى التقارير الأثرية لإثبات أن المدينة دُمّرت بالكامل وأُفرغت من سكانها (انظر أيضاً Ackroyd 1968: 25–29; Miller and Hayes 1986: 426 ) وللاطلاع على نتائج التنقيبات في مدينة داود، انظر Kenyon 1974: 170–171) ؛ Shiloh 1984b: 3–22 وFranken and Steiner 1990: 57 ) أما الشواهد على الدمار الذي لحق بمنطقة الأوفيل [منطقة وادي حلوة] في القرن السادس ق.م، فانظر: E. Mazar (1991: 139; 1993: 25–32)) وانظر أيضاً المكتشفات اللافتة في الحي اليهودي (Avigad 1980: 52–54) والقلعة (Geva 1983: 56–58; 1993: 717–718).
32.يقول كارتر “على خلاف بارستاد، لا أعتقد أن “الحياة استمرت على حالها تقريباً” (2003: 311)، مع زعم بارستاد (2003: 6) أن دراسات كارتر تؤيد موقفه. كما ادعى أن دراسات ليبشيتس تؤيد آراءه(2003: 6)، لكن ليبشيتس نفى ذلك (مراسلة شخصية).
33.يفسر غيفا (Geva 1993: 717) قلة عدد المُرحّلين الذين يذكرهم إرميا، مرجحاً أن “كثيراً من سكان أورشليم ربما كانوا قد غادروا المدينة قبل الحصار، وأن كثيرين غيرهم فرّوا أثناء القتال”.
- فيما يتعلق بأعداد المُرحّلين، يلاحظ ياماؤوتشي (Yamauchi 2002: 361) أن “الإشارات الكتابية إلى أعداد الذين رحّلهم البابليون في عهد نبوخذنصر ناقصة، ويكتنفها شيء من الالتباس. وينبغي تأويل الأوصاف الواردة في سفر أخبار الأيام في ضوء الأغراض التي سيقت من أجلها. ويشير عوديد (Oded 2003: 64) “من الواضح تماماً أن الآية 21 من الإصحاح 36 في سفر أخبار الأيام الثاني ليست سوى مِدراش على الآيات 33–35 و43 من الإصحاح 26 في سفر اللاويين، بشأن توقف زراعة الأرض بسبب نقض العهد” ويضيف ياماؤوتشي (Yamauchi 2002: 363) أن “كاتب سفر أخبار الأيام، متجاهلاً السكان الذين بقوا في البلاد، يوحي في روايته (أخبار الأيام الثاني 46: 17-20) بأن جميع الذين لم يُقتلوا نُقلوا إلى السبي في بابل”. وهو لا ينضم إلى “صانعي الأساطير” (وهو وصف صاغه عوديد 2003: 70)، وإنما يشدد على الدلالات اللاهوتية في وصف كاتب أخبار الأيام. وقد أشارت جابيت (Japhet 1997: 363–374) أيضاً إلى أن كاتب أخبار الأيام يقرّ بوجود أهل يهوذا المقيمين في يهوذا، وبيّنت كيف يختلف تصوير الأحداث في سفر أخبار الأيام عن تصويرها في سفر الملوك، ولماذا يختلفان (2003: 83).. [وردت الإحالة إلى أخبار الأيام الثاني 46: 17–20، مع أن الإصحاح 46 غير موجود في سفر أخبار الأيام الثاني؛ ويبدو أن في الأصل خطأً مطبعياً أو في النقل. والإحالة الواردة هي على الأرجح إلى سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 36، الآيات 17–20، لا الإصحاح 46؛ فسفر أخبار الأيام الثاني ينتهي بالإصحاح 36. وهذا الترجيح تؤيده إحالة عوديد في الحاشية إلى أخبار الأيام الثاني 36:21، وهي الآية التي تتحدث عن بقاء الأرض خراباً حتى استيفاء مدة سُبوتها، وفق ما ورد في كلام إرميا. المترجم]
- اقترح كارول وإريك مايرز (Carol and Eric Meyers 1989: 143) دمج علم الآثار في بيئة الجامعة، وفصله عن المعاهد اللاهوتية والمؤسسات الدينية. ودعا ديفر (Dever 1993c; 1999) إلى فصل مماثل، لكنه ندم لاحقاً بعدما رأى هذا التخصص “يموت”.
- ينبغي ألا نخلط بين هذا الموقف وقبول اقتراح فراي (Frei 2001؛ انظر أيضاً Frei and Koch 1984) المتعلق بمفهوم التفويض Reichsautorisation، الذي يفترض أن العهد القديم ظهر في ظل السيطرة الفارسية خلال العصر الأخميني. وقد حاولت الرد على هذا الاقتراح في أطروحتي للدكتوراه غير المنشورة (Velázquez 2008). [نظرية التفويض الإمبراطوري الفارسي فرضية في الدراسات الكتابية ترى أن السلطة الفارسية منحت الشريعة اليهودية اعترافاً رسمياً، وأقرت اعتمادها مرجعاً قانونياً لتنظيم شؤون الجماعة اليهودية في مقاطعة يهود. وترتبط هذه الفرضية بنقاش أوسع حول دور الإدارة الفارسية في تدوين الشريعة اليهودية وإقرارها، ومدى تدخل السلطة الإمبراطورية في هذه العملية. المترجم]
Aljarmaq center Aljarmaq center