ندى شداد*
ملخص
يتناول هذا البحث الموضوعات الرمزية والاستراتيجيات البلاغية في ديوان ”قوافي الدم والياسمين“ لشاعر المقاومة الفلسطينة الدكتور حلمي الزواتي. ويستكشف أيضا الكيفية التي حوّل بها الزواتي المشاعر الشخصية، مثل الحب والحزن والإقصاء والحنين الى الوطن، إلى تعبيرات جماعية عن الهوية الفلسطينية والمقاومة والذاكرة الوطنية. كما تسلط الدراسة الضوء على التماهي الرمزي للمرأة مع الوطن، والصور المتكررة للدم والياسمين والزيتون والبرتقال والبحر، التي تمثل المعاناة والجمال والانتماء والمنفى والصمود. وتحلل الدراسة أيضا تفاعل هذه المجموعة مع الأحداث التاريخية، بما في ذلك النكبة، وغزو لبنان، ومجازر صبرا وشاتيلا، واحتلال العراق. وتولي أيضا اهتماماً خاصّاً لترجمة الزواتي الذاتية لشعره، والتي حافظ من خلالها على الأصالة الثقافية متحديا تهميش الأصوات الأدبية الفلسطينية لأسباب سياسية أو عقائدية. ومن خلال التكرار، والصور الحية، ودمج التقاليد العربية الكلاسيكية مع الشعر الحر الحديث، تعزز هذه المجموعة العدالة، والكرامة الإنسانية، والتضامن الثقافي، ومقاومة القمع، وتفضح ظاهرة التصنيم التي تسربت من السياسة الفصائلية الى الأدب الفلسطيني.
مقدمة
حملت القصيدة الفلسطينية المقاومة على الدوام عبء التاريخ، وهي تتصدى للظلم، وتواجه الاضطهاد السياسي والاجتماعي، وتقاوم الاحتلال بأشكاله وصوره المتعددة. تجسد مجموعة ”قوافي الدم والياسمين1“، الصادرة مؤخراً عن دار نشر داراجا في كيبك، هذه الرسالة المزدوجة بقوة ورهافة معاً؛ إذ يلتقي فيها نداء الحبيب، المتمثل في المدينة والأرض، بشهادة الدم الذي خضب أرض فلسطين وسماءها، ليحوّل الحزن الشخصي إلى جسر للذاكرة الوطنية الجمعية، وإلى مطالبة أخلاقية ذات بُعد إنساني كوني2.
”قوافي الدم والياسمين“ مجموعة شعرية ثنائية اللغة، وتُعدّ في آن معاً إنجازاً أدبياً ومشروعاً علمياً. قام الدكتور حلمي الزواتي، الشاعر والروائي والمسرحي الفلسطيني البارز، وفقيه القانون الإنساني الدولي،3 باختيار قصائدها من مجموعاته الشعرية المنشورة على مدى خمسين عاما، فبرزت بوصفها عملاً نادراً وتأمليّاً عميقاً يجمع بين قصائد فلسطينية تُنقل إلى اللغة الإنجليزية بقلم شاعرها ذاته، وهو امتياز قلما تحظى به الأعمال الشعرية المترجمة.
تتجاوز هذه المجموعة حدود الترجمة التقليدية، لتغدو فعلاً من أفعال الحفاظ الثقافي والمقاومة الشعرية والتدخّل النقدي. إنها مشروع مزدوج يقوم على التأليف والترجمة الذاتية، مما جعلها نصاً متعدد الطبقات، يحمل في طياته بعداً شعرياً وجمالياً من جهة، وبعداً أكاديمياً ومعرفياً من جهة أخرى. ويعزز هذا البعد المزدوج ما يتضمّنه العمل من حواشٍ وشروح ومقدمة نقدية وفهرس عام، حولته من مجرد عمل إبداعي إلى وثيقة أدبية ونقدية وثقافية قابلة للدرس والبحث الأكاديمي.4
يكمن في جوهر المجموعة اعتقاد راسخ بأن الترجمة ليست مجرد عملية لغوية،5 بل هي حوار ثقافي عميق، يهدف إلى تعريف القرّاء الناطقين بالإنجليزية بتنوع التعبيرات الشعرية العربية التي قلما تصل إلى الفضاءات الأدبية الغربية. وبذلك، تُحافظ على شدة العاطفة وغنى الرموز الموجودة في النصوص الأصلية، مع جعلها متاحة لقرّاء أوسع نطاقاً. كما تحتل هذه المجموعة موقعاً مهماً ضمن خطاب ما بعد الاستعمار، حيث تُعتبر الترجمة وسيلة للتواصل الأخلاقي وتحقيق العدالة السردية.6
ولفهم ”قوافي الدم والياسمين“، لا بد من قراءتها ضمن إطارين متداخلين. أولهما تقاليد الشعر الفلسطيني الحديث،7 التي جسدها شعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيَّاد، حيث تمتزج الغنائية بروح الشهادة الوطنية والنفي والصمود.8 وثانيهما السياقات التاريخية والسياسية التي يستلهمها الزواتي في قصائده: حصار بيروت واحتلالها عام 1982،9 مجازر صبرا وشاتيلا في العام ذاته،10 احتلال العراق وما أعقبه من دمار وإذلال لشعبه، عنف الاحتلال والحرمان،11 وحركات التضامن العابرة للحدود التي تربط المعاناة الفلسطينية بقضايا عربية وعالمية أخرى.12
ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولًا، تتبع البُنى الموضوعية والاستراتيجيات الفنية التي يحوّل الزواتي من خلالها الحنين الفردي إلى خطاب أخلاقي جمعي.13 وثانياً، وضع الصور الشعرية والإشارات التاريخية في سياق الأحداث السياسية والنقاشات الفكرية في التاريخين الفلسطيني والعربي،14 مبرزةً كيف يتجاوز أفقه الإنساني حدود الوطن ليحتضن قضايا الشعوب المقهورة في مختلف أنحاء العالم15.
وهكذا تكون قصائد هذه المجموعة قد تجاوزت التعبير عن الألم الفردي لتصبح نداءً للعدالة، وصيحة ضد الظلم، وجسراً للحوار بين الثقافات. وفي هذا الإطار، تمثل شعرية الزواتي أداة مقاومة، ووسيلة للتعبير عن الهوية والانتماء وكرامة الإنسان. وتضع هذه الدراسة أعمال الزواتي في سياق تقاليد الشعر الفلسطيني المقاوم الحديث، مع ربطها برؤى معاصرة في دراسات الذاكرة والنظرية ما بعد الاستعمار. 16
كلمات مفتاحية
قوافي الدم والياسمين؛ الشعر العربي المعاصر؛ شعر المقاومة الفلسطينية؛ ترجمة الشعر؛ الشعر الفلسطيني المترجم؛ حلمي الزواتي.
الهدف والمساهمة العلمية
إذاً، الهدف الأساسي من ”قوافي الدم والياسمين“ هو تقديم مجموعة منتقاة من قصائد الدكتور حلمي الزواتي وترجمتها إلى الإنجليزية مع الحفاظ على عمقها الثقافي والفلسفي والعاطفي. لكن المشروع قد تجاوز الطابع الأدبي ليشكّل أيضاً تدخلاً نقدياً في مجال دراسات الترجمة. فهو يواجه سياسات التمثيل السائدة في ترجمة الشعر الفلسطيني، ويعارض احتكار صوت شعري واحد للمشهد الأدبي المقاوم على مدى أكثر من أربعين عاما، مقدماً بديلاً متنوعاً ومتعدداً من حيث الأسلوب والتجربة. ومن هنا، تُقدَّم المجموعة باعتبارها فعل مقاومة أدبية ضد الإقصاء المؤسسي، وضد هيمنة الصوت الواحد على المشهد الشعري الفلسطيني.17
وتضيف ”مُقَدَّمةُ المترجم“ بُعداً نقدياً يتجاوز الشعر ليشمل تقييماً موضوعياً للسياسات الأدبية في العالم العربي، حيث يدعو إلى إعادة الاعتبار للتعددية وتوسيع الحقل الشعري الفلسطيني. كذلك تُظهر المجموعة حساسية ثقافية دقيقة، حيث ترفض الوقوع في التبسيط أو التغريب، وتؤكد قدرة الشعر على الحياة في لغتين دون أن يفقد جوهره. وهكذا، فإن هذا العمل لا يقتصر على تحليل النصوص، بل يُقدم تأملاً معمّقاً في شروط إنتاج الشعر الفلسطيني وتمثيله داخل السياقات الثقافية والسياسية المعاصرة. 18
بكلمات أخرى، إنها ”بيان نقدي“ في وجه الإقصاء التاريخي والسياسي الذي أصاب العديد من الشعراء الفلسطينيين الخارجين على الخطاب السياسي الرسمي أو المؤسساتي ما بعد اتفاق أوسلو ، مسلطاً الضوء على سياسات التجاهل والتمثيل الانتقائي في المشهد الأدبي الفلسطيني المترجم. كما يدعو المؤلف من خلال مشروعه هذا إلى استعادة التعددية الشعرية والفكرية، والتصدي لعملية ”تغريب“ النص العربي من خلال فرض قوالب جمالية أو خطابية لا تعبّر عن سياقاته الأصلية. وهكذا، فإن المجموعة تسعى الى تصحيح هذا الخلل عبر تقديم صوت شعري يجمع بين الغنائية والعمق النقدي، وبين الوطنية والانفتاح الكوني.19
منهج الترجمة والسلطة الإبداعية
يعتمد الدكتور الزواتي في ترجمته منهجاً تأملياً وخلاقاً يُزاوج بين الحس الشعري والدراية النقدية. فهو يرفض الترجمة الحرفية الجامدة التي تقتل النص ، ويعتمد بدلاً منها على ترجمة تقوم على الأثر العاطفي والإيقاع الشعري والدقة الرمزية. حيث يسعى إلى الحفاظ على النغمة والإيقاع والصورة الشعرية وروح القصيدة. ويُسهم هذا النهج في إعادة إنتاج النصوص لا كمجرد مقابلات لغوية، بل كتجارب وجدانية وجمالية قابلة للتذوق عبر اللغتين العربية والانكليزية.20
وبما أنه كاتب النصوص الأصلية، فإنه يتمتع بسلطة تأويلية خاصة تمكّنه من نقل المعاني الداخلية والموسيقى الشعريّة للنصوص بشكل أكثر أمانة وعمقا. كما يعتمد منهجه على مزيج من المعرفة النقدية، والدراية بالشعر المقارن، والبصيرة الشعرية. وقد ضمّن عمله حواشي، وجداول للترميز الصوتي، وتوضيحات تاريخية وثقافية تُسهم في تسهيل فهم القراء غير العرب للقصائد.
