مساء الأحد ١٨/ ١٠/ ٢٠٢٦ قرأت الآتي:
«نتنياهو: سننتقل إلى عمليات هجومية واسعة في الضفة الغربية وداخل إسرائيل». وفي صباح الاثنين ١٩/ ١٠، أصغيت إلى شريط فيديو لـ (يسرائيل كاتس)، يقول فيه إنه إذا وجهت السلطة الفلسطينية، أو التنظيمات التابعة لها، الأسلحة ضدنا فسنبدأ الحرب بنفس الأسلوب الذي استخدمناه في الشمال والجنوب، وأضاف إنه إذا اكتشفنا إرهاباً في مدينة ما فسيتم تهجير سكانها إلى الغور أو إلى صحراء يهودا، فهناك مكان كاف.. «إن لدينا خطة جاهزة للاغتيالات والترحيل.. وهناك الكثير من الخيام للسكان المحليين»، وعندما سأله محاوره إن كان يقصد غور الأردن فقط أو الدولة الأردنية ضحك وقال: «دائماً في هذه القناة أرى طموحات إضافية»/ القناة 14.
لم أكتفِ بقراءة الخبرين، فقد أخذت أقرأ تعليقات القراء ومنها: – والعرب بجهزولك في أكبر شجب وتنديد. – كل اللي بصير وبفكر يهجم كمان، مضلش غير يضرب نووي. – يعني قصف طيران ومدافع مثلاً! – لشو كل هالقصص.. الشعب كله «..» أكتر من هيك سد ذرائع شو بدك – شو بدك بهالغلبة مش مستاهلة. – خلينا نشتري كرتونة بيض قبل الهجوم – طول بالك يا زلمه إحنا مش حمل – وينتا بدكم تهجرونا ونخلص – بدي أفهم أنا شو في بالضفة كل هالخوف لهدرجه مرعبتو الضفة
– شو في. بدو يشن هجوم. في طيارات عنا ولا صواريخ؟!
ومن التعليقات على كلام (كاتس):
– إذا حاولتم ستندد الجامعة العربية بفعلتكم – بدأ التلميح لتهجير السكان نحو الأردن – مني ميت ميت أموت في بلدي أشرف من أموت وأنا مشرد – هنا باقون إن شاء الله شاء من شاء وأبى من أبا/ أبى – سبحان الله يتكلمون على القتل ويضحكون – هاد خطتهم، وتعون الضفة مش فاضيين إلا لبعض ولبيع الأراضي لليهود… والمستوطنين بعربدوا عليهم ولما تقع مشكلة بين اتنين من الضفة جيران ولا قرايب بطلع السلاح الأبيض والأسود وهات حلها – يعني شايف كل اللي بعملو المستوطنين والرعيان وموش حاكي إشي بس بتحلف للضفة المساكين – أعلنها صراحة على المخطط لتهجير الضفة.
– مش غلط إذا العرب بحاربو بعض عشان اريحوكم هذه أرضنا لن نرحل مهما عملتم – ههههههههههههههه يازلمي مين عنده قدره يعمل إشي لليش بتتخوثو.
والتعليقات لم تخل من روح السخرية أحياناً والاستهتار أحياناً أخرى، ويمكن أن تختصر في المثل الشعبي «أكثر من هالقرد ما سخط الله»، وهي تعبر في الوقت نفسه عن التمسك بالأرض وعدم تركها، كما أنها تسخر من الذات القومية والذات الوطنية، فالأنظمة العربية وجامعتها لن تفعل سوى إصدار بيان تنديد، وبعض سكان الضفة الغربية منشغلون ببعضهم يقتتلون فيما بينهم على أمور تافهة عابرة فيم الأرض تنسحب من تحت أيديهم. كما تقول التعليقات إن أكثر المعلقين يدركون اللعبة المبيتة لأهل فلسطين، وكان أدركها مبكراً الشاعر إبراهيم طوقان (١٩٠٥ – ١٩٤١):
«أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو، أم محونا والإزالة؟»
ومع أن المرء يحار إزاء اختلاف وجهات النظر في الموقف الذي يجب اتخاذه من التهديدات، فهناك من يدعو إلى المقاومة السلمية وهناك من يسخر من دعاتها، إلا أن قارئ الأدب الفلسطيني يستحضر كتابات لافتة أتى فيها كتابها على ما يمكن فعله في حالة مشابهة للحالة التي نعيشها، مع عدم غض النظر عما جرى في قطاع غزة.
في روايته «المتشائل» (١٩٧٤) لجأ إميل حبيبي إلى السخرية، فرفع بطله سعيد الشرشف الأبيض على عصا مكنسة وفضل الجلوس على الخازوق، ولاحقاً كتب عبارته الشهيرة «باق في حيفا» مفضلاً خازوق البقاء على خوازيق المنافي.
وكنت كتبت في الأيام الفلسطينية ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٦ عن رواية أنطون شماس «أرابسك» وتوقفت أمام مشهد استقبال أهل قرية فسوطة لقوات العصابات الصهيونية، حتى يظلوا فيها ولا يرحلوا، وهو مشهد لفت نظر إلياس خوري فكتب عنه في روايته «أولاد الغيتو: إسمي آدم»: «بلاغة صمت الضحايا في ساحة الجامع الكبير في اللد أخذتني إلى بلاغة الرقص في ساحة قرية فسوطة الجليلية. رأيت غبار الصمت ينتشر ويغطي الجميع. غبار يشبه ذاك الذي تصاعد من تحت أقدام أهل فسوطة، وهم يستسلمون للجيش الإسرائيلي عبر دبكتهم الشمالية، فغطاهم الغبار الذي حجب معهم جنود الجيش، فتساوى المنتصر والمهزوم في الغياب والاختقاء..». (صفحة ٢٣٤)
وجيلنا لا ينسى ما قام به أبناء حركة فتح في العام ١٩٩٣ بعد توقيع اتفاقية أوسلو حيث قدموا أغصان الزيتون لجنود الجيش الإسرائيلي، ولا يخفى على أي متابع للشأن الفلسطيني سياسة الرئيس أبو مازن الذي يقر بالمقاومة السلمية ويرفض المقاومة المسلحة. في غزة لجأت حركة حماس إلى تبني المقاومة المسلحة ورأينا النتيجة، وفي الضفة تتبنى السلطة المقاومة السلمية وأنتم ترون النتيجة.
عندنا مثل يقول: «لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير»، ويبدو أن طوقان كان ذا بصيرة حين كتب:
أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو، أم محونا والإزالة؟
في يوم دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية في ١٩٦٧ زغرد أهالي مخيم عسكر ظانين أنه جيش جزائري.
هذه المرة سيحاكون أهالي فسوطة، فهم متأكدون من هوية الدبابات.
الله المستعان!
Aljarmaq center Aljarmaq center