أفني سيجبال
ترجمة محمود الصباغ
استهلال
لقاء مجلة بوسطن ريفيو (عدد” امبراطورية الشر” خريف 2018) مع أرونداتي روي عن الرقابة والسرد ومشكلتها مع مصطلح “ما بعد الكولونيالية”.
تسأل “أرونداتي روي”، في روايتها الثانية “وزارة السعادة القصوى” (2017): “ما مقدار الدم المقبول دفعه من أجل أدب جيد؟”
هذه العلاقة بين الخيال ومادة الحياة الحقيقية، بما فيها العنف والظلم والسلطة، تقع في صميم كتابات “أرونداتي روي” منذ روايتها الأولى “إله الأشياء الصغيرة” (1997)، الحائزة على جائزة بوكر. وعلى مدى عشرين عاماً فصلت بين صدور روايتها الأولى والثانية، أثارت الكاتبة الهندية استياء كثيرين؛ أولئك الذين فضّلوا التزامها بالسرد القصصي، وأولئك الذين كانوا مرتاحين إلى المسار الذي اتخذته السياسة العالمية مع أحداث “11 سبتمبر” وما تلاها، وذلك بعدما جَهرت بمعارضتها السياسية وعبّرت عنها علناً وبصوت عالٍ.
تتناول مقالات “روي” النقدية، التي نُشر كثير منها في الصحف الهندية الكبرى، الأسلحة النووية، والسدود الكبرى، وعولمة الشركات، ونظام الطبقات في الهند، وصعود القومية الهندوسية، والوجوه المتعددة للإمبراطورية، وآلة الحرب الأمريكية. وقد نالت هذه المقالات الإشادة والغضب على السواء. وكثيراً ما تعرّضت “روي” للذم في وسائل الإعلام الهندية، واتُّهمت بالتحريض على الفتنة بسبب آرائها في الدولة الهندية، وفساد محاكم البلاد، وحملة الهند الوحشية لمكافحة التمرد في كشمير. بل أُودعت السجن في إحدى المرات بتهمة “ازدراء المحكمة”.
ومع ذلك، ظلت “روي” تجاهر بآرائها. وفي هذه المقابلة، تتأمل العلاقة بين الجمالي والسياسي في كتاباتها، وكيف يمكن التفكير في السلطة، وما الذي يعنيه أن يعيش المرء ويكتب في زمن الإمبراطوريات.
…………………..
أفني سيجبال: تحددين في كتابك “دليل الشخص العادي إلى الإمبراطورية” (2004) ركائز عدة للإمبراطورية: العولمة والنيوليبرالية، والنزعة العسكرية، ووسائل الإعلام التابعة للشركات. تكتبين: “لقد حطّم مشروع عولمة الشركات شيفرة الديمقراطية. فالانتخابات الحرة، والصحافة الحرة، والقضاء المستقل لا تعني الكثير حين تكون السوق الحرة قد اختزلتها إلى سلع معروضة للبيع لمن يدفع أعلى سعر”. كيف يمكن تحديث هذا الكلام اليوم؟
أرونداتي روي: كان ذلك قبل أربعة عشر عاماً! ينبغي أن تشمل التحديثات اليوم الطرق التي يستخدم بها رأس المال الكبير العنصرية، والنظام الطبقي (النسخة الهندوسية من العنصرية، وهي أكثر تفصيلاً، وتحظى بإقرار الكتب المقدسة)، والتمييز على أساس الجنس والتعصب الجندري (وهو أمر تقرّه معظم الكتب المقدسة)، بطرائق معقدة وخلاقة إلى أقصى حد لتعزيز نفسه وحماية نفسه وتقويض الديمقراطية وتفتيت المقاومة. ولا يساعد في ذلك إخفاق اليسار عمومًا في معالجة هذه القضايا على النحو الملائم.
اندمج، في الهند، النظام الطبقي، وهو أكثر أنظمة التراتب الاجتماعي وحشية، مع الرأسمالية، لينتجا سبيكة جديدة وخطيرة. وهذا هو المحرك الذي يدير الهند الحديثة. لا يفيد فهم أحد عنصري هذه السبيكة وإغفال الآخر. النظام الطبقي ليس مرمّزاً بالألوان. ولو كان كذلك، ولو كان مرئياً للعين غير المدربة، لبدا شكل الهند شبيهاً جداً ببلد يمارس الفصل العنصري.
وثمة “تحديث” آخر ينبغي لنا التفكير فيه، وهو أن التكنولوجيا الجديدة قد تجعل العالم في غنى عن طبقة عاملة واسعة. وما سينشأ عندئذ هو سكان قلقون لا يشاركون في النشاط الاقتصادي، أو “سكان فائضون”، إذا شئتِ، يحتاجون إلى الإدارة والسيطرة. وستجعل إحداثياتنا الرقمية السيطرة علينا أمراً سهلاً. فتحركاتنا وصداقاتنا وعلاقاتنا وحساباتنا المصرفية وقدرتنا على الوصول إلى المال والطعام والتعليم والرعاية الصحية والمعلومات، سواء كانت زائفة أم حقيقية، وحتى رغباتنا ومشاعرنا، كل ذلك يخضع على نحو متزايد للمراقبة والضبط على أيدي قوى بالكاد ندرك وجودها.
كم سيمضي من الوقت قبل أن ترى نخبة العالم إمكانية حل معظم مشكلات العالم بالتخلص من أولئك السكان الفائضين؟ لو أمكنها فقط أن تبيد، بقدر من الرقة، جماعات محددة منهم بطرائق محددة وباستخدام أساليب إنسانية وديمقراطية، بالطبع. ويفضّل أن يكون ذلك باسم العدالة والحرية. لا شيء على نطاق صناعي، كغرف الغاز أو “الرجل البدين” و”الولد الصغير”(1). فما الغرض الآخر من الأسلحة النووية الذكية والحرب الجرثومية؟
أفني سيجبال: كيف يغيّر صعود القوميات الإثنية والشعبويات تشخيصك؟
أرونداتي روي: القومية الإثنية ليست سوى سلالة شديدة الضراوة من القومية. لطالما كانت القومية جزءً من المشروع العالمي للشركات. وكلما ازدادت حرية رأس المال العالمي، ازدادت صرامة الحدود القومية. احتاج الاستعمار إلى نقل أعداد كبيرة من البشر، من العبيد والعمال المرتبطين بعقود، للعمل في المناجم والمزارع. أما النظام الجديد فيحتاج إلى إبقاء الناس في أماكنهم ونقل الأموال؛ ومن هنا تأتي الصيغة الجديدة: رأس مال حر، وعمال مقيدون. وكيف يمكن خفض الأجور وزيادة هوامش الربح بغير ذلك؟ الربح هو الثابت الوحيد. وقد نجح هذا إلى حد ما. لكن حروب الرأسمالية على الموارد والقوة الاستراتيجية، أو ما يُسمّى “الحروب العادلة”، دمرت بلداناً بأكملها وخلقت أعداداً هائلة من لاجئي الحروب الذين يعبرون الحدود. ويُستخدم الآن شبح التدفق المتواصل للمهاجرين غير المرغوب فيهم، ذوي لون البشرة الخطأ أو الدين الخطأ، لحشد الفاشيين والقوميين الإثنيين في أنحاء العالم. تلك الشمعة تحترق من طرفيها، ومن وسطها أيضاً. ولا يمكن إرجاع كل ذلك إلى نهب الموارد أو التفكير الاستراتيجي. ففي نهاية المطاف، يكتسب الأمر زخماً ومنطقاً خاصين به.