هذا الغنى المتفرد يجعل المجموعة ليست فقط عملاً إبداعياً، بل أيضاً مرجعاً علمياً أكاديميا يمكن اعتماده في الحقول الأكاديمية المختلفة مثل دراسات الترجمة الذاتية، والأدب الفلسطيني في المهجر، ودراسات ما بعد الاستعمار، والشعر العربي الحديث، والخطاب الثقافي المقارن.21 كما تستهدف المجموعة قراءً متنوعين لكنهم مهتمون بالأدب والفكر، من بينهم: الباحثون في الأدب العربي، والدراسات شرق الأوسطية، ونظرية ما بعد الاستعمار، ودراسات الترجمة، إضافة إلى عشّاق الشعر والمتذوقين له. كما تخاطب الفلسطينيين والعرب في المهجر، حيث تقدم نموذجاً ثنائي اللغة عن الهوية والحنين والانتماء. ويجد فيها المترجمون والشعراء نموذجاً تأملياً للترجمة الذاتية، بينما يمكن للمؤسسات التعليمية والثقافية الغربية، خاصة الجامعات، توظيفها لتعريف القرّاء بالأصوات الشعرية العربية المهمشة، بعيداً عن الصور النمطية والقراءات الاختزالية.
الدبلوماسية الثقافية والترجمة الأخلاقية والعدالة السردية
تتسم ”قوافي الدم والياسمين“ بفرادتها كونها صادرة عن المؤلف ذاته، الذي تولى عملية الترجمة إلى اللغة الإنجليزية. وهذا ما يمنح النص ثراءً تأويلياً وصدقاً شعورياً نادرين، كما يخلّص الترجمة من التوتر المعهود بين المترجم والمؤلف. لا ينظر الدكتور الزواتي إلى الترجمة بوصفها تبعية للنص الأصلي، بل باعتبارها فعلاً إبداعياً مستقلاً ينبع من داخل التجربة الشعرية ذاتها، ويعيد إنتاجها في لغة مغايرة دون أن ينزع عنها خصوصيتها الثقافية أو جمالياتها الأسلوبية.22 كما تخدم ترجمة هذه المجموعة إلى الإنجليزية أهدافاً متعددة. فهي من جهة تسهّل وصول هذه النصوص الى الشريحة غير الناطقة بالعربية، ومن جهة أخرى تمارس دوراً ثقافياً دبلوماسياً، من خلال بناء جسور حوار بين الثقافات، وتقديم صورة إنسانية وأصيلة عن التجربة العربية والفلسطينية.
يمثل قرار المترجم بأن يترجم عمله بنفسه موقفاً نقدياً صريحاً من التبعية النصية والمعرفية، وهو فعل من أفعال السيادة، وممارسة للحرية الإبداعية بعيداً عن التشويه أو التبسيط الاستشراقي. فالمترجم – الشاعر يحتفظ بحق تأويل نصه، محافظاً بذلك على صدق صوته، وداعماً لفعل ترجمة أخلاقي قائم على الأمانة والعمق. وبالتالي، فإن هذا العمل يتخطى البعد الجمالي نحو أفق معرفي يرتبط مباشرةً بالنقد ما بعد الاستعماري بعيدا عن الوقوع في شرك الاختزال أو الاستشراق ، حيث تُمارَسُ الترجمة هنا بوصفها شكلًا من أشكال ”الدبلوماسية الأخلاقية“ و”العدالة السردية“.23 فاختيار الشاعر لترجمة قصائده هو في ذاته تحدٍ لنماذج التمثيل المهيمنة، التي غالباً ما تنتقي من الأدب الفلسطيني ما يتوافق مع الأطر الغربية السائدة، على حساب التنوع الفعلي، والغنى الجمالي للكتابة الشعرية العربية.
الإطار التاريخي والسياسي
ترتكز مجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ بشكل صريح على تواريخ محددة: النكبة وتجربة اللجوء اللاحقة؛ الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي عام 1982 (صبرا وشاتيلا)؛ سنوات الاحتلال والانتفاضة الطويلة؛ ودورات العنف بعد عام 2000 التي تجسدت في صور عامة مثل مقتل الطفل محمد الدرة (2000).42 هذه الأحداث ليست مجرد خلفية، بل هي جزء جوهري من الشحنة الأخلاقية للقصائد. يكتب الزواتي كشاهد: تسجل أبياته وتُبقي على قيد الحياة مشاهد وضحايا حاولت السرديات الرسمية والواقعية الجيوسياسية تهميشها أو توظيفها.
علاوة على ذلك، يرفض الشاعر القومية الضيقة. تنتقل ”قوافي الدم والياسمين“ عبر الجغرافيا العربية—يافا، غزة، الخليل، بيروت، بغداد، البصرة—لتسجل حسّاً قوميّاً عربيّاً يرى أن جراح كل مدينة مرتبطة بالأخرى. هذا التضامن العربي ليس عاطفيًّا بل سياسيًّا: تدين القصائد التواطؤ، الصمت، وتواطؤ القوى الإقليمية، بينما تدعو إلى تعبئة جديدة ومساءلة أخلاقية. يشدد الباحثون في أدب المقاومة الفلسطيني والعربي على هذا الأفق الأوسع: غالباً ما تضع نصوص المقاومة النضال الفلسطيني ضمن تواريخ وخيالات عربية عابرة للحدود.25
التكوينات الموضوعية:
المرأة، الحب، والوطن؛ وجدلية التماهي
يشكل شعر الدكتور حلمي الزواتي تجربة شعرية فلسطينية متفردة تنبع من جرح الوطن وتفيض من قلب العاشق المقاوم، حيث تتداخل المرأة، والحب، وفلسطين في نسيج شعري واحد يصعب فصله أو تفكيكه. في ثلاثة حوارات منفصلة أجراها معه في فترة متقاربة الكاتبة العراقية أمل الجبوري، ونشر في مجلة الطليعة الصادرة في باريس (9 آذار 1987)،26 والكاتب المصري علي عبدالفتاح، والمنشور في صحيفة الرأي العام الكويتية (7 مايو 1989)،27 والكاتب اللبناني لامع الحر في مجلة الشراع اللبنانية (2 شباط/فبراير 1987)،28 صرّح الزواتي بأن ”المرأة والوطن كيان واحد لا يقبل التجزئة“، في تأكيد على أن صورة الأنثى في شعره ليست مجرد حالة رومانسية، بل هي وجه من وجوه الوطن، وتجسيد حي لفلسطين الأنثى، الحبيبة، الأم، والرفيقة.
هذا التصور يجد صداه بقوة في دراسة البروفيسور شاكر مصطفى ”هجرة في الجرح: تأملات في أعمال حلمي الزواتي الشعرية الكاملة“،29 حيث يرى بأن الزواتي ”لا يكتب عن الوطن بل يَكتُبُ الوطنَ نفسَه، ويكتبُه بأنوثته، بجراحه، وبكبريائه“.30 فشعر الزواتي لا يفصل بين الجمال الجسدي والوجداني للمرأة وبين قدسية الأرض، بل يغزل بينهما رابطاً من الدم والشوق والمقاومة، حيث الحب ليس انسحاباً من المعركة، بل تكثيفٌ لها.
إنّ جدلية العلاقة بين المرأة وفلسطين تتجلى في قصائد الزواتي بوصفهما رمزين متكاملين:31 فالمرأة قد تكون ”ياسمينة الشام“، أو ”عروس البحر“، أو ”عذراء يافا“، على رأي البروفيسور شاكر مصطفى، لكنها دوماً تصوغ من حبها نداءً إلى الحرية. وفي المقابل، تتحول فلسطين في شعره إلى كائن أنثوي ينبض بالعذوبة والفتنة والألم، كأنها الحبيبة الجريحة التي ”يرسمُ بقبلتِهِ عهدَ الدم على جبينها“.32
وفي هذا السياق، لا يظهر الحب كعاطفة فردية، بل كفعل وجودي يعبر عن انتماء وهوية. يكتب الزواتي في إحدى قصائده:
” تُفاجِئُني الآنَ بَعْضُ العَواصِفْ
وصَوْتٌ حَنونٌ يُعانِقُ ظِلِّي وروحي
أُحِبُّكَ يا أَيُّها البَحْرُ
إنِّي أُحِبُّكْ
وجالَتْ بِصَدْري المُدى والخَناجِرْ
وصَوْتٌ حَنونٌ مُكابِرْ
أُحِبُّكَ إنِّي أُحِبُّكْ
حَمَلْتُ جِراحي عَلى كاهِلي
وأَبْحَرْتُ سِراً لِكَيْ لا يَراني الجُنودْ
وأَلْقَيْتُ كُلَّ القَصائدْ
فَشَدُّوا وَثاقي وقَصُّوا الجَدائِلْ. “33
هنا، تتداخل لغة العشق بلغة النزف، وتتماهى الأنوثة مع الجرح الوطني، ليكون الحب فعلاً من أفعال المقاومة، لا مهرباً منها.
ما يميز شعر الزواتي أيضاً، كما يشير البروفيسور شاكر مصطفى، هو ذلك ”التناغم الصوفي“ بين الجسد والروح، بين الأرض والسماء، بين الواقع والمنشود، وهو ما ينعكس على بنيته الشعرية التي تتسم بالحركة والتصعيد والتوتر الداخلي. فتغدو قصائده سجلاً وجدانياً لشتات الفلسطيني، حيث المرأة ليست فقط رمزاً للبيت المفقود، بل هي الوطن نفسه، بكل فصوله، من الطفولة حتى الشهادة.34
إنّ قصائد الزواتي، بهذا الفهم، لا تكتب الحب بوصفه حالة وجدانية منعزلة، بل بوصفه لغة للحياة في وجه الموت، ولغة للانتماء في وجه الشتات. والحب في شعره ليس نقيضاً للنضال، 35 بل هو نواته الأولى. أما المرأة، فهي ليست كائناً هشاً يستجلب الحنين، بل هي ”الذات المقاومة“ التي تداوي الجراح وتمنح الحياة معناها.36
استعادة الذاكرة عبر الحنين المقاوم
تتوزع القصائد على مدى زمني يمتد لأكثر من خمسين عاماً، مما يمنح المجموعة آفاقا زمنية غنيَّة تعكس تطور التجربة الشعريّة والشخصية لدى المؤلف. تتناول القصائد موضوعات متنوّعة، تشمل الحب في أبعاده الرومانسيّة والصوفيّة، والحنين إلى الوطن، والمنفى، والهوية، والذاكرة، والمقاومة. إن قصائد بارزة مثل نقوش بالدم على صدر الحبيبة،37 وحلم خلف السياج،38 وأدعوك أرضي وفلسطين الجسد،39 والحب والحصار الأخير،40 ورموزا مثل الياسمين، والبرتقال، والتين— بوصفها أدوات شعرية مكثفة للدلالة على الوطن، والبراءة، والتضحية، والانتماء— تقدم جميعها تأملات في الحنين لا كفقد، بل كهوية مقاومة حيّة ومتواصلة.
كما ترسم هذه المجموعة جغرافيا المنفى من خلال الصور البحرية المتكررة—الإبحار، السفن، الموانئ. عبارات مثل ”وأبحرت منك إليك“ تلتقط مفارقة الدوران الهجري؛ فالحج يصبح تكراراً، والبحر يتحول إلى منطقة حدودية بين الانتماء والحرمان. البحر في قصائد الزواتي هو ممر وجرح في آنٍ واحد: يربط ويفصل، يحمل الذاكرة ويخفي الأجساد. غالباً ما ترمز الاستعارات البحرية في الشعر العربي الحديث إلى المنفى والعبور غير المؤكد؛41 ويجدد الزواتي هذا المعجم الرمزي، ويضفي عليه أملاً إنسانيّاً عنيداً بالعودة.
أما من الناحية الشكلية، فتُعبّر القصائد عن تمازج بين التقاليد الكلاسيكية في الشعر العربي والبنية الحداثية، مما أنتج نصوصاً ذات نَفَس حر، لكنها مشبعة برنين الموسيقى الداخلية واللغة الرمزية الكثيفة، وهكذا أصبحت مزيجاً إبداعياً بين الأصالة والتجديد.42
التضامن الإنساني واستدعاء الجمهور العربي
رغم أن الخصوصية الفلسطينية تشكل محور المجموعة، إلا أن عالمها الأخلاقي يتسع. فالقصائد الموجهة إلى البصرة وبغداد وبيروت تجسد التضامن مع ضحايا القمع والحرب الآخرين، وتدين التواطؤ العربي. في قصيدتي ”آتون من مدن الرماد“43 و”تكشف بيروت أسرارها“،44 يرثي الشاعر خيانة النخب العربية ويأسف للمعاناة المشتركة في العالم العربي. هذه القصائد ليست مجرد عاطفة قومية عربية؛ بل هي أفعال سياسية متعمدة تعيد صياغة المعاناة الفلسطينية كجزء من كارثة أخلاقية أوسع—كارثة تتطلب الاعتراف المتبادل والعمل من الجمهور العربي. وقد أشار الباحثون في الثقافة السياسية للمقاومة الفلسطينية إلى أن هذه الأخلاقيات العابرة للحدود ضرورية لاستمرار الحركات والتضامن الأدبي. 45
الاستراتيجيات الشكلية والأسلوبية
تعمل شعرية الزواتي من خلال التكرار، والجناس، والغزارة الحسية. تتكرر عبارات مثل ”أحبك، إني أحبك“46 لتُحوّل التعبير الخاص إلى نداء طقوسي؛ فالتكرار هنا يعمل كفعل شعائري ومقاوم. تتأرجح اللغة بين الحميمي والعظيم؛ ينتقل الشاعر من صور ملموسة (الضفائر، زهور البرتقال، سنابل القمح) إلى إيماءات زمنية كبرى (القيامة، العهود المتجددة). من الناحية الشكلية، يمزج الزواتي بين عناصر الشعر العربي الكلاسيكي—مثل التوازي، وصدى لغة المعلقات، والاستدعاء—وبين حداثة الشعر الحر، منتجاً أسلوباً هجيناً يناسب الشعر السياسي الغنائي.47
تُضخّم أدوات الصوت والتحولات النحوية من الشحنة العاطفية. يُبقي التدويرُ وكثرةُ التحول بين الخطاب والسرد القارئَ في حالة من الانتباه المستجيب، مما يعكس عدم الاستقرار في الحياة تحت الحصار. تستمد إيقاعات القصائد الكثير من تقاليد الأداء الشفهي—التصفيق، الترديد، والإلقاء العام—والتي كانت تاريخياً وسيلة للذاكرة الجماعية والتعبئة. توثق الأدبيات الحديثة حول الشعر العربي هذه الأنماط الهجينة تحديداً، وتُظهر كيف أن الشعراء المعاصرين يوظفون الموارد الكلاسيكية لتلبية متطلبات سياسية جديدة.48
قراءات تفصيلية:
يُقدِّم هذا القسم تحليلاً شاملاً للقصائد الخمس عشرة الواردة في هذه المجموعة، وفق ترتيبها الأصلي. ويسعى إلى الكشف عن المعاني الدقيقة الكامنة في كل نص، واستكشاف أبعاده الموضوعية والبنيوية، وتقييم قدرته على مخاطبة القارئ بما يتيح له فهماً عميقاً لمحتواه.
1. نقوش بالدم على صدر الحبيبة
تؤسّس القصيدة الافتتاحية لمجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ الطوبوغرافيا العاطفية والسياسية الأساسية للمجموعة. الحبيبة هي غزة، ليست مجرد مكان، بل جسد حيّ يحمل صدره ”عطر الذكريات“49 و”نقوش الدم“.50 تتجاور رقة هذه الصور مع الواقع الوحشي للبقاء على قيد الحياة بين الصخور”كالرجال الأقوياء“،51 حيث الصمود فعلٌ مادي وضرورة أخلاقية في آنٍ واحد. ويتحدث صوت القصيدة كشاهد على الألم المشترك بين الناس والأرض، مؤطراً هذه الحميمية كفعل مقاومة. يتحوّل جسد غزة إلى لوحة منقوشة بالذاكرة والنضال والتضحية – حيث لا ينقش حب الشاعر بالحبر بل بالدم. هذا الخلط بين الإخلاص الرومانسي والالتزام السياسي يحدد نغمة المجموعة بأكملها: الوطن هو الحبيب، والاعتزاز به هو التعهد بالدفاع عنه.
تقنية الاندماج في هذه القصيدة – دمج الشاعر والوطن – تستدعي الحركات النحوية والبلاغية لقصيدة محمود درويش الغنائية ”أنا من هناك ولي ذكريات“،52 حيث لا يمكن فصل الذاتية عن المكان. ترتكز القوة الأخلاقية لقصيدة الزواتي على هذا التماهي : الجرح الشخصي يصبح الجرح السياسي للمعاناة المشتركة وبالتالي أساس التضامن.
- 2. يجيء المساء حزينا
تنفتح هذه القصيدة كرحلة أوديسية نحو العودة،53 لكنّ الهدف المنشود يبقى عصيّاً — في انعكاس لتجربة المنفى الفلسطينية وما تحمله من شوق مؤجَّل وعودة مؤجَّلة. إن تكرار عبارة ”أبحرتُ منك إليك“54 يلخّص مفارقةً وجودية: فالمسير دائري، يجمع بين الحركة والسكون، المنفى واللقاء، الأمل والخسارة. و”أنت“ هنا تأتي بصيغة غامضة عمدًا، لتدلّ في آن على الوطن، وعلى الحبيبة، أو على فلسطين المُؤنسَنَة، فتجعل العاطفي والسياسي قُطبَي محور واحد. 55
الإشارات الجغرافية — مثل الجليل، يافا، الخليل، غزة، حلحول، وبيروت — تؤدّي دوراً مزدوجاً. فهي من جهة، تُرسّخ القصيدة في أماكن حقيقية مثقلة بالذاكرة التاريخية والرمزية الثقافية، ومن جهة أخرى تشكّل خريطة رمزية للفقد والمقاومة. هذه الأمكنة ليست ديكوراً ساكناً، بل هي شخصيات فاعلة في السرد الشعري، تحمل كلٌّ منها طبقات من الذكرى والجرح والصمود. 56
تنتقل الصور الشعرية في النص بسلاسة بين الرقة والعنف، بما يعكس مفارقات الوطن الجريح. فالحبيبة تمنح الحنان وتغرس الرماح في آن واحد، لتجسّد دور فلسطين كأمّ حانية وميدان صراع في الوقت نفسه. 57 كما أنّ الإيحاءات الدينية تؤطّر فعل التضحية بوصفه عملاً سياسيّاً وضرورة وجودية، وهو ما يذكّر بأفكار متجذّرة في شعر المقاومة الفلسطيني منذ نكبة عام 1948. 58
تستحضر القصيدة أيضاً إشارات بين نصيّة، من أبرزها ذكر فيروز، أيقونة الوجدان العربي، التي ارتبط صوتها بالحنين والهوية الثقافية والمقاومة الرمزية. إن حضورها في النص يربط الذاكرة الفلسطينية بالوعي الثقافي العربي الأوسع، ويؤكّد وحدة المعاناة والفنّ في الوجدان العربي. 59
3. ابتسامة على شفتي الجرح
تحوّل هذه القصيدة الجرح إلى موقع للتحول. تبدأ بالتخلي عن العنف—“ألغيت كل مواعيد قتلي، وحطّمتُ كُلَّ المشانق”60—ثم تنتقل نحو الحميمية والتجدد. الصور حسية ورقيقة:”خصلة شعر تُلوِّحُ من فوق طرفك“61 تصبح علامة على الحياة المستمرة وسط الفقد. تُنظم دورات الفصول رؤية القصيدة للصمود:”فَنَحْنُ اتَّحَدْنا مَعَ الغَيْم وَالنَّوْءِ عِنْدَ الشِّتاءْ / وَفي الصَّيْفِ، نَحْنُ اندَمَجْنا مَعَ الشَّمْسِ أُمِّ الضِّياءْ“.62 تشير هذه الإيقاعات الطبيعية إلى أن التجدد حتمي كدوران الفصول، حتى في سياق تُغتال فيه الظلال. الحب هنا ليس هروباً من التاريخ بل قوة تعمل داخله، تُعيد تشكيل الجراح لتصبح مصادر للوحدة والصلابة.
الإبحار إلى العيون المرافئ
تتطور هذه القصيدة كرحلة غنائية نحو الحبيبة التي تصبح عيناها ملاذاً وبوصلة. الافتتاح—”لعينيك، أبدأ هذا النشيد“63—يضع النظرة في قلب جغرافيا القصيدة، ويحوّل البصر إلى وجهة ملموسة كالوطن. البحر عنصر مركزي هنا، ليس كحاجز بل كوسيط حي”وَيَبْزُغُ فَجْري وَتُشْرِقُ شَمْسي“64 و”يُمازِجُ ما بَيْنَ روحي وَحُلْمِكِ“.65 ومع ذلك، تُظلَّلُ هذه الرحلة بالمنفى؛ يُفتشُ قلب الشاعر ويُوصَم بأنه ”عاشق مغترب“، مما يُبرز عناء الحركة نحو الحب المطارد بالمراقبة والنفي. الحب في القصيدة ليس غير سياسي—بل يُصوّر كنوع من التمرد ضد الموت والنسيان. ”أجدد موتي وبعثي على راحتيك“66 تعمل كعهد شخصي بالصمود، وتربط عيني الحبيبة بدورة المقاومة ضد الفناء. في المقاطع الأخيرة، يُشبه صدر الحبيبة بـ”حقل قمح“67 و”بَحْرٌ أُسافِرُ فيهِ وَأُرْسي“،68 مما يدمج الحميمية الجسدية مع رموز الزراعة والبحر التي تُجسد الجذورَ الفلسطينية. وهكذا، يصبح الحبُ ملاذاً، ويصبحُ الملاذُ اسماً آخر للوطن.
5. أدعوك أرضي وفلسطين الجسد
في هذه القصيدة، يُدمج الشاعر بين الحبيبة والوطن حتى يصبحا شيئاً واحداً—فلسطين هي الجسد، والحبيبة هي الوطن. يبدأ المتكلم بمفارقة:”أخبئُ قلبيَ يوماً لأنساكِ دهراً، فأهواكِ أكثر“.69 يُجسد هذا السطر استحالة قطع الحب، سواء كان شخصياً أو وطنياً، حتى تحت ضغط المنفى. يُستخرجُ الخبزُ وزيتُ الزيتون والزعتر—رموز الحياة الفلسطينية اليومية—مباشرة من جراح الشاعر، مما يدمج التغذية بالتضحية. يُشير الإبحار خلف الحبيبة إلى الأبد ”وَأُبْحِرُ خَلْفَكِ دَهْراً مِنَ العِشْق“70 إلى دوام الوفاء عبر الزمن والمسافة. يُصوّر الامتناع عن إخفاء الحب كفعل تحدٍ؛ فالإخفاء يعني التواطؤ مع المحو. القصيدة غنية بطبقات زمنية، مع إشارات إلى”ستون عاماً“ من القهر تمتد من النكبة إلى حاضر كتابة القصيدة، ومع ذلك، يرفض الصوت النوستالجيا. بدلاً من ذلك، يُحوّل المظالم التاريخية إلى طاقة حية ترفض حب المنفى والانتظار”وَما كانَ يَوماً يُحِبُّ المَنافي وَلا الانْتِظارْ“.71 الحبيبة هنا ليست فقط ملهمة شخصية بل تجسيد لاستمرارية فلسطين نفسها، وتذكير بأن حب الأرض وحب الإنسان قوتان متبادلتان للبقاء.
- ترفض السرج الجياد
هذه القصيدة المهداة إلى القائد الشهيد ماجد أبو شرار،72 تنسج هذه القصيدة بين النعمة الريفية والتحدي الثوري. تعمل صورة ”الخيل التي ترفض السرج“ كاستعارة قوية لرفض الشعب أن يتم ترويضه أو إخضاعه. في الشعر العربي الكلاسيكي، غالباً ما يرمز الحصانُ إلى النبل والحرية؛ وهنا يتم إحياء هذا التقليد في سياق المقاومة الفلسطينية. ”كروم العنب“ و”الحقول“ ليست مناظر طبيعية سلبية بل هي مشاركة فاعلة في النضال، تنتج القوت لشعب يرفض الخضوع. لا يتم استحضار إرث أبو شرار من خلال الخطاب السياسي المباشر، بل من خلال هذا الدمج بين الصور الزراعية والرمزية القتالية، مما يوحي بأن النضال من أجل التحرير أمر عضوي وحتمي مثل تحول الفصول. ومن خلال تأصيل المقاومة في عالم الطبيعة، تصر القصيدة على أن الحرية حالة فطرية لا يمكن لجمها بشكل دائم.
7. وتكشف بيروت أسرارها
في هذه المرثية المدينية، تتحدث بيروت كجُرح ناطق، شاهدة على دورات العنف لتكشف عن معاناتها من خلال سلسلة من الصور الحسية المؤلمة: ”لحم على الجدران / طفل تتوج بالشظايا والنخيل“.73 يتكرر قول ”لا، لا لا جديد“74 بشكل ساخر، ليُظهر كيف أصبحت الكارثة أمراً معتاداً لتُجبر القارئ على مواجهة التكلفة البشرية للحرب. القصيدة لا تُدين العدوان الخارجي فقط، بل تُحمّل المسؤولية أيضاً للخيانة السياسية العربية، كما في الشطر: ”البحرمن أمامكم / والعرب من ورائكم“. وهذا يضع بيروت كضحية للاعتداء الخارجي والخذلان الداخلي في آنٍ واحد. وعلى الرغم من قائمة الأهوال، تصر القصيدة على أن ”بيروت لا تزال هناك“، محوّلةً البقاء نفسه إلى فعل تحدٍ. وهكذا، تصبح المدينة رمزاً ليس فقط للصمود، بل للدين الأخلاقي الذي يدين به العالم العربي بأسره.
ثم تتنقل القصيدة بين سرد مفصل للعنف، بما في ذلك فظائع صبرا وشاتيلا،75 وبين إدانة أخلاقية لأولئك الذين حضروا ”المزاد المنتظر“ لأرواح البشر. إنها تجمع النغمة بين الحداد والاتهام السياسي، محملة المسؤولية ليس فقط للجناة المباشرين، بل أيضاً للنظام العربي الأوسع الذي لم يستجب لندائنا ”إِنَّا طَلَبْنَا نَجْدَةً، لَمْ يُنْجِدُونَا“.76 ومن خلال تجسيد بيروت كشخصية منتهكة لكنها صامدة، تحول القصيدة معاناة المدينة إلى عبء أخلاقي مشترك وتطالب بمحاسبة جماعية.
- تهليلة الدم والياسمين
تُخلد هذه القصيدة ذكرى محمد الدرة،77 الطفل الفلسطيني الذي قُتل خلال الانتفاضة الثانية، والذي تم تصوير مقتله بالفيديو وأصبح رمزاً عالمياً للعنف الإسرائيلي. يدمج الزواتي بين الحزن الخاص للفقيد والغضب العام للأمة، فتنهار المسافة بين الخسارة الفردية والجماعية. يلخّص تجاور ”الدم“ و”الياسمين“ في العنوان مفارقة الوجود الفلسطيني: الجمال والبراءة تحت التهديد المستمر بالدمار. يربط صوت الشاعر جرحه بجرح الدرة، جاعلاً من استشهاد الطفل ندبة دائمة على جسد الإنسانية. تكمن قوة القصيدة في رفضها أن تتلاشى اللحظة في التجريد، بل تظل نقطة مرجعية حية، وصرخة حاشدة من أجل العدالة لن يسكتها الزمن أو التعب السياسي.
9. آتون من مدن الرماد
هذه القصيدة الرائعة، المهداة إلى رسام الكاريكاتير المغتال ناجي العلي78—صديق الشاعر— تحوّل الإرث الفني إلى شكل من أشكال الإنبعاث الحقيقي للمقاومة. عنوان القصيدة يستحضر القيامة من الدمار. فالقدوم من”مدن الرماد“ هو عودة حرفية ومجازية من الإبادة. في هذه القصيدة تصبح أشجار النخيل في البصرة محاورةً، شاهدةً بصمت على فساد وخيانة بعض الزعماء؛ ”الطاغية طويل العمر“79 وأولئك ”ذوو القرون الجاثمةً تحت عمائمهم“.80 هذا النقد السياسي المباشر يضع الحالة الفلسطينية ضمن تاريخ عربي أوسع من الاستبداد والتواطؤ. إن استحضار ناجي العلي، الذي فضحت رسومه الكاريكاتورية النفاق السياسي بذكاء حاد وأدت الى اغتياله، هو تكريم واستمرار في آنٍ واحد، وبذلك يؤصل الزواتي شعره في سلالة المقاومة الإبداعية. فكما وثّق ناجي الظلم والخيانة بالحبر، يوثقه الزواتي بالشعر، ليخلق أرشيفاً مشتركاً للتحدي الثقافي. إن جغرافية القصيدة، التي تمتد من العراق إلى فلسطين، تجسد الوعي العابر للحدود الذي يسري في المجموعة بأكمله ويؤكد أن الفن سلاح مشترك ضد القمع. وتعكس الحركة من الرماد إلى التجديد— المسار الأوسع لأدب المقاومة— وهو القدرة على استعادة الفاعلية السردية حتى في أعقاب الدمار، بحيث يُصبح الفن سلاحاً مشتركاً ضد المحو والاستلاب.
10. وشاهد ومشهود
توثق هذه القصيدة مأساة المعذبين العراقيين في سجن ”أبو غريب“،81 مُجسّدةً في السجين العراقي”علي شلال القيسي“، الذي تعرض لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والإذلال الجنسي على يد القوات الأمريكية ووكلائهم بعد احتلال العراق عام 2003. أنها تمزج بين لغة المأساة المتجذرة في تاريخ العراق وجغرافيته السياسية المعاصرة. الافتتاحية المباركة: ”سلام على وجهك اليعربي! سلام عليك بتلك القيود! “82 تصور القيسي كسجين وقديس في آنٍ واحد، وشخصية يصبح ألمها مصدراً لفخر جماعي. إنها تُصوَّر بغداد كمدينة ذات مجد تاريخي عريق ”مهد العروبة والإسلام شامخة“ وقد أُهينت الآن بالخيانة والاحتلال الأجنبي. التعبير ” من الماء للماء“83 إدانة للحكام العرب الذين ”باعوا نساءك“84 و”خانوا دماءك“،85 مستحضرا خيانة تمتد من”المحيط إلى الخليج“. ترفض القصيدة فصل المصير الفلسطيني عن العراقي، وتراهما متشابكين في سردية واحدة من السلب والعار. ويُعزز هذا التلاقي بصور النخيل والأنهار، التي هي خاصة بالعراق، ولكنها أيضا رموز للحضارة العربية. ومن خلال ربط تاريخ كربلاء المأساوي بالإذلال السياسي المعاصر، فإن القصيدة تعيد المقاومة الحديثة في العراق وفلسطين إلى إرث أخلاقي قديم ومقدس.
حرقوه وانصروا آلهتكم
تتميز هذه القصيدة بإدانتها النبوئية للنفاق السياسي والخطاب الرسمي الفارغ من محتواه. يبدأ الشاعر باعتذار عن التأخير ”تأخرت يا أمنا الأرض فلتعذريني“،86 لكنه سرعان ما ينتقل إلى نقد لاذع لـ ”الخطب الفارغة والأغاني العقيمة“87 التي فشلت في حماية الناس. تُقابل الإشارات القديمة من ”عهد عاد“ بالمؤتمرات الحديثة ”المزعومة للسلام“، لتخلق استمرارية من الخيانة والعجز. الصور هنا صارخة لتضحية كبيرة؛ ”لَحمِي يوزع كالضأن فوق الموائد“، ”بينما أذبح الآن باسم السلام وأقتل باسم الغضب“.88 النغمة أقل رثاءً وأكثر اتهاماً، تستهدف المحتلين الأجانب والمتعاونين المحليين على حد سواء.
أما الشطر الأخير في القصيدة ”لا نعبد اليوم ما تعبدون“89 فإنه يعلن رفضه الخضوع لأصنام السلطة الزائفة ولمبدأ التصنيم90 الذي تحدث عنه في مقدمة هذه المجموعة، ويُحاكي الخطاب القرآني في وضوحه الأخلاقي ضد عبادة الأوثان. وفي تلك الأثناء تظهر النار مراراً كرمز للقوة المدمرة والمطهّرة— وكأنها شيء مقدس يجب الإمساك به كطريق وحيد للمضي قدما. وبهذا المعنى، تعمل القصيدة كدعوة للتمرد الأخلاقي، مطالبة بالشجاعة لكسر التقاليد الفاسدة وكشف نواطير سايكس- بيكو وتوقع المخاطر التي تحدق بالمقاومة الحقيقية.91
الحب والحصار الأخير
تمزج هذه القصيدة بين جمال الطبيعة وواقع الحصار العسكري القاسي، حيث تتحول تضاريس الحبيبة—”سفوح مزينة بالزعتر“، ”سنابل القمح“—إلى مصدر للراحة ومسرح للصراع. الحصار ليس فقط جسدياً بل وجودياً، يختبر حدود الصمود. ومع ذلك، يحوّل الشاعر الحصار إلى فرصة للنمو: ”سأبدأ من بسمة الفجر… سأكبر عبر الحصار“.92 تقدم دورات الطبيعة نقطة مقابلة للجمود السياسي؛ فالفجر يتبع الليل، والقمح ينمو رغم المنجل. وتصبح أرض الحبيبة استعارة لصمود الشعب نفسه، القادر على الحفاظ على الحياة والأمل حتى في أكثر الظروف قسوة. من خلال تصوير البقاء كفعل حب، ترفع القصيدة صمود المقهورين إلى شكل من أشكال البطولة الهادئة.
13. حلم خلف السياج
تمزج هذه القصيدة الموجهة إلى الدكتور منير ناصر،93 الأكاديمي الفلسطيني وصديق الشاعر الذي أصيب بنوبة قلبية كادت تودي به، بين العاطفة الشخصية والطموح الجماعي. ”السياج الشائك“ هو حرفي يرمز إلى الاحتلال العسكري، ورمزي، يمثل الحواجز بين الحلم والواقع. يستعيد ”الشاعر العودة إلى شاطئ يافا“ وأماكن عزيزة أخرى، ويرسم جغرافيا الذاكرة على مشهد الانفصال الحالي. ومع ذلك، لا تكون النوستالجيا هنا سلبية؛ بل تُحْشَد لتصبح دعوةً إلى الفعل: ”تمرد على كل شيء / على أي شيء تمرد!“ 94 يُصوّر التمرد ليس فقط كضرورة سياسية، بل كشكل من أشكال الحفاظ على الذات. تتحول السطور الأخيرة—التي تعد بـ”موعد للعطاء“ و”القدس—الأرض، البحر، والكبرياء“—إلى وعد أخلاقي، يجمع بين اللقاء الشخصي والتحرر الوطني.
- وما قتلوه يقينا
تنقل هذه القصيدة محور المقاومة من فلسطين إلى العراق، لتجعل من بغداد مجازاً للكرامة العربية، والإرث الحضاري، والسيادة السياسية. فبغداد هنا ليست مجرّد مدينة، بل امرأة مغتصبة — مهانة، معذّبة، ومكبّلة — في صورة مجازية جندرية مستمدة من تقاليد الشعر العربي الكلاسيكي، لكنّها تُستثمر بحدة سياسية معاصرة، لتجسّد العنف الذي يمارسه الاحتلال وما يخلّفه من عار على الجسد الجمعي.95
ويمتدّ رثاء بغداد ليصبح نقداً للوضع العربي العام، من ”المحيط إلى الخليج“، في إشارة إلى أزمة مشتركة وهشاشة متبادلة بين العواصم العربية. وتدين القصيدة المعتدي الخارجي كما تفضح العجز الداخلي، مصوّرة الحكّام بلا حول ولا قوّة، بل ومتواطئين أحياناً، وبذلك تنخرط في تقليد شعري عربي معاصر طالما جمع بين الوجع الوطني والنقد السياسي الصريح.96
أسلوب النص يقوم على صور مباشرة صارخة — نخيل يموت واقفاً، وخيل تُذبح — لتصوير انقلاب النظام الطبيعي والحضاري رأساً على عقب. وهذا الاختزال اللغوي يُكثّف الغضب الأخلاقي، ويضع النص في صميم شعر المقاومة الذي يفضّل الشهادة المباشرة على الزخرفة البلاغية.97
أما العنوان نفسه —وما قتلوه يقينا — فيحمل إحالة دينية أو تاريخية، ربما إلى الآية القرآنية التي تنفي صلب المسيح، ليُعاد توظيفها هنا كإعلان أنّ روح بغداد، ومن ورائها الأمة العربية، لا يمكن أن تُباد. هذا البُعد النصّي الديني يضفي على النص الشعري أفقاً خلاصياً، يجعل المقاومة فعل بقاء سياسي وواجباً روحياً وأخلاقيّاً في آن معا.98
طه عاشق البحر والزيتون
هذه قصيدة رثائية وثورية. يلتقي الحزن الشخصي بالصدمة التاريخية الجماعية — حزن الفرد ومعاناة أمة بأكملها في صراع. تتخذ القصيدة شكل سرد غنائي عن النمو والاستشهاد والولادة من جديد، وتحول طه من طفل ضعيف إلى شخصية رمزية. يصبح طه تجسيداً لفلسطين والثورة والمقاومة الأخلاقية، ممثلاً الأرض ونضالها المستمر من أجل العدالة. ”طه! اجلس يا ولدي!“ — النداء الأمومي المتكرر — يرسخ القصيدة عاطفياً. وبذلك يتم التأكيد على التوتر بين الحماية (رغبة الأم في حماية طفلها) والحتمية الواقعية (التعرض الحتمي للخطر) في ظل العنف المتجدد.
تنهض الصورة الطبيعية بوصفها الحقل الرمزي الأبرز في القصيدة. فالبحر، وشجرة الزيتون، وزهر اللوز، والعشب البري ليست عناصر وصفية محضة، بل حوامل للذاكرة الثقافية والتجذّر التاريخي. وتكتسب شجرة الزيتون، على وجه الخصوص، دلالة الصمود والاستمرارية، فيما تُحيل جذورها ”الرومانية“ إلى عمق الحضور الفلسطيني في الزمن الحضاري. أما بيروت وتلّ الزعتر فتظهران بوصفهما فضاءين جريحين، ويعزّز تشخيصهما الترابط العضوي بين الأرض والجسد والتاريخ.
وتُسهم المعجمية الثورية—من خلال استدعاء تشي غيفارا، وأبي ذرّ الغفاري، وعمروش فلسطين—في تعميم تجربة طه، وإدراج النضال الفلسطيني ضمن سلالة عالمية من حركات التحرر المناهضة للاستعمار. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى تمجيد بطولي مفرغ؛ إذ تنطوي على مساءلة أخلاقية حادة، تُدين الخيانة الداخلية والانحلال القيمي و”اختطاف“ الثورة.
في النهاية، طه هو شهيد وولادة أبدية في آن واحد: فهو يمثل التجديد من خلال المعاناة. إنه شخصية تتجاوز الموت من خلال قوة اللغة – كلماته تدوم وتلهم – ومن خلال الذاكرة التي تحافظ على وجوده حياً، وكذلك المطلب الأخلاقي الذي يدفع الآخرين إلى العمل. تعمل القصيدة كرثاء للخسارة، وشهادة على التجربة المعاشة، وحساب أخلاقي يطلب من القراء الحكم والرد. وهي تؤكد أن الشعر هو شهادة على التاريخ وتعبير عن المقاومة ضد الظلم.
قصائد في ميزان النقد العالمي
يتفق عدد من الأكاديميين والنقاد العالميين على أن هذه المجموعة متجذرة بعمق في التجربة النضالية الفلسطينية بكافة أبعادها. إنها تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية الفلسطينية لتُعبِّر عن الاهتمامات الإنسانية العالمية. ميراي ربيز، رئيسة قسم دراسات الشرق الأوسط والأستاذة في كلية ديكنسون، جامعة بنسلفانيا،99 وجيوفانا ريتشيو، الشاعرة الكندية الحائزة على عدة جوائز، ومؤلفة ديوان ”جمهورية البلاستيك“،100 تسلطان الضوء على موضوعات التشرد والحنين والمقاومة في المجموعة، وتصفان شعر الزَّواتي بأنه شهادة وتحدٍ في آن واحد. إنه سلاح الوعي الذي يتصدى لمحاولات العبث بتاريخ نضال الشعب الفلسطيني وحقه الثابت في وطنه. لقد حوَّل شعر الزَّواتي المنفى إلى ذاكرة مقاومة تأبى الاندثار.
وفي معرض تعليقه على هذه المجموعة، يضع جورج إليوت كلارك، أستاذ الأدب الكندي في جامعة تورنتو،101 الزَّواتي في سلالة شعراء الحرب، مستشهداً بـِ ويلفريد أوين للتأكيد على الأهمية الأخلاقية الملحة لقصائده. بالنسبة لكلارك، هذه القصائد ليست مجرد رثاء بل هي مرافعات – مناشدات من أجل العدالة – حيث لا يمكن للحرية والحب أن يزدهرا دون إصلاح أخلاقي. أما دانييلا روديكا فيرانيسكو، أستاذة الدراسات العربية في جامعة دالهاوزي، وشاعرة لامعة،102 فقد رأت أن مفاهيم الحب والمنفى والمقاومة والإنسانية العالمية قد تشابكت في هذه المجموعة في نسيج مؤثر من الذاكرة والعدالة. لقد رأت روح الشاعر والفقيه الزَّواتي تتخلل كل بيت من أبيات هذه المجموعة، حيث تجاوز الشعر حدود القانون لاستعادة التوازن الأخلاقي من خلال الإبداع والجمال، مما رفع أدب المقاومة الفلسطينية إلى مستوى الأدب العالمي.
كما يُجمع جون بيتر بورتيللي، الأستاذ بجامعة تورنتو، الشاعر الفيلسوف والكاتب الروائي،103 وإينيس أشيريتش- تود، أستاذة الثقافات العربية والشرق أوسطية في كلية الآداب واللغات والثقافات بجامعة إدنبرة،104 على الأهمية الأدبية لهذه المجموعة الفريدة من شعر المقاومة الفلسطينية. إنهما يريان في شكلها ثنائي اللغة رصيدًا علميًا مهمًا، حيث يوفر مساحة حوارية بين اللغتين العربية والإنجليزية تساعد على جسر الفجوات الثقافية واللغوية بينهما، كما يثري دراسات الأدب العالمي المقارن وعلوم الترجمة.
لقد أظهرت التحليلات النقدية أعلاه أعمال الزَّواتي الشعرية على أنها أكثر من مجرد شهادة وطنية. إنها تأمل عالمي حول المنفى والمقاومة والدعوة الى العودة الى الوطن المسلوب. لقد حولت الإيقاعات السحرية والصور الحية، التي غطت هذه المجموعة المتفردة من شعر المقاومة الفلسطينية، الصدمة التاريخية إلى تجربة جمالية، حيث حملت ترددات الكارثة الفلسطينية إلى العالم بأسره. ومن جهة أخرى، فقد نجح الزَّواتي بربط الحزن الشخصي بالذاكرة الجماعية، ومن خلال تقديمها مساهمة مضيئة في أدب المقاومة العالمي، تؤكد مجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ على القوة الكامنة في الشعر وعلى قدرته على تشكيل الوعي الأخلاقي وتعزيز التضامن بين الثقافات.
نحو شعرية الشهادة والجرح والعودة
يبلغ الشعر ذروته حين ينبثق من عالم يطالب بالذاكرة كما يطالب بالتجدد. تأتي مجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ من هذا العالم بالذات، حاملةً قصائد تمتدّ على عقود، لكنها تنبض بحاضر متواصل يتردد فيه صدى النفي والحنين والمقاومة والجمال وألم الإصرار على البقاء. تنتمي هذه القصائد إلى السلالة العريقة للشعر العربي المقاوم، غير أنها تنعطف عنها لتبتكر شعريةً مميزة للشهادة؛ شعرية تتحرك بين الفردي والجمعي، بين الوطن والمنفى، بين الجرح وإمكان التعافي. إنها مجموعة ترفض محو المكان كما ترفض الاستسلام؛ وتؤكد في وجه الخراب، أن الذاكرة المثقلة بالجراح وحب الوطن يمكن أن يتجاورا دون أن يلغي أحدهما الآخر.
التأطير السياقي – الشعر في زمن الاقتلاع
تنخرط هذه المجموعة في زمن أدبي وتاريخي وسياسي لا ينفكّ يتشكّل بفعل التهجير والحصار وصراع الهوية الثقافية. فهي تُجري حواراً مع تقاليد الشعر المقاوم في الأدب العربي، لكنّها تدخُل أيضاً لحظةً ما تزال فيها السردية الفلسطينية عرضةً للتشويه، والتجزئة، والتهميش العالمي. إنها تتعرض لإعادة تشكيل عبر العنف، والتشريد، وتوصيفات غير دقيقة في الفضاء العالمي.
تكمن فرادة هذه المجموعة في بنائها الشعري، إلى جانب موضوعاتها الواسعة: الوطن، الغربة، الحب، الفقد، والانبعاث. تتدفق الأسطر الشعرية بإيقاع يستحضر روح القصيدة العربية القديمة، لكنه ينفتح في الوقت ذاته على حرية الحداثة. ويتشكّل معجم رمزي متكرر — الياسمين، البرتقال، البحر، الدم، الريح — ليحوّل الذاكرة الفردية إلى شهادة جماعية. وتتحدى القصائد السرديات المشوهة الجاهزة، فتمنح المهجّر قسرا عن وطنه حضوراً حقيقيا، والقرية المدمرة مشهدا ينبض بالحياة، والجرح الراعف معنىً أخلاقياً.
القصائد هنا لا تُوضع داخل هذا السياق وحسب، بل تحاوره وتعارضه. فهي تشهد على أمكنة محروقة، على مدنٍ تحوّلت إلى رماد، على أطفالٍ غيّبتهم المجازر، وعلى جغرافيا شاسعة يصنعها الحنين والمنفى. وفي الوقت نفسه، تقاوم المجموعة آليات التخفيف أو التسطيح التي تمسّ الأصوات العربية حين تُنقل إلى لغات أخرى؛ لتغدو الثنائية اللغوية فعلَ مقاومة، وإصراراً على أن يُسمع صوت القصيدة بلغتين من دون أن تتنازل عن صدقها أو نبرتها.
إسهام المجموعة – بناء شعري متفرّد
توسّع المجموعة حدود الجنس الشعري عبر مزج السردي والمرثي والاعترافي والابتهالي في نسيج واحد. وتنشئ معجماً رمزياً خاصاً—الياسمين، البرتقال، الدم، الريح، البحر، الزيتون—تتحول فيه التجربة الفلسطينية إلى شيء ملموس ومتعالي في آن. يتأرجح الأسلوب بين الرقة والحدّة، وبين همس الذكرى وصراخ الاحتجاج، لتعيد القصائد تشكيل الروايات السائدة: فالمهجّر يصبح حارس الذاكرة، والقرية المدمّرة تتحوّل إلى حضور حيّ، والجرح إلى بوصلةٍ أخلاقية.
كما تتحاور المجموعة مع الشعر العربي التقليدي، ومع حداثة الشعر العربي، ومع أدب الشهادة، ومع دراسات الشتات. ومع ذلك، لا تستقر في أيّة واحدة منها ، بل تقدّم صيغة هجينة تمزج السردي والمرثي والسياسي والتأملي. وتتجلّى جرأة القصائد في صورها الحادة، ونبرتها العاطفية المكشوفة، ولغتها الثنائية. فالترجمة الذاتية ليست نقلاً لغوياً، بل إعادة خلق تجعل النص يعيش حياة مزدوجة دون أن يفقد أصالته.
رؤية الشاعر – صوت يعمل على مستويين
من دون الادعاء بتفسير النية، يمكن القول إن صوت القصائد يعمل في مستويين: داخلي ينصت لاهتزاز الذات، وخارجي ينصت لاهتزاز التاريخ. هذا التوتر الخلاّق يظهر في الصور الشعرية حيث تتماهى المرأة مع الوطن، والوطن مع الجسد، والجرح مع الوعي.
إن هذا الصوت يُنتج حساسية مركّبة—وجدانية وأخلاقية وجمالية—تجعل القصائد أكثر من مجرد انفعالات؛ إنها مواقف لغوية، وملامح وجودية، وإشارات إلى كرامة الإنسان رغم الخراب. خيارات الشاعر في المفردة والإيقاع والاستعارة تُشكّل تجربة القارئ، وتقوده إلى فضاءات يتقاطع فيها الخاص بالعام.
إن قراءة هذه المجموعة ليست حكماً على نص، بل دخولٌ إلى حقل يتجاور فيه الجمالي والتاريخي. القصائد لا تبسط عزاءً سهلاً؛ إنها تدعو القارئ إلى مجاورة التناقض: حبٌّ موجع، ذاكرة دامية، وطن يُستدعى ويستعصي في آن. إنّها شهادة لا حُكماً، واقتراحٌ للحياة لا خطاباً للانتصار.
نحو المستقبل – أثر المجموعة في المشهد الأدبي
تحتل ”قوافي الدم والياسمين“ مكانة مميزة في الشعر العربي المعاصر. إنها تضيف إلى الأدب الفلسطيني رؤية مركّبة للمنفى والمقاومة، وتُسهم في دراسات الترجمة الذاتية، وتقدّم للدارسين مادة ثرية حول تداخل الجمالي والسياسي. وتلمّح المجموعة إلى مستقبلٍ تكون فيه الثنائية اللغوية وطناً آخر، وتغدو فيه الكلمة مساحة للانتماء وإعادة تخيّل العالم.
إن قراءة هذا الكتاب دعوة للدخول في فضاء تتقاطع فيه الجمالية بالتاريخ. فالقصائد لا تقدّم عزاءً سهلاً ولا تغرق في اليأس؛ بل تمنح القارئ فرصة للتأمل في معنى الشهادة، وفي قدرة اللغة على حفظ ما تحاول الأحداث محوه، وفي كيفية بقاء الحب للوطن رغم المسافات.
وفي نهاية المطاف، تضيف هذه المجموعة صوتاً مؤثراً إلى المشهد الشعري العربي والعالمي. فهي تفتح آفاقاً جديدة للبحث في الترجمة، وتثري الأدب الفلسطيني بصور ورؤى جديدة، وتقدّم للقارئ شعراً يصرّ على الذاكرة والعدالة، وعلى القدرة الخلّاقة للكلمة.
وحين تُطوى صفحات الكتاب الأخيرة، تظلّ القصائد في ذبذبتها المستمرة—ترفض الصمت، وتدعو الشعراء والقرّاء والباحثين إلى مواصلة الحوار، وإلى حماية الجسور الدقيقة بين الذاكرة الموجوعة والعدالة الإنسانية التي تحول دون تطبيقها المصالح والتكتلات الدولية المهيمنة.
الخاتمة: الشعر كشاهد أخلاقي
”قوافي الدم والياسمين“ ليست مجرد مختارات شعرية مترجمة فحسب، بل هي إعلان شعري وموقف نقدي وتجسيد حيوي للقدرة الإبداعية على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية والرمزية. ومن خلال ترجمته الذاتية المتقنة، لا ينقل الدكتور حلمي الزواتي جماليات قصائده فحسب، بل يمارس موقفا نقديا ضد التمثيل الأحادي، ويواجه أيضاً البُنى السياسية والثقافية التي حكمت تمثيل الشعر الفلسطيني في العالم. إنها شهادة على قدرة الشعر الفلسطيني المقاوم على عبور الحدود، سواء كانت لغوية أو سياسية أو عاطفية، وعلى المساهمة في إثراء المشهد الأدبي العالمي بنص عربي مكتوب بلغتين، لكنه يحتفظ بروحه الواحدة.
يقف عمل الزواتي جنبًا إلى جنب مع أعمال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد في تحدي الظلم وفضح جرائم الاحتلال. تُذكّر الحركات البلاغية في المجموعة—دمج الحبيبة بالأرض، استخدام التكرار، وتجسيد الشاعر كشاهد—بأنماط هؤلاء الشعراء، مع تميز واضح في التركيز: إذ يربط الزواتي قضية فلسطين ببعدها العربي، كما يُبرز أخلاقيات النزعة الإنسانية. تستمر الدراسات النقدية الحديثة في رسم أنساب شعر المقاومة، وتُظهر كيف يستدعي الشعراء المآسي الإقليمية لصياغة ذاكرة جماعية تحاكي المآسي الإنسانية في أماكن مختلفة من العالم.
وبالمقارنة، فإن أفق الزواتي الإنساني يتردد أيضًا في تقاليد الشعر السياسي العالمي—مثل قصائد بابلو نيرودا التضامنية، وقصائد ناظم حكمت عن العمل والمنفى—حيث تتحول الأشكال الغنائية إلى وسيلة للضمير السياسي. يساعد هذا الإطار المقارن في إبراز كيف تتحدث قصائد الزواتي عن مطالب كونية تتعلق بالكرامة والعدالة، بينما تظل متجذرة في خصوصية التجربة الفلسطينية.
كما تؤكد مجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ على القدرة المستمرة للشعر في إعادة أنسَنة الظروف المُجرِّدة للإنسانية التي يفرضها الاحتلال والحرب والمنفى. وتكشف أن الحب والمقاومة ليسا نزعتين متعارضتين، بل هما نمطان متكاملان للحياة الأخلاقية: فحب الوطن يستلزم مقاومةَ سَلْبِه، والمقاومة تقوم على أخلاقيات العناية، وهي قيمة يتفرد الشعر في التعبير عنها.
أخير، لا يقدم الزواتي في قصائده وصفات سياسية، بل يمنح أدوات خطابية وأخلاقية—من ذاكرة وشهادة ونداء—تغذي الخيال السياسي. ومن خلال عودته المتكررة إلى رموزه المألوفة—البحر، البرتقال، القمح، والجرح الذي لا يلتئم—يصوغ أرشيفًا حيًا يصون الذاكرة من المحو، ويؤكد إنسانية الذين جرى تهميشهم بفعل النظام الجيوسياسي. وفي هذا المعنى، تلتقي رؤية الزواتي الشعرية مع التقاليد الإنسانية العريقة في الأدب العربي والعالمي، حيث يظل النص الغنائي في آن واحد رقيقًا ومقاتلًا.
وعند نقطة التقاء الشعر الحر الحداثي، وأدب المقاومة السياسية، والتقليد العربي العريق في تشابك الشوق الشخصي مع النضال الجمعي، تنسج مجموعة ”قوافي الدم والياسمين“ خيوط الحزن الفردي والوطني في نسيج واحد. إذ يتحد حب الحبيب مع حب الوطن في منظومة شعرية مطرزة بمشاهد التهجير والحرب والتحدي، مستخدمة صوراً شعرية تنبض بالذاكرة التاريخية وتلبي نداء اللحظة الراهنة. وهكذا تتحول التجربة الفلسطينية الخاصة، في قصائد الزواتي، إلى شهادة شعرية عالمية تحفظ ذاكرة النضال بوصفها إرثاً ثقافياً ونداءً إلى العدالة.
في نهاية المطاف، تشكّل هذه المجموعة تجربة شعرية نادرة، تجمع بين الرقيّ الأدبي، والعمق النقدي، والرؤية الثقافية، فتُعيد التعددية إلى القصيدة الفلسطينية، وتؤكد على دور المترجم كفاعل أخلاقي ومثقف ملتزم، وتُبرهن على أن الشعر العربي يمكنه أن يعيش بكرامة وجمال في أكثر من لغة.
هوامش ختامية
* ندى شداد ، دكتوراه في الأدب المقارن ، جامعة لافال (2005). باحث أقدم في المركز الدولي للحوار بين الثقافات، كيبك، كندا.
1 حلمي الزواتي، قوافي الدم والياسمين (كيبك، كندا: دار نشر داراجا، 2026). [فيما بعد قوافي الدم والياسمين].
2 باسيليوس حنّا بواردي، ”مفهوم الأمل واللاأمل في الشعر الفلسطينيّ: ريم غنايم ووسام جبران نموذجين نصّيّين،“ (2023) 2 مجلّة الدراسات العربيّة 226.
3 حلمي الزواتي، دائرة المعارف الفلسطينية، (24 أيلول 2018) متوفر على هذا الرابط <https://shorturl.at/X1gmZ> )تم تصفحها 13 آب 2025).
4 حلمي الزواتي، ”مقدمة المترجم: هذه القصائد ومحنة الشعر الفلسطيني المترجم“، في حلمي الزواتي، قوافي الدم والياسمين (كيبك، كندا: دار نشر داراجا، 2026) .xvi
[فيما بعد مقدمة المترجم].
5 المصدر نفسه.
6 جوانا دروغان وريبيكا تيبتون،”الترجمة والأخلاقيات والمسؤولية الاجتماعية“، (2017) 2:23 المترجم 122.
7 راشد دغامين، ”فهم شعرية المقاومة وسياسة الوجود: دراسة مقارنة بين التقاليد الشعرية الأميركية الأفريقية والفلسطينية،“ (2024) 3:22 المجلة الدولية للعلوم الإنسانية الأدبية 173.
8 ديفين عطا الله وياسر أبو جامع، “إعادة التفكير في الصدمة في مواجهة عالم الإبادة الجماعية: الشفاء الفلسطيني صوت انتصارنا“، (2025) 54:1 مجلة الدراسات الفلسطينية 51.
9 خليل نخلة، “غزو لبنان واستراتيجية إسرائيل الإمبريالية،” (1982) 4:4 مجلة الدراسات العربية 325.
10 آدم موسكو، “مذبحة مضيئة: الاستراتيجية الإسرائيلية ومجزرة صبرا وشاتيلا،“ (15 شباط 2015) <https://www.e-ir.info/2014/02/15/ slaughter-illuminated-israeli-strategy-and-the-sabra-and-shatila-massacre/> (تم تصفحها 13 آب 2025). [فيما بعد آدم موسكو].
11 سوزان باور، “احتلال العراق 2003-2004: بين التحول الاجتماعي والاحتلال الحربي التحويلي“، (2014) 2:10 مجلة قانون النزاعات والأمن 343.
12 ألكسندر كوينسلر، “أعمال التضامن: عبور وتكرار الحدود الإسرائيلية-الفلسطينية“، (2016) 2:40 المجلة الدولية للبحوث الحضرية والإقليمية 265.
13 سانوبار حسيني، “التهجير والحنين وتجربة العودة: قراءة في رواية رأيتُ رام الله لمريد البرغوثي،“ (2021) 1:6 المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية والإنسانية 41.
14 هيلا بلوم كوهين، ”الشعر وفلسطين وما بعد الإنسانية“، (2022) 3:25 دراسات ما بعد الاستعمار 367.
15بريجيد كويرك، الشكل، الشظية، إعادة تشكيل العودة: الذاكرة والتجريد في ثلاث قصائد فلسطينية (ولنغتون، نيوزيلندا: رسالة ماجستير، جامعة فيكتوريا في ولنغتون، 2023) 117.
16 سعاد العنزي، “أنا لست هناك ولا هنا: تحليل لصياغات الهوية ما بعد الكولونيالية في أعمال إدوارد سعيد ومحمود درويش مقاربة تحليلية موضوعية وأسلوبية (مانشستر، المملكة المتحدة: رسالة دكتوراه، جامعة مانشستر، 2016) 109.
17مقدمة المترجم، المرجع السابق رقم 4، ص xvii.
18 المرجع نفسه.
19 المرجع نفسه، ص xviii.
20 المرجع نفسه، ص xvi.
21 بريدجيت والاس، دراسات ما بعد الاستعمار والشعر العربي الحديث والخطاب الثقافي المقارن (ليمريك، أيرلندا: أطروحة دكتوراه، كلية ماري بلا دنس، جامعة ليمريك، 2010) 57.
22 مقدمة المترجم، المرجع السابق رقم 4، ص xvi.
23 فطري ليزا، “الأعمال الأدبية كوسيلة للدعوة إلى السلام والعدالة الاجتماعية في فلسطين: دراسة فلسفية قيمية لقصائد فدوى طوقان“، (2025) 3:2 المجلة الدولية للفكر والعلوم الإسلامية 233.
24 حاتم عقيل، ”الفتى الذي قُتل مرتين“، في الفجوة البصرية بين الإسلام والغرب: إدراك الصورة ضمن سياقات عابرة للثقافات (نيويورك: بالجريف ماكميلان، 2016) 87. [فيما بعد حاتم عقيل].
25 موريس عبليني، “الكتابات الفلسطينية في العالم: فئة أدبية متعددة اللغات بين العوالم المحلية والعابرة للحدود الوطنية“، (2017) 2:19 المجلة الدولية لدراسات ما بعد الاستعمار 258.
26 أمل الجبوري، ”مقابلة مع الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي: الوطن و المرأة خارج نسيج العنكبوت،“ الطليعة العربية، العدد 200 (9 آذار/مارس 1987) ص 44. [فيما بعد أمل الجبوري]. متوفرة الكترونيا بهذا الموقع: <https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3709446> (تم تصفحها 13 آب 2025).
27 ”الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي: المرأة الفلسطينية توأم الوطن“ مقابلة أجراها علي عبدالفتاح (7 أيار/مايو 1989)، الرأي العام، ص 4. [فيما بعد على عبدالفتاح]. متوفرة الكترونيا بهذا الموقع: <https://ssrn.com/abstract=3027766> (تم تصفحها 13 آب 2025).
28 لامع الحر، ”الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي: شعرنا لتحريض الجماهير وحملها على المقاومة ،“ الشراع، العدد 255 (2 شباط/فبراير 1987) ص 66. [فيما بعد لامع الحر]. متوفرة الكترونيا بهذا الموقع: <https://ssrn.com/abstract=4028057> (تم تصفحها 13 آب 2025).
29 شاكر مصطفى، ”هجرة في الجرح: تأمّلات في أعمال حلمي الزواتي الشعرية الكاملة“، في أعمال حلمي الزواتي الشعرية الكاملة، ط 7 (بيروت: السنابل، 2019)، 3، [فيما بعد شاكر مصطفى]. متوفرة الكترونيا بهذا الموقع: <https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3108010> (تم تصفحها 13 آب 2025).
30 المرجع نفسه، ص 13.
31 المرجع نفسه، ص 16.
32 المرجع نفسه، ص 18.
33 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 8.
34 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 29، ص ص 4، 9، و 16.
35 المرجع نفسه، ص 18.
36 أمل الجبوري، المرجع السابق رقم 26، ص 44.
37 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 1.
38 المرجع نفسه، ص 157.
39 المرجع نفسه، ص 65.
40 المرجع نفسه، ص 147.
41 هاجر علي محفوظ، الوطن والمنفى والمقاومة في الشعر العربي الحديث (سري، المملكة المتحدة: رسالة دكتوراه، جامعة سري، 2023)، 93.
42 كيناني ميلوود ”الميزات المبتكرة في الشعر المعاصر: هاجمنا النفط مثل الذئب من قبل لنزار قباني كدراسة حالة“ (2024) 15: 1 مجلة المعلمين والمدرسين والمدربين 193.
43 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 117.
44 المرجع نفسه، ص 91.
45 الياس خليل زين، ”شاعر الأرض المحتلة حلمي الزواتي: التناقض في الوطن العربي يقع بين رفض العقل والعجز عن تقديم البديل،“ (1984) الدوحة 106، ص 71 . متوفر على هذا الرابط <https://ssrn.com/abstract=4028065> (تم تصفحها 13 آب 2025).
46 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 16.
47 توفيق الشرتوني، ”الشاعر حلمي الزواتي والصلاة على أعتاب القدس و يافا،“ جريدة الأنباء (1 كانون الأول/ ديسمبر 1986) ص 11.
48 رجا سمرين، ”السمات الدلالية في شعر حلمي الزواتي،“ في كتابه: تحت المجهر: مجموعة من الأبحاث و المقالات النقدية (عمان: دار اليراع، 2003) ص 95 . ، [فيما بعد رجا سمرين].
49 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 21.
50 المرجع نفسه، ص 1.
51 المرجع نفسه، ص 3.
52 بشكل عام، انظر محمود درويش، للأسف، كانت الجنة: مختارات شعرية. ترجمة منير عكش وكارولين فورشيه، (بيركلي: دار نشر جامعة كاليفورنيا، 2003).
53 يشكّل البعد الرمزي للرحلة رابطاً بين أوديسيوس في ملحمة الأوديسة والشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي في قصيدته “يجيءُ المساءُ حزيناً“. فإذا كان أوديسيوس قد خاض غمار البحر وواجه المجهول في تيهٍ استمر عشر سنوات بحثاً عن عودته إلى إيثاكا، فإن الزواتي يبحر في منفى وجودي وحزنٍ واغتراب طويل، باحثاً عن الوطن المفقود. قوله ”أبحرت منك إليك على شاطئ الحزن“ يكثّف صورة رحلة داخلية تشبه مغامرات أوديسيوس الخارجية، لتلتقي تجربتان مختلفتان في الزمان والمكان عند جوهر إنساني واحد: التوق للعودة إلى الذات والجذور والوطن.
54 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 21.
55 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 29، ص 17.
56 رجا سمرين، المرجع السابق رقم 48، ص 113.
57 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 29، ص 21.
58 المرجع نفسه، ص 40.
59 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 19.
60 المرجع نفسه، ص 37.
61 المرجع نفسه.
62 المرجع نفسه، ص 41.
63 المرجع نفسه، ص 59.
64 المرجع نفسه، ص 57.
65 المرجع نفسه.
66 المرجع نفسه، ص 59.
67 المرجع نفسه، ص 63.
68 المرجع نفسه.
69 المرجع نفسه، ص 67.
70 المرجع نفسه.
71 المرجع نفسه، ص 71.
72 اغتيل ماجد أبو شرار في روما في 9 تشرين اﻷول/أكتوبر 1981 على يد الموساد اﻹسرائيلي أثناء مشاركته في أعمال الندوة العالمية للتضامن مع الصحفيين والكتاب الفلسطينيين. له مجموعة قصصية بعنوان ”الخبز المرّ“. انظر: ماجد أبو شرار، الخبز المر (بيروت: دار ابن رشد، 1980).
73 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 93.
74 المرجع نفسه.
75 آدم موسكو، المرجع السابق رقم 10.
76 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 105.
77 حاتم عقيل، المرجع السابق رقم 24، ص 87.
78 شاكر النابلسي، أكله الذئب: السيرة الفنية لرسام الكاريكاتير ناجي العلي 1936-1987 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).
79 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 123.
أنظر أيضا ميريي ربيز، ”مقدمة،“ ص xiii.
80 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 123.
81 إشارة الى الإذلال الجنسي الذي تعرض له العراقيون في سجن ”أبو غريب“ على يد السجانين الأمريكيين او المتعاقدين مع وزارة الدفاع الأمريكية. للمزيد حول هذا الموضوع، أنظر حلمي الزواتي، ”الإفلات من العقاب أو الحصانة: اغتصاب الذكور في زمن الحرب والتعذيب الجنسي كجريمة ضد الإنسانية،“ (2007) 1:17 مجلة إعادة تأهيل ضحايا التعذيب ومنع التعذيب 27-47. متوفر على هذا الرابط <https://ssrn.com/abstract=2193098> (تم تصفحها 13 آب 2025).
82 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 131.
83 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 137.
84 المرجع نفسه.
85 المرجع نفسه.
86 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 141.
87 المرجع نفسه.
88 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 143.
89 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 145.
90 مقدمة المترجم، المرجع السابق رقم 4، صxvii .
91 حلمي الزواتي، ”الشاهد على فداحة ما ضاع مع النكبة: أحمد الشيخ مُحفّز الذاكرة ومُوقظ الحُلم،“ (2015) 1 أوراق إيلاف 1-24. متوفر على هذا الرابط: <https://ssrn.com/abstract=2572758> (تم تصفحها 13 آب 2025).
92 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 153.
93 منير خليل ناصر (1936-2024)، أكاديمي وصحفي فلسطيني- أمريكي من مواليد بيرزيت، ورئيس سابق لجمعية بير زيت في الولايات المتحدة. عمل صحفيا ومحررا ومدربا ومراسلا صحفيا في واشنطن لعدد من الصحف والمجلات العربية. كما كان من مؤسسي مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت عام 1996.
94 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص 159.
95 ديفيد لاسي، دور الإذلال في العنف السياسي الجمعي (سيدني: أطروحة ماجستير، جامعة سيدني، 2011) ، 97.
96 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 29، ص 39.
97 المرجع نفسه، ص 40.
98 القرآن الكريم، سورة النساء، آية 157.
99 ميراي ربيز، ”تقديم“، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، ص xi.
100 جيوفانا ريتشيو، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، الغلاف الأخير.
101 جورج إليوت كلارك، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، الغلاف الأخير.
102 دانييلا روديكا فيرانيسكو، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، الغلاف الأخير.
103 جون بيتر بورتيللي، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، الغلاف الأخير.
104 إينيس أشيريتش- تود، في قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 1، الغلاف الأخير.
Aljarmaq center Aljarmaq center