ترجمة: وليد يوسف
“ليس لديّ أي نية للعودة إلى إسرائيل… هناك الكثير من الصراعات”
حذّر رونالد لاودر، الذي ظل لسنوات طويلة مقرباً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويشغل حالياً منصب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، الإسرائيليين يوم الجمعة من إعادة انتخاب نتنياهو.
وقال الملياردير ورجل الأعمال الخيري، في مقابلة مع صحيفة «هآرتس»: «لقد التزمت الصمت لمدة 20 أو 30 عاماً. وأحد الأمور التي جعلت إسرائيل في الماضي دولة مميزة للغاية مقارنة بالدول الأخرى هو أنها تمتعت بديمقراطية حقيقية؛ أما ما نراه الآن فيبدو أشبه بـ “جمهورية موز”.
وأضاف: «إذا أُعيد انتخاب بيبي، فإن إسرائيل ستتكبد خسائر فادحة».
وذهب لاودر إلى أبعد من ذلك، فوصف نتنياهو بأنه «ديكتاتور يدير الأمور بمفرده»، مؤكداً أن رئيس الوزراء لم يعد يعمل وفق المعايير الديمقراطية.
كما حمّل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش مسؤولية الإضرار بصورة إسرائيل، متهماً نتنياهو بالسماح لهما بذلك.
وعندما سُئل عمن سيمنحه صوته، أجاب لاودر بأنه لن يشارك في التصويت، لأنه يشعر بـ«اشمئزاز شديد من النظام»، لكنه أضاف أنه لو اضطر إلى الاختيار، لانتخب غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يَشَر!».
وأوضح لاودر لـ«هآرتس» أنه لم يلتق آيزنكوت من قبل، لكنه يكنّ له الاحترام، ويرى في رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق «إنساناً حقيقياً» لا يلجأ إلى الكلام الفارغ أو الخداع. كما أبدى احترامه لأفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”.
وقال: “إذا كان لحزبي بن غفير وسموتريتش أي دور في الحكومة مستقبلاً، فستكون إسرائيل في مهب الهلاك”، مشيراً إلى حزبي “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية) و”الصهيونية الدينية” اليمينيين المتطرفين، اللذين تشير استطلاعات الرأي إلى حصول كل منهما على نحو ثمانية مقاعد.
من مقرّب إلى منتقد
قال لاودر لـ “هآرتس” إن علاقته بنتنياهو كانت جيدة للغاية في السابق.
وأضاف: “كنا مقربين جداً. كنا نتحدث كثيراً، ونضحك، ونقضي أوقاتاً ممتعة، ونتناقش حول أشخاص آخرين. وكان تواصلنا أسبوعياً، وأحياناً يومياً. كنا نتحدث عن كل ما يجري في العالم”.
وتعود جذور العلاقة بينهما إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين كان نتنياهو يشغل منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة. واستذكر لاودر كيف ساعده في التعرف إلى الاستراتيجي السياسي الجمهوري آرثر فينكلستين، عندما كان يستعد لدخول معترك السياسة الإسرائيلية. كما استضاف لاحقاً حفل وداع لنتنياهو في نيويورك، حضرته شخصيات بارزة من الأوساط السياسية والإعلامية في المدينة.
وقال وريث شركة مستحضرات التجميل “إستي لاودر” (The Estée Lauder Companies) إن العلاقة بدأت بالتدهور بعد زواج نتنياهو من زوجته الثالثة سارة.
ونقلت “هآرتس” عن أشخاص عملوا مع لاودر لسنوات طويلة أن التوتر بين الرجلين بدأ يتصاعد بعدما رفض لاودر تلبية بعض الطلبات للحصول على هدايا باهظة الثمن. وذكر هؤلاء أن سارة نتنياهو طلبت منه هدية بقيمة 25 ألف دولار بمناسبة احتفال ابنها يائير ببلوغه الثالثة عشرة، في حفل “بار متسفا” الديني اليهودي عام 2004، لكنه رفض الطلب.
كما أفاد شركاء سابقون للصحيفة بأن زوجة رئيس الوزراء طلبت، في مناسبة أخرى، منتجات من شركة مستحضرات التجميل التي يملكها لاودر، بلغت قيمتها نحو 15 ألف دولار، وهو طلب رفضه أيضاً.
وحدث شرخ كبير آخر خلال السنوات التي كان فيها لاودر المساهم الأكبر في القناة العاشرة الإسرائيلية. ووفقاً لمستشارين سابقين تحدثوا إلى “هآرتس”، شجّع نتنياهو لاودر على شراء القناة التلفزيونية، لكنه عاد لاحقاً إلى الشكوى مراراً من تغطيتها الإعلامية، بعدما بدأت تبث تقارير وانتقادات موجهة إليه.
وعندما سُئل لاودر عن أثر القناة العاشرة في علاقته بنتنياهو، أجاب: “لقد دمرتها”
محادثات سرية مع سوريا
تحدث لاودر بالتفصيل عن الدور الذي أداه وسيطاً بين إسرائيل وسوريا في تسعينيات القرن الماضي، وقال إن نتنياهو وافق آنذاك على الانسحاب من هضبة الجولان في إطار اتفاق سلام مع دمشق.