ومع اشتداد العاصفة، يخرج القوميون الإثنيون لاستغلال الريح وتسخيرها، ويمنح بعضهم بعضاً الشجاعة. أقرّت إسرائيل للتو قانوناً جديداً يعلن رسمياً أنها الوطن القومي للشعب اليهودي، ويجعل مواطنيها العرب مواطنين من الدرجة الثانية(2). وهذا ليس مفاجئاً، لكنه، حتى بمقاييسها هي، ينطوي على قدر كبير من الجرأة الوقحة. وفي بقية أنحاء الشرق الأوسط، تعمل إسرائيل والولايات المتحدة، بطبيعة الحال، جاهدتين على تعميق الانقسام بين السنة والشيعة، وقد تكون عاقبة ذلك الكارثية هجوماً على إيران.
ولأوروبا خططها أيضاً. فقد أسس ستيف بانون، المساعد السابق للرئيس دونالد ترامب، منظمة “الحركة” The Movement ، ومقرها بروكسل. وتسعى “الحركة” لأن تكون “مركز تنسيق للحركات الشعبوية والقومية في أوروبا”. وتقول إنها تريد إحداث “تحول تكتوني” في السياسة الأوروبية. ويبدو أن الفكرة تقضي بشلّ الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي المتفكك سيكون كتلة اقتصادية أقل قوة، ويسهل على الحكومة الأمريكية الضغط عليها والتفاوض معها. وفي الوقت نفسه، فإن توحيد أنصار تفوق البيض في أوروبا والولايات المتحدة محاولة لمساعدتهم على الاحتفاظ بالسلطة التي يشعرون بأنها تنفلت من أيديهم.
لقد قيل ما يكفي، وبصوت يكاد يصم الآذان، عن سياسات الهجرة التي ينتهجها ترامب: الأقفاص، وفصل الرضّع والأطفال الصغار عن عائلاتهم؛ وكل ذلك أسوأ قليلاً مما فعله باراك أوباما خلال رئاسته، وسط صمت يصم الآذان.
وفي الهند أيضاً، سُحب للتو مسمار قنبلة الهجرة. وفي روح عولمة الفاشية، تربط منظمات اليمين البديل في الولايات المتحدة صلات وثيقة بالقوميين الهندوس. وإذا أردت أن تفهم العالم في صورة مصغرة، فانظري إلى الهند. ففي 30 تموز 2018، نشرت ولاية آسام السجل القومي للمواطنين NRC ويأتي هذا السجل في غياب سياسة هجرة تكاد تكون معدومة. ويعود تاريخ القطع المحدد لأهلية الحصول على الجنسية الهندية في السجل إلى العام 1971، وهو العام الذي شهد تدفقاً هائلاً للاجئين من بنغلاديش بعد الحرب مع باكستان. استقر معظم هؤلاء في آسام، الأمر الذي فرض ضغطاً هائلاً على السكان المحليين، ولا سيما أكثر المجتمعات الأصلية هشاشة. وأدى ذلك إلى تصاعد التوترات التي انفجرت في الماضي في صورة مذابح جماعية. ففي العام 1983 قُتل ما لا يقل عن ألفي مسلم، فيما تضع التقديرات غير الرسمية العدد عند خمسة أمثال ذلك.
والآن، في وقت يتعرض فيه المسلمون للتشويه العلني، ومع وجود حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي BJP في السلطة، يجري تدارك الإخفاق الذي استمر نصف قرن في سياسة الهجرة. وستؤدي عملية التدقيق، التي ستغربل ملايين السكان الذين لا يملك جميعهم “أوراقاً موروثة” من قبيل شهادات الميلاد، وأوراق الهوية، وسجلات الأراضي، وشهادات الزواج، إلى فوضى على نطاق يصعب تصوره.
وقد أُعلن أن أربعة ملايين شخص عاشوا وعملوا في آسام سنوات طويلة أصبحوا بلا جنسية، على غرار ما حدث للروهينجا في بورما عام 1982. وهم مهددون بفقدان المنازل والممتلكات التي اكتسبتها أسرهم على مدى أجيال. ومن المرجح أن تتشتت العائلات وتنفصل عن بعضها بطرائق اعتباطية تماماً. وفي أفضل الأحوال، سيواجه هؤلاء احتمال التحول إلى سكان متنقلين بلا حقوق، يُستفاد منهم بوصفهم احتياطياً من العمالة الرخيصة. وفي أسوأ الأحوال، قد تجري محاولة ترحيلهم إلى بنغلاديش، التي يُرجح ألا تقبل بهم. وفي ظل تنامي مناخ الشك وعدم التسامح تجاه المسلمين، قد يلقون مصيراً شبيهاً بمصير الروهينجا.
أعلن حزب بهاراتيا جاناتا خططه لتنفيذ هذا الإجراء في البنغال الغربية أيضاً. ولو حدث ذلك يوماً، لاقتُلع عشرات الملايين من الناس من أماكنهم. وقد يتحول الأمر بسهولة إلى “تقسيم” آخر، أو حتى، لا سمح الله، إلى رواندا أخرى.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد. ففي ولاية جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، أعلن حزب بهاراتيا جاناتا، من جهة أخرى، أنه يريد إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي، وهي المادة التي تمنح الولاية وضعاً ذاتياً، وكان هذا الوضع الشرط الوحيد الذي قبلت بموجبه الولاية الانضمام إلى الهند عام 1947. وهذا يعني البدء بعملية إغراق وادي كشمير بالسكان المحليين الذين تحاصرهم مستوطنات على الطراز الإسرائيلي. وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، قُتل نحو سبعين ألف شخص في صراع كشمير من أجل تقرير المصير. وأي تحرك لإلغاء المادة 370 سيكون ببساطة كارثياً.
وفي ذات الوقت، أخذت المجتمعات الهشة التي عانت القمع والاستغلال والإقصاء بسبب هوياتها، سواء تعلقت بالطبقة أو العرق أو الجنس أو الدين أو الإثنية، تنظم صفوفها هي الأخرى على أساس هذه الهويات نفسها لمقاومة القمع والإقصاء. قد يبدو اتخاذ مواقف أخلاقية سامية أمراً سهلاً، لكن الحقيقة أن شيئاً في هذه المسألة ليس بسيطاً. لأنها ليست مشكلة أصلاً، بل عرض من أعراض اضطراب عظيم واعتلال عميق. إن تشديد المستغِلين والمستغَلين على الإثنية والعرق والطبقة والقومية والقومية الفرعية والنظام الأبوي، وعلى شتى أنواع الهوية، يرتبط ارتباطاً وثيقاً، وإن لم يكن كل شيء، بالمطالبة الجماعية بموارد تتناقص بسرعة: الماء والأرض والوظائف والمال.
ولا جديد في هذا كله، سوى الحجم الذي يحدث به، والتشكيلات التي لا تكف عن التغير، والفجوة المتسعة بين ما يقال وما يُقصد. وقليل من بلدان العالم مرشح لأن يخسر من هذا النمط من التفكير أكثر من الهند، وهي أمة من الأقليات. وقد تستمر الحرائق، إذا اشتعلت، في الاحتراق ألف عام.
وإذا دخلنا هذا المتاهة واخترنا البقاء فيها، وإذا سمحنا لمخيلتنا بأن تقع أسيرة هذه المصفوفة، وبدأنا نعتقد أنه لا سبيل آخر إلى رؤية الأشياء، وإذا فقدنا رؤية السماء والصورة الأوسع، فلا بد أن نجد أنفسنا في صراعات تتصاعد وتنتشر وتتضاعف، وقد تتحول بسهولة شديدة إلى ما يشبه نهاية العالم.
أفني سيجبال: كتبتِ ذات مرة أن جورج دبليو بوش “حقق ما سعى الكتاب والعلماء والناشطون إلى تحقيقه على مدى عقود. لقد كشف الأنابيب. ووضع أمام أنظار الجمهور الأجزاء العاملة، والصواميل والمسامير، في الآلة الجهنمية للإمبراطورية الأمريكية”. ماذا كنتِ تقصدين بذلك؟ وبعد عشر سنوات ورئيسين، هل ما زالت الطبيعة الجهنمية للإمبراطورية الأمريكية مكشوفة وشفافة إلى هذا الحد؟
أرونداتي روي: كنت أشير إلى تعليقات بوش الساذجة والمفتقرة إلى الدقة، والتي لم تكن ذكية جداً، بعد أحداث “11 سبتمبر”، وفي الفترة التي سبقت غزو أفغانستان والعراق. لقد كشفت طريقة تفكير الدولة العميقة في الولايات المتحدة. اختفت تلك الشفافية في سنوات أوباما، كما يحدث عادة عندما يكون الديمقراطيون في السلطة. ففي سنوات أوباما، كان عليكِ التنقيب عن المعلومات، وجمع شظاياها بعضها إلى بعض، حتى تعرفين عدد القنابل التي أُلقيت وعدد الأشخاص الذين قُتلوا، فيما كان خطاب قبول جائزة نوبل للسلام يُلقى في الوقت عينه ببلاغة آسرة. ومهما اختلفت ممارسات السياسة الداخلية على أرض الولايات المتحدة، فمن البديهي أن السياسة الخارجية للديمقراطيين دأبت على أن تكون عدوانية بقدر سياسة الجمهوريين. لكن، منذ “11 سبتمبر”، وبين بوش وأوباما، كم بلداً جرى تدميره إلى حد يكاد يمحو معالمه؟. والآن نحن في عصر ترامب، حيث نتعلم أن الذكاء والدقة في التمييز مصطلحان نسبيان. وأن جورج دبليو بوش، إذا ما قورن بترامب، كان مثقفاً جاداً.
أما الآن، فتُبث السياسة الخارجية الأمريكية إلى العالم في تغريدات على مدار الساعة. ولا يمكن أن تكون أكثر شفافية من ذلك. إنها “نهاية العالم العبثية”.
من كان ليتخيل أن ذلك ممكن؟. لكنه ممكن- بل أكثر من ممكن- وسيكون أسرع في الأيام المقبلة إذا ارتكب ترامب الخطأ الفادح المتمثل في مهاجمة إيران.
أفني سيجبال: هناك فرق أسلوبي واضح بين روايتيكِ “إله الأشياء الصغيرة” و”وزارة السعادة القصوى”، اللتين صدرتا بفارق عقدين. ومع أن كلتيهما تتناولان السياسة والعنف، فالأولى مكتوبة بأسلوب يوصف غالباً بالواقعية الغنائية. والجمال أحد هواجسها، وتنتهي بنبرة تنطوي على الأمل. أما “وزارة السعادة القصوى” فهي، في المقابل، رواية أكثر إلحاحاً وتشظياً وقتامة، تبدو فيها الخسائر أشد وطأة وأصعب احتمالاً. وبالنظر إلى هيمنة الواقعية الغنائية على الرواية ما بعد الاستعمارية والرواية العالمية، هل كان اختياركِ الأسلوبي أيضاً تعبيراً عن الحاجة إلى سرد أنظمة الهيمنة العالمية بطريقة مختلفة؟ وهل الرواية دعوة غير مباشرة إلى إعادة التفكير في التمثيل في الرواية الهندية المكتوبة بالإنجليزية؟
أرونداتي روي: “إله الأشياء الصغيرة” و”وزارة السعادة القصوى” روايتان مختلفتان في طبيعتهما. وقد احتاجت كل منهما إلى طريقة مختلفة في سرد الحكاية. وفي كلتيهما تطورت اللغة بصورة عضوية وأنا أكتبهما. لست واعية حقاً بأنني أتخذ “خيارات أسلوبية” على نحو مقصود. ففي “إله الأشياء الصغيرة”، تحسست طريقي نحو لغة تستوعب الإنكليزية والمالايالامية(3)؛ وكانت تلك الطريقة الوحيدة لرواية تلك القصة، عن ذلك المكان، وعن أولئك الناس.
أما “وزارة السعادة القصوى” فكانت مغامرة أشد خطورة بكثير. ولكي أكتبها، كان عليّ دفع لغة “إله الأشياء الصغيرة” من فوق سطح مبنى شاهق، ثم أسرع إلى الأسفل وأجمع شظاياها.
كُتبت “وزارة السعادة القصوى” بالإنكليزية، لكنها تخيلت بلغات كثيرة: الهندية، والأردية، والإنجليزية… أردت أن أحاول كتابة رواية لا تكون مجرد قصة ترويها حفنة من الشخصيات، تجري حياتها على خلفية معينة. حاولت أن أتخيل الشكل السردي للرواية كما لو كان إحدى الحواضر الكبرى في الجزء الذي أعيش فيه من العالم: قديمة وحديثة، مخططة وعفوية. قصة فيها طرق سريعة وأزقة ضيقة، وأفنية قديمة وطرق حرة جديدة. قصة تضل فيها الطريق، ثم تضطر إلى أن تجد طريق العودة.
قصة على القارئ أن يعيش داخلها، لا أن يستهلكها. قصة حاولت فيها ألا أمر بالناس من دون أن أتوقف لأدخن سيجارة وألقي تحية سريعة. قصة يخبرك فيها حتى أصحاب الأدوار الصغيرة بأسمائهم، وحكاياتهم، ومن أين جاؤوا، وإلى أين يتمنون الذهاب.
وأتفق معكِ في أن “وزارة السعادة القصوى” رواية متشظية وملحّة- وأنا أحب فكرة أن تكون رواية استغرق تأليفها نحو عشر سنوات رواية ملحّة!- لكنني لا أصفها بالقاتمة. فمعظم الشخصيات، في نهاية المطاف، أناس عاديون يرفضون الاستسلام للقَتامة التي تحيط بهم من كل جانب، ويصرون على التشبث بأشكال شتى من الحب الهش والفكاهة والابتذال، وهي كلها تنمو بعناد في أكثر الأماكن التي لا نتوقعها. وفي حياة شخصيات الروايتين معاً، يتشابك الحب والحزن واليأس والأمل تشابكاً وثيقاً، وكلها عابرة إلى حد يجعلني غير واثقة من أنني أعرف أي الروايتين أشد قتامة وأيهما أكثر أملاً.
لا أفكر ضمن بعض الفئات التي صيغ بها سؤالك. فعلى سبيل المثال، لا أفهم ما المقصود برواية “عالمية”. وأرى روايتيّ كلتيهما محليتين جداً، جداً. وما يدهشني هو مدى سهولة انتقالهما عبر الثقافات واللغات. فقد تُرجمت كلتاهما إلى أكثر من أربعين لغة؛ لكن هل يجعلهما ذلك “عالميتين”، أم يجعلهما عالميتين بالمعنى الإنساني فحسب؟
ثم أتساءل عن مصطلح “ما بعد الكولونيالية”. كثيراً ما استخدمته أنا أيضاً، لكن هل الاستعمار حقاً “ما بعد”؟ تعكس الروايتان، كل بطريقتها، هذا السؤال. فما زالت أشكال كثيرة من الاستعمار الراسخ الذي لا نعترف به موجودة. ألا نتركها بذلك تفلت من المساءلة؟
حتى “الرواية الهندية المكتوبة بالإنكليزية” تبدو، للوهلة الأولى، فئة واضحة جداً. لكن ماذا تعني حقاً؟ لقد رسم البريطانيون حدود البلد الذي نسميه الهند رسماً اعتباطياً. فما “الإنكليزية الهندية”؟ وهل تختلف عن الإنكليزية الباكستانية أو الإنكليزية البنغلاديشية؟ أو الإنكليزية الكشميرية؟ هناك 780 لغة في الهند، 22 منها “معترف بها” رسمياً. ومعظم أشكال الإنكليزية التي نستخدمها تتأثر بمعرفتنا بواحدة أو أكثر من تلك اللغات. فالمتحدثون بالهندية والتيلغوية والمالايالامية، مثلًا، يتحدثون الإنكليزية بطرائق مختلفة.
تتحدث شخصيات كتبي بلغات مختلفة، ويترجم بعضها لبعض. والترجمة، في كتابتي، فعل إبداع أولي. فالشخصيات، وكذلك المؤلف، يعيشون فعلياً في لغة الترجمة. وفي الحقيقة، لا أفكر في نفسي بوصفها كاتبة “رواية هندية مكتوبة بالإنجليزية”، وإنما كاتبة تعيش أعمالها وشخصياتها في لغات عدة. فالأصل ذاته جزء من الترجمة. أشعر أن روايتي تنبع من مكان أقدم، وأكثر حداثة في الوقت عينه، وبالتأكيد أقل سطحية من مفهوم الأمم.
هل “وزارة السعادة القصوى” دعوة غير مباشرة إلى إعادة التفكير في التمثيل في الرواية الهندية المكتوبة بالإنكليزية؟ ليس عن وعي، لا. لكن النيات الواعية للمؤلف ليست سوى جزء مما ينتهي الكتاب إلى أن يكونه. عندما أكتب رواية، يكون غرضي الوحيد أن أحاول بناء كون أدعو القراء إلى أن يمشوا فيه.
أفني سيجبال: تسأل إحدى الشخصيات، قرب نهاية “وزارة السعادة القصوى”: “كيف تُروى حكاية محطمة؟” تعج الرواية بشخصيات حُدّت حياتها، أو هُمّشت بطريقة ما، بفعل الحدود التي ترسمها المخيلات الوطنية. ومع ذلك، تزخر حكاياتهم بالفكاهة والغضب والقدرة على الفعل والحيوية. كيف تتعاملين مع السرد في زمن تُحبط فيه الناس باستمرار سرديات الدول القومية ذات النزعة الإمبراطورية الجديدة؟
أرونداتي روي: المخيلات الوطنية وسرديات الدولة القومية ليست سوى جزء مما يتعين على شخصيات “وزارة السعادة القصوى” التعامل معه. فعليهم أيضاً التعامل مع أشكال أخرى من المخيلات الجامدة والمحدودة: الطبقية، والتعصب الديني، والقوالب النمطية الجندرية؛ ومع الأسطورة التي تتنكر في هيئة تاريخ، والتاريخ الذي يتنكر في هيئة أسطورة. إن محاولة خوض هذا الأمر محفوفة بالمخاطر، وكذلك محاولة رواية حكاية عنه.
في الهند اليوم، لا تفرض الدولة وحدها رقابتها على السرد، بل يفعل ذلك أيضاً متعصبون دينيون، وجماعات طبقية، وجماعات تأخذ القانون بأيديها، وغوغاء يتمتعون بحماية سياسية؛ يحرقون دور السينما، ويجبرون الكتاب على سحب رواياتهم، ويغتالون الصحفيين. وقد أخذ هذا الشكل العنيف من الرقابة يتحول إلى أسلوب مقبول للتعبئة السياسية وبناء القواعد المؤيدة لها. ويُعامل الأدب والسينما والفن كما لو كانت بيانات سياسية أو مشاريع قوانين تنتظر إقرارها في البرلمان، وعليها التوافق مع تصور كل من نصّب نفسه صاحب مصلحة لما ينبغي أن يكون عليه تمثيلهم، وتمثيل جماعتهم، وتاريخهم، أو بلدهم. وليس من المستغرب مواصلة ازدهار التعصب بمختلف أشكاله، وأن يُوجَّه إلى من لا يملكون دعماً سياسياً أو قاعدة منظمة تساندهم.
شاهدت مؤخراً فيلماً مالايالامياً في ولاية كيرالا التقدمية بعنوان “أبناء إبراهيم” Abrahaminde Santhathikalكان جميع الأشرار الوحشيين الأغبياء والمجرمين فيه من الأفارقة السود. وبما أنه لا توجد جالية أفريقية في كيرالا، كان لا بد من استقدامهم إلى عمل روائي متخيل لكي تُمارس هذه العنصرية من خلاله! لا يمكننا إلقاء مسؤولية هذا النوع من الأمور على الدولة. فهذا هو المجتمع. هؤلاء هم الناس. الفنانون، وصانعو الأفلام، والممثلون، والكتاب- هنود الجنوب الذين يسخر منهم هنود الشمال بسبب بشرتهم الداكنة، يهينون بدورهم الأفارقة للسبب ذاته. أمر يذهل العقل.
محاولة الكتابة، أو صناعة الأفلام، أو ممارسة صحافة حقيقية في مناخ كهذا أمر مقلق. وطنين الغوغاء الآخذين في الاقتراب يشبه موسيقى خلفية دائمة. لكن لا بد من رواية هذه الحكاية أيضاً.
“كيف تُروى حكاية محطمة؟” هذا هو السؤال الذي خطته في دفترها إحدى الشخصيات الرئيسية في “وزارة السعادة القصوى”، تيلو- تيلوتاما- التي تعيش في بيت ضيافة غير قانوني داخل مقبرة في دلهي. وهي تجيب عن السؤال بنفسها: “بأن تصبح، ببطء، الجميع؟ لا. بأن تصبح، ببطء، كل شيء”.
تيلو مهندسة معمارية، وأرشيفية لأشياء غريبة، وتدوّن كلمات المحتضرين عند فراش الموت(4)، ومعلمة، ومؤلفة حكايات غريبة لم تُنشر. وما كتبته في دفترها تأمل في الأشخاص والحيوانات والجن والأرواح الذين انتهى بها الأمر إلى مشاركتهم مسكنها. وبالنظر إلى النقاشات التي تدور حولنا هذه الأيام، لعل تيلو كانت ستتعرض لتوبيخ شديد بسبب تفكيرها بهذه الطريقة. سيقال لها إن “التحول ببطء إلى الجميع”، أو، الأسوأ من ذلك، “التحول إلى كل شيء”، أمر غير عملي وغير صحيح سياسياً. وهذا صحيح تماماً. لكن بالنسبة إلى راوي الحكايات، ربما لا يهم كل ذلك. ففي أزمنة مجنونة ومتشظية كزمننا، ربما يكون “محاولة التحول ببطء إلى كل شيء” نقطة جيدة يبدأ منها الكاتب.
أفني سيجبال: إلى جانب كتابة الروايات، أنتِ أيضاً كاتبة مقالات غزيرة الإنتاج وناشطة سياسية. هل ترين النشاط السياسي والرواية والكتابة غير الروائية امتدادات بعضها لبعض؟ أين يبدأ أحدها وينتهي الآخر بالنسبة إليك؟
أرونداتي روي: لست متأكدة من أن لدي ذلك الإصرار العنيد الذي لا يتزعزع، والذي يتطلبه أن يكون المرء ناشطاً جيداً. أظن أن كلمة “كاتبة” تكفي، إلى حد ما، لوصف ما أفعله. لا أرى في الواقع رواياتي وكتابتي غير الروائية امتداداً إحداهما للأخرى. إنهما منفصلتان إلى حد كبير.
عندما أكتب الرواية، آخذ وقتي. أكتب على مهل، من دون استعجال، ويمنحني ذلك متعة هائلة. وكما قلت، أحاول أن أخلق كوناً يمشي القراء فيه. أما المقالات، فهي دائماً تدخلات عاجلة في وضع يضيق الخناق على الناس. إنها حجج ومناشدات تدعو إلى النظر إلى شيء ما بطريقة مختلفة. كتبت أول مقالة سياسية لي، “نهاية الخيال”، بعد التجارب النووية التي أجرتها الهند في العام 1998. وجاءت الثانية، “الصالح العام الأكبر”، بعد أن رفعت المحكمة العليا وقفها لبناء سد سردار ساروفار على نهر نارمادا. لم أكن أعرف أن هاتين المقالتين لم تكونا سوى بداية لما سيتحول إلى عشرين عاماً من كتابة المقالات.
عمّقت تلك السنوات من الكتابة والسفر والجدال، ومن المثول أمام المحاكم، بل وحتى الذهاب إلى السجن، فهمي للأرض التي عشت فيها وللناس الذين عشت بينهم، بطرق لم أكن لأتخيلها. وتراكم ذلك الفهم في داخلي، طبقة فوق طبقة. ولولا أنني عشت تلك السنوات العشرين على النحو الذي عشتها به، لما تمكنت من كتابة “وزارة السعادة القصوى”. لكنني حين أكتب الرواية، على خلاف ما يحدث حين أكتب مقالات سياسية، لا أكتب انطلاقاً من المنطق والعقل والحجة والوقائع. تأتي الرواية من سنوات من التأمل في تلك التجربة المعاشة، وتقليبها على وجوهها مرة بعد مرة، إلى أن تظهر على جلدي مثل العرق.
أكتب الرواية بجلدي.
وحين بدأت كتابة “وزارة السعادة القصوى”، شعرت كأنني صخرة رسوبية تحاول أن تحول نفسها إلى رواية.
أفني سيجبال: دونتِ في كتابكِ “سياسات السلطة” Power Politics(2001): “يبدو الأمر كما لو أن الشعب الهندي جُمّع وحُمّل على قافلتين من الشاحنات، إحداهما ضخمة جداً والأخرى صغيرة جداً، وانطلقتا بعزم في اتجاهين متعاكسين. القافلة الصغيرة في طريقها إلى وجهة براقة في مكان ما قرب قمة العالم. أما القافلة الأخرى فتذوب ببساطة في الظلام وتختفي… وبالنسبة إلى بعضنا، تبدو الحياة في الهند كأنها تعليق بين شاحنتين، واحدة في كل قافلة، والتعرض للتمزيق المنظم مع ابتعادهما إحداهما عن الأخرى، لا جسدياً، وإنما عاطفياً وفكرياً”. بالنسبة إلى البلدان في أنحاء العالم التي دخلت العولمة والنيوليبرالية دخولاً مفاجئاً ومتسارعاً، هل يمكن القول إن القافلة المتجهة إلى قمة العالم تحطمت؟ وماذا حلّ بأولئك الذين يتمزقون ببطء؟
أرونداتي روي: لم تتحطم بعد. لكن عجلاتها غارقة، ومحركها ترتفع حرارته.
أما أولئك الذين يتمزقون ببطء، فقد استُقطبوا، وها هم يستعدون لتمزيق بعضهم بعضاً. رئيس الوزراء ناريندرا مودي هو تجسيد لما يمكن أن تسميه القومية الهندوسية للشركات. وهو، مثل معظم أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا، عضو في “راشتريا سوايامسيفاك سانغ” RSS التي تأسست عام 1925 وهي الرابطة الثقافية القومية الهندوسية التي تُعد اليوم أقوى منظمة في الهند. وحزب بهاراتيا جاناتا ليس في الحقيقة سوى الذراع السياسية لهذه المنظمة التي كان هدفها، منذ زمن طويل، تغيير الدستور الهندي وإعلان الهند رسمياً دولة هندوسية.
بدأ مودي مسيرته السياسية على الساحة الرئيسية في تشرين الأول2001، حين نصّبه حزبه، من دون انتخاب، رئيساً لوزراء ولاية غوجارات. وفي شباط2002، في ذروة الإسلاموفوبيا الدولية التي أعقبت “11 سبتمبر”، وقعت مذبحة غوجارات، حيث قُتل مسلمون في وضح النهار على أيدي جماعات هندوسية تمارس العنف خارج سلطة القانون، وأُجبر عشرات الآلاف على الفرار من منازلهم. وبعد ذلك بأشهر قليلة، أعلن عدد من رؤساء أكبر الشركات الهندية دعمهم لمودي، الرجل الذي لم يكن له سجل سياسي يُذكر، مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء. ولعلهم رأوا فيه سياسياً حاسماً وعديم الرحمة يستطيع تمرير سياسات اقتصادية جديدة بالقوة، وإخماد الاحتجاجات وحالة القلق في البلاد التي بدت حكومة حزب المؤتمر عاجزة عن التعامل معها، في وقت كانت فيه تؤخر تنفيذ مئات مذكرات التفاهم التي وقعتها مع شركات وكيانات تجارية مختلفة.
استغرق الأمر اثنتي عشرة سنة؛ ففي أيار2014 أصبح مودي رئيساً للوزراء بأغلبية برلمانية ساحقة. واستقبلته وسائل الإعلام الدولية ورؤساء الدول على المسرح العالمي، اعتقاداً منهم أنه سيحوّل الهند إلى وجهة الأحلام لرأس المال الدولي.
ومع أن السنوات القليلة التي أمضاها مودي في السلطة شهدت تضاعف ثروات شركاته المفضلة وعائلات حلفائه المقربين مرات عدة، فإنه لم يكن رجل اقتصاد السوق الحر القاسي والفعّال الذي كان يأمل فيه أولئك الذين راهنوا عليه. وترتبط أسباب ذلك بعدم الكفاءة أكثر مما ترتبط بالإيديولوجيا.
ففي وقت متأخر من إحدى ليالي تشرين الثاني2016، ظهر مودي على شاشة التلفزيون وأعلن سياسة “إلغاء تداول” العملة. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد 80% من الأوراق النقدية الهندية عملة قانونية. وكان يُفترض أن تكون هذه ضربة خاطفة لمكتنزي “الأموال السوداء”. فتوقفت حياة بلد يزيد عدد سكانه على مليار نسمة. ولم تحاول أي حكومة من قبل تنفيذ شيء بهذا الحجم. كان ذلك فعلاً من الغطرسة يليق بدكتاتورية شمولية.
ولأسابيع متواصلة، وقف العمال المياومون وسائقو سيارات الأجرة وأصحاب المتاجر الصغيرة في طوابير طويلة، ساعة بعد ساعة، على أمل تحويل مدخراتهم الشحيحة إلى أوراق نقدية جديدة. وعادت كل الأموال تقريباً، حتى آخر روبية، “السوداء” منها و”البيضاء”، إلى البنوك. ولم تعد هناك، رسمياً على الأقل، أي “أموال سوداء”. كانت تلك إخفاقاً هائلاً عالي التكلفة، مصحوباً بكل ذلك البهرج والاستعراض.
وقد أجهز إلغاء تداول العملة وضريبة السلع والخدمات الجديدة الفوضوية على الشركات الصغيرة والناس العاديين. وبالنسبة إلى كبار المستثمرين، بل حتى إلى أكثر الناس عادية، فإن هذا النوع من النزوات التي تصدر عن حكومة تقول إنها “صديقة للأعمال” قاتل. إنه إعلان صريح بأن كلمة الحكومة لا يمكن الوثوق بها، وأنها ليست ملزمة قانونياً.
كما أفرغ إلغاء تداول العملة خزائن معظم الأحزاب السياسية تقريباً، لأن ثرواتها غير المصرح بها تكون عادة في صورة نقدية. أما حزب بهاراتيا جاناتا، فعلى نحو غامض، ظهر بوصفه واحداً من أغنى الأحزاب السياسية في العالم، إن لم يكن أغناها.
لقد وصلت القومية الهندوسية إلى السلطة على أكتاف القتل الجماعي، وبفضل خطاب متعصب بالغ الخطورة يمكنه، وقد فعل، أن يمزق نسيج مجتمع متنوع. وقبل بضعة أشهر، عقد أربعة من كبار قضاة المحكمة العليا مؤتمراً صحفياً حذروا فيه من أن الديمقراطية في الهند تواجه خطراً جسيماً. لم يحدث شيء كهذا من قبل. ومع تسريب الكراهية إلى أرواح الناس قطرة قطرة، نستيقظ كل يوم، بقلوب يعتصرها الغثيان، على مقاطع فيديو لقتل المسلمين على يد جماعات تمارس العنف خارج سلطة القانون وتنشرها على يوتيوب وهي تتفاخر بما فعلت؛ وعلى أخبار عن جلد الداليت(5) علناً، وعن اغتصاب النساء والرضع، وعن آلاف يسيرون دعماً لأشخاص اعتُقلوا بتهمة الاغتصاب، وعن إطلاق سراح مدانين بارتكاب جرائم قتل جماعي في مذبحة غوجارات، بينما يقبع المدافعون عن حقوق الإنسان وآلاف من السكان الأصليين في السجون بتهم التحريض على الفتنة، وعن كتابة كتب التاريخ المدرسية للأطفال على أيدي حمقى تامّين، وعن ذوبان الأنهار الجليدية وانخفاض مناسيب المياه بالسرعة نفسها تقريباً التي ينخفض بها معدل ذكائنا الجماعي.
لكن كل شيء على ما يرام، لأننا نشتري من أوروبا والولايات المتحدة أسلحة أكثر من أي بلد آخر تقريباً. وهكذا لا تزال الهند، التي تضم أكبر عدد من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في العالم، والتي أقدم فيها مئات الآلاف من المزارعين وعمال الزراعة المثقلين بالديون على الانتحار، والتي صار فيها أن تكون بقرة أكثر أماناً من أن تكون امرأة، تُحتفى بها بوصفها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
أفني سيجبال: كثيراً ما استُخدمت كلمة “الإمبراطورية” بوصفها مشكلة أوروبية وأمريكية على نحو خاص. هل ترين أن الهند وغيرها من دول ما بعد الاستعمار تتبنى أشكال الإمبراطورية القديمة في ثوب جيوسياسي جديد؟ في “وزارة السعادة القصوى”، تريننا كيف طورت الحكومة الهندية استراتيجيات للمراقبة ومكافحة الإرهاب ذات نطاق شمولي، إذا شئنا التخفيف في الوصف. كيف يمكننا التفكير في الإمبراطورية اليوم في الجنوب العالمي، ولا سيما في وقت تحاكي فيه دول ما بعد الاستعمار الحسابات الأخلاقية لسادتها الاستعماريين القدامى؟
أرونداتي روي: من المثير للاهتمام أن البلدان التي تسمي نفسها ديمقراطيات- الهند وإسرائيل والولايات المتحدة- منشغلة بإدارة احتلالات عسكرية. كشمير واحدة من أكثر الاحتلالات العسكرية دموية وكثافة في العالم. لقد تحولت الهند من مستعمرة إلى قوة إمبراطورية بين عشية وضحاها تقريباً. ولم يمر يوم واحد منذ رحيل البريطانيين عن الهند في آب 1947 من دون أن يكون الجيش الهندي والقوات شبه العسكرية منتشرين داخل حدود البلاد ضد “شعبها”: ميزورام، مانيبور، ناجالاند، آسام، كشمير، جامو، حيدر أباد، غوا، البنجاب، البنغال، والآن تشهاتيسغاره وأوريسا وجهارخاند. ويبلغ عدد القتلى عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف. فمن هؤلاء المواطنون الخطرون الذين يحتاجون إلى إخضاعهم بالقوة العسكرية؟
إنهم السكان الأصليون، والمسيحيون، والمسلمون، والسيخ، والشيوعيون. والنمط الذي يتكشف هنا دالّ بوضوح. فهو يكشف عن دولة هندوسية من “الطبقة” العليا تنظر إلى كل الآخرين بوصفهم أعداء. وهناك كثيرون يرون الهندوسية شكلاً من أشكال الاستعمار: حكم الآريين للدرافيديين وغيرهم من الشعوب الأصلية، الذين مُحيت تواريخهم، وحُوّل حكامهم المخلوعون إلى الشياطين والـ”أسورا”(6) المهزومين في الأساطير الهندوسية. ولا تزال حكايات تلك المعارك حية في مئات الحكايات الشعبية ومهرجانات القرى المحلية، حيث تكون “شياطين” الهندوسية آلهة لدى شعوب أخرى. ولهذا أشعر بعدم الارتياح تجاه مصطلح “ما بعد الاستعمارية”.
أفني سيجبال: أصبح الحديث عن المعارضة والعدالة الاجتماعية من التيار العام في عصر ترامب، لكن وسوم وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً ما تحل محل الفعل المباشر، وكثيراً ما تستخدم الشركات لغة التمكين والمسؤولية الاجتماعية، فيما تواصل ترسيخ ممارساتها التجارية غير الأخلاقية. فهل جُرّد الاحتجاج اليوم من قدرته على الفعل؟ وفي مثل هذا المناخ، أي نوع من المعارضة قادر على إحداث صدع في صرح الإمبراطورية؟
أرونداتي روي: أنتِ محقة. فالشركات تستضيف معارض للسعادة وندوات للمعارضة، وترعى مهرجانات أدبية يدافع فيها كبار الكتاب دفاعاً قوياً عن حرية التعبير. لقد أصبحت المعارضة طريقة رائجة، وجديدة، و”شركاتية” للوجود. فماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟
حين نفكر في عظمة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والاحتجاجات المناهضة لحرب فيتنام، لا بد أن نتساءل عما إذا كان الاحتجاج الحقيقي لا يزال ممكنًا. إنه ممكن. بالتأكيد ممكن. كنت في يوتيبوري بالسويد مؤخراً، حين خرجت أكبر مسيرة نازية منذ الحرب العالمية الثانية. وكان عدد المتظاهرين المناهضين للنازية، ومن بينهم أنتيفا(7) الشرسة، يفوق عدد النازيين بأكثر من عشرة إلى واحد. وفي كشمير، يواجه القرويون العزّل رصاص الجيش. وفي باستار، وسط الهند، أوقف الكفاح المسلح الذي يخوضه أفقر الناس في العالم بعضاً من أغنى الشركات في العالم، وأجبرها على التوقف. من المهم أن نحيي انتصارات الناس، حتى لو لم تُعرض دائماً على شاشات التلفزيون. على الأقل تلك التي نعرف بها. فجعل الناس يشعرون بالعجز وفقدان القدرة على الفعل واليأس جزء من الدعاية.
لكن ما يحدث في العالم الآن يأتي من كل اتجاه، وقد تجاوز بالفعل حدود الاحتمال. لا بد أن يتوقف. لكن كيف؟ لا أملك، حقاً، نصيحة تصلح لكل شيء. أظن أننا جميعاً بحاجة إلى أن نصبح متمردين بجدية. وأظن أن الوضع سيصبح، في مرحلة ما، غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى أصحاب السلطة. ستأتي لحظة الانقلاب. وقد يكون الهجوم على إيران، مثلاً، هو تلك اللحظة. سيؤدي ذلك إلى فوضى لا يمكن تصورها، وسيخرج منها شيء لا يمكن التنبؤ به.
يكمن الخطر الأكبر في أن عاصفة الغضب التي تتراكم تُنزع فتيلها مرة بعد مرة، ويُستوعب زخمها في حملة انتخابية جديدة. نخدع أنفسنا حين نعتقد أن التغيير الذي نريده سيأتي مع انتخابات جديدة ورئيس أو رئيس وزراء جديد يتولى زمام النظام القديم نفسه.
طبعاً، من المهم أن نطرد أولئك الأوغاد القدامى من مناصبهم وندخل آخرين جدداً إليها، لكن لا يمكن أن يكون هذا الدلو الوحيد الذي نصب فيه شغفنا.
وبصراحة، ما دمنا نواصل النظر إلى الكوكب بوصفه “مورداً” لا ينفد، وما دمنا نؤيد حق الأفراد والشركات في تراكم ثروات لا نهائية بينما يذهب آخرون إلى النوم جائعين، وما دمنا نواصل الاعتقاد بأن الحكومات ليست مسؤولة عن إطعام الجميع وكسوتهم وإسكانهم وتعليمهم، فإن كل كلامنا ليس سوى استعراض.
لماذا تخيف هذه الأشياء البسيطة الناس إلى هذا الحد؟ إنها مجرد لياقة إنسانية أساسية.
فلنواجه الأمر: السوق الحرة ليست حرة، ولا تكترث بالعدالة أو المساواة.
أفني سيجبال: طُرح السؤال الشائك المتعلق بالكفاح العنيف ضد الهيمنة في لحظات مختلفة من التاريخ. ونوقش هذا السؤال في سياق كتابات فرانز فانون، وغاندي، وحركة “حياة السود مهمة”، وفلسطين، والحركة الناكسالية(8)، على سبيل المثال لا الحصر. وهو سؤال يطرح نفسه أيضاً في كتاباتك الروائية وغير الروائية. كيف تنظرين إلى الدعوة إلى الامتناع عن استخدام العنف في مقاومة الهيمنة من موقع المستضعفين؟
أرونداتي روي: أنا ضد تلك الدعوات والتوجيهات المتملقة التي تصدر من فوق إلى المقاومة من تحت. هذا سخيف، أليس كذلك؟ أن يخبر الظالمون المظلومين بالطريقة التي يفضلون أن يقاوموا بها؟ الذين يقاتلون هم من يختارون أسلحتهم.
بالنسبة إليّ، مسألة الكفاح المسلح في مقابل المقاومة السلبية مسألة تكتيكية، لا إيديولوجية. مثلاً، كيف يستطيع السكان الأصليون الذين يعيشون في أعماق الغابة أن يقاوموا مقاومة سلبية جماعاتٍ مسلحة تمارس العنف خارج سلطة القانون، أو يمعنى أدق تأخذ القانون بأيديها وآلافاً من أفراد القوات شبه العسكرية الذين يطوقون قراهم ليلاً ويحرقونها عن بكرة أبيها؟ المقاومة السلبية مسرح سياسي. وهي تحتاج إلى جمهور متعاطف. ولا وجود لهذا الجمهور داخل الغابة.
وكيف يستطيع الجائعون أن يضربوا عن الطعام؟
في بعض الظروف، يمكن أن يكون التبشير باللاعنف شكلاً من أشكال العنف. ثم إن هذه المصطلحات تنسجم على نحو مثالي مع خطاب “حقوق الإنسان”، الذي يمكن فيه، من موقع متعالٍ من الحياد الزائف، أن تُمحى السياسة والأخلاق والعدالة من المشهد، وأن يُعلن أن جميع الأطراف منتهكون لحقوق الإنسان، وأن يبقى الوضع القائم على حاله.
أفني سيجبال: مع أن هذا المجلد يحمل عنوان “إمبراطورية الشر”Evil Empire، وهو تعبير مستعار من وصف رونالد ريغان للاتحاد السوفيتي، فإن كثيرين يرون الإمبراطورية الآلية الإدارية والسياسية الوحيدة القابلة للاستمرار لإدارة أعداد كبيرة من السكان. كيف يمكننا أن نواجه الأصوات المهيمنة، مثل نيال فيرغسون، الذي يولي هذا القدر من الثقة للتفكير من داخل منطق الإمبراطورية ومجاراة اتجاهها؟ وعلى الجانب الآخر، كيف يمكننا مخاطبة الليبراليين الذين يضعون ثقتهم في عسكرة الإمبراطورية الأمريكية في حقبة ما بعد “11 سبتمبر”؟ هل ترين مخرجاً من قبضة التفكير الإمبريالي الراهنة؟
أرونداتي روي: “السكان المُدارون” لا يفكرون بالضرورة من منظور فيرغسون الإداري. فما يراه المديرون استقراراً يراه المُدارون عنفاً يمارس عليهم. ليس الاستقرار هو ما تقوم عليه الإمبراطورية، بل العنف. ولا أعني فقط الحروب التي يقاتل فيها البشر بشراً مثلهم. أعني أيضاً العنف الذهاني الذي نمارسه ضد كوكبنا المحتضر.
لا أعتقد أن المؤيدين الحاليين للإمبراطورية يؤيدون الإمبراطورية عموماً. إنهم يؤيدون الإمبراطورية الأمريكية. وفي الحقيقة، الرأسمالية هي الإمبراطورية الجديدة. رأسمالية يديرها رأسماليون بيض. ربما لم تكن إمبراطورية صينية، أو إمبراطورية إيرانية، أو إمبراطورية أفريقية لتبعث فيهم المشاعر الدافئة نفسها؟
ينشأ “التفكير الإمبريالي”، كما تسميه، في قلوب أولئك الذين يسعدون بالاستفادة منه. ويقاومه أولئك الذين لا يستفيدون منه، وأولئك الذين لا يريدون أن يكونوا جزءً منه. فالإمبراطورية ليست مجرد فكرة. إنها نوع من الزخم، قوة دفع نحو الهيمنة تحتوي دوائرها الداخلية على حتمية التمدد إلى ما يتجاوز حدودها ثم تدمير نفسها. وعندما يتغير المد، وتنهض إمبراطورية جديدة، سيتغير المديرون أيضاً. وسيتغير خطاب المديرين القدامى. ثم سيكون لدينا مديرون جدد، بخطاب جديد. وستنهض شعوب جديدة ترفض أن تُدار.
العنوان الأصلي: How to Think About Empire
المصدر: Boston Review’s Fall 2018 issue Evil Empire.
……………….
1.”الرجل البدين” Fat Man و”الولد الصغير” Little Boyهما الاسمان اللذان أطلقتهما الولايات المتحدة على القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا على مدينتي ناغازاكي وهيروشيما في اليابان، على التوالي، في آب 1945.
- نشرت هذه المقابلة في الثالث من كانون الثاني 2019
- المالايالامية لغة درافيدية، وهي اللغة الرسمية في ولاية كيرالا الهندية، وفي إقليمي اتحاد لاكشادويب وبودوتشيري (في مقاطعة ماهي)، ويتحدث بها كذلك عدد من الأقليات اللغوية في المناطق المجاورة. وهي إحدى اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستوريًا، ويتحدث بها عشرات الملايين من الناس في الهند وخارجها. أما التيلغوية فهي أيضًا لغة درافيدية، ويتحدث بها سكان ولايتي أندرا براديش وتيلانغانا، وهي من اللغات الرسمية في الهند، ولغة رسمية في إقليم يانام التابع لبودوتشيري، ويتحدث بها أيضًا أفراد أقليات لغوية في عدد من الولايات الهندية. وقد صنفتها الحكومة الهندية ضمن اللغات الكلاسيكية في البلاد.
- في الأصل a deathbed stenographer والمقصود بها شخص يُستدعى إلى فراش المحتضر لتدوين كلماته الأخيرة. وتأتي العبارة هنا ضمن الصفات الغريبة والمحلية التي ترسم بها روي شخصية تيلو وعالمها في دلهي، ولا تشير إلى مهنة محددة أو وظيفة رسمية بالمعنى المتعارف عليه.
5.الداليت كلمة سنسكريتية تعني “المكسور” أو “المهشم”. ويُستخدم المصطلح للإشارة إلى الجماعات التي كانت تقع خارج نظام الفارنا الهندوسي التقليدي، والتي عُرفت تاريخياً باسم “المنبوذين” أو “الخارجين عن نظام الطبقات”. وكان يُشار إليها أحياناً باسم “البانشاما”، أي “الفئة الخامسة”. وينتمي الداليت اليوم إلى ديانات ومعتقدات مختلفة، منها الهندوسية والبوذية والسيخية والمسيحية والإسلام وغيرها.
6.أسورا Asura “كلمة سنسكريتية تشير إلى فئة من الكائنات في الموروث الديني الهندي، وتعود إلى النصوص الفيدية. وقد ارتبطت في مراحل لاحقة بالكائنات المعادية للآلهة أو المناوئة لها، ولا سيما في الأساطير الهندوسية، حيث يقابلها الديفا بوصفهم قوى إلهية. وتختلف صورة الأسورا ودلالتهم باختلاف النصوص والتقاليد الدينية.
7.أنتيفاAntifa اختصار من اللغة الألمانية لـAntifaschistische Aktion، أي “العمل المناهض للفاشية”. ويعود الاسم إلى حركة ألمانية مناهضة للفاشية ارتبطت بالحزب الشيوعي الألماني في جمهورية فايمار، وتأسست في العام 1932. ويُستخدم اسم “أنتيفا” اليوم أيضاً للإشارة بصورة عامة إلى حركات وجماعات مناهضة للفاشية والنازية، ولا يشير بالضرورة إلى منظمة واحدة مركزية.
8.الناكسالية حركة مسلحة ذات توجه شيوعي ثوري في الهند، استمدت اسمها من قرية ناكسالباري في ولاية البنغال الغربية، حيث اندلعت انتفاضة فلاحية في العام 1967. وانبثقت الحركة من انشقاقات داخل الحركة الشيوعية الهندية، وتطورت لاحقاً تياراتها المختلفة، ومن بينها الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي-اللينيني) الذي تأسس في العام 1969. وتأثرت قطاعات من الحركة بأفكار ماو تسي تونغ والماوية.
Aljarmaq center Aljarmaq center