ووفقاً لروايته، كلّفه نتنياهو في أواخر التسعينيات بإجراء مفاوضات سرية مع حكومة الرئيس السوري حافظ الأسد. وقال لاودر لـ “هآرتس” إنه تنقل مراراً بين إسرائيل وسوريا، وأحياناً لبنان، على مدى عشرة إلى خمسة عشر شهراً، للمساعدة في صياغة إطار اتفاق يتألف من عشر نقاط، شارك فيه أيضاً رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري.
وادعى لاودر أن الأسد كان مستعداً لتوقيع الوثيقة النهائية، وأن نتنياهو وافق على بنودها، بما فيها انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان. ويُذكر أن نتنياهو سبق أن نفى موافقته على التخلي عن الجولان.
وأوضح لاودر أنه لم تكن هناك سوى نسختين من مشروع الاتفاق، وأنهما لا تزالان بحوزته.
وأعرب عن أسفه لأن نتنياهو نسف الاتفاق في نهاية المطاف، قائلاً: “لقد فضّل السياسة على السلام، وقدّم مستقبله السياسي على الاتفاق. عند تلك النقطة خسرت ثقتي به. التقيت به لاحقاً، لكن العلاقة لم تعد كما كانت أبداً. لقد خانني. هذا هو بيبي”.
وأضاف لاودر أن نتنياهو اشترط لتوقيع الاتفاق أن يوافق عليه أولاً وزير الدفاع آنذاك، أرييل شارون.
وعلّق على ذلك قائلاً: “كان تصرفه صادماً للغاية؛ فقد أمضيت شهوراً طويلة في الإعداد لهذا الأمر، ليأتي هو ويقول: “لن أوقعه إلا إذا أقنعت شارون”. فقلت له: “شارون لن يوافق على هذا أبداً؛ فحتى لو كان الاتفاق أعظم شيء في العالم، فهو لا يريدك أن تنال الفضل فيه. فلماذا لا توقعه أنت وتدافع عن مصلحة إسرائيل؟”. لكنه رفض القيام بذلك”.
وقال لاودر إن نتنياهو طلب منه آنذاك عدم الحديث عن المفاوضات علناً، وهو ما التزم به طوال ثلاثة عقود تقريباً، قبل أن يقرر الكشف عنها قبيل انتخابات الكنيست المقررة الأسبوع المقبل.
وأضاف أنه تحدث مع رئيس الوزراء للمرة الأخيرة قبل عامين أو ثلاثة أعوام.
خسارة دعم الولايات المتحدة ويهود الشتات
قال لاودر: “تجد إسرائيل نفسها اليوم في وضع صعب للغاية، أصعب مما يدركونه هم أنفسهم. على مدى السنوات العشرين الماضية التي شغلت فيها منصب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، زرت دولاً أوروبية وأخرى توجد فيها منظمات يهودية، وفي كل دولة منها التقيت رئيس وزرائها أو رئيسها”
وأضاف: “الحقيقة أن إسرائيل لم تخسر أوروبا ومناطق أخرى فحسب، بل خسرت أيضاً يهود الشتات. صحيح أنهم لا يزالون مخلصين لإسرائيل، لكنهم لم يعودوا يشعرون بأن إسرائيل تحميهم”.
وأعرب عن قلقه البالغ إزاء تدهور العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشار لاودر، وهو من كبار المانحين للحزب الجمهوري وتربطه علاقات وثيقة بقياداته العليا، إلى اعتقاده بأن إسرائيل تفقد التأييد على جانبي المشهد السياسي الأمريكي.
وقال: “لقد خسرتم الحزب الديمقراطي، وأنتم الآن تخسرون الحزب الجمهوري أيضاً”، عازياً ذلك إلى ما وصفه بالقرارات الضارة التي اتخذتها القيادة الإسرائيلية.
وكشف لاودر أنه باع أو تبرع بجميع ممتلكاته في إسرائيل، بعدما اعتاد قضاء عدة أسابيع فيها كل عام. وأقر بأنه لا يزال متردداً في بيع شقته في تل أبيب.
وقال: “ليس لدي أي نية للعودة إلى إسرائيل. إطلاقاً”، مضيفاً أن هناك “الكثير من الصراعات الصغيرة في كل مكان”، وأنه لم تعد لديه أي رغبة في الوجود هناك.
وعلى الرغم من انتقاداته الحادة، أكد لاودر أنه لا يزال يشعر بارتباط قوي بإسرائيل، قائلاً لـ “هآرتس”: “ما زلت صهيونياً حتى اليوم، وما زلت أحب إسرائيل، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتها على النجاح”. وأوضح أن انتقاداته تنبع من “الحب والاهتمام”.
كما أخبر الصحيفة بأنه تأثر كثيراً بمقاطع فيديو تظهر شباناً يغنون أغنية من أجل السلام، خلال مهرجان موسيقي أُقيم في جنوب إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية.
وقال: “نحن نقف عند نقطة تحول. إذا استعاد الناس في إسرائيل رشدهم، فسيكون هناك مستقبل جيد هنا”
وذكرت “هآرتس” أن نتنياهو لم يُبدِ أي رد فعل على المقابلة.
المصدر: صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلاً عن مقابلة أجرتها صحيفة «هآرتس» مع رونالد لاودر، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
رابط المادة الأصلية في Times of Israel
Aljarmaq center Aljarmaq